التفاسير

< >
عرض

وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً
٢٣
وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً
٢٤
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً
٢٥
وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
٢٦
إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
٢٧
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً
٢٨
وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً
٢٩
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
٣٠
وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً
٣١
وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً
٣٢
وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً
٣٣
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً
٣٤
وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً
٣٥
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً
٣٦
وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً
٣٧
كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
٣٨
ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً
٣٩
-الإسراء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
عدة من كليات الدين يذكرها الله سبحانه وهي تتبع قوله قبل آيات {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} الآية.
قوله تعالى: {وقضى ربك أَلاَّ تعبدوا إلا إياه} {لا تعبدوا} الخ، نفي واستثناء و {أن} مصدرية وجوز أن يكون نهياً واستثناء وأن مصدرية أو مفسرة، وعلى أي حال ينحل مجموع المستثنى والمستثنى منه إلى جملتين كقولنا: تعبدونه ولا تعبدون غيره وترجع الجملتان بوجه آخر إلى حكم واحد وهو الحكم بعبادته عن إخلاص.
والقول سواء كان منحلاً إلى جملتين أو عائداً إلى جملة واحدة متعلق القضاء وهو القضاء التشريعي المتعلق بالأحكام والقضايا التشريعية، ويفيد معنى الفصل والحكم القاطع المولوي، وهو كما يتعلق بالأمر يتعلق بالنهي وكما يبرم الأحكام المثبتة يبرم الأحكام المنفية، ولو كان بلفظ الأمر فقيل: وأمر ربك أن لا تعبدوا إلا إِياه، لم يصح إلا بنوع من التأويل والتجوّز.
والأمر بإخلاص العبادة لله سبحانه أعظم الأوامر الدينية والإِخلاص بالعبادة أوجب الواجبات كما أن معصيته وهو الشرك بالله سبحانه أكبر الكبائر الموبقة، قال تعالى:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } } [النساء: 116]. وإليه يعود جميع المعاصي بحسب التحليل إِذ لولا طاعة غير الله من شياطين الجن والإِنس وهوى النفس والجهل لم يقدم الإِنسان على معصية ربه فيما أمره به أو نهاه عنه والطاعة عبادة قال تعالى: { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان } [يس: 60]، وقال { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } [الجاثية: 23]، حتى أن الكافر المنكر للصانع مشرك بإلقائه زمام تدبير العالم إلى المادة أو الطبيعة أو الدهر أو غير ذلك وهو مقر بسذاجة فطرته بالصانع تعالى.
ولعظم أمر هذا الحكم قدمه على سائر ما وعد من الأحكام الخطيرة شأناً كعقوق الوالدين ومنع الحقوق المالية والتبذير وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحترمة وأكل مال اليتيم ونقض العهد والتطفيف في الوزن واتباع غير العلم والكبير ثم ختمها بالنهي ثانياً عن الشك.
قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} عطف على سابقه أي وقضى ربك بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً أو أن أحسنوا بالوالدين إحساناً والإِحسان في الفعل يقابل الإِساءة.
وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات كما أن عقوقهما أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ولذلك ذكره بعد حكم التوحيد وقدمه على سائر الأحكام المذكورة المعدودة وكذلك فعل في عدة مواضع من كلامه.
وقد تقدم في نظير الآية من سورة الأنعام - الآية 151 من السورة - أن الرابطة العاطفية المتوسطة بين الأب والأم من جانب والولد من جانب آخر من أعظم ما يقوم به المجتمع الإِنساني على ساقه، وهي الوسيلة الطبيعية التي تمسك الزوجين على حال الاجتماع فمن الواجب بالنظر إلى السنة الاجتماعية الفطرية أن يحترم الإِنسان والديه بإِكرامهما والإِحسان إِليهما، ولو لم يجر هذا الحكم وهجر المجتمع الإِنساني بطلت العاطفة والرابطة للأولاد بالأبوين وانحل به عقد الاجتماع.
قوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً} {إما} مركب من "إن" الشرطية و "ما" الزائدة وهي المصححة لدخول نون التأكيد على فعل الشرط، والكبر هو الكبر في السن وأُف كلمة تفيد الضجر والانزجار، والنهر هو الزجر بالصياح ورفع الصوت والاغلاظ في القول.
وتخصيص حالة الكبر بالذكر لكونها أشق الحالات التي تمر على الوالدين فيحسان فيها الحاجة إلى إعانة الأولاد لهما وقيامهم بواجبات حياتيهما التي يعجزان عن القيام بها، وذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين يقومان بحضانتهم وتربيتهم في حالة الصغر وفي وقت لا قدرة لهم على شيء من لوازم الحياة وواجباتها.
فالآية تدل على وجوب إكرامهما ورعاية الأدب التام في معاشرتهما ومحاورتهما في جميع الأوقات وخاصة في وقت يشتد حاجتهما إلى ذلك وهو وقت بلوغ الكبر من أحدهما أو كليهما عند الولد ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} خفض الجناح كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولاً وفعلاً مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أمه لتغذيته، ولذا قيده بالذل فهو دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمهاتها، فالمعنى واجههما في معاشرتك ومحاورتك مواجهة يلوح منها تواضعك وخضوعك لهما وتذللك قبالهما رحمة بهما.
هذا إن كان الذل بمعنى المسكنة وإن كان بمعنى المطاوعة فهو مأخوذ من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظاً لها.
وقوله: {وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً} أي اذكر تربيتهما لك صغيراً فادع الله سبحانه أن يرحمهما كما رحماك وربياك صغيراً.
قال في المجمع: وفي هذا دلالة على أن دعاء الولد لوالده الميت مسموع وإلا لم يكن للأمر به معنى. انتهى. والذي يدل عليه كون هذا الدعاء في مظنة الإِجابة وهو أدب ديني ينتفع به الولد وإن فرض عدم انتفاع والديه به على أن وجه تخصيص استجابة الدعاء بالوالد الميت غير ظاهر والآية مطلقة.
قوله تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً} السياق يعطي أن تكون الآية متعلقة بما تقدمها من إيجاب إحسان الوالدين وتحريم عقوقهما، وعلى هذا فهي متعرضة لما إذا بدرت من الولد بادرة في حق الوالدين من قول أو فعل يتأذيان به، وإنما لم يصرح به للإِشارة إلى أن ذلك ما لا ينبغي أن يذكر كما لا ينبغي أن يقع.
فقوله: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} أي أعلم منكم به، وهو تمهيد لما يتلوه من قوله: {إن تكونوا صالحين} فيفيد تحقيق معنى الصلاح أي إن تكونوا صالحين وعلم الله من نفوسكم ذلك فإنه كان الخ، وقوله: {فإنه كان للأوابين غفوراً} أي للراجعين إليه عند كل معصية وهو من وضع البيان العام موضع الخاص.
