التفاسير

< >
عرض

وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٦٥
وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ
٦٦
وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٦٧
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
٦٨
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٦٩
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
٧٠
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٧١
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
٧٢
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
٧٣
فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٧٤
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٧٥
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٧٦
وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٧٧
-النحل

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
رجوع بعد رجوع إلى عدّ النعم والآلاء الإِلهية واستنتاج التوحيد والبعث منها والإِشارة إلى مسألة التشريع وهي النبوَّة.
قوله تعالى: {والله أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها} الخ، يريد إنبات الأرض بعد ما انقطعت عنه بحلول الشتاء بماء السماء الذي هو المطر فتأخذ أُصول النباتات وبذورها في النمو بعد سكونها، وهي حياة من سنخ الحياة الحيوانية وإن كانت أضعف منها، وقد اتضح بالأبحاث الحديثة أن للنبات من جراثيم الحياة ما للحيوان وإن اختلفتا صورة وأثراً.
وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} المراد بالسمع قبول ما من شأنه أن يقبل من القول فإن العاقل الطالب للحق إذا سمع ما يتوقع فيه الحق أصغى واستمع إليه ليعيه ويحفظه، قال تعالى:
{ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أُولئك الذين هداهم الله وأُولئك هم أُولوا الألباب } } [الزمر: 18]. فإذا ذكّر من فيه قريحة قبول الحق حديث إنزال الله المطر وإحيائه الأرض بعد موتها كان له في ذلك آية للبعث وأن الذي أحياها لمحيي الموتى.
قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} الخ، الفرث هو الثفل الذي ينزل إلى الكرش والأمعاء فإذا دفع فهو سرجين وليس فرثاً، والسائغ اسم فاعل من السوغ يقال: ساغ الطعام والشراب إذا جرى في الحلق بسهولة.
وقوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي لكم في الإِبل والبقر والغنم لأمراً أمكنكم أن تعتبروا به وتتّعظوا ثم بيّن ذلك الأمر بقوله: {نسقيكم مما في بطونه} الخ، أي بطون ما ذكر من الأنعام أخذ الكثير شيئاً واحداً.
وقوله: {من بين فرث ودم} الفرث في الكرش وألبان الأنعام مكانها مؤخر البطن بين الرجلين، والدم مجراها الشرايين والأوردة وهي محيطة بهما جميعاً فأخذ اللبن شيئاً هو بين الفرث والدم كأنه باعتبار مجاورته لكل منهما واجتماع الجميع في داخل الحيوان وهذا كما يقال: اخترت زيداً من بين القوم ودعوته وأخرجته من بينهم إذا اجتمع معهم في مكان واحد وجاورهم فيه وإن كان جالساً في حاشية القوم لا وسطهم، والمراد بذلك أني ميّزته من بينهم وقد كان غير متميز.
والمعنى: نسقيكم مما في بطونه لبناً خارجاً من بين فرث ودم خالصاً غير مختلط ولا مشوب بهما ولا مستصحب لشيء من طعمهما ورائحتهما سائغاً للشاربين فذلك عبرة لمن اعتبر وذريعة إلى العلم بكمال القدرة ونفوذ الإِرادة وأن الذي خلّص اللبن من بين فرث ودم لقادر على أن يبعث الإِنسان ويحييه بعد ما صار عظاماً رميماً وضلّت في الأرض أجزاؤه.
قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} إلى آخر الآية، قال في المفردات: السكر - بضم السين - حالة تعرض بين المرء وعقله - إلى أن قال - والسكر - بفتحتين - ما يكون منه السكر، قال تعالى: {تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} انتهى.
وقال في المجمع: السكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر من الشراب، والثاني ما طعم من الطعام، قال الشاعر: "جعلت عيب الأكرمين سكراً" أي جعلت ذمهم طعماً لك، والثالث السكون ومنه ليلة ساكرة أي ساكنة، قال الشاعر: "وليست بطلق ولا ساكرة" ويقال: سكرت الريح سكنت، قال: "وجعلت عين الحرور تسكر"، والرابع المصدر من قولك: سكر سكراً ومنه التسكير التحيير في قوله: "سكّرت أبصارنا" انتهى. والظاهر أن الأصل في معناه هو زوال العقل باستعمال ما يوجب ذلك، وسائر ما ذكره من المعاني مأخوذة منه بنوع من الاستعارة والتوسّع.
وقوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} إما جملة إسميّة معطوفة على قوله: {والله أنزل من السماء ماء} كقوله في الآية السابقة: {وإن لكم في الأنعام لعبرة}، والتقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما - أو شيء - تتخذون منه الخ، قالوا: والعرب ربما يضمر ما الموصولة كثيراً، ومنه قوله تعالى:
{ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً } [الإنسان: 20]، والتقدير رأيت ما ثمّ، أو التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه، بناء على عدم جواز حذف الموصول وإبقاء الصلة على ما ذهب إليه البصريون من النحاة.
وإمّا جملة فعلية معطوفة على قوله: {أنزل من السماء}، كما في الآية التالية: {وأوحى ربك} والتقدير خلق لكم أو آتاكم من ثمرات النخيل والأعناب، وقوله: {تتخذون منه} الخ، بدل منه أو استئناف كأن قائلاً يقول: ماذا نستفيد منه فقيل: تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً، وإفراد ضمير "منه" بتأويل المذكور كقوله: {مما في بطونه} في الآية السابقة.
وقوله: {تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} أي تتخذون مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب ما هو مسكر كالخمر بأنواعها ورزقاً حسناً كالتمر والزبيب والدبس وغير ذلك مما يقتات به.
ولا دلالة في الآية على إباحة استعمال السكر ولا على تحسين استعماله إن لم تدل على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن وإنما الآية تعد ما ينتفعون به من ثمرات النخيل والأعناب وهي مكيّة تخاطب المشركين وتدعوهم إلى التوحيد.
وعلى هذا فالآية لا تتضمن حكماً تكليفياً حتى تكون منسوخة أو غير منسوخة وبه يظهر فساد القول بكونها منسوخة بآية المائدة كما نسب إلى قتادة.
