التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
١٦٨
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
١٦٩
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
١٧٠
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
١٧١
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {يا أيُّها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} إلى آخر الآيتين، الحلال مقابل الحرام الممنوع اقتحامه، والحل مقابل الحرمة، والحل مقابل حرم، والحل مقابل العقد، وهو في جميع موارد استعماله يعطي معنى حرية الشيء في فعله وأثره، والطيب - مقابل الخبيث - ما يلائم النفس والشيء، كالطيب من القول لملاءمته السمع، والطيب من العطر يلائم الشامة، والطيب من المكان يلائم حال المتمكن فيه. والخطوات بضمتين جمع خطوة، وهي ما بين القدمين للماشي، وقرىء خطوات بفتحتين وهي جمع خطوة وهي المرة، وخطوات الشيطان هي الأمور التي نسبتها إلى غرض الشيطان - وهو الإِغواء بالشرك - نسبة خطوات الماشي إلى مقصده وغرضه، فهي الأمور التي هي مقدمات للشرك والبعد من الله سبحانه، والأمر هو تحميل الأمر إرادة نفسه على المأمور ليأتي ما يريده، والأمر من الشيطان وسوسته وتحميله ما يريده من الإِنسان عليه باخطاره في قلبه وتزيينه في نظره، والسوء ما ينافره الإِنسان ويستقبحه بنظر الاجتماع فإذا جاوز حده وتعدى طوره كان فحشاء ولذلك سمي الزنا بالفحشاء وهو مصدر كالسراء والضراء.
وقد عمم تعالى الخطاب لجميع الناس لأن الحكم الذي يقرعه سمعهم ويبينه لهم مما يبتلي به الكل، أما المشركون: فقد كان عندهم أمور مما حرموه على أنفسهم افتراء على الله كما روي أن ثقيفاً وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج كانوا قد حرموا على أنفسهم أشياء من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة، هذا في العرب، وفي غيرهم أيضاً يوجد أشياء كثيرة من هذا القبيل، وأما المؤمنون: فربما كان يبقى بعد الإِسلام بينهم أمور خرافية طبق ناموس توارث الأخلاق والآداب القومية والسنن المنسوخة بنواسخ غير تدريجية كالأديان والقوانين وغيرهما فإن كل طريقة جديدة دينية أو دنيوية إذا نزلت بدار قوم فإنما تتوجه أول ما تتوجه إلى أصول الطريقة القديمة وأعراقها فتقطعه فإن دامت على حياتها وقوتها - وذلك بحسن التربية وحسن القبول - أماتت الفروع وقطعت الأذناب وإلاَّ فاختلطت بقايا من القديمة بالحديثة والتأمت بها وصارت كالمركب النباتي، ما هو بهذا ولا ذاك.
فأمر تعالى الناس أن يأكلوا مما في الأرض، والأكل هو البلع عن مضغ وربما يكنى بالأكل عن مطلق التصرف في الأموال لكون الأكل هو الأصل في أفعال الإِنسان والركن في حياته كما قال تعالى:
{ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض } [النساء: 29]، والآية لا تأبى الحمل على هذا المعنى الوسيع لإِطلاقها، والمعنى كلوا وتصرفوا وتمتعوا مما في الأرض من النعم الإِلهية التي هيأتها لكم طبيعة الأرض بإذن الله وتسخيره أكلاً حلالاً طيباً، أي لا يمنعكم عن أكله أو التصرف فيه مانع من قبل طبائعكم وطبيعة الأرض، كالذي لا يقبل بطبعه الأكل، أو الطبع لا يقبل أكله، ولا تنفر طبائعكم عن أكله مما يقبل الطبع أكله لكن ينافره ويأبى عنه السليقة كالأكل الذي توسل إليه بوسيلة غير جائزة.