والمعنى: إن تكونوا صالحين وعلم الله من نفوسكم ورجعتم وتبتم إليه في بادرة ظهرت منكم على والديكم غفر الله لكم ذلك إنه كان للأوابين غفوراً.
قوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} تقدم الكلام فيه في نظائره، وبالآية أن إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل مما شرع قبل الهجرة لأنها آية مكية من سورة مكية.
قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً} قال في المجمع: التبذير التفريق بالإِسراف، وأصله أن يفرق كما يفرق البذر إلا أنه يختص بما يكون على سبيل الإِفساد، وما كان على وجه الإِصلاح لا يسمى تبذيراً وإن كثر. انتهى.
وقوله: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} تعليل للنهي عن التبذير، والمعنى لا تبذر إنك إن تبذر كنت من المبذرين والمبذرون إخوان الشياطين، وكأن وجه المواخاة بينهم أن الواحد منهم يصير ملازماً لشيطانه وبالعكس كالأخوين اللذين هما شقيقان متلازمان في أصلهما الواحد كما يشير إليه قوله تعالى:
{ وقيضنا لهم قرناء } [فصلت: 25]، وقوله: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } [الصافات: 22] أي قرناءهم. وقوله: { وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } [الأعراف: 202]. ومن هنا يظهر أن تفسير من فسر الآية بأنهم قرناء الشياطين أحسن من قول من قال: المعنى أنهم أتباع الشياطين سالكون سبيلهم.
وأما قوله: {وكان الشيطان لربه كفوراً} فالمراد بالشيطان فيه هو إبليس الذي هو أبو الشياطين وهم ذريته وقبيله واللام حينئذ للعهد الذهني ويمكن أن يكون السلام للجنس والمراد به جنس الشيطان وعلى أي حال كونه كفوراً لربه من جهة كفرانه بنعم الله حيث أنه يصرف ما آتاه من قوة وقدرة واستطاعة في سبيل إغواء الناس وحملهم على المعصية ودعوتهم إلى الخطيئة وكفران النعمة.
وقد ظهرت مما تقدم النكتة في جمع الشيطان أولاً وإفراده ثانياً فإن الاعتبار أولاً بأن كل مبذر أخو شيطانه الخاص فالجميع إخوان للشياطين والاعتبار ثانياً بإبليس الذي هو أبو الشياطين أو بجنس الشيطان.
قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً} أصله إن تعرض عنهم و {ما} زائدة للتأكيد والنون للتأكيد.
والسياق يشهد بأن الكلام في إنفاق الأموال فالمراد بقوله: {وإما تعرضن عنهم} الإعراض عمن سأله شيئاً من المال ينفقه له ويسد به خلته؛ وليس المراد به كل إعراض كيف اتفق بل الإِعراض عندما ليس عنده شيء من المال يبذله له وليس بآيس من وجدانه بدليل قوله: {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} أي كنت تعرض عنهم لا لكونك مليئاً بالمال شحيحاً به؛ ولا لأنك فاقد له آيس من حصوله بل لأنك فاقد له مبتغ وطالب لرحمة من ربك ترجوها يعني الرزق.
وقوله: {فقل لهم قولاً ميسوراً} أي سهلاً ليناً أي لا تغلظ في القول ولا تجف في الرد كما قال تعالى:
{ وأما السائل فلا تنهر } [الضحى: 10] بل رده بقول سهل لين.
قال في الكشاف: قوله: {ابتغاء رحمة من ربك} أما أن يتعلق بجواب الشرط مقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً رحمة لهم وتطييباً لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم، وإما يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك - فسمى الرزق رحمة - فردهم رداً جميلاً فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسبباً عنه فوضع المسبب موضع السبب. انتهى.
قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً} جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن الإِمساك كمن لا يعطي ولا يهب شيئاً لبخله وشح نفسه، وبسط اليد كل البسط كناية عن إنفاق الإِنسان كل ما في وجده بحيث لا يبقى شيئاً كمن يبسط يده كل البسط بحيث لا يستقر عليها شيء ففي الكلام نهي بالغ عن التفريط والإِفراط في الإِنفاق.
وقوله: {فتقعد ملوماً محسوراً} متفرع على قوله: {ولا تبسطها} الخ والحسر هو الانقطاع أو العري أي ولا تبسط يدك كل البسط حتى يتعقب ذلك أن تقعد ملوماً لنفسك وغيرك منقطعاً عن واجبات المعاش أو عرياناً لا تقدر على أن تظهر للناس وتعاشرهم وتراودهم.
وقيل: إن قوله: {فتقعد ملوماً محسوراً} متفرع على الجملتين لا على الجملة الأخيرة فحسب والمعنى إن أمسكت فقعدت ملوماً مذموماً وإن أسرفت بقيت متحسراً مغموماً.
وفيه أن كون قوله: {ولا تبسطها كل البسط} ظاهراً في النهي عن التبذير والإِسراف غير معلوم وكذا إنفاق جميع المال في سبيل الله إسرافاً وتبذيراً غير ظاهر وإن كان منهياً عنه بهذه الآية كيف ومن المأخوذ في مفهوم التبذير أن يكون على وجه الإِفساد، ووضع المال ولو كان كثيراً أو جميعه في سبيل الله وإنفاقه على من يستحقه ليس بإفساد له، ولا وجه للتحسر والغم على ما لم يفسد ولا أفسد.
قوله تعالى: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل لما تقدم في الآية السابقة من النهي عن الإفراط والتفريط في إنفاق المال وبذله.
والمعنى: أن هذا دأب ربك وسنته الجارية يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لمن يشاء فلا يبسطه كل البسط ولا يمسك عنه كل الإِمساك رعاية لمصلحة العباد إنه كان بعباده خبيراً بصيراً وينبغي لك أن تتخلق بخلق الله وتتخذ طريق الاعتدال وتتجنب الإِفراط والتفريط.
وقيل: إنها تعليل على معنى أن ربك يبسط ويقبض، وذلك من الشؤون الإِلهية المختصة به تعالى، وليس لك أن تتصف به والذي عليك أن تقتصد من غير أن تعدل عنه إلى إفراط أو تفريط، وقيل في معنى التعليل غير ذلك، وهي وجوه بعيدة.
قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئاً كبيراً} الإِملاق الفاقة والفقر، وقال في المفردات: الخطأ العدول عن الجهة وذلك أضرب: أحدها أن تريد غير ما تحسن إرادته وفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإِنسان يقال: خطئ يخطأ وخطأه، قال تعالى: {إن قتلهم كان خطأ كبيراً} وقال: {وإن كنا لخاطئين} والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولمن يقع منه خلاف ما يريد فيقال: أخطأ اخطاء فهو مخطئ وهذا قد أصاب في الإِرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعني بقوله: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة}، والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطئ في الإِرادة مصيب في الفعل فهو مذموم بقصده غير محمود على فعله.