وقد أغرب صاحب روح المعاني إذ قال: وتفسير السكر بالخمر هو المرويّ عن ابن مسعود وابن عمر، وأبي رزين والحسن ومجاهد والشعبيّ والنخعي وابن أبي ليلى وأبي ثور والكلبي وابن جبير مع خلق آخرين، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ذاك كانت حلالاً يشربها البرّ و الفاجر، وتحريمها إنما كان بالمدينة اتفاقاً، واختلفوا في أنه قبل أُحد أو بعدها، والآية المحرّمة لها: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه}، على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها وروى ذلك، غير واحد ممَّن تقدم كالنخعي وأبي ثور وابن جبير.
وقيل: نزلت قبل ولا نسخ بناء على ما روى عن ابن عباس أن السكر هو الخل بلغة الحبشة أو على ما نقل عن أبي عبيدة أن السكر المطعوم المتفكه به كالنقل وأنشد: "جعلت أعراض الكرام سكراً" - إلى أن قال - وإلى عدم النسخ ذهب الحنفيون وقالوا: المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة واستدلوا عليه بأن الله تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز انتهى موضع الحاجة.
أما ما ذكره في الخمر فقد فصلنا القول في ذلك في ذيل آيات التحريم من سورة المائدة، وأقمنا الشواهد هناك على أن الخمر كانت محرمة قبل الهجرة وكان الإِسلام معروفاً بتحريمها وتحريم الزنا عند المشركين عامتهم، وأن تحريمها نزل في سورة الأعراف وقد نزلت قبل سورة النحل قطعاً، وفي سورتي البقرة والنساء وقد نزلتا قبل سورة المائدة.
وأن التي نزلت في المائدة إنما نزلت لتشديد الحرمة وزجر بعض المسلمين حيث كانوا يتخلفون عن حكم التحريم كما وقع في الروايات وهو الذي يشير إليه بقوله: يشربها البر والفاجر وفي لفظ الآيات دلالة على ذلك إذ يقول {فهل أنتم منتهون}.
وأما ما نقله عن ابن عباس أن السكر في لغة الحبشة بمعنى الخل فلا معوّل عليه، واستعمال اللفظ غير العربي وإن كان غير عزيز في القرآن كما قيل في استبرق وجهنم وزقوم وغيرها لكنه إنما يجوز فيما لم يكن هناك مانع من لبس أو إبهام، وأما في مثل السكر وهو في اللغة العربية الخمر وفي الحبشية الخل فلا وكيف يجوز أن ينسب إلى أبلغ الكلام أنه ترك الخل وهو عربي جيد واستعمل مكانه لفظة حبشية تفيد في العربية ضد معناها؟
وأما ما نسبه إلى أبي عبيدة فقد تقدم ما عليه في أول الكلام فراجع.
وأما ما نسبه إلى الحنفية من أن المراد بالسكر النبيذ وأن الآية تدلّ على جواز شرب القليل منه ما لم يصل إلى حد الإِسكار لمكان الامتنان ففيه أن الآية لا تدلّ على أكثر من أنهم يتخذون منه سكراً، وأما الامتنان عليهم بذلك فبمعزل من دلالة الآية وإنما عدّ من النعم ثمرات النخيل والأعناب لا كل ما عملوا منها من حلال وحرام ولو كان في ذلك امتنان لم يقابله بالرزق الحسن الدال بمقابلته على نوع من العتاب على اتخاذهم منه سكراً كما اعترف به البيضاوي وغيره.
على أن ما في الآية من لفظ السكر غير مقيّد بكونه نبيذاً أو خمراً ولا قليلاً لا يبلغ حد الإِسكار ولا غيره فلو كان اتخاذ السكر متعلقاً للامتنان الدال على الجواز لكانت الآية صريحة في حليّة الجميع ثم لم يقبل النسخ أصلاً فإن لسان الامتنان لا يقبل أمداً يرتفع بعده، كيف يجوز أن يعدَّ الله شيئاً من نعمه ويمتنّ على الناس به ثم يعدّه بعد برهة رجساً ومن عمل الشيطان كما في آية المائدة إلا بالبداء بمعناه المستحيل عليه تعالى.
ثم ختم سبحانه الآية بقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} حثاً على التعقل والإِمعان في أمر النبات وثمراته.
قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً} إلى آخر الآيتين، الوحي - كما قال الراغب - الإِشارة السريعة وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز أو بصوت مجرّد عن التركيب أو بإشارة ونحوها، والمحصّل من موارد استعماله أنه إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قصد إفهامه فالإِلهام بإلقاء المعنى في فهم الحيوان من طريق الغريزة من الوحي وكذا ورود المعنى في النفس من طريق الرؤيا أو من طريق الوسوسة أو بالإِشارة كل ذلك من الوحي، وقد استعمل في كلامه تعالى في كل من هذه المعاني كقوله: {وأوحى ربك إلى النحل} الآية، وقوله:
{ وأوحينا إلى أُم موسى } [القصص: 7]، وقوله: { إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم } [الأنعام: 121]، وقوله: { فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّاً } [مريم: 11]، ومن الوحي التكليم الإِلهي لأنبيائه ورسله، قال تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } } [الشورى: 51]، وقد قرّر الأدب الديني في الإِسلام أن لا يطلق الوحي على غير ما عند الأنبياء والرسل من التكليم الإِلهي.
قال في المجمع: والذلل جمع الذلول، يقال: دابة ذلول بيّن الذل ورجل ذلول بيّن الذل والذلة. انتهى.
وقوله: {وأوحى ربك إلى النحل} أي ألهمه من طريق غريزته التي أودعها في بنيته، وأمر النحل وهو زنبور العسل في حياته الاجتماعية وسيرته وصنعته لعجيب، ولعل بداعة أمره هو الموجب لصرف الخطاب عنهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال "وأوحى ربك".
وقوله: {أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون} هذا من مضمون الوحي الذي أُوحي إليه، والظاهر أن المراد بما يعرشون هو ما يبنون لبيوت العسل.
وقوله: {ثم كلي من كل الثمرات} الأمر بأن تأكل من كل الثمرات مع أنها تنزل غالباً على الأزهار إنما هو لأنها إنما تأكل من مواد الثمرات أول ما تتكوَّن في بطون الأزهار ولما تكبر وتنضج.
وقوله: {فاسلكي سبل ربك ذللاً} تفريعه على الأمر بالأكل يؤيّد أن المراد به رجوعها إلى بيوتها لتودع فيها ما هيأته من العسل المأخوذ من الثمرات وإضافة السبل إلى الرب للدلالة على أن الجميع بإلهام إلهي.