فقوله تعالى: {كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً}، يفيد الإِباحة العامة من غير تقييد واشتراط فيه إلاَّ أن قوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}، إلخ، يفيد: أن ها هُنا أموراً تسمى خطوات الشيطان - متعلقة بهذا الأكل الحلال الطيب - إما كف عن الأكل اتباعاً للشيطان، وإما إقدام عليه اتباعاً للشيطان، ثم ذكر ضابط ما يتبع فيه الشيطان بأنه سوء وفحشاء، وقول ما لا يعلم على الله سبحانه، وإذا كان الكف غير جائز إلاَّ برضى من الله تعالى فالفعل أيضاً كذلك فليس الأكل مما في الأرض حلالاً طيباً إلاَّ أن يأذن الله تعالى ويشرعه وقد شرعه بهذه الآية ونظائرها ولا يمنع عنه بنهي أو ردع كما سيأتي من قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} الآية، فرجع معنى الآية - والله أعلم - إلى نحو قولنا كلوا مما في الأرض من نعم الله المخلوقة لكم فقد جعله الله لكم حلالاً طيباً ولا تتركوا بعضاً منها كفاً وامتناعاً فيكون سوء وفحشاء وقولاً بغير علم أي تشريعاً ليس لكم ذلك وهو اتباع خطوات الشيطان.
فالآية تدل أولاً: على عموم الحلية في جميع التصرفات إلاَّ ما أخرجه الدليل فإن لله سبحانه المنع فيما له الإِذن فيه.
وثانياً: على أن الامتناع مما أحله الله من غير دليل علمي تشريع محرم.
وثالثاً: على أن المراد من اتباع خطوات الشيطان التعبد لله بما لم يأذن في التعبد بذلك فإنه لم ينه عن المشي والسلوك لكن عن المشي الذي يضع فيه الإِنسان قدمه موضع قدم الشيطان فينطبق مشيته على مشيته فيكون متبعاً لخطواته، ومن هنا يعلم أن عموم التعليل، وهو قوله: {إنما يأمركم} "الخ" وإن اقتضى المنع عن الاقتحام في فعل بغير علم كما يقتضي المنع عن الامتناع بغير علم لكنه ليس بمراد في الخطاب فإنه ليس من اتباع خطوات الشيطان وإن كان اتباعاً للشيطان.
قوله تعالى: {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، السوء والفحشاء يكونان في الفعل، وفي مقابلة القول، وبذلك يظهر: أن ما يأمر به الشيطان ينحصر في الفعل الذي هو سوء وفحشاء، والقول الذي هو قول بغير علم.
قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا}، الإِلفاء الوجدان أي وجدنا عليه آبائنا، والآية تشهد بما استفدناه من الآية السابقة في معنى خطوات الشيطان.
قوله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}، جواب عن قولهم، وبيانه أنّه قول بغير علم ولا تبيّن، وينافيه صريح العقل فإن قولهم: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، قول مطلق أي نتبع آباءنا على أي حال وعلى أي وصف كانوا، حتى لو لم يعلموا شيئاً ولم يهتدوا ونقول ما فعلوه حق، وهذا هو القول بغير علم، ويؤدي إلى القول بما لا يقول به عاقل لو تنبه له ولو كانوا اتبعوا آباءهم فيما علموه واهتدوا فيه وهم يعلمون: أنهم علموا واهتدوا فيه لم يكن من قبيل الاهتداء بغير علم.
ومن هنا يعلم: أن قوله تعالى: {لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}، ليس وارداً مورد المبالغة نظراً إلى أن سلب مطلق العلم عن آبائهم مع كونهم يعلمون أشياء كثيرة في حياتهم لا يحتمل إلاَّ المبالغة.
وذلك أن الكلام مسوق سوق الفرض بإبداء تقدير لا يقول بجواز الاتباع فيه قائل ليبطل به إطلاق قولهم نتبع ما ألفينا عليه آباءنا وهو ظاهر.
قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً}، المثل هو الكلام السائر والمثل هو الوصف كقوله تعالى:
{ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً } [الفرقان: 9]، والنعيق صوت الراعي لغنمه زجراً يقال: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقاً إذا صاح بها زجراً، والنداء مصدر نادى ينادي مناداة، وهو أخص من الدعاء ففيه معنى الجهر بالصوت ونحوه بخلاف الدعاء، والمعنى - والله أعلم - ومثلك في دعاء الذين كفروا كمثل الذي ينعق من البهائم بما لا يسمع من نعيقه إلاَّ دعاءً ونداءً ما، فينزجر بمجرد قرع الصوت سمعه من غير أن يعقل شيئاً فهم صمّ لا يسمعون كلاماً يفيدهم، وبكم لا يتكلمون بما يفيد معنى، وعمي لا يبصرون شيئاً فهم لا يعقلون شيئاً لأن الطرق المؤدية إلى التعقل مسدودة عليهم.
