التفاسير

< >
عرض

وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً
٧٣
وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً
٧٤
إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً
٧٥
وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً
٧٦
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً
٧٧
أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً
٧٨
وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً
٧٩
وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً
٨٠
وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً
٨١
-الإسراء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تذكر الآيات بعض مكر المشركين بالقرآن وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم - بعدما ذمتهم على تماديهم في إنكار التوحيد والمعاد واحتجت عليهم في ذلك - حيث أرادوا أن يفتنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض ما أُوحي إليه ليداهنهم فيه بعض المداهنة، وأرادوا أن يخرجوه من مكة.
وقد أوعد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد الوعيد إن مال إلى الركون إليهم بعض الميل، وأوعدهم إن أخرجوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهلاك.
وفي الآيات إيصاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصلوات والالتجاء بربه في مدخله ومخرجه وإعلام ظهور الحق.
قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً} إن مخففة بدليل اللام في {ليفتنونك} والفتنة الإِزلال والصرف، والخليل من الخلة بمعنى الصداقة وربما قيل: هو من الخلة بمعنى الحاجة وهو بعيد.
وظاهر السياق أن المراد بالذي أوحينا إليك القرآن بما يشتمل عليه من التوحيد ونفي الشريك والسيرة الصالحة وهذا يؤيد ما ورد في بعض أسباب النزول أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكف عن ذكر آلهتهم بسوء ويبعد عن نفسه عبيدهم المؤمنين به والسقاط حتى يجالسوه ويسمعوا منه فنزلت الآيات.
والمعنى: وإن المشركين اقتربوا أن يزلوك ويصرفوك عما أوحينا إليك لتتخذ من السيرة والعمل ما يخالفه فيكون في ذلك افتراء علينا لانتسابه بعملك إلينا وإذاً لاتخذوك صديقاً.
قوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً} التثبيت - كما يفيده السياق - هو العصمة الإِلهية وجعل جواب لولا قوله: {لقد كدت تركن} دون نفس الركون والركون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يركن ولم يكد، ويؤكده إضافه الركون إليهم دون إجابتهم إلى ما سألوه.
والمعنى: {ولولا أن ثبتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلاً لكنا ثبتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم فضلاً من أن تجيبهم إلى ما سألوا فهو صلى الله عليه وآله وسلم لم يجبهم إلى ما سألوا ولا مال إليهم شيئاً قليلاً ولا كاد أن يميل.
قوله تعالى: {إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً} سياق الآية سياق توعد فالمراد بضعف الحياة والممات المضاعف من عذاب الحياة والممات، والمعنى لو قارنت أن تميل إليهم بعض الميل لأذقناك الضعف من العذاب الذي نعذب به المجرمين في حياتهم والضعف مما نعذبهم به في مماتهم أي ضعف عذاب الدنيا والآخرة.
ونقل في المجمع عن أبان بن تغلب أن المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه والمعنى لأذقناك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وأنشد قول الشاعر:

لمقتل مالك إذ بان منــــي أبيت الليل في ضعف أليم

أي في عذاب أليم.
وما في ذيل الآية من قوله: {ثم لا تجد لك علينا نصيراً} تشديد في الإِيعاد أي إن العذاب واقع حينئذ لا مخلص منه.
قوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً} الاستفزاز الإِزعاج والتحريك بخفة وسهولة، واللام في {الأرض} للعهد والمراد بها مكة، والخلاف بمعنى بعد، والمراد بالقليل اليسير من الزمان.
والمعنى وإن المشركين قاربوا أن يزعجوك من أرض مكة لإِخراجك منها ولو كان منهم وخرجت منها لم يمكثوا بعدك فيها إلا قليلاً فهم هالكون لا محالة.
وقيل: هؤلاء الذين كادوا يستفزونه هم اليهود أرادوا أن يخرجوه من المدينة وقيل: المراد المشركون واليهود أرادوا جميعاً أن يخرجوه من أرض العرب.
