التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ
٣٦
وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ
٣٧
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ
٣٨
يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ
٣٩
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ
٤٠
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤١
وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ
٤٢
-الرعد

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتمة الآيات السابقة وتعقب قولهم: {لولا أُنزل عليه آية من ربه}.
قوله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أُنزل إليك} إلى آخر الآية. الظاهر أن المراد بالذين أُوتوا الكتاب اليهود والنصارى أو هم والمجوس فإن هذا هو المعهود من إطلاقات القرآن والسورة مكية وقد أثبت التاريخ أن اليهود ما كانوا يعاندون النبوة العربية في أوائل البعثة وقبلها ذاك العناد الذي ساقتهم إليه حوادث ما بعد الهجرة وقد دخل جمع منهم في الإِسلام أوائل الهجرة وشهدوا على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكونه مبشراً به في كتبهم كما قال تعالى:
{ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم } } [الأحقاف: 10]. وإنه كان من النصارى يومئذ قوم على الحق من غير أن يعاندوا دعوة الإِسلام كقوم من نصارى الحبشة على ما نقل من قصة هجرة الحبشة وجمع من غيرهم، وقد قال تعالى في أمثالهم: { والذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } } [القصص: 52] وقال: { ومن قوم موسى أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [الأعراف: 159] وكذا كانت المجوس ينتظرون الفرج بظهور منج ينشر الحق والعدل وكانوا لا يعاندون الحق كما يعانده المشركون.
فالظاهر أن يكونوا هم المعنيون بالآية وخاصة المحقون من النصارى وهم القائلون بكون المسيح بشراً رسولاً كالنجاشي وأصحابه، ويؤيده ما في ذيل الآية من قوله: {قل إنما أُمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو} فإنه أنسب أن يخاطب به النصارى.
وقوله: {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} اللام للعهد أي ومن أحزاب أهل الكتاب من ينكر بعض ما أُنزل إليك وهو ما دل منه على التوحيد ونفي التثليث وسائر ما يخالف ما عند أهل الكتاب من المعارف والأحكام المحرفة.
وقوله: {قل إنما أُمرت أن أعبد الله ولا أُشرك به} دليل على أن المراد من البعض الذي ينكرونه ما يرجع إلى التوحيد في العبادة أو الطاعة وقد أمره الله أن يخاطبهم بالموافقة عليه بقوله:
{ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله } } [آل عمران: 64]. ثم تمم الكلام بقوله: {إليه أدعوا وإليه مآب} أي مرجعي فكان أول الكلام مفصحاً عن بغيته في نفسه ولغيره، وآخره عن سيرته أي أُمرت لأعبد الله وحده في عملي ودعوتي، وعلى ذلك أسير بين الناس فلا أدعو إلا إليه ولا أرجع في أمر من أموري إلا إليه فذيل الآية في معنى قوله: { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } } [يوسف: 108]. ويمكن أن يكون المراد بقوله: {وإليه مآب} المعاد ويفيد حينئذ فائدة التعليل أي إليه أدعو وحده لأن مآبي إليه وحده.
وقد فسر بعضهم الكتاب في الآية بالقرآن والذين أوتوا الكتاب بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأحزاب بالأعراب الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأداروا عليه الدوائر من قريش وسائر القبائل.
وفيه أنه خلاف المعهود من إطلاق القرآن لفظة {الذين أُوتوا الكتاب} على أن ذلك يؤدي إلى كون الآية مشتملاً على معنى مكرر.
وربما ذكر بعضهم أن المراد بهم اليهود خاصة والكتاب هو التوراة والمراد بإنكار بعض أحزابهم بعض القرآن وهو ما لا يوافق أحكامهم المحرفة مع أن الجميع ينكرون ما لا يوافق ما عندهم إنكاره من غير فرح وأما الباقون فكانوا فرحين ومنكرين وقد أطالوا البحث عن ذلك.
وعن بعضهم: إن المراد بالموصول عامة المسلمين، وبالأحزاب اليهود والنصارى والمجوس، وعن بعضهم أن تقدير قوله: {وإليه مآب} وإليه مآبي ومآبكم. وهذه أقوال لا دليل من اللفظ على شيء منها ولا جدوى في إطالة البحث عنها.
قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق} الإِشارة بقوله: {كذلك} إلى الكتاب المذكور في الآية السابقة وهو جنس الكتاب النازل على الأنبياء الماضين كالتوراة والإِنجيل.
والمراد بالحكم هو القضاء والعزيمة فإن ذلك هو شأن الكتاب النازل من السماء المشتمل على الشريعة كما قال:
{ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } [البقرة: 213] فالكتاب حكم إلهى بوجه وحاكم بين الناس بوجه فهذا هو المراد بالحكم دون الحكمة كما قيل.
وقوله: {عربياً} صفة لحكم وإشارة إلى كون الكتاب بلسان عربي وهو لسانه صلى الله عليه وآله وسلم سنة الله التي قد خلت في عباده، قال تعالى:
{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } [إبراهيم: 4] وهذا - كما لا يخفى - من الشاهد على أن المراد بالمذكورين في الآية السابقة اليهود والنصارى، وأن هذه الآيات متعرضة لشأنهم كما كانت الآيات السابقة عليها متعرضة لشأن المشركين.
وعلى هذا فالمراد بقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} الخ، النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب، وقد ذكر في القرآن من ذلك شيء كثير، وعمدة ذلك أنهم كانوا يقترحون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية غير القرآن كما كان المشركون يقترحونها، وكانوا يطمعون أن يتبعهم فيما عندهم من الأحكام لإِحالتهم النسخ في الأحكام، وهذان الأمران ولا سيما أولهما عمدة ما تتعرض له هذه الآيات.
والمعنى: وكما أنزلنا على الذين أُوتوا الكتاب كتابهم أنزلنا هذا القرآن عليك بلسانك مشتملاً على حكم أو حاكماً بين الناس ولئن اتبعت أهواء أهل الكتاب فتمنيت أن ينزل عليك آية غير القرآن كما يقترحون أو داهنتهم وملت إلى اتباع بعض ما عندهم من الأحكام المنسوخة أو المحرفة أخذناك بالعقوبة وليس لك ولي يلي أمرك من دون الله ولا واق يقيك منه فالخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو المراد به دون الأُمة كما ذكره بعضهم.
قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} لما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتباع أهوائهم فيما اقترحوا عليه من إنزال آية غير القرآن ذكّره بحقيقة الحال التي تؤيسه من الطمع في ذلك ويعزم عليه أن يتوكل على الله ويرجع إليه الأمور.
وهو أن سنة الله الجارية في الرسل أن يكونوا بشراً جارين على السنة المألوفة بين الناس من غير أن يتعدوها فيملكوا شيئاً مما يختص بالغيب كأن يكونوا ذا قوة غيبية فعالة لما تشاء قديرة على كل ما أرادت أو أُريد منها حتى تأتي بكل آية شاءت إلا أن يأذن الله له فليس للرسول وهو بشر كسائرهم من الأمر شيء بل لله الأمر جميعاً.
فهو الذي ينزل الآية إن شاء غير أنه سبحانه إنما ينزل من الآيات إذا اقتضته الحكمة الإِلهية وليست الأوقات مشتركة متساوية في الحكم والمصالح وإلا لبطلت الحكمة واختل نظام الخليقة بل لكل وقت حكمة تناسبه وحكم يناسبه فلكل وقت آية تخصه.
وهذا هو الذي تشير إليه الآية فقوله: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} إشارة إلى السنة الجارية في الرسل من البشرية العادية، وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} إشارة إلى حرمانهم من القدرة الغيبية المستقلة بكل ما أرادت إلا أن يمدهم الإِذن الإِلهي.
وقوله: {لكل أجل}أي وقت محدود {كتاب} أي حكم مقضي مكتوب يخصه إشارة إلى ما يلوّح إليه استثناء الإِذن وسنة الله الجارية فيه، والتقدير فالله سبحانه هو الذي ينزل ما شاء ويأذن فيما شاء لكنه لا ينزل ولا يأذن في كل آية في كل وقت فإن لكل وقت كتاباً كتبه لا يجري فيه إلا ما فيه.