وجملة الأمر أن من أراد شيئاً فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلاً لا يحسن أو أراد إرادة لا يجمل: إنه أخطأ، ولذا يقال: أصاب الخطأ وأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطا الخطأ وهذه اللفظة مشتركة كما ترى مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها. انتهى بتلخيص.
وفي الآية نهي شديد عن قتل الأولاد خوفاً من الفقر والحاجة وقوله {نحن نرزقهم وإياكم} تعليل للنهي وتمهيد لقوله بعده: {إن قتلهم كان خطأ كبيراً}.
والمعنى: ولا تقتلوا أولادكم خوفاً من أن تبتلوا بالفقر والحاجة فيؤديهم ذلك إلى ذل السؤال أو ازدواج بناتكم من غير الأكفاء أو غير ذلك مما يذهب بكرامتكم فإنكم لستم ترزقونهم حتى تفقدوا الرزق عند فقركم وإعساركم بل نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيراً.
وقد تكرر في كلامه تعالى النهي عن قتل الأولاد خوفاً من الفقر وخشية من الإِملاق، وهو مع كونه من قتل النفس المحترمة التي يبالغ كلامه تعالى في النهي عنه إنما أفرد بالذكر واختص بنهي خاص لكونه من أقبح الشقوة وأشد القسوة، ولأنهم - كما قيل - كانوا يعيشون في أراضي يكثر فيها السنة ويسرع إليها الجدب فكانوا إذا لاحت لوائح الفاقة والإِعسار بجدب وغيره بادروا إلى قتل الأولاد خوفاً من ذهاب الكرامة والعزة.
وفي الكشاف: قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم كانوا يئدونهن خشية الفاقة وهي الإِملاق فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم انتهى، والظاهر خلاف ما ذكره وأن الآيات المعترضة لوأد البنات آيات خاصة تصرح به وبحرمته كقوله تعالى:
{ وإِذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } [التكوير: 8-9]، وقوله: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً فهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } [النحل: 58-59]. وأما الآية التي نحن فيها وأترابها فإنها تنهى عن قتل الأولاد خشية إملاق، ولا موجب لحمل الأولاد على البنات مع كونه أعم، ولا حمل الهون على خوف الفقر مع كونهما متغايرين فالحق أن الآية تكشف عن سنة سيئة أخرى غير وأد البنات دفعاً للهون وهي قتل الأولاد من ذكر وأنثى خوفاً من الفقر والفاقة والآيات تنهى عنه.
قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} نهي عن الزنا وقد بالغ في تحريمه حيث نهاهم عن أن يقربوه، وعلله بقوله: {إنه كان فاحشة} فأفاد أن الفحش صفة لازمة له لا يفارقه، وقوله: {وساء سبيلاً} فأفاد أنه سبيل سيىء يؤدي إلى فساد المجتمع في جميع شؤونه حتى ينحل عقده ويختل نظامه وفيه هلاك الإِنسانية وقد بالغ سبحانه في وعيد من أتى به حيث قال في صفات المؤمنين:
{ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً } [الفرقان: 68-70]. (كلام في حرمه الزنا)
وهو بحث قرآني اجتماعي.
من المشهود أن في كل من الزوجين من الإِنسان أعني الذكر والأنثى إذا أدرك وصحت بنيته ميلاً غريزياً إلى الآخر وليس ذلك مما يختص بالإِنسان بل ما نجده من عامة الحيوان أيضاً على هذه الغريزة الطبيعية.
وقد جهز بحسب الأعضاء والقوى بما يدعوه إلى هذا الاقتراب والتمايل والتأمل في نوع تجهيز الصنفين لا يدع ريباً في أن هذه الشهوة الطبيعية وسيلة تكوينية إلى التوالد والتناسل الذي هو ذريعة إلى بقاء النوع، وقد جهز بأمور أُخرى متممة لهذه البغية الطبيعية كحب الولد وتجهيز الأُنثى من الحيوان ذي الثدي باللبن لتغذي طفلها حتى يستطيع التقام الغذاء الخشن ومضغه وهضمه فكل ذلك تسخير إلهي يتوسل به إلى بقاء النوع.
ولذلك نرى أن الحيوان مع عدم افتقاره إلى الإِجتماع والمدنية لسذاجة حياته وقلة حاجته يهتدي حيناً بعد حين بحسب غريزته إلى الاجتماع الزوجي - السفاد - ثم يلتزم الزوجان أو الأُنثى منهما الطفل أو الفرخ ويتكفلان أو تتكفل الأُنثى تغذيته وتربيته حتى يدرك ويستقل بإدارة رحى حياته.
ولذلك أيضاً لم يزل الناس منذ ضبط التاريخ سيرهم وسننهم تجرى فيهم سنة الازدواج التي فيها نوع من الاختصاص و الملازمة بين الرجل والمرأة لتجاب به داعية الغريزة ويتوسل به إلى إنسال الذرية، وهو أصل طبيعي لانعقاد المجتمع الإِنساني فإن من الضروري أن الشعوب المختلفة البشرية على ما لها من السعة والكثرة تنتهي إلى مجتمعات صغيرة منزلية انعقدت في سالف الدهور.
وما مر من أن في سنة الازدواج شيء من معنى الاختصاص هو المنشأ لما كان الرجال يعدون أهلهم أعراضاً لأنفسهم ويرون الذب عن الأهل وصونها من تعرض غيرهم فريضة على أنفسهم كالذب عن أنفسهم أو أشد، والغريزة الهائجة إذ ذاك هي المسماة بالغيرة وليست بالحسد والشح.
ولذلك أيضاً لم يزالوا على مر القرون والأجيال يمدحون النكاح ويعدونه سنة حسنة ممدوحه، ويستقبحون الزنا وهو المواقعة من غير علقه النكاح ويستشنعونه في الجملة ويعدونه إثماً اجتماعياً وفاحشة أي فعلاً شنيعاً لا يجهر به وإن كان ربما وجد بين بعض الأقوام الهمجية في بعض الأحيان وعلى شرائط خاصة بين الحرائر والشبان أو بين الفتيات من الجواري على ما ذكر في تواريخ الأمم والأقوام.
وإنما استفحشوه وأنكروه لما يستتبعه من فساد الأنساب وقطع النسل وظهور الأمراض التناسلية ودعوته إلى كثير من الجنايات الاجتماعية من قتل وجرح وسرقة وخيانة وغير ذلك وذهاب العفة والحياء والغيرة والمودة والرحمة.