وقوله: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} الخ، استئناف بعد ذكر جملة ما أُمرت به يبين فيه ما يترتب على مجاهدتها في امتثال أمر الله سبحانه ذللاً وهو أنه يخرج من بطونها أي بطون النحل "شراب" وهو العسل {مختلف ألوانه} بالبياض والصفرة والحمرة الناصعة وما يميل إلى السواد {فيه شفاء للناس} من غالب الأمراض.
وتفصيل القول في حياة النحلة هذه الحشرة الفطنة التي بنت حياتها على مدنية عجيبة فاضلة لا تكاد تحصى غرائبها ولا يحاط بدقائقها ثم الذي تهيؤه ببالغ مجاهدتها وما يشتمل عليه من الخواص خارج عن وسع هذا الكتاب فليراجع في ذلك مظان تحقيقه.
ثم ختم الآية بقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} وقد اختلف التعبير بذلك في هذه الآيات فخصّ الآية في إحياء الأرض بعد موتها بقوم يسمعون، وفي ثمرات النخيل والأعناب بقوم يعقلون، وفي أمر النحل بقوم يتفكرون.
ولعل الوجه في ذلك أن النظر في أمر الموت والحياة بحسب طبعه من العبرة والموعظة، وهي بالسمع أنسب، والنظر في الثمرات من حيث ما ينفع الإِنسان في وجوده من السير البرهانى من مسلك اتصال التدبير وارتباط الأنظمة الجزئية ورجوعها إلى نظام عام واحد لا يقوم إلا بمدبر واحد وهو للعقل أنسب، وأمر النحل في حياتها يتضمن دقائق عجيبة لا تنكشف للإِنسان إلا بالإِمعان في التفكر فهو آية للمتفكرين.
وقد أشرنا سابقاً إلى ما في آيات السورة من مختلف الالتفاتات، وعمدتها في هذه الآيات ترجع إلى خطاب المشركين رحمة لهم وإشفاقاً بحالهم وهم لا يعلمون، والإِعراض عن مخاطبتهم لكفرهم وجحودهم إلى خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ظاهر مشهود في آيات السورة فلا يزال الخطاب فيها يتقلب بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين فيتحول منه إليهم ومنهم إليه.
قوله تعالى: {والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً} الخ، الأرذل اسم تفضيل من الرذالة وهي الرداءة، والرذل الدون والرديء، والمراد بأرذل العمر بقرينة قوله: {لكي لا يعلم} الخ، سن الشيخوخة والهرم التي فيها انحطاط قوي الشعور والإِدراك، وهي تختلف باختلاف الأمزجة وتبتدئ على الأغلب من الخمس و السبعين.
والمعنى: والله خلقكم معشر الناس ثم يتوفاكم في عمر متوسط ومنكم من يُردّ إلى سن الهرم فينتهي إلى أن لا يعلم بعد علم شيئاً لضعف القوى، وهذا آية أن حياتكم وموتكم وكذا شعوركم وعلمكم ليست بأيديكم وإلا اخترتم البقاء على الوفاة والعلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب النظام منته إلى علمه وقدرته تعالى، ولهذا علله بقوله: {إن الله عليم قدير}.
قوله تعالى: {والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق} إلى آخر الآية، فضّل بعض الناس على بعض في الرزق وهو ما تبقى به الحياة ربما كان من جهة الكمية كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير، وربما كان من جهة الكيفية كأن يستقل بالتصرف فيه بعضهم ويتولى أمر الآخرين مثل ما يستقل المولى الحر بملك ما في يده والتصرف فيه بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شيء إلا بإذنه وكذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم و الأنعام والمواشي بالنسبة إلى مالكها.
وقوله: {فما الذين فضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} قرينة على أن المراد هو القسم الثاني من التفضيل وهو أن بعضهم فضّل بالحرية والاستقلال بملك ما رزق وليس يختار أن يردّ ما رزق باستقلاله وحريته إلى من يملكه ويملك رزقه، ولا أن يبذل له ما أُوتيه من نعمة حتى يتساويا ويتشاركا فيبطل ملكه ويذهب سؤدده.
فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها ولا برادّين لها على غيرهم، وليست إلا من الله سبحانه فإن أمر المولوية والرقيّة وإن كان من الشؤون الاجتماعية التي ظهرت عن آراء الناس والسنن الاجتماعية الجارية في مجتمعاتهم لكن له أصول طبيعية تكوينية هي التي بعثت آراءهم على اعتباره كسائر الأُمور الاجتماعية العامة.
ومن الشاهد على ذلك أن الأُمم الراقية منذ عهد طويل أعلنوا بإلغاء سنّة الاسترقاق ثم اتّبعتهم سائر الأُمم من الشرقيين وغيرهم وهم لا يزالون يحترمون معناها إلى هذه الغاية وإن ألغوا صورتها، ويجرون مسمّاها وإن هجروا اسمها ولن يزالوا كذلك فليس في وسع الإِنسان أن يسدَّ باب المغالبة، وقد قدّمنا كلاماً في هذا المعنى في آخر الجزء السادس من هذا الكتاب فليراجعه من شاء.
وكون هذا المعنى نعمة من الله إنما هو لأن من صلاح المجتمع الإِنساني أن يتسلط بعضهم على بعض فيصلح القوى الضعيف بصالح التدبير ويكمّله.
وعلى هذا فقوله: {فهم فيه سواء} متفرع على المنفي في قوله: {فما الذين فضّلوا برادِّي رزقهم} دون النفي، والمعنى: ليسوا برادِّي رزقهم على عبيدهم فيكونوا متساوين فيه متشاركين وفي ذلك ذهاب مولويتهم، ويحتمل أن يكون جملة استفهامية حذفت منها أداة الاستفهام وفيها إنكار أن يكون المفضلون والمفضل عليهم في ذلك متساويين، ولو كانوا سواء لم يمتنع المفضل من أن يردّ رزقه على من فضل عليه فإن في ذلك دلالة على أنها نعمة خصّه الله بها.
ولذلك عقّبه ثانياً بقوله: {أفبنعمة الله يجحدون} وهو استفهام توبيخي كالمتفرع لما تقدّمه من الاستفهام الإِنكاري، والمراد بنعمة الله هذا التفضيل المذكور بعينه.