ومما تقدم يظهر أن ما ذكره بعضهم أن قوله: {لكل أجل كتاب} من باب القلب وأصله: لكل كتاب أجل أي إن لكل كتاب منزل من عند الله وقتاً مخصوصاً ينزل فيه ويعمل عليه فللتوراة وقت وللإِنجيل وقت وللقرآن وقت. وجه لا يعبأ به.
قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب} محو الشيء هو إذهاب رسمه وأثره يقال: محوت الكتاب إذا أذهبت ما فيه من الخطوط والرسوم قال تعالى:
{ ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته } [الشورى: 24] أي يذهب بآثار الباطل كما قال {فأما الزبد فيذهب جفاء} وقال: { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12] أي أذهبنا أثر الإِبصار من الليل فالمحو قريب المعنى من النسخ يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت بأثره ورسمه.
وقد قوبل المحو في الآية بالإِثبات وهو إِقرار الشيء في مستقره بحيث لا يتحرك ولا يضطرب يقال: أثبت الوتد في الأرض إذا ركزته فيها بحيث لا يتحرك ولا يخرج من مركزه فالمحو هو إزالة الشيء بعد ثبوته برسمه ويكثر استعماله في الكتاب.
ووقوع قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} بعد قوله: {لكل أجل كتاب} واتصاله به من جانب وبقوله: {وعنده أُم الكتاب} من جانب ظاهر في أن المراد محو الكتب وإثباتها في الأوقات والآجال فالكتاب الذي أثبته الله في الأجل الأول إن شاء محاه في الأجل الثاني وأثبت كتاباً آخر فلا يزال يمحى كتاب ويثبت كتاب آخر.
وإذا اعتبرنا ما في الكتاب من آية وكل شيء آية صح أن يقال لا يزال يمحو آية ويثبت آية كما يشير إليه قوله:
{ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106] وقوله: { وإذا بدلنا آية مكان آية } } [النحل: 101]. فقوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} على ما فيه من الإِطلاق يفيد فائدة التعليل لقوله: {لكل أجل كتاب} والمعنى أن لكل وقت كتاباً يخصه فيختلف فاختلاف الكتب باختلاف الأوقات والآجال إنما ظهر من ناحية اختلاف التصرف الإِلهى بمشيته لا من جهة اختلافها في أنفسها ومن ذواتها بان يتعين لكل أجل كتاب في نفسه لا يتغير عن وجهه بل الله سبحانه هو الذي يعين ذلك بتبديل كتاب مكان كتاب ومحو كتاب وإثبات آخر.
وقوله: {وعنده أُم الكتاب} أي أصله فإن الأُم هي الأصل الذي ينشأ منه الشيء ويرجع إليه، وهو دفع للدخل وإبانة لحقيقة الأمر فإن اختلاف حال الكتاب المكتوب لأجل بالمحو والإِثبات أي تغير الحكم المكتوب والقول المقضي به حيناً بعد حين ربما أوهم أن الأمور والقضايا ليس لها عند الله سبحانه صورة ثابتة وإنما يتبع حكمه العلل والعوامل الموجبة له من خارج كأحكامنا وقضايانا معاشر ذوي الشعور من الخلق أو أن حكمه جزافي لا تعين له في نفسه ولا مؤثر في تعينه من خارج كما ربما يتوهم أرباب العقول البسيطة أن الذي له ملك - بكسر اللام - مطلق وسلطنة مطلقة له أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد على حرية مطلقة من رعاية أي قيد وشرط وسلوك أي نظام أولا نظام في عمله فلا صورة ثابتة لشيء من أفعاله وقضاياه عنده، وقد قال تعالى:
{ ما يبدل القول لدي } [ق: 29]، وقال: { وكل شيء عنده بمقدار } [الرعد: 8] إلى غير ذلك من الآيات.