غير أن المدنية الغربية الحديثة لابتنائها على التمتع التام من مزايا الحياة المادية وحرية الأفراد في غير ما تعتني به القوانين المدنية سواء فيه السنن القومية والشرائع الدينية والأخلاق الإِنسانية أباحته إذا وقع من غير كره كيفما كان، وربما أضيف إلى ذلك بعض شرائط جزئية أخرى في موارد خاصة، ولم تبال بما يستتبعه من وجوه الفساد عناية بحرية الأفراد فيما يهوونه ويرتضونه والقوانين الاجتماعية تراعي رأي الأكثرين.
فشاعت الفاحشة بين الرجال والنساء حتى عمت المحصنين والمحصنات والمحارم حتى كاد أن لا يوجد من لم يبتل به وكثر مواليدها كثرة كاد أن تثقل كفة الميزان وأخذت تضعف الأخلاق الكريمة التي كانت تتصف بها الإِنسانية الطبيعية وترتضيها لنفسه بتسنين سنة الازدواج من العفة والغيرة والحياء يوماً فيوماً حتى صار بعض هذه الفضائل اضحوكة وسخرية، ولولا أن في ذكر الشنائع بعض الشناعة ثم في خلال الأبحاث القرآنية خاصة لأوردنا بعض ما نشرته المنشورات من الإِحصاءات في هذا الباب.
والشرائع السماوية على ما يذكره القرآن الكريم - وقد مرت الإِشارة إلى ذلك في تفسير الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام - تنهى عن الزنا أشد النهي وقد كان محرماً في ملة اليهود ويستفاد من الأناجيل حرمته.
وقد نهي عنه في الإِسلام وعد من المعاصي الكبيرة وأغلظ في التحريم في المحارم كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة، وفي التحريم في الزنا، مع الإِحصان وهو زنا الرجل وله زوجة والمرأة ذات البعل، وقد أُغلظ فيما شرع له من الحد وهو الجلد مائة جلدة والقتل في المرة الثالثة أو الرابعة لو أُقيم الحد مرتين أو ثلاثاً والرجم في الزنا مع الإِحصان.
وقد أشار سبحانه إلى حكمة التحريم فيما نهى عنه بقوله: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} حيث عده أولاً فاحشة ثم وصفه ثانياً بقوله: {وساء سبيلاً} والمراد - والله أعلم - سبيل البقاء كما يستفاد من قوله:
{ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } [العنكبوت: 29]، أي وتتركون إتيان النساء الذي هو السبيل فتنقطع بذلك وليس إلا سبيلاً للبقاء من جهة تسببه إلى تولد المواليد وبقاء النسل بذلك، ومن جهة أن الازدواج وعقد المجتمع المنزلى هو أقوى وسيلة يضمن بقاء المجتمع المدني بعد انعقاده.
فمع انفتاح باب الزنا لا تزال الرغبات تنقطع عن النكاح والازدواج إذ لا يبقى له إلا محنة النفقة ومشقة حمل الأولاد وتربيتها ومقاساة الشدائد في حفظها والقيام بواجب حياتها والغريزة تقنع من سبيل آخر من غير كد وتعب، وهو مشهود من حال الشبان والفتيات في هذه البلاد، وقد قيل لبعضهم: لم لا تتزوج؟ فقال: وما أصنع بالازدواج وكل نساء البلد نسائي، ولا يبقى حينئذ للازدواج والنكاح إلا شركة الزوجين في مساعي الحياة الجزئية غير التناسل كالشركة في تجارة أو عمل ويسرع إليهما الافتراق لأدنى عذر، وهذا كله مشهود اليوم في المجتمعات الغربية.
ومن هنا أنهم يعدون الازدواج شركة في الحياة منعقدة بين الزوجين الرجل والمراة وجعلوها هي الغاية المطلوبة بالذات من الازدواج دون الإِنسال وتهيئة الأولاد ولا إجابة غريزة الميل الطبيعي بل عدوا ذلك من الآثار المترتبة عليه إن توافقا على ذلك وهذا انحراف عن سبيل الفطرة والتأمل في حال الحيوان على اختلاف أنواعه يهدي إلى أن الغاية المطلوبة منه عندها هو إرضاء الغريزة الهائجة وإنسال الذرية وكذا الإِمعان في حال الإِنسان أول ما يميل إلى ذلك يعطي أن الغاية القريبة الداعية إليه عنده هو إرضاء الغريزة ويعقبه طلب الولد.
ولو كانت الغريزة الإِنسانية التي تدفعه إلى هذه السنة الطبيعية إنما تطلب الشركة في الحياة والتعاون على واجب المأكل والمشرب والملبس والمسكن وما هذا شأنه يمكن أن يتحقق بين رجلين أو بين امراتين لظهر أثره في المجتمع البشري واستن عليه ولا أقل في بعض المجتمعات في طول تاريخ الإِنسان وتزوج رجل برجل أحياناً أو امرأة بامرأة ولم تجر سنة الازدواج على وتيرة واحدة دائماً ولم تقم هذه الرابطة بين طرفين أحدهما من الرجال والآخر من النساء أبداً.
ومن جهة أخرى أخذ مواليد الزنا في الازدياد يوماً فيوماً يقطع منابت المودة والرحمة وتعلق قلوب الأولاد بالآباء ويستوجب ذلك انقطاع المودة والرحمة من ناحية الآباء بالنسبة إلى الأولاد وهجر المودة والرحمة بين الطبقتين الآباء والأولاد يقضي بهجر سنة الازدواج للمجتمع وفيه انقراضهم وهذا كله أيضاً مما يلوح من المجتمعات الغربية.
ومن التصور الباطل أن يتصور أن البشر سيوفق يوماً أن يدير رحى مجتمعه بأصول فنية وطرق علمية من غير حاجة إلى الاستعانة بالغرائز الطبيعية فيهيأ يومئذ طبقة المواليد مع الاستغناء عن غريزة حب الأولاد بوضع جوائز تسوقهم إلى التوليد والانسال أو بغير ذلك كما هو معمول بعض الممالك اليوم فإن السنن القومية والقوانين المدنية تستمد في حياتها بما جهز به الإِنسان من القوى والغرائز الطبيعية فلو بطلت أو أبطلت انفصم بذلك عقد مجتمعه، وهيئة المجتمع قائمة بأفراده وسننه مبنية على إجابتهم لها ورضاهم بها وكيف تجري في مجتمع سنة لا ترتضيها قرائحهم ولا تستجيبها نفوسهم ثم يدوم الأمر عليه.
فهجر الغرائز الطبيعية وذهول المجتمع البشري عن غاياته الأصلية يهدد الإِنسانية بهلاك سيغشاها ويهتف بأن أمامها يوماً سيتسع فيه الخرق على الراقع وإن كان اليوم لا يحس به كل الإِحساس لعدم تمام نمائه بعد.