والمعنى - والله أعلم - والله فرّق بينكم بأن فضّل بعضكم على بعض في الرزق فبعضكم حرّ مستقل في التصرف فيه، وبعضكم عبد تبع له لا يتصرف إلا عن إذن فليس الذين فضّلوا برادِّي رزقهم الذي رزقوه على سبيل الحرية والاستقلال على ما ملكت أيمانهم حتى يكون هؤلاء المفضلون والمفضل عليهم في الرزق سواء فليسوا سواء بل هي نعمة تختص بالمفضلين أفبنعمة الله يجحدون؟
هذا ما يفيده ظاهر الآية بما احتفّت به من القرائن، والسياق سياق تعداد النعم، وربما قرّر معنى الآية على وجه آخر:
فقيل: المعنى أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم وأزواجهم حتى يكونوا في ذلك سواء ويرون ذلك نقصاً لأنفسهم فكيف يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني ويعبدونهم ويتقرَّبون إليهم كما يعبدونني ويتقرَّبون إليَّ، كما فعلوا في عيسى بن مريم عليه السلام؟
قالوا: والآية على شاكلة قوله تعالى:
{ ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء } [الروم: 28]. قالوا: والآية نزلت في نصارى نجران.
وفيه أن سياق الآية هو سياق تعداد النعم لاستنتاج التوحيد لا المناقضة والتوبيخ فلا أثر فيها منه.
على أن الآية مما نزلت بمكة وأين ذاك من وفود نصارى نجران على المدينة سنة ست من الهجرة أو بعدها؟ وقياس هذه الآية من آية سورة الروم مع الفارق لاختلاف السياقين، فسياق هذه الآية سياق الاحتجاج بذكر النعمة وسياق آية الروم هو سياق التوبيخ على الشرك.
وقيل: إن المعنى فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم وعبيدهم بل الله تعالى هو رازق الملاك والمماليك فإن الذي ينفقه المولى على مملوكه إنما ينفقه مما رزقهم الله فالله رازقهم جميعاً فهم فيه سواء.
ومحصّله أن قوله: {فهم فيه سواء} حالّ محل إضراب مقدَّر والتقدير أن الموالي ليسوا برادِّي رزق أنفسهم على عبيدهم فيما ينفقون عليهم بل الله يرزق العبيد بأيدي مواليهم وهم سواء في الرزق من الله.
وفيه أن ما قرّر من المعنى مقتضاه أن يبطل التسوية أخيراً حكم التفضيل أولاً، ولا يستقيم عليه مدلول قوله {أفبنعمة الله يجحدون}.
وقيل: المراد أن الموالي ليسوا برادِّي ما بأيديهم من الرزق على مواليهم حتى يستووا في التمتع منه.
وفيه أنه يعود حينئذ إلى أن الإِنسان يمنع غيره من أن يتسلط على ما ملكه من الرزق، وحينئذ يكون تخصيص ذلك بالعبيد مستدركاً زائداً، ولو وجه بأنه إنما لا يرده عليه لمكان تسلطه على عبيده رجع إلى ما قدمناه من المعنى، ولكانت النعمة المعدودة هي الفضل من جهة مالكية المولى لعبده ولما عنده من الرزق.
قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} إلى آخر الآية. قال في المفردات: قال الله تعالى: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} جمع حافد وهو المتحرك المسرع بالخدمة أقارب كانوا أو أجانب. قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم وذلك أن خدمتهم أصدق - إلى أن قال - قال الأصمعي: أصل الحفد مداركة الخطو. انتهى.
وفي المجمع: وأصل الحفد الإِسراع في العمل - إلى أن قال - ومنه قيل للأعوان حفدة لإِسراعهم في الطاعة. انتهى. والمراد بالحفدة في الآية الأعوان الخدم من البنين لمكان قوله: {وجعل لكم من أزواجكم} ولذا فسر بعضهم قوله: {بنين وحفدة} بصغار الأولاد وكبارهم، وبعضهم بالبنين والأسباط وهم بنو البنين.
والمعنى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً تألفونها وتأنسون بها، وجعل لكم من أزواجكم بالإِيلاد بنين وحفدة وأعواناً تستعينون بخدمتهم على حوائجكم وتدفعون بهم عن أنفسكم المكاره ورزقكم من الطيبات وهي ما تستطيبونه من أمتعة الحياة وتنالونه بلا علاج وعمل كالماء والثمرات أو بعلاج وعمل كالأطعمة والملابس ونحوها، و"من" في {من الطيبات} للتبعيض وهو ظاهر.
ثم وبخهم بقوله: {أفبالباطل} وهي الأصنام والأوثان ومن ذلك القول بالبنات لله، والأحكام التي يشرعها لهم أئمتهم أئمة الضلال {يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون} والنعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم وجعل البنين والحفدة من أزواجهم فإن ذلك من أعظم النعم وأجلاها لكونه أساساً تكوينياً يبتني عليه المجتمع البشري، ويظهر به فيهم حكم التعاون والتعاضد بين الأفراد، وينتظم به لهم أمر تشريك الأعمال والمساعي فيتيسر لهم الظفر بسعادتهم في الدنيا والآخرة.
ولو أن الإِنسان قطع هذا الرابط التكويني الذي أنعم الله به عليه وهجر هذا السبب الجميل، وإن توسَّل بأي وسيلة غيره لتلاشي جمعه وتشتت شمله وفي ذلك هلاك الإِنسانية.
قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً في السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون} عطف على موضع الجملة السابقة والمعنى يكفرون بنعمة الله ويعبدون من دون الله ما لا يملك الخ.
وقد ذكروا أن {رزقاً} مصدر و {شيئاً} مفعوله والمعنى لا يملك لهم أن يرزق شيئاً، وقيل: الرزق بمعنى المرزوق و {شيئاً} بدل منه، وقيل: إن {شيئاً} مفعول مطلق والتقدير: لا يملك شيئاً من الملك. وخير الوجوه أوسطها.
ويمكن أن يقال: {في السماوات والأرض شيئاً} بدل من {رزقاً} وهو من بدل الكل من البعض يفيد معنى الإِضراب والترقي، والمعنى ويعبدون ما لا يملك لهم رزقاً بل لا يملك لهم في السماوات والأرض شيئاً.
وقوله: {ولا يستطيعون} أي ولا يستطيعون أن يملكوا رزقاً وشيئاً ويمكن أن يكون منسي المتعلق جارياً مجرى اللازم أي ولا استطاعة لهم أصلاً.