فدفع هذا الدخل بقوله: {وعنده أم الكتاب} أي أصل جنس الكتاب والأمر الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تمحى وتثبت بحسب الأوقات والآجال ولو كان هو نفسه تقبل المحو والإِثبات لكان مثلها لا أصلاً لها ولو لم يكن من أصله كان المحو والإِثبات في أفعاله تعالى إما تابعاً لأمور خارجة تستوجب ذلك فكان تعالى مقهوراً مغلوبا للعوامل والأسباب الخارجية مثلنا والله يحكم لا معقب لحكمه.
وإما غير تابع لشيء أصلاً وهو الجزاف الذي يختل به نظام الخلقة والتدبير العام الواحد بربط الأشياء بعضها ببعض جلت عنه ساحته، قال تعالى:
{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } } [الدخان: 38ـ39]. فالملخص من مضمون الآية أن لله سبحانه في كل وقت وأجل كتاباً أي حكماً وقضاء وأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والأحكام والأقضية ويثبت ما يشاء أي يغير القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر لكن عنده بالنسبة إلى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والإِثبات وهو الأصل الذي يرجع إليه الأقضية الأخرى وتنشأ منه فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو.
ويتبين بالآية أولاً: إن حكم المحو والإِثبات عام لجميع الحوادث التي تداخله الآجال والأوقات وهو جميع ما في السماوات والأرض وما بينهما، قال تعالى:
{ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى } } [الأحقاف: 2]. وذلك لإِطلاق قوله: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} واختصاص المورد بآيات النبوة لا يوجب تخصيص الآية لأن المورد لا يخصص.
وبذلك يظهر فساد قول بعضهم: إن ذلك في الأحكام وهو النسخ وقول ثان: إن ذلك في المباحات المثبتة في صحائف الأعمال يمحوها الله ويثبت مكانها طاعة أو معصية مما فيه الجزاء، وقول ثالث: إنه محو ذنوب المؤمنين فضلاً وإثبات ذنوب للكفار عقوبة، وقول رابع: إنه في موارد يؤثر فيها الدعاء والصدقة في المحن والمصائب وضيق المعيشة ونحوها، وقول خامس: إن المحو إزالة الذنوب بالتوبة والإِثبات تبديل السيئات حسنات، وقول سادس: إنه محو ما شاء الله من القرون والإِثبات إنشاء قرون آخرين بعدهم، وقول سابع: إنه محو القمر وإثبات الشمس وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، وقول ثامن: إنه محو الدنيا وإثبات الآخرة، وقول تاسع: إن ذلك في الأرواح حالة النوم يقبضها الله فيرسل من يشاء منهم ويمسك من يشاء، وقول عاشر: إن ذلك في الآجال المكتوبة في ليلة القدر يمحو الله ما يشاء منها ويثبت ما يشاء.
فهذه وأمثالها أقوال لا دليل على تخصيص الآية الكريمة بها من جهة اللفظ البتة وللآية إطلاق لا ريب فيه ثم المشاهدة الضرورية تطابقه فإن ناموس التغير جار في جميع أرجاء العالم المشهود، وما من شيء قيس إلى زمانين في وجوده إلا لاح التغير في ذاته وصفاته وأعماله، وفي عين الحال إذا اعتبرت في نفسها وبحسب وقوعها وجدت ثابتة غير متغيرة فإن الشيء لا يتغير عما وقع عليه.
فللأشياء المشهودة جهتان جهة تغير يستتبع الموت والحياة والزوال والبقاء وأنواع الحيلولة والتبدل، وجهة ثبات لا تتغير عما هي عليه وهما إما نفس كتاب المحو والإِثبات وأم الكتاب، وإما أمران مترتبان على الكتابين وعلى أي حال تقبل الآية الصدق على هاتين الجهتين.
وثانياً: إن لله سبحانه في كل شيء قضاء ثابتاً لا يتغير وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن كل قضاء يقبل التغيير واستدل عليه بمتفرقات الروايات والأدعية الدالة على ذلك والآيات والأخبار الدالة على أن الدعاء والصدقة يدفعان سوء القضاء. وفيه أن ذلك في القضاء غير المحتوم.