ثم إن لهذه الفاحشة أثراً آخر سيئاً في نظر التشريع الإِسلامي وهو إفساده للانساب وقد بنى المناكح والمواريث في الإِسلام عليها.
قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} إلى آخر الآية نهي عن قتل النفس المحترمة إلا بالحق أي إلا أن يكون قتلا بالحق بأن يستحق ذلك لقود أو ردة أو لغير ذلك من الأسباب الشرعية، ولعل في توصيف النفس بقوله: {حرم الله} من غير تقييد إشارة إلى حرمة قتل النفس في جميع الشرائع السماوية فيكون من الشرائع العامة كما تقدمت الإِشارة إليه في ذيل الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام.
وقوله: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً} المراد بجعل السلطان لوليه تسليطه شرعاً على قتل قاتل وليه قصاصاً والضميران في {فلا يسرف} و {إنه} للولي، والمراد بكونه منصوراً هو التسليط الشرعي المذكور.
والمعنى: ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا بحسب التشريع لوليه وهو ولي دمه سلطنة على القصاص وأخذ الدية والعفو فلا يسرف الولي في القتل بأن يقتل غير القاتل أو يقتل أكثر من الواحد إنه كان منصوراً أي فلا يسرف فيه لأنه كان منصوراً فلا يفوته القاتل بسبب أنا نصرناه أو فلا يسرف اعتماداً على أنا نصرناه.
وربما احتمل بعضهم رجوع الضمير في قوله: {فلا يسرف} إلى القاتل المدلول عليه بالسياق، وفي قوله: {إنه} إلى {من} والمعنى قد جعلنا لولي المقتول ظلماً سلطنة فلا يسرف القاتل الأول بإقدامه على القتل ظلماً فإن المقتول ظلماً منصور من ناحيتنا لما جعلنا لوليه من السلطنة، وهو معنى بعيد من السياق ودونه إرجاع ضمير {إنه} فقط إلى المقتول.
وقد تقدم كلام في معنى القصاص في ذيل قوله تعالى:
{ ولكم في القصاص حياة } [البقرة: 179] في الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} نهى عن أكل مال اليتيم وهو من الكبائر التي أوعد الله عليها النار قال تعالى:
{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } [النساء: 10]. وفي النهي عن الاقتراب مبالغة لإِفادة اشتداد الحرمة.
وقوله: {إلا بالتي هي أحسن} أي بالطريقة التي هي أحسن وفيه مصلحة انماء ماله، وقوله: {حتى يبلغ أشده} هو أوان البلوغ والرشد وعند ذلك يرتفع عنه اليتم فالتحديد بهذه الجملة لكون النهي عن القرب في معنى الأمر بالصيانة والحفظ كأنه قيل: احتفظوا على ماله حتى يبلغ أشده فتردوه إليه، وبعبارة أُخرى الكلام في معنى قولنا: لا تقربوا مال اليتيم ما دام يتيماً، وقد تقدم بعض ما يناسب المقام في سورة الأنعام آية 152.
قوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً} أي مسؤول عنه وهو من الحذف والإِيصال السائغ في الكلام، وقيل: المراد السؤال عن نفس العهد فإن من الجائز أن تتمثل الأعمال يوم القيامة فتشهد للإِنسان أو عليه وتشفع له أو تخاصمه.
قوله تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً} القسطاس بكسر القاف وضمها هو الميزان قيل: رومى معرب وقيل: عربي، وقيل مركب في الأصل من القسط وهو العدل وطاس وهو كفة الميزان والقسطاس المستقيم هو الميزان العادل لا يخسر في وزنه.
وقوله: {ذلك خير وأحسن تأويلاً} الخير هو الذي يجب أن يختاره الإِنسان إذا تردد الأمر بينه وبين غيره، والتأويل هو الحقيقة التي ينتهي إليها الأمر، وكون إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم خيراً لما فيه من الاتقاء من استراق أموال الناس واختلاسها من حيث لا يشعرون وجلب وثوقهم.
وكونهما أحسن تأويلاً لما فيهما من رعاية الرشد والاستقامة في تقدير الناس معيشتهم فإن معايشهم تقوم في التمتع بأمتعة الحياة على أصلين اكتساب الأمتعة الصالحة للتمتع والمبادلة على الزائد على قدر حاجتهم فهم يقدرون معيشتهم على قدر ما يسعهم أن يبذلوه من المال عيناً أو قيمة، وعلى قدر ما يحتاجون إليه من الأمتعة المشتراة فإذا خسروا بالتطفيف ونقص الكيل والوزن فقد اختلت عليهم الحياة من الجهتين جميعاً، وارتفع الأمن العام من بينهم.
وأما إذا أُقيم الوزن بالقسط فقد أطل عليهم الرشد واستقامت أوضاعهم الاقتصادية بإصابة الصواب فيما قدروا عليه معيشتهم واجتلب وثوقهم إلى أهل السوق واستقر بينهم الأمن العام.
قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً} القراءة المشهورة {لا تقف} بسكون القاف وضم الفاء من قفا يقفو قفواً إذا اتبعه ومنه قافية الشعر لكونها في آخر المصراع تابعة لما تقدمها، وقرئ {لا تقف} بضم القاف وسكون الفاء من قاف بمعنى قفا، ولذلك نقل عن بعض أهل اللغة أن قاف مقلوب قفا مثل جبذ مقلوب جذب، ومنه القيافة بمعنى اتباع أثر الأقدام.
والآية تنهى عن اتباع ما لا علم به، وهي لإِطلاقها تشمل الاتباع اعتقاداً وعملاً، وتتحصل في مثل قولنا: لا تعتقد ما لا علم لك به ولا تقل ما لا علم لك به ولا تفعل ما لا علم لك به لأن في ذلك كله اتباعاً.
وفي ذلك إمضاء لما تقضي به الفطرة الإِنسانية وهو وجوب اتباع العلم والمنع عن اتباع غيره فإن الإِنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلا إصابة الواقع والحصول على ما في متن الخارج والمعلوم هو الذي يصح له أن يقول: إنه هو، وأما المظنون والمشكوك والموهوم فلا يصح فيها إطلاق القول بأنه هو فافهم ذلك.
والإِنسان بفطرته السليمة يتبع في اعتقاده ما يراه حقاً ويجده واقعاً في الخارج، ويتبع في عمله ما يرى نفسه مصيباً في تشخيصه، وذلك فيما تيسر له أن يحصل العلم به، وأما فيما لا يتيسر له العلم به كالفروع الاعتقادية بالنسبة إلى بعض الناس وغالب الأعمال بالنسبة إلى غالب الناس فإن الفطرة السليمة تدفعه إلى اتباع علم من له علم بذلك وخبرة باعتبار علمه وخبرته علماً لنفسه فيؤول اتباعه في ذلك بالحقيقة اتباعاً لعلمه بأن له علماً وخبرة كما يرجع السالك وهو لا يعرف الطريق إلى الدليل لكن مع علمه بخبرته ومعرفته، ويرجع المريض إلى الطبيب ومثله أرباب الحوائج إلى مختلف الصناعات المتعلقة بحوائجهم إلى أصحاب تلك الصناعات.