ويبعد ذلك أن السورة مكية والآيات ذات سياق واحد وابتلاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم باليهود إنما كان بالمدينة بعد الهجرة.
قوله تعالى: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً} التحويل نقل الشيء من حال إلى حال، وقوله: {سنة} أي كسنة من قد أرسلنا وهو متعلق بقوله: {لا يلبثون} أي لا يلبثون بعدك إلا قليلاً كسنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا.
وهذه السنة وهي إهلاك المشركين الذين أخرجوا رسولهم من بلادهم وطردوه من بينهم سنة لله سبحانه، وإنما نسبها إلى رسله لأنها مسنونة لأجلهم بدليل قوله بعد: {ولن تجد لسنتنا تحويلاً} وقد قال تعالى:
{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } [إبراهيم: 13]. والمعنى: وإذاً نهلكهم لسنتنا التي سنناها لأجل من قد أرسلنا قبلك من رسلنا وأجريناها ولست تجد لسنتنا تحويلاً وتبديلاً.
قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} قال في مجمع البيان: الدلوك الزوال، وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها، وقيل: هو الغروب وأصله من الدلك فسمي الزوال دلوكاً لأن الناظر إليها يدلك عينيه لشدة شعاعها، وسمي الغروب دلوكاً لأن الناظر يدلك عينيه ليثبتها. انتهى.
وقال فيه: غسق الليل ظهور ظلامه يقال: غسقت القرحة إذا انفجرت فظهر ما فيها. انتهى، وفي المفردات: غسق الليل شده ظلمته. انتهى.
وقد اختلف المفسرون في تفسير صدر الآية والمروي عن أئمه أهل البيت عليهم السلام من طرق الشيعة تفسير دلوك الشمس بزوالها وغسق الليل بمنتصفه، وسيجيء الإِشاره إلى الروايات في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
وعليه فالآية تشمل من الوقت ما بين زوال الشمس ومنتصف الليل، والواقع في هذا المقدار من الوقت من الفرائض اليومية أربع صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة. وبانضمام صلاة الصبح المدلول عليها بقوله: {وقرآن الفجر} الخ إليها تتم الصلوات الخمس اليومية.
وقوله: {وقرآن الفجر} معطوف على الصلاة أي وأقم قرآن الفجر والمراد به صلاة الصبح لما تشمل عليه من القراءة وقد اتفقت الروايات على أن صلاة الصبح هي المراد بقرآن الفجر.
وكذا اتفقت الروايات من طرق الفريقين على تفسير قوله ذيلاً: {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} بأنه يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وسنشير إلى بعض هذه الروايات عن قريب إن شاء الله.
قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} التهجد من الهجود وهو النوم في الأصل ومعنى التهجد التيقظ والسهر بعد النوم على ما ذكره غير واحد منهم، والضمير في {به} للقرآن أو للبعض المفهوم من قوله: {ومن الليل} والنافلة من النفل وهو الزيادة، وربما قيل: إن قوله: {ومن الليل} من قبيل الاغراء نظير قولنا: عليك بالليل، والفاء في قوله: {فتهجد به} نظير قوله:
{ فإياي فارهبون } [البقرة: 40]. والمعنى: واسهر بعض الليل بعد نومتك بالقرآن - وهو الصلاة - حال كونها صلاة زائده لك على الفريضة.
وقوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} من الممكن أن يكون المقام مصدراً ميمياً وهو البعث فيكون مفعولاً مطلقاً ليبعثك من غير لفظه، والمعنى عسى أن يبعثك ربك بعثاً محموداً، ومن الممكن أن يكون اسم مكان والبعث بمعنى الإِقامة أو مضمناً معنى الإِعطاء ونحوه، والمعنى عسى أن يقيمك ربك في مقام محمود أو يبعثك معطياً لك مقاماً محموداً أو يعطيك باعثا مقاماً محموداً.