وقد اجتمع في الآية رعاية الاعتبارين في الأصنام فإنها من جهة أنها معمولة من حجر أو خشب أو ذهب أو فضة غير عاقلة وبهذا الاعتبار قيل: {ما لا يملك} الخ، ومن جهة أنهم يعدونها آلهة دون الله ويعبدونها والعبادة لا تكون إلا لعاقل منسلكة - على زعمهم - في سلك العقلاء، وبهذا الاعتبار قيل: {ولا يستطيعون}.
وفي الآية رجوع إلى التخلص لبيان الغرض من تعداد النعم وهو التوحيد وإثبات النبوة بمعنى التشريع والمعاد يجري ذلك إلى تمام أربع آيات ينهى في أُولاها عن ضربهم الأمثال لله سبحانه، ويضرب في الثانية مثل تبين به وحدانيته تعالى في ربوبيّته، وفي الثالثة مثل يتبين به أمر النبوَّة والتشريع، ويتعرض في الرابعة لأمر المعاد.
قوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} الظاهر السابق إلى الذهن أن المراد بضرب الأمثال التوصيف المصطلح عليه بالاستعارة التمثيلية وهي إجراء الأوصاف عليه تعالى بضرب من التشبيه كقولهم: إن له بنات كالإِنسان، وإن الملائكة بناته، وان بينه وبين الجنة نسباً وصهراً، وإنه كيف يحيي العظام وهي رميم إلى غير ذلك، وهذا هو المعنى المعهود من هذه الكلمة في كلامه تعالى، وقد تقدم في خلال الآيات السابقة قوله: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى}.
فالمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكر فلا تصفوه سبحانه بما تشبِّهونه بغيره وتقيسونه إلى خلقه لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون حقائق الأُمور وكنهه تعالى.
وقيل: المراد بالضرب الجعل، وبالأمثال ما هو جمع المثل بمعنى الندّ، فقوله: فلا تضربوا لله الأمثال في معنى قوله في موضع آخر:
{ فلا تجعلوا لله أنداداً } [البقرة: 22]، وهو معنى بعيد.
قوله تعالى: {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} إلى آخر الآية، ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وآخر رزق من الله رزقاً حسناً ينفق منه سراً وجهراً ثم يسأل هل يستويان؟ واعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أن كلاً من الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع تبيين الأوصاف بعضها لبعض.
فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه ولا لشيء من متاع الحياة وهو غير قادر على التصرف في شيء من المال، والذي فرض قباله حر يملك نفسه وقد رزقه الله رزقاً حسناً وهو ينفق منه سراً وجهراً على قدرة منه على التصرف بجميع أقسامه.
وقوله: {هل يستوون} سؤال عن تساويهما، ومن البديهي أن الجواب هو نفي التساوي ويثبت به أن الله سبحانه وهو المالك لكل شيء المنعم بجميع النعم لا يساوي شيئاً من خلقه وهم لا يملكون لا أنفسهم ولا غيرهم ولا يقدرون على شيء من التصرف فمن الباطل قولهم: إن مع الله آلهة غيره وهم من خلقه.
والتعبير بقوله: {يستوون} دون أن يقال: يستويان للدلالة على أن المراد من ذلك الجنس من غير أن يختص بمولى وعبد معينين كما قيل.
وقوله: {الحمد لله} أي له عزَّ اسمه جنس الحمد وحقيقته وهو الثناء على الجميل الاختياري لأن جميل النعمة من عنده ولا يحمد إلا الجميل فله تعالى كل الحمد كما أن له جنسه فافهم ذلك.
والجملة من تمام الحجة ومحصّلها أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في شيء وينعم بشيء، والمالك الذي يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه فيتصرف وينعم كيف شاء، والله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من نعمة إلا وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق والرزق والرحمة والمغفرة والإِحسان والإِنعام وغيرها، فله كل ثناء جميل، وما يعبدون من دونه مملوك لا يقدر على شيء فهو سبحانه الرب وحده دون غيره.
وقد قيل: إن الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى، وقيل: حمد على تمام الحجة وقوتها، وقيل: تلقين للعباد ومعناه قولوا: الحمد لله الذي دلّنا على توحيده وهدانا إلى شكر نعمه، وهي وجوه لا يعبأ بها.
وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} أي أكثر المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها لله لا يملك غيره شيئاً ولا يقدر على شيء بل يثبتون لأوليائهم شيئاً من الملك والقدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعاً وخوفاً، هذا حال أكثرهم وأما أقلهم من الخواص فإنهم على علم من الحق لكنهم يحيدون عنه بغياً وعناداً.
وقد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب في الله سبحانه وفيمن يزعمونه شريكاً له في الربوبية، وقيل: إنها مثل تمثّل به حال الكافر المخذول والمؤمن الموفق فإن الكافر لإِحباط عمله وعدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فلا يعدّ له إحسان وإن أنفق وبالغ بخلاف المؤمن الذي يوفقه الله لمرضاته ويشكر مساعيه فهو ينفق مما عنده من الخير سراً وجهراً.
وفيه أنه لا يلائم سياق الاحتجاج الذي للآيات، وقد تقدم أن الآية إحدى الآيات الثلاث المتوالية التي تتعرض لغرض تعداد النعم الإِلهية، وهي تذكّر بالتوحيد بمثل يقيس حال من ينعّم بجميع النعم من حال من لا يملك شيئاً ولا يقدر على شيء فيستنتج أن الرب هو المنعم لا غير.
قوله تعالى: {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم} إلى آخر الآية. قال في المجمع: الأبكم الذي يولد أخرس لا يفهّم ولا يفهّم، وقيل: الأبكم الذي لا يقدر أن يتكلم والكلّ الثقل يقال: كلَّ عن الأمر يكلُّ كلاً إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه. وكلَّت السكين كلولاً إذا غلظت شفرتها، وكل لسانه إذا لم ينبعث في القول لغلظه وذهاب حدّه فالأصل فيه الغلظ المانع من النفوذ، والتوجيه: الإِرسال في وجه من الطريق، يقال: وجّهته إلى موضع كذا فتوجّه إليه. انتهى.
فقوله: {وضرب الله مثلاً رجلين} مقايسة أُخرى بين رجلين مفروضين متقابلين في أوصافهما المذكورة.