ويتحصل من ذلك أنه لا يتخطى العلم في مسير حياته بحسب ما تهدي إليه فطرته غير أنه يعد ما يثق به نفسه ويطمئن إليه قلبه علماً وإن لم يكن ذاك اليقين الذي يسمى علماً في صناعة البرهان من المنطق.
فله في كل مسألة ترد عليه إما علم بنفس المسألة وإما دليل علمي بوجوب العمل بما يؤديه ويدل عليه، وعلى هذا ينبغي أن ينزل قوله سبحانه {ولا تقف ما ليس لك به علم} فاتباع الظن عن دليل علمي بوجوب اتباعه اتباع للعلم كاتباع العلم في مورد العلم.
فيؤول المعنى إلى أنه يحرم الاقتحام على اعتقاد أو عمل يمكن تحصيل العلم به إلا بعد تحصيل العلم، والاقتحام على ما لا يمكن فيه ذلك إلا بعد الاعتماد على دليل علمي يجوز الاقتحام والورود وذلك كأخذ الأحكام عن النبي واتباعه وإطاعته فيما يأمر به وينهى عنه عن قبل ربه وتناول المريض ما يأمر به الطبيب والرجوع إلى أصحاب الصنائع فيما يرجع إلى صناعتهم فإن الدليل العلمي على عصمة النبي دليل علمي على مطابقة ما يخبر به أو ما يأمر به وينهى عنه الواقع وإصابة من اتبعه الصواب، والحجة العلمية على خبرة الطبيب في طبه وأصحاب الصناعات في صناعاتهم حجة علمية على إصابة من يرجع إليهم فيما يعمل به.
ولولا كون الاقتحام على العمل عن حجة علمية على وجوب الاقتحام اقتحاماً علمياً لكانت الآية قاصرة عن الدلالة على مدلولها من رأس فإن الطريق إلى فهم مدلول الآية هو ظهورها اللفظي فيه، والظهور اللفظي من الأدلة الظنية غير أنه حجة عن دليل علمي وهو بناء العقلاء على حجيته فلو كان غير ما تعلق العلم به بعينه مما لا علم به مطلقاً لكان اتباع الظهور ومنه ظهور نفس الآية منهياً عنه بالآية وكانت الآية ناهية عن اتباع نفسه فكانت ناقضة لنفسها.
ومن هنا يظهر اندفاع ما أورده بعضهم في المقام كما عن الرازي في تفسيره أن العمل بالظن كثير في الفروع فالتمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد إلا الظن فلو دلت على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بها غير جائز فالقول بحجيتها يقضي إلى نفيه وهو غير جائز.
وفيه أن الآية تدل على عدم جواز اتباع غير العلم بلا ريب غير أن موارد العمل بالظن شرعاً موارد قامت عليها حجة علمية فالعمل فيها بالحقيقة إنما هو عمل بتلك الحجج العلمية والآية باقية على عمومها من غير تخصص، ولو سلم فالعمل بالعام المخصص فيما بقي من الأفراد سالمة عن التخصيص عمل بحجة عقلائية نظير العمل بالعام غير المخصص من غير فرق بينهما البتة.
ونظيره الاستشكال فيها بأن الطريق إلى فهم المراد من الآية هو ظهورها، والظهور طريق ظني فلو دلت الآية على حرمة اتباع غير العلم لدلت على حرمة الأخذ بظهور نفسها، ولازمها حرمة العمل بنفسها.
ويرده ما تقدمت الإِشارة إليه أن اتباع الظهور اتباع لحجة علمية عقلائية وهي بناء العقلاء على حجيته فليس اتباعه من اتباع غير العلم بشيء.
وقوله: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً} تعليل للنهي السابق في قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم}.
والظاهر المتبادر إلى الذهن، أن الضميرين في {كان عنه} راجعان إلى {كل} فيكون {عنه} نائب فاعل لقوله: {مسئولاً} مقدماً عليه كما ذكره الزمخشري في الكشاف أو مغنياً عن نائب الفاعل، وقوله: {أولئك} إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عبر عنها بأولئك المختص بالعقلاء لأن كون كل منها مسؤولاً عنه يجريه مجرى العقلاء وهو كثير النظير في كلامه تعالى.
وربما منع بعضهم كون {أولئك} مختصاً بالعقلاء استناداً إلى قول جرير:

ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعـــد أولئك الأيام

وعلى ذلك فالمسؤول هو كل من السمع والبصر والفؤاد يسأل عن نفسه فيشهد للإِنسان أو عليه كما قال تعالى: { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } [يس: 65]. واختار بعضهم رجوع ضمير {عنه} إلى {كل} وعود باقي الضمائر إلى القافي المدلول عليه في الكلام فيكون المسؤول هو القافي يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده كيف استعملها؟ وفيما استعملها؟ وعليه ففي الكلام التفات عن الخطاب إلى الغيبة وكان الأصل أن يُقال: كنت عنه مسؤولاً. وهو بعيد.
والمعنى: لا تتبع ما ليس لك به علم لأن الله سبحانه سيسأل عن السمع والبصر والفؤاد وهي الوسائل التي يستعملها الإِنسان لتحصيل العلم، والمحصل من التعليل بحسب انطباقه على المورد أن السمع والبصر والفؤاد إنما هي نعم آتاها الله الإِنسان ليشخص بها الحق ويحصل بها على الواقع فيعتقد به ويبني عليه عمله وسيسأل عن كل منها هل أدرك ما استعمل فيه إدراكاً علمياً؟ وهل اتبع الإِنسان ما حصلته تلك الوسيلة من العلم؟.
فيسأل السمع هل كان ما سمعه معلوماً مقطوعاً به؟ وعن البصر هل كان ما رآه ظاهراً بيناً؟ وعن الفؤاد هل كان ما فكره وقضى به يقينياً لا شك فيه؟ وهي لا محالة تجيب بالحق وتشهد على ما هو الواقع فمن الواجب على الإِنسان أن يتحرز عن اتباع ما ليس له به علم فإن الأعضاء ووسائل العلم التي معه ستسأل فتشهد عليه فيما اتبعه مما حصلته ولم يكن له به علم ولا يقبل حينئذ له عذر.
ومآله إلى نحو من قولنا: لا تقف ما ليس لك به علم فإنه محفوظ عليك في سمعك وبصرك وفؤادك، والله سائلها عن عملك لا محالة، فتكون الآية في معنى قوله تعالى:
{ حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون } [فصلت: 20] إلى أن قال { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } [فصلت: 22-23] وغيرها من آيات شهادة الأعضاء.