ومن ذلك يظهر أن في الكلام قلباً أو عناية أُخرى يعود إليه فإن المثل بالذي ينعق بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً مثل الذي يدعوهم إلى الهدى لا مثل الكافرين المدعوين إلى الهدى إلاَّ أن الأوصاف الثلاثة التي استنتج واستخرج من المثل وذكرت بعده، وهي قوله: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون}، لما كانت أوصافاً للذين كفروا لا لمن يدعوهم إلى الحق استوجب ذلك أن ينسب المثل إلى الذين كفروا لا إلى رسول الله تعالى فأنتج ما أشبه القلب.
(بحث روائي)
في تهذيب عن عبد الرَّحمن، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل حلف أن ينحر ولده قال: ذلك من خطوات الشيطان.
وعن منصور بن حازم أيضاً قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أما سمعت بطارق إن طارقاً كان نخاساً بالمدينة فأتى أبا جعفر فقال: يا أبا جعفر إني حلفت بالطلاق والعتاق والنذر؟ فقال له: يا طارق أن هذا من خطوات الشيطان.
وفي تفسير العياشي عن أبي جعفر عليه السلام قال: كل يمين بغير الله فهو من خطوات الشيطان.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: إذا حلف الرجل على شيء - والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه: فليأت الذي هو خير ولا كفارة له، وإنما ذلك من خطوات الشيطان.
أقول: والأحاديث كما ترى مبنية على كون المراد من خطوات الشيطان الأعمال التي يتقرب بها وليست بمقربة لعدم العبرة بها شرعاً كما ذكرناه في البيان السابق نعم في خصوص الطلاق ونحوه وجه آخر للبطلان وهو التعليق المنافي للإِنشاء، والمسألة فقهية، والمراد باليمين بغير الله هو اليمين الذي يترتب عليه أثر اليمين الشرعي أو القسم بما لم يقسم به الله ولم يثبت له كرامة شيئاً.
وفي المجمع عن الباقر في قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} الآية، قال: أي مثلهم في دعائك إياهم إلى الإِيمان كمثل الناعق في دعائه المنعوق به من البهائم التي لا تفهم وإنما تسمع الصوت.
(بحث أخلاقي واجتماعي)
الآراء والعقائد التي يتخذها الإِنسان إما نظرية لا تعلق لها بالعمل من غير واسطة كالمسائل المتعلقة بالرياضيات والطبيعيات وما وراء الطبيعة، وإما عملية متعلقة بالعمل بلا واسطة كالمسائل المتعلقة بما ينبغي فعله وما لا ينبغي، والسبيل في القسم الأول هو اتباع العلم واليقين المنتهي إلى برهان أو حس، وفي القسم الثاني اتباع ما يوصل إلى الخير الذي فيه سعادة الإِنسان أو النافع فيها، واجتناب ما ينتهي إلى شقائه أو يضره في سعادته، وأما الاعتقاد بما لا علم له بكونه حقاً في القسم الأول، والاعتقاد بما لا يعلم كونه خيراً أو شراً فهو اعتقاد خرافي.
والإِنسان لما كانت آراؤه منتهية إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل الأشياء والطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة، فإنه لا تخضع نفسه إلى الرأى الخرافي المأخوذ على العمياء وجهلاً إلاَّ أن العواطف النفسانية والإِحساسات الباطنية التي تثيرها الخيال - وعمدتها الخوف والرجاء - ربما أوجبت له القول بالخرافة من جهة أن الخيال يصور له صوراً يستصحب خوفاً أو رجاء فيحفظها إحساس الخوف أو الرجاء، ولا يدعها تغيب عن النفس الخائفة أو الراجية، كما أن الإِنسان إذا أحل وادياً - وهو وحده بلا أنيس والليل داج مظلم والبصر حاسر عن الإِدراك - فلا مؤمن يؤمنه بتميز المخاطر من غيرها بضياء ونحوه فترى أن خياله يصور له كل شبح يترائى له غولاً مهيباً يقصده بالإِهلاك أو روحاً من الأرواح، وربما صور له حركة وذهاباً وإياباً وصعوداً في السماء ونزولاً إلى الأرض، وأشكالاً وتماثيل ثم لا يزال الخيال يكرر له هذا الشبه المجعول كلما ذكره، وحاله حاله من الخوف، ثم ربما نقله لغيره فأوجد فيه حالاً نظير حاله ولا يزال ينتشر - وهو موضوع خرافي لا ينتهي إلى حقيقة -.