وثالثاً: إن القضاء ينقسم إلى قضاء متغير وغير متغير وستستوفى تتمة البحث في الآية عن قريب إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} {إما} هو إن الشرطية وما الزائدة للتأكيد والدليل عليه دخول نون التأكيد في الفعل بعده.
وفي الآية إيضاح لما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوظيفة وهو الاشتغال بأمر الإِنذار والتبليغ فحسب فلا ينبغي له أن يتبع أهواءهم في نزول آية عليه كما اقترحوا حتى أنه لا ينبغي له أن ينتظر نتيجة بلاغه أو حلول ما أوعدهم الله من العذاب بهم.
وفي الآية دلالة على أن الحساب الإِلهي يجري في الدنيا كما يجري في الآخرة.
قوله تعالى: {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} الخ كلام مسوق للعبرة بعدما قدم إليهم الوعيد بالهلاك، ومنه يعلم أن إتيان الأرض ونقصها من أطرافها كناية عن نقص أهلها بالإِماتة والإِهلاك فالآية نظيرة قوله:
{ بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } } [الأنبياء: 44]. وقول بعضهم إن المراد به أو لم ير أهل مكة أنا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بفتح القرى واحدة بعد واحدة للمسلمين فليخافوا أن نفتح بلدتهم وننتقم منهم يدفعه أن السورة مكية وتلك الفتوحات إنما كانت تقع بعد الهجرة. على أن الآيات بوعيدها ناظرة إلى هلاكهم بغزوة بدر وغيرها لا إلى فتح مكة.
وقوله: {والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب} يريد به أن الغلبة لله سبحانه فإنه يحكم وليس قبال حكمه أحد يعقبه ليغلبه بالمنع والرد وهو سبحانه يحاسب كل عمل بمجرد وقوعه بلا مهلة حتى يتصرف فيه غيره بالإِخلال فقوله: {والله يحكم} الخ في معنى قوله في ذيل آية سورة الأنبياء المتقدمة: {أفهم الغالبون}.
قوله تعالى: {وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً} إلى آخر الآية. أي وقد مكر الذين من قبلهم فلم ينفعهم مكرهم ولم يقدروا على صدنا من أن نأتي الأرض فننقصها من أطرافها فالله سبحانه يملك المكر كله ويبطله ويرده إلى أهله فليعتبروا.
وقوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} في مقام التعليل لملكه تعالى كل مكر فإن المكر إنما يتم مع جهل الممكور به وأما إذا علم به فعنده بطلانه.
وقوله: {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} قطع للحجاج بدعوى أن مسألة انتهاء الأمور إلى عواقبها من الأمور الضرورية العينية لا تتخلف عن الوقوع وسيشهدونها شهود عيان فلا حاجة إلى الإِطالة والإِطناب في إعلامهم ذلك فسيعلمون.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت قريش حين أُنزل: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}: ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم {يمحو الله ما يشاء ويثبت} أنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا.
أقول: والآية كما تقدم بيانه أجنبية عن هذا المعنى، وفي ذيل هذا الحديث ويحدث الله في كل رمضان فيمحو الله ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسّم لهم، وفي رواية أُخرى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية: قال:
"يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه" . وهذا من قبيل التمثيل والآية أعم.
وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال:
"ذلك كل ليلة القدر يرفع ويخفض ويرزق غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة فإن ذلك لا يزول"
]. أقول: والرواية على معارضتها الروايات الكثيرة جداً المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت {عليهم السلام} والصحابة تخالف إطلاق الآية وحجة العقل، ومثلها ما عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقوة والسعادة والحياة والموت"
]. وفيه أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال له: "لأقرنّ عينيك بتفسيرها ولأقرنّ عين أُمتى بعدي بتفسيرها. الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء"
]. أقول: والرواية لا تزيد على ذكر بعض مصاديق الآية.
وفي الكافي بإسناده عن هشام بن سالم وحفص بن البحتري وغيرهما عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال: فقال: وهل يمحى إلا ما كان ثابتاً؟ وهل يثبت إلا ما لم يكن؟.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن جميل عنه عليه السلام.