غير أن الآية تزيد عليها بعد الفؤاد من الشهداء على الإِنسان وهو الذي به يشعر الإِنسان ما يشعر ويدرك ما يدرك، وهو من أعجب ما يستفاد من آيات الحشر أن يوقف الله النفس الإِنسانية فيسألها عما أدركت فتشهد على الإِنسان نفسه.
وقد تبين أن الآية تنهي عن الإِقدام على أمر مع الجهل به سواء كان اعتقاداً مع الجهل أو عملاً مع الجهل بجوازه ووجه الصواب فيه أو ترتيب أثر لأمر مع الجهل به وذيلها يعلل ذلك بسؤاله تعالى السمع والبصر والفؤاد، ولا ضير في كون العلة أعم مما عللتها فإن الأعضاء مسؤولة حتى عما إذا أقدم الإِنسان مع العلم بعدم جواز الإِقدام قال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} الآية.
قال في المجمع في معنى قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم}: معناه لا تقل: سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم عن ابن عباس وقتادة، وقيل: معناه: لا تقل في قفا غيرك كلاماً أي إذا مر بك فلا تغتبه عن الحسن، وقيل: هو شهادة الزور عن محمد بن الحنفية.
والأصل أنه عام في كل قول أو فعل أو عزم يكون على غير علم فكأنه سبحانه قال: لا تقل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يقال؛ ولا تفعل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يفعل ولا تعتقد إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يعتقد انتهى.
وفيه أن الذي ذكره أعم مما تفيده الآية فإنها تنهي عن اقتفاء ما لا علم به لا عن الاقتفاء إلا مع العلم والثاني أعم من الأول فإنه يشمل النهي عن الاقتفاء مع العلم بعدم الجواز لكن الأول إنما يشمل النهي عن الاقتفاء مع الجهل بوجه الاعتقاد أو العمل: وأما ما نقله من الوجوه في أول كلامه فالأحرى بها أن يذكر في تفسير التعليل بعنوان الإِشارة إلى بعض المصاديق دون المعلل.
قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} المرح شدة الفرح بالباطل - كما قيل - ولعل التقييد بالباطل للدلالة على خروجه عن حد الاعتدال فإن الفرح الحق هو ما يكون ابتهاجاً بنعمة من نعم الله شكراً له وهو لا يتعدى حد الاعتدال، وأما إذا فرح واشتد منه ذلك حتى خف عقله وظهر آثاره في أفعاله وأقواله وقيامه وقعوده وخاصة في مشيه فهو من الباطل.
وقوله: {ولا تمش في الأرض مرحاً} نهي عن استعظام الإِنسان نفسه بأكثر مما هو عليه لمثل البطر والأشر والكبر والخيلاء، وإنما ذكر المشي في الأرض مرحاً لظهور ذلك فيه.
وقوله: {إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} كناية عن أن فعالك هذا وأنت تريد به إظهار القدرة والقوة والعظمة انما هو وهم تتوهمه فإن هناك ما هو أقوى منك لا يخترق بقدميك وهي الأرض وما هو أطول منك وهي الجبال فاعترف بذلك أنك وضيع مهين فلا شيء مما يبتغيه الإِنسان ويتنافس فيه في هذه النشأة من ملك وعزة وسلطنة وقدرة وسؤدد ومال وغيرها إلا أُمور وهمية لا حقيقة لها وراء الإِدراك الإِنساني سخر الله النفوس للتصديق بها والاعتماد في العمل عليها لتعمير النشأة وتمام الكلمة، ولولا هذه الأوهام لم يعش الإِنسان في الدنيا ولا تمت كلمته تعالى:
{ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } } [البقرة: 36]. قوله تعالى: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً} الإِشارة بذلك إلى ما تقدم من الواجبات والمحرمات - كما قيل - والضمير في {سيئه} يرجع إلى ذلك، والمعنى كل ما تقدم كان سيئه - وهو ما نهي عنه وكان معصية من بين المذكورات - عند ربك مكروهاً لا يريده الله تعالى.
وفي غير القراءة المعروفة {سيئة} بفتح الهمزة والتاء في آخرها وهي على هذه القراءة خبر كان والمعنى واضح.
قوله تعالى: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} ذلك إشارة إلى ما تقدم من تفصيل التكاليف وفي الآية إطلاق الحكمة على الأحكام الفرعية ويمكن أن يكون لما تشتمل عليه من المصالح المستفادة إجمالاً من سابق الكلام.
قوله تعالى: {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً} كرر سبحانه النهي عن الشرك وقد نهى عنه سابقاً اعتناء بشأن التوحيد وتفخيماً لأمره، وهو كالوصلة يتصل به لاحق الكلام بسابقه، ومعنى الآية ظاهر.
(بحث روائي)
في الاحتجاج عن بريد بن عمير بن معاوية الشامي عن الرضا عليه السلام في حديث يذكر فيه الجبر والتفويض والأمر بين أمرين قال: قلت له: وهل لله مشيئة وإرادة في ذلك يعني فعل العبد فقال: أما الطاعات فإرادة الله ومشيئته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة لها ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط بها والخذلان عليها؛ الحديث.
وفي تفسير العياشي عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: {وبالوالدين إحسانا} فقال: الإِحسان أن تحسن صحبتهما ولا تكلفهما أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين أليس الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}؟.
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: أما قوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُف} قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أُف ولا تنهرهما إن ضرباك، وقال {وقل لهما قولاً كريماً} قال: تقول لهما: غفر الله لكما فذلك منك قول كريم، وقال: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يديك فوق أيديهما، ولا تتقدم قدامهما.
أقول: ورواه الكليني في الكافي بإسناده عن أبي ولاد الحناط عنه عليه السلام.
وفي الكافي بإسناده عن حديد بن حكيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أدنى العقوق أُف، ولو علم الله عز وجل شيئاً أهون منه لنهى عنه.
أقول: ورواه عنه أيضاً بسند آخر وروى هذا المعنى أيضاً بإسناده عن أبي البلاد عنه عليه السلام ورواه العياشي في تفسيره عن حريز عنه عليه السلام، والطبرسي في مجمع البيان عن الرضا عن أبيه عنه عليه السلام. والروايات في وجوب بر الوالدين وحرمة عقوقهما في حياتهما وبعد مماتهما من طرق العامة والخاصة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل بيته عليهم السلام أكثر من أن تحصى.
وفي المجمع عن أبي عبد الله عليه السلام الأواب التواب المتعبد الراجع عن ذنبه.
وفي تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا با أبا محمد عليكم بالورع والاجتهاد وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الصحبة لمن صحبكم وطول السجود، وكان ذلك من سنن التوابين الأوابين. قال أبو بصير: الأوابون التوابون.