وقوله: {أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} أي محروم من أن يفهم الكلام ويفهم غيره بالكلام لكونه أبكم لا يسمع ولا ينطق فهو فاقد لجميع الفعليات والمزايا التي يكتسبها الإِنسان من طريق السمع الذي هو أوسع الحواس نطاقاً، به يتمكن الإِنسان من العلم بأخبار من مضى وما غاب عن البصر من الحوادث وما في ضمائر الناس ويعلّم العلوم والصناعات، وبه يتمكن من إلقاء ما يدركه من المعاني الجليلة والدقيقة إلى غيره، ولا يقوى الأبكم على درك شيء منها إلا النزر اليسير مما يساعد عليه البصر بإعانة من الإِشارة.
فقوله: {لا يقدر على شيء} مخصص عمومه بالأبكم أي لا يقدر على شيء مما يقدر عليه غير الأبكم وهو جملة ما يحرمه الأبكم من تلقِّي المعلومات وإلقائها.
وقوله: {وهو كلّ على مولاه} أي ثقل وعيال على من يلي ويدبر أمره فهو لا يستطيع أن يدبر أمر نفسه، وقوله: {أينما يوجّهه لا يأت بخير} أي إلى أي جهة أرسله مولاه لحاجة من حوائج نفسه أو حوائج مولاه لم يقدر على رفعها فهو لا يستطيع أن ينفع غيره كما لا ينفع نفسه، فهذا أعني قوله: {أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} الخ، مثل أحد الرجلين، ولم يذكر سبحانه مثل الآخر لحصول العلم به من قوله: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} الخ، وفيه إيجاز لطيف.
وقوله: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} فيه إشارة إلى وصف الرجل المفروض وسؤال عن استوائهما إذا قويس بينهما وعدمه.
أما الوصف فقد ذكر له منه آخر ما يمكن أن يتلبس به غير الأبكم من الخير والكمال الذي يحلي نفسه ويعدو إلى غيره وهو العدل الذي هو التزام الحد الوسط في الأعمال واجتناب الإِفراط والتفريط فإن الأمر بالعدل إذا جرى على حقيقته كان لازمه أن يتمكن الصلاح من نفس الإِنسان ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الأُمور ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل وهو - كما عرفت - مطلق التجنب عن الإِفراط والتفريط أي العمل الصالح أعم من العدل في الرعية.
ثم وصفه بقوله: {وهو على صراط مستقيم} وهو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج، والإِنسان الذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإِنسانية من غير أن يناقض بعض أعماله بعضاً أو يتخلف عن شيء مما يراه حقاً، وبالجملة لا تخلف ولا اختلاف في أعماله.
وتوصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أولاً أن أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر ونسيان نفسه بل هو مستقيم في أحواله وأعماله يأتي بالعدل كما يأمر به.
وثانياً: أن أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه بل هو في نفسه على مستقيم الصراط ولازمه أن يحب لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق ويجتنبوا حاشيتي الإِفراط والتفريط.
وأما السؤال أعني ما في قوله: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} الخ، فهو سؤال لا جواب له إلا النفي لا شك فيه وبه يثبت أن ما يعبدونه من دون الله من الأصنام والأوثان وهو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه ولا أن يهدي غيره لا يساوي الله تعالى وهو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل وتشريع الشرائع.
ومنه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى:
{ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون } [يونس: 35] فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته وأفعاله، ومن استقامة صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون الخلق باطلاً، كما قال: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلاً} وأن يهدي كلاً إلى غايته التي تخصه كما خلقها وجعل لها غاية كما قال: { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50] فيهدي الإِنسان إلى سبيل قاصد كما قال: { وعلى الله قصد السبيل } [النحل: 9]، وقال: { { إنا هديناه السبيل } } [الإنسان: 3]. وهذا أصل الحجة على النبوة والتشريع، وقد مر تمامه في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.
فقد تحصل أن الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجة على التوحيد مع إشارة إلى النبوة والتشريع.
وقيل: إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير ومن لا يؤمل منه، وأصل الخير كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه وبين شيء سواه في العبادة؟
وفيه أن المورد أخص من ذلك فهو مثل مضروب فيمن هو على خير في نفسه وهو يأمر بالعدل وهو شأنه تعالى دون غيره على أنهم لا يساوون بينه وبين غيره في العبادة بل يتركونه ويعبدون غيره.
وقيل: إنه مثل مضروب في المؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر، والذي يأمر بالعدل هو المؤمن، وفيه أن صحة انطباق الآية على المؤمن والكافر بل على كل من يأمر بالعدل ومن يسكت عنه وجريها فيهما أمر، ومدلولها من جهة وقوعها في سياق تعداد النعم والاحتجاج على التوحيد وما يلحق به من الأُصول أمر آخر، والذي تفيده بالنظر إلى هذه الجهة أن مورد المثل هو الله سبحانه وما يعبدون من دونه لا غير.
قوله تعالى: {ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير} الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن الكريم وقد تكرر فيه: {عالم الغيب والشهادة} وقد تقدم مراراً أنهما أمران إضافيان فالأمر الواحد غيب وغائب بالنسبة إلى شيء وشهادة ومشهود بالنسبة إلى آخر.
واذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره ويخفي ببعض أعني أنه متضمن غيباً وشهادة كانت إضافة الغيب والشهادة إلى الشيء تارة بمعنى اللام فيكون مثلاً غيب السماوات والأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما، ويلحق بهذا الباب الإِضافة لنوع من الاختصاص، كما في قوله:
{ فلا يظهر على غيبه أحداً } } [الجن: 26]. وتارة بمعنى "من" أو ما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات والأرض الغيب الذي يشتملان عليه نوعاً من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة وبعبارة أُخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما.
والساعة هي من غيب السماوات والأرض بهذا المعنى الثاني:
أما أولاً: فلأنه سبحانه يعدها في كلامه من الغيب، وليست بخارج من أمر السماوات والأرض فهو من الغيب بهذا المعنى.
وأما ثانياً: فلأن ما يصفها به من الأوصاف إنما يلائم هذا المعنى الثاني ككونها يوماً ينبئهم الله بما كانوا فيه يختلفون ويوم تبلى السرائر ويوماً يخاطب فيه الإِنسان بمثل قوله: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}، ويوماً يخاطبون ربهم بقولهم: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} وبالجملة هي يوم يظهر فيه ما استتر من الحقائق في هذه النشأة ظهور عيان، ومن المعلوم أن هذه الحقائق غير خارجة من السماوات والأرض بل هي معهما ثابتة.