وربما هيّج الخيال حسن الدفاع من الإِنسان أن يضع أعمالاً لدفع شر هذا الموجود الموهوم ويحث غيره على العمل بها للأمن من شره فيذهب سنّة خرافية.
ولم يزل الإِنسان منذ أقدم أعصار حياته مبتلى بآراء خرافية حتى اليوم وليس كما يظن من أنها من خصائص الشرقيين، فهي موجودة بين الغربيين مثلهم لو لم يكونوا أحرص عليها منهم.
ولا يزال الخواص من الإِنسان - وهم العلماء - يحتالون في إمحاء رسوم هذه الخرافات المتمكنة في نفوس العامة من الناس بلطائف حيلهم التي توجب تنبه العامة وتيقظهم في أمرها، وقد أعيا الداء الطبيب، فإن الإِنسان لا يخلو من التقليد والاتباع في الآراء النظرية والمعلومات الحقيقية من جانب، ومن الإِحساسات والعواطف النفسانية من جانب آخر، وناهيك في ذلك أن العلاج لم ينجح إلى اليوم.
وأعجب من الجميع ما يراه في ذلك أهل الحضارة وعلماء الطبيعة اليوم! فقد ذكروا أن العلم اليوم يبني أساسه على الحس والتجربة ويدفع ما دون ذلك، والمدنية والحضارة تبني أساسه على استكمال الاجتماع في كل كمال ميسور ما استيسر، وبنوا التربية على ذلك.
مع أن ذلك - وهو عجيب - نفسه من اتباع الخرافة، فإن علوم الطبيعة إنما تبحث عن خواص الطبيعة وتثبتها لموضوعاتها، وبعبارة أُخرى هذه العلوم المادية إنما تكشف دائماً عن خبايا خواص المادة، وأما ما وراء ذلك فلا سبيل لها إلى نفيه وإبطاله، فالاعتقاد بانتفاء ما لا تناله الحس والتجربة من غير دليل من أظهر الخرافات.
وكذلك بناء المدنية على استكمال الاجتماع المذكور فإن هذا الاستكمال والنيل بالسعادة الاجتماعية ربما يستلزم حرمان بعض الأفراد من سعادته الحيوية الفردية كتحمل القتل والتفدية في الدفاع عن الوطن أو القانون أو المرام، والمحرومية من سعادة الشخص لأجل وقاية حريم الاجتماع فهذه الحرمانات لا يقدم فيها الإِنسان إلاَّ عن عقيدة الاستكمال، وأن يراها كمالات - وليست كمالات لنفسه - بل عدم وحرمان لها، وإنما هي كمالات - لو كانت كمالات - للمجتمع من حيث هو مجتمع وإنما يريد الإِنسان الاجتماع لأجل نفسه لا نفسه لأجل الاجتماع، ولذلك كله ما احتالت هذه الاجتماعات لأفرادها فلقنوهم أن الإِنسان يكتسب بالتفدية ذكراً جميلاً واسماً باقياً على الفخر دائماً وهو الحياة الدائمة، وهذه خرافة، وأي حياة بعد البطلان والفناء غير أنا نسميه حياة، تسمية ليس وراءها شيء.
ومثلها القول: إن الإِنسان يجب له تحمل مر القانون والصبر على الحرمان في بعض ما يشتهيه نفسه ليتحفظ به الاجتماع فينال كماله في الباقي فيعتقد أن كمال الاجتماع كماله، وهذه خرافة، فإن كمال الاجتماع إنما هو كماله فيما يتطابق الكمالان وأما غير ذلك فلا، فأي موجب على فرد بالنسبة إلى كماله أو اجتماع قوم بالنسبة إلى اجتماع الدنيا إذا قدر على نيل ما يبتغيه من آماله ولو بالجور وفاق في القوة والاستطاعة من غير مقاوم يقاومه أن يعتقد أن كمال الاجتماع كماله والذكر الجميل فخاره؟ كما أن أقوياء الأمم لا يزالون على الانتفاع من حياة الأمم الضعيفة، فلا يجدون منهم موطئاً إلاَّ وطئوه، ولا منالاً إلاَّ نالوه، ولا نسمة إلاَّ استرقوه واستعبدوه، وهل ذلك