أقول: وروي أيضاً عن أبي بصير عنه عليه السلام في معنى الآية هم التوابون المتعبدون.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وهناد عن علي بن أبي طالب قال: إذا مالت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا الحوائج إلى الله فإنها ساعة الأوابين وقرأ {فإنه كان للأوابين غفوراً}.
وفيه أخرج ابن حريز عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أفما قرأت في بني إسرائيل: {وآت ذا القربى حقه} قال: وإنكم للقرابة الذي أمر الله أن يؤتى حقه؟ قال: نعم.
أقول: ورواه في البرهان عن الصدوق بإسناده عنه عليه السلام وعن الثعلبي في تفسيره عن السدي عن ابن الديلمي عنه عليه السلام.
وفي تفسير العياشي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله: {ولا تبذر تبذيراً} قال: من أنفق شيئاً في غير طاعة الله فهو مبذر، ومن أنفق في سبيل الخير فهو مقتصد.
وفيه عن أبي بصير عنه عليه السلام في الآية قال: بذل الرجل ماله ويقعد ليس له مال قلت: فيكون تبذير في حلال؟ قال: نعم.
وفي تفسير القمي قال: قال الصادق عليه السلام: المحسور العريان.
وفي الكافي بإسناده عن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاء سائل فقام إلى مكتل فيه تمر فملأ يده فناوله ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله ثم آخر فقال: الله رازقنا وإياك.
ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئاً إلا أعطاه فأرسلت إليه امرأة أبناً لها فقالت: فأسأله فإن قال: ليس عندنا شيء فقل: اعطني قميصك قال: فأخذ قميصه فرماه إليه - وفي نسخة اخرى: وأعطاه - فأدبه الله تبارك وتعالى على القصد فقال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً} قال: الإِحسار الفاقة.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن عجلان عنه عليه السلام، وروى قصة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القمي في تفسيره، ورواها في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو وعن ابن جرير الطبري عن ابن مسعود.
وفي الكافي بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: علّم الله عز اسمه نبيه كيف ينفق؟ وذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب فكره أن يبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شيء وجاء من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم هو حيثما لم يكن عنده شيء وكان رحيماً رقيقاً فأدب الله عز وجل نبيه بأمره فقال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً} يقول: إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال قد كنت حسرت من المال.
وفي تفسير العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} قال: فضم يده وقال: هكذا فقال: {ولا تبسطها كل البسط} فبسط راحته وقال: هكذا.
وفي تفسير القمي عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت: وما الإِملاق؟ قال: الإِفلاس.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} قال قتادة عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول:
"لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يبهت حين يبهت وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يغل حين يغل وهو مؤمن قيل: يا رسول الله والله إن كنا لنرى أنه يأتي ذلك وهو مؤمن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فعل شيئاً من ذلك نزع الإِيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه"
]. أقول: والحديث مروي بطرق أُخرى عن عائشة وابي هريرة وقد ورد من طرق أهل البيت عليهم السلام أن روح الإِيمان يفارقه إذ ذاك.
وفي الكافي بإسناده عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إن الله عز وجل يقول في كتابه: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً} فما هذا الإِسراف الذي نهى الله عنه؟ قال: نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثل بالقاتل. قلت: فما معنى {إنه كان منصوراً} قال: وأي نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى أولياء المقتول فيقتله ولا تبعه يلزمه في قتله في دين ولا دنيا.
وفي تفسير العياشي عن أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين قتلا رجلاً فقال: يخير وليه أن يقتل أيهما شاء ويغرم الباقي نصف الدية أعني دية المقتول فيرد على ذريته، وكذلك إن قتل رجل امراة إن قبلوا دية المرأة فذاك وإن أبى أولياؤها إلا قتل قاتلها غرموا نصف دية الرجل وقتلوه وهو قول الله: {فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل}.
أقول: وفي معنى هاتين الروايتين غيرهما، وقد روى في الدر المنثور عن البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلاً لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلاً شريفاً إذا كان قاتلهم غير شريف لم يقتلوا قاتلهم وقتلوا غيره فوعظوا في ذلك بقول الله: {ولا تقتلوا} إلى قوله {فلا يسرف في القتل}.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام، قال: القسطاس المستقيم هو الميزان الذي له لسان.
أقول: وذكر اللسان للدلالة على الاستقامة فإن الميزان ذا الكفتين كذلك.
وفي تفسير العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى فرض الإِيمان على جوارح بني آدم وقسمه عليها فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإِيمان بغير ما وكلت به أختها فمنها عيناه اللتان ينظر بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما.
ففرض على العين أن لا تنظر إلى ما حرم الله عليه وان تغض عما نهاه الله عنه مما لا يحل وهو عمله وهو من الإِيمان، قال الله تبارك وتعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسئولاً} فهذا ما فرض من غض البصر عما حرم الله وهو عمله وهو من الإِيمان.
وفرض الله على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي الله والله فرض عليهما المشي فيما فرض الله فقال: {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} قال: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}.
أقول: ورواه في الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عنه عليه السلام في حديث مفصل.
وفيه عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له رجل: بأبي أنت وأُمي إني أدخل كنيفاً لي ولي جيران وعندهم جوار يغنين ويضربن بالعود فربما أطيل الجلوس استماعاً مني لهن فقال: لا تفعل فقال الرجل والله ما أتيتهن إنما هو سماع أسمعه باذني.
فقال له: أما سمعت الله يقول: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسئولاً} قال: بل والله فكأني لم أسمع هذه الآية قط من كتاب الله من عجمي ولا عربي لا جرم أني لا أعود إن شاء الله وإني أستغفر الله.
فقال: قم واغتسل وصل ما بدا لك فإنك كنت مقيماً على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك احمد الله وأسأله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا كل قبيح، والقبيح دعه لأهله فإن لكل أهلاً.
أقول: ورواه الشيخ في التهذيب عنه عليه السلام والكليني في الكافي عن مسعدة بن زياد عنه عليه السلام.
وفيه عن الحسين بن هارون عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسئولاً} قال: يسأل السمع عما يسمع والبصر عما يطرف والفؤاد عما يعقد عليه.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} الآية قال: قال: لا تؤم أحداً مما ليس لك به علم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"من بهت مؤمناً أو مؤمنة أقيم في طينة خبال أو يخرج مما قال"
]. أقول: وفسرت طينة خبال في رواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام - على ما في الكافي - بأنها صديد يخرج من فروج المومسات وروي من طرق أهل السنة ما يقرب منها عن أبي ذر وأنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
والروايات - كما ترى - بعضها مبني على خصوص مورد الآية وبعضها على عموم التعليل كما أشير إليه في البيان المتقدم.