كيف؟ وهو تعالى يقول: {ولله غيب السماوات والأرض} فيثبته ملكاً لنفسه وليس ملكه من الملك الاعتباري يتعلق بكل أمر موهوم أو جزافي بل ملك حقيقي يتعلق بأمر ثابت فلها نوع من الثبوت وإن فرض جهلنا بحقيقة ثبوتها.
والشواهد القرآنية على هذا الذي ذكرناه كثيرة. وقد عدَّ سبحانه حياة هذه النشأة متاع الغرور ولعباً ولهواً، وكرّر أن أكثر الناس لا يعلمون ما هو يوم القيامة، وذكر أن الدار الآخرة هي الحيوان، وأنهم سيعلمون أن الله هو الحق المبين وسيبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الآيات على اختلاف ألسنتها.
وبالجملة الساعة من غيب السماوات والأرض، والآية أعني قوله: {ولله غيب السماوات والأرض} تقرر ملكه تعالى لنفس هذا الغيب لا لعلمه فلم يقل: ولله علم غيب السماوات والأرض، وسياق الآية يعطي أن الجملة أعني قوله: {ولله غيب} الخ، توطئة وتمهيد لقوله: {ما أمر الساعة إلا كلمح البصر} الخ، فالجملة مسوقة للاحتجاج.
وعلى هذا يعود معنى الآية إلى أن الله سبحانه يملك غيب السماوات والأرض ملكاً له أن يتصرف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما وكيف لا؟ وغيب الشيء لا يفارق شهادته وهو موجود ثابت معه وله الخلق والأمر، والساعة الموعودة ليست بأمر محال حتى لا يتعلق بها قدرة بل هي من غيب السماوات والأرض وحقيقتها المستورة عن الأفهام اليوم فهي مما استقر عليه ملكه تعالى، وله أن يتصرف فيه بالإِخفاء يوماً وبالإِظهار آخر.
وليست بصعبة عليه تعالى فإنما أمرها كلمح البصر أو أقرب من ذلك لأن الله على كل شيء قدير.
ومن هنا يظهر أن قوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير} مسوق لا لإِثبات أصل الساعة أو إمكانها بل لنفي صعوبتها والمشقة في إقامتها وهو أن أمرها عنده سبحانه.
فقوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} أي بالنسبة إليه وإلا فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كل أمر خطير ووصفها بأوصاف لا يعادلها فيها غيرها، قال تعالى:
{ ثقلت في السماوات والأرض } } [الأعراف: 187]. وتشبيه أمرها بلمح البصر إنما هو من جهة أن اللمحة وهي مدّ البصر وإرساله للرؤية أخفُّ الأعمال عند الإِنسان وأقصرها زماناً فهو تشبيه بحسب فهم السامع ولذلك عقّبه بقوله: {أو هو أقرب} فإن مثل هذا السياق يفهم منه الإِضراب فكأنه تعالى يقول: إن أمرها في خفة المؤنة والهوان والسهولة بالنسبة إلينا يشبه لمح أحدكم ببصره، وإنما أشبهه به رعاية لحالكم وتقريباً إلى فهمكم وإلا فالأمر أقرب من ذلك، كما قال فيها: { يقول كن فيكون } [الأنعام: 73]، فأمر الساعة بالنسبة إلى قدرته ومشيئته تعالى كأمر أيسر الخلق وأهونه.
وعلّل تعالى ذلك بقوله: {إن الله على كل شيء قدير} فقدرته على كل شيء توجب أن تكون الأشياء بالنسبة إليه سواء.
وإياك أن تتوهم أن عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء من حيث النسبة، فقلة الأسباب المتوسطة بين الفاعل وفعله والشرائط والموانع وكثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة، فالإِنسان مثلاً قادر على التنفس وحمل ما يطيقه من الأثقال وليسا سواء بالنسبة إليه وعلى هذا القياس.
فإن في ذلك غفلة عن معنى عموم القدرة، وتوضيحه أن القدرة التي فينا قدرة مقيدة، فإن قدرة الإِنسان مثلاً على أكل الغذاء وهي أن له نسبة الفاعلية إليه وهي في تأثيرها مشروطة بتحقق غذاء في الخارج وكونه بين يديه وممكن التناول وعدم ما يمنع من ذلك من إنسان أو غيره، وكون أدوات الفعل كاليد والفم وغيرهما غير مصابة بآفة إلى غير ذلك، والذي يملكه الإِنسان هو الإِرادة والزائد على ذلك وسائط وشرائط وموانع خارجة عن قدرته بالحقيقة وقيد يقيّدها، وإذا أراد الإِنسان أن يعمل قدرته فيأكل كان عليه أن يهيئ تلك الأمور التي تتقيد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء ووضعه قريباً منه ورفع الموانع وإعمال الأدوات البدنية مثلاً.
ومن المعلوم أن قلة هذه الأُمور وكثرتها وقربها وبُعدها وما أشبه ذلك من صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة وعدمها وضعف القدرة وقوتها فتقيّد القدرة هو الموجب للاختلاف.
وأما قدرته تعالى فإنها عين ذاته التي يجب وجودها ويمتنع عدمها، وإذا كان كذلك فلو تقيدت بقيد من وجود سبب أو شرط أو عدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها وهو محال فقدرته تعالى مطلقة غير محدودة بحد ولا مقيدة بقيد، عامة تتعلق بكل شيء على حد سواء من غير أن يكون شيء بالنسبة إليه أصعب من شيء أو أسهل، وأقرب إليه من شيء أو أبعد، وإنما الاختلاف بين الأشياء أنفسها بقياس بعضها إلى بعض.
وبتقريب آخر ما من شيء إلا وهو يفتقر إليه سبحانه في وجوده، فإذا فرضنا كل أمر موجود بحيث لا يشذ عنها شاذ في جانب ونسبناها إليه تعالى كان الجميع متعلقاً لقدرته، وليس هناك أمر ثالث يكون قيداً لقدرته من سبب أو شرط أو عدم مانع وإلا لكان شريكاً في التأثير، تعالى عن ذلك.
وأما الذي بين الأشياء أنفسها من الأسباب المتوسطة والشرائط والموانع فإنها توجب تقيد بعضها ببعض لا تقيد القدرة العامة الإِلهية التي تتعلق بها ثم تتعلق القدرة بالمقيد منها دون المطلق بمعنى أن متعلق القدرة هو زيد الذي أبوه فلان وأُمه فلان وهو في زمان كذا ومكان كذا، وهكذا فوجود زيد بجميع روابطه وجود جميع العالم والقدرة المتعلقة به متعلقة بالجميع بعينه، وليست هناك إلا قدرة واحدة متعلقة بالجميع يوجد بها كل شيء في موطنه الخاص به، وهي مطلقة غير مقيدة لا اختلاف للأشياء بالنسبة إليها وإنما الاختلاف بينها أنفسها.
