التفاسير

< >
عرض

وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١٢٠
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
١٢١
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٢٢
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
١٢٣
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى}، رجوع إلى الطائفتين بعد الالتفات إلى غيرهم، وهو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرقها وتشتتها، فكأنه بعد هذه الخطابات والتوبيخات لهم يرجع إلى رسوله ويقول له: هؤلاء ليسوا براضين عنك، حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم، ثم أمره بالرد عليهم بقوله: {قل إن هدى الله هو الهدى} أي أن الاتباع إنما هو لغرض الهدى ولا هدى إلاَّ هدى الله والحق الذي يجب أن يتبع وغيره - وهو ملتكم - ليس بالهدى، فهي أهواءكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها باسم الملة، ففي قوله: {قل إن هدى الله} إلخ، جعل الهدى كناية عن القرآن النازل، ثم أُضيف إلى الله فأفاد صحة الحصر في قوله: {إن هدى الله هو الهدى} على طريق قصر القلب، وأفاد ذلك خلو ملتهم عن الهدى، وأفاد ذلك كونها أهواءً لهم، واستلزم ذلك كون ما عند النبي علماً، وكون ما عندهم جهلاً، واتّسع المكان لتعقيب الكلام بقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}، فانظر إلى ما في هذا الكلام من أصول البرهان العريقة، ووجوه البلاغة على إيجازه، وسلاسة البيان وصفائه.
قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} يمكن أن تكون الجملة بقرينة الحصر المفهوم من قوله: {أُولئك يؤمنون به} جواباً للسؤال المقدر الذي يسوق الذهن إليه قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى} إلخ، وهو أنهم إذا لم يكن مطمع في إيمانهم، فمن ذا الذي يؤمن منهم؟ وهل توجيه الدعوة إليهم باطل لغو؟ فأجيب بأن الذين آتيناهم الكتاب والحال أنهم يتلونه حق تلاوته، أُولئك يؤمنون بكتابهم فيؤمنون بك، أو أن أُولئك يؤمنون بالكتاب، كتاب الله المنزل أياً ما كان أو أن أُولئك يؤمنون بالكتاب الذي هو القرآن. وعلى هذا: فالقصر في قوله: {أُولئك يؤمنون به} قصر افراد والضمير في قوله: به على بعض التقادير لا يخلو عن استخدام. والمراد بالذين أوتوا الكتاب قوم من اليهود والنصارى ليسوا متبعين للهوى من أهل الحق منهم، وبالكتاب التوراة والإِنجيل، وإن كان المراد بهم المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبالكتاب القرآن، فالمعنى: أن الذين آتيناهم القرآن، وهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون بالقرآن، لا هؤلاء المتبعون لأهوائهم، فالقصر حينئذ قصرٍ قلب.
قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا}، إلى آخر الآيتين إرجاع ختم الكلام إلى بدئه، وآخره إلى أوله، وعنده يختتم شطر من خطابات بني إسرائيل.
(بحث روائي)
في إرشاد الديلمي عن الصادق عليه السلام في قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته}، قال: يرتلون آياته ويتفقهون به ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه، ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سوره، ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبّروا آياته}.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: {يتلونه حق تلاوته}، قال عليه السلام: الوقوف عند الجنة والنار.
أقول: والمراد به التدبر.
وفي الكافي عنه عليه السلام: في الآية قال عليه السلام: هم الأئمة.
أقول: وهو من باب الجري والانطباق على المصداق الكامل.