وفي تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار قال. سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من الأُمور أمور محتومة كائنة لا محالة ومن الأمور أُمور موقوفة عند الله يقدم فيها ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت منها ما يشاء لم يطلع على ذلك أحداً يعني الموقوفة فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته.
أقول: وروى بطريق آخر وكذا في الكافي بإسناده عن الفضيل عنه عليه السلام ما في معناه.
وفيه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما كان وبما يكون إلى يوم القيامة فقلت له. أية آية؟ فقال: قال الله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب}.
أقول: معناه أن اللائح من الآية أن الله سبحانه لا يريد من خلقه إلا أن يعيشوا على جهل بالحوادث المستقبلة ليقوموا بواجب حياتهم بهداية من الأسباب العادية وسياقة من الخوف والرجاء، وظهور الحوادث المستقبلة تمام ظهورها يفسد هذه الغاية الإِلهية فهو سبب الكف عن التحديث لا الخوف من أن يكذبه الله بالبداء فإنه مأمون منه فلا تعارض بين الرواية وما قبلها.
وفيه عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى كتب كتاباً فيه ما كان وما هو كائن فوضعه بين يديه فما شاء منه قدم وما شاء منه أخّر ما شاء منه محى وما شاء منه كان وما لم يشأ لم يكن.
وفيه عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: أن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب، وقال: كل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يضعه، وليس شيء يبدو له الا وقد كان في علمه إن الله لا يبدو له من جهل.
أقول: والروايات في البدء عنهم عليهم السلام متكاثرة مستفيضة فلا يعبأ بما نقل عن بعضهم أنه خبر واحد.
والرواية كما ترى تنفي البداء بمعنى علمه تعالى ثانياً بما كان جاهلاً به أولا بمعنى تغير علمه في ذاته كما ربما يتفق فينا تعالى عن ذلك، وإنما هو ظهور أمر منه تعالى ثانياً بعد ما كان الظاهر منه خلافه أولاً فهو محو الأول وإثبات الثاني والله سبحانه عالم بهما جميعاً.
وهذا مما لا يسع لذي لب إنكاره فإن للأمور والحوادث وجوداً بحسب ما تقتضيه أسبابها الناقصة من علة أو شرط أو مانع ربما تخلف عنه، ووجوداً بحسب ما تقتضيه أسبابها وعللها التامة وهو ثابت غير موقوف ولا متخلف، والكتابان أعني كتاب المحو والإِثبات وأم الكتاب إما أن يكونا أمرين تتبعهما هاتان المرحلتان من وجود الأشياء اللتان إحداهما تقبل المحو والإِثبات والأخرى لا تقبل إلا الثبات. وإما أن يكونا عين تينك المرحلتين، وعلى أي حال ظهور امر أو إرادة منه تعالى بعد ما كان الظاهر خلافه واضح لا ينبغي الشك فيه.
والذي أحسب أن النزاع في ثبوت البداء كما يظهر من أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ونفيه كما يظهر من غيرهم نزاع لفظي ولهذا لم نعقد لهذا البحث فصلا مستقلاً على ما هو دأب الكتاب ومن الدليل على كون النزاع لفظياً استدلالهم على نفي البداء عنه تعالى بأنه يستلزم التغير في علمه مع أنه لازم البداء بالمعنى الذي يفسر به البداء فينا لا البداء بالمعنى الذي يفسره به الأخبار فيه تعالى.
وفي الدر المنثور أخرج الحاكم عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ {يمحو الله ما يشاء ويثبت} مخففة.
وفيه أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال:
"قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في قوله: {ننقصها من أطرافها} قال: ذهاب العلماء" .
وفي المجمع عن أبي عبد الله عليه السلام: ننقصها بذهاب علمائها وفقهائها وأخيارها.
وفي الكافي بإسناده عن محمد بن علي عمن ذكره عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: إنه ليسخّي نفسي في سرعة الموت أو القتل فينا قول الله عزوجل: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} فقال: فقد العلماء.
أقول: كأن المراد أنه يسخّي نفسي أن الله تعالى نسب توفي العلماء إلى نفسه لا إلى غيره فيهنأ لى الموت أو القتل.