فقد تبين مما تقدم أن عموم القدرة يوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء بالنسبة إليها بالسهولة والصعوبة وغير ذلك والآية الكريمة من غرر الآيات القرآنية يتبين بها:
أولاً: أن حقيقة المعاد ظهور حقيقة الأشياء بعد خفائها.
وثانياً: أن القدرة الإِلهية تتعلق بجميع الأشياء على نعت سواء من غير اختلاف بالسهولة والصعوبة والقرب والبعد وغير ذلك.
وثالثاً: أن الأشياء بحسب الحقيقة مرتبطة وجوداً بحيث أن إيجاد الواحد منها إيجاد الجميع والجميع متعلق قدرة واحدة لا مؤثر فيها غيرها.
نعم هناك نظر آخر أبسط من ذلك وهو النظر فيها من جهة نظام الأسباب والمسببات، وقد صدّقه الله في كلامه كما تقدم بيانه في البحث عن الإِعجاز في الجزء الأول من الكتاب، وبهذه النظرة ينفصل الأشياء بعضها عن بعض ويتوقف وجود بعضها على وجود بعض أو عدمه فتتقدم وتتأخر وتسهل وتصعب، وتكون الأسباب وسائط بينها وبينه تعالى ويكون تعالى فاعلاً بوساطة الأسباب، وهو نظر بسيط.
وقد ذكر كثير من المفسرين في قوله: {ولله غيب السماوات والأرض} أنه بحذف مضاف والتقدير ولله علم غيب الخ، وفيه أنه يستلزم ارتفاع الاتصال بين هذه الجملة وبين ما يليها إذ لا رابطة بين علم الغيب وبين هوان أمر الساعة، فتعود الجملة مستدركة مستغنى عنها في الكلام.
وقول بعضهم في رفع الاستدراك أن صدر الآية وذيلها يثبتان العلم والقدرة وبهما معاً يتم خلق الساعة غير مفيد فإنهم إنما استشكلوا في الساعة من جهة القدرة لعدِّهم إياها ممتنعة فلا حاجة إلى التشبث لإِثباتها بمسألة العلم، ويشهد لذلك ما في سائر الآيات المثبتة لإِمكان المعاد بعموم القدرة.
وذكر بعضهم: أن المراد به علم غيبهما لا بتقدير العلم في الكلام حتى يقال: إن الأصل عدمه بل لأن إضافة الغيب وهو ما يغيب عن الحسّ والعقل إلى السماوات والأرض تفيد أن المراد الأمور المجهولة التي فيهما مما يقع فيهما حالاً أو بعد حين وملكه تعالى له ملكه للعلم به.
وفيه أن المقدمة الأخيرة ممنوعة وقد تقدم بيانه على إن إشكال ارتفاع الاتصال بين الجملتين في محله بعد.
وأيضاً ذكر بعضهم في توجيه التعليل المستفاد من قوله: {إن الله على كل شيء قدير} أن من جملة الأشياء إقامة الساعة في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك.
وفيه أنه لا يفي بتعليل ما يستفاد من الحصر بالنفي والإِثبات وإنما يفي بتعليل ما لو قيل: إن الله سيجعل أمر الساعة كلمح البصر مع إمكان كونه لا كذلك فافهم ذلك.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {من بطونه من بين فرث ودم} قال: قال عليه السلام: الفرث ما في الكرش.
وفي الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس أحد يغص بشرب اللبن لأن الله عز وجل يقول: {لبناً خالصاً سائغاً للشاربين}.
وفي تفسير القمي بإسناده عن رجل عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} قال: نحن النحل الذي أوحى الله إليه أن اتخذي من الجبال بيوتاً أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة {ومن الشجر} يقول: من العجم {ومما يعرشون} من الموالي، والذي خرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، العلم الذي يخرج منا إليكم.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أُخر، وهي من باب الجري ويشهد به ما في بعض هذه الروايات من تطبيق النحل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والجبال على قريش، والشجر على العرب، ومما يعرشون على الموالي، وما يخرج من بطونها على العلم.
وفي تفسير القمي بإسناده عن على بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر.
وفي المجمع روى عن علي عليه السلام إن أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وروى عن النبي مثل ذلك.
أقول: روى ذلك في الدر المنثور عن الطبري عن علي عليه السلام، وروى عن ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً مفصلاً يدل على أن أرذل العمر مائة سنة.
وفي تفسير العياشي عن عبد الرحمان الأشل عن الصادق عليه السلام في قول الله: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} قال: الحفدة بنو البنت، ونحن حفدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه عن جميل بن درّاج عن أبي عبد الله عليه السلام في الحفدة قال: وهم العون منهم يعني البنين.
وفي المجمع في معنى الحفدة: هي أختان الرجل على بناته قال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
أقول: ولا تنافي بين الروايات كما تقدم في البيان.
وفي التهذيب بإسناده عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله عليه السلام في طلاق العبد ونكاحه قال: ليس له طلاق ولا نكاح أما تسمع الله تعالى يقول: {عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} قال: لا يقدر على طلاق ولا على نكاح إلا بإذن مولاه.
أقول: وفي هذا المعنى عدة روايات من طرق الشيعة.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} قال: قال عليه السلام: كيف يستوى هذا؟ ومن يأمر بالعدل أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام.
وفي تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب عن حمزة بن عطاء عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} الآية، قال: هو عليٌّ بن أبي طالب عليه السلام وهو على صراط مستقيم.
أقول: والروايتان من الجري وليستا من أسباب النزول في شيء لما تقدم في البيان السابق.
وكذا ما روي من طرق أهل السنة أن قوله: {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً} الآية، نزل في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً في عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه، وكذا ما روي أن الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد له.
وكذا ما روي في قوله: {وضرب الله مثلاً رجلين} الآية، أن الأبكم أُبيّ بن خلف ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون، وكذا ما روي أن الأبكم هاشم بن عمر بن الحارث القرشي وكان قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما روي أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، وما روي أن الآمر بالعدل عثمان بن عفان، والأبكم مولى له كافر وهو أُسيد بن أبي العيص، إلى غير ذلك.