وقد وصف سبحانه مقامه بأنه محمود وأطلق القول من غير تقييد وهو يفيد أنه مقام يحمده الكل ولا يثني عليه الكل إلا إذا استحسنه الكل وانتفع به الجميع ولذا فسروا المقام المحمود بأنه المقام الذي يحمده عليه جميع الخلائق وهو مقام الشفاعة الكبرى له صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة وقد اتفقت على هذا التفسير الروايات من طرق الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام.
قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} المدخل بضم الميم وفتح الخاء مصدر ميمي بمعنى الإِدخال ونظيره المخرج بمعنى الإِخراج، والعناية في إضافة الإِدخال والإِخراج إلى الصدق أن يكون الدخول والخروج في كل أمر منعوتاً بالصدق جارياً على الحقيقة من غير أن يخالف ظاهره باطنه أو يضاد بعض أجزائه بعضاً كأن يدعو الإِنسان بلسانه إلى الله وهو يريد بقلبه أن يسود الناس أو يخلص في بعض دعوته لله ويشرك في بعضها غيره.
وبالجملة هو أن يرى الصدق في كل مدخل منه ومخرج ويستوعب وجوده فيقول ما يفعل ويفعل ما يقول ولا يقول ولا يفعل إلا ما يراه ويعتقد به، وهذا مقام الصديقين. ويرجع المعنى إلى نحو قولنا: اللهم تول أمري كما تتولى أمر الصديقين.
وقوله: {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} أي سلطنة بنصرتي على ما أهم به من الأُمور وأشتغل به من الأعمال فلا أغلب في دعوتي بحجة باطلة، ولا أفتتن بفتنة أو مكر يمكرني به أعداؤك ولا أضل بنزغ شيطان ووسوسته.
والآية - كما ترى - مطلقه تأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل ربه أن يتولى أمره في كل مدخل ومخرج بالصدق ويجعل له سلطاناً من عنده ينصره فلا يزيغ في حق ولا يظهر بباطل فلا وجه لما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالدخول والخروج دخول المدينة بالهجرة والخروج منها إلى مكة للفتح أو أن المراد بهما دخول القبر بالموت والخروج منه بالبعث.
نعم لما كانت الآية بعد قوله: {وان كادوا ليفتنونك} {وان كادوا ليستفزونك} وفي سياقهما، لوحت إلى أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يلتجئ إلى ربه في كل أمر يهم به أو يشتغل به من أُمور الدعوة، وفى الدخول والخروج في كل مكان يسكنه أو يدخله أو يخرج منه وهو ظاهر.
قوله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} قال في المجمع: الزهوق هو الهلاك والبطلان يقال: زهقت نفسه إذا خرجت فكأنها قد خرجت إلى الهلاك. انتهى والمعنى ظاهر.
وفي الآية أمره صلى الله عليه وآله وسلم بإعلام ظهور الحق وهو لوقوع الآية في سياق ما مر من قوله: {وإن كادوا ليفتنونك} إلى آخر الآيات أمر بإيآس المشركين من نفسه وتنبيههم أن يوقنوا أن لا مطمع لهم فيه صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الآية دلالة على أن الباطل لا دوام له كما قال تعالى في موضع آخر:
{ ومثل كلمه خبيثة كشجرة خبيثه اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } [إبراهيم: 26].
(بحث روائي)
في المجمع في سبب نزول قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} الآيات أنهم قالوا له: كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان حتى نجالسك ونسمع منك فطمع في إسلامهم فنزلت الآية.
أقول: وروي في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم عن سعيد بن نفير ما يقرب منه. وأما ما روي عن ابن عباس أن أُمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالا من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: تعال فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم فأنزل الله: {وإن كادوا ليفتنونك} إلى قوله {نصيراً} فلا يلائم ظاهر الآيات حيث تنفي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقارب الركون فضلاً عن الركون.
وكذا ما رواه الطبري وابن مردويه عن ابن عباس أن ثقيفاً قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة فهم أن يؤجلهم فنزلت: {وإن كادوا ليفتنونك} الآية.
وكذا ما في تفسير العياشي عن أبي يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام في الآية قال: لما كان يوم الفتح أخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصناماً من المسجد وكان منها صنم على المروة فطلبت إليه قريش أن يتركه وكان مستحياً ثم أمر بكسره فنزلت هذه الآية.
ونظيرهما أخبار أُخر تقرب منها معنى فهذه روايات لا تلائم ظاهر الكتاب وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يهم بمثل هذه البدع والله سبحانه ينفي عنه المقاربة من الركون والميل اليسير فضلاً أن يهم بالعمل.
على أن هذه القضايا من الحوادث الواقعة بعد الهجرة والسورة مكيه. وفي العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم عن أبي الحسن الرضا عليه السلام مما سأله المأمون فقال له: أخبرني عن قول الله: {عفى الله عنك لم أذنت لهم} قال الرضا عليه السلام هذا مما نزل باياك أعني واسمعي يا جارة خاطب الله بذلك نبيه وأراد به أُمته، وكذلك قوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} وقوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً} قال: صدقت يابن رسول الله.
وفي المجمع عن ابن عباس في قوله تعالى: {إذاً لأذقناك} الآية قال: إنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً"
]. وفي تفسير العياشي عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قلت له: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم اليوم عليه؟ قال: بالمدينة حين ظهرت الدعوة وقوي الإِسلام فكتب الله على المسلمين الجهاد، وزاد في الصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع ركعات في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين، وفي المغرب ركعة، وفي العشاء ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت عليه بمكة لتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض وتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء فكان ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون مع رسول الله الفجر فلذلك قال الله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} يشهد المسلمون ويشهد ملائكة الليل والنهار.
وفي المجمع في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} قال: ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان أوقاتها ويؤيد ذلك ما رواه العياشي بالإِسناد عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية.
قال: إن الله افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
"أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر"
]. وفيه أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قرء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} قال: "يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار"
]. أقول تفسير كون قرآن الفجر مشهوداً في روايات الفريقين بشهادة ملائكة الليل وملائكة النهار يكاد يبلغ حد التواتر، وقد أضيف إلى ذلك في بعضها شهاده الله كما في هذه الرواية وفي بعضها شهاده المسلمين كما فيما تقدم.
وفي تفسير العياشي عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال: نعم فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم للمؤمنين خطايا وذنوب وما من أحد إلا ويحتاج إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ.
قال: وسأله رجل عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر قال: نعم يأخذ حلقة من باب الجنة فيفتحها فيخر ساجداً فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تشفع اطلب تعط فيرفع رأسه ثم يخر ساجداً فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تشفع واطلب تعط ثم يرفع رأسه فيشفع يشفع (فيشفع ظ) ويطلب فيعطى.
وفيه عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيم عليه السلام في قول الله {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين يوماً وتؤمر الشمس فنزلت على رؤوس العباد ويلجم العرق وتؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئاً فيأتون آدم فيشفعون له فيدلهم على نوح، ويدلهم نوح على إبراهيم، ويدلهم إبراهيم على موسى ويدلهم موسى على عيسى، ويدلهم عيسى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: عليكم بمحمد خاتم النبيين، فيقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنا لها.
فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدق فيقال له: من هذا؟ والله أعلم فيقول محمد: افتحوا فإذا فتح الباب استقبل ربه فخر ساجداً فلا يرفع رأسه حتى يقال له تكلم وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه فيستقبل ربه فيخر ساجداً فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى أنه ليشفع من قد أُحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم أوجه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قول الله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}.
أقول: وقوله: "حتى أنه ليشفع من قد أحرق بالنار" أي بعض من أُدخل النار، وفي معنى هذه الرواية عدة روايات من طرق أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الدر المنثور أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام فيقول: لست بصاحب ذلك ثم موسى عليه السلام فيقول مثل ذلك ثم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيشفع فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنه فيومئذ يبعثه الله مقاماً"
]. وفيه أخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "المقام المحمود الشفاعة"
]. وفيه أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي الوقاص قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعة.
أقول: والروايات في المضامين السابقة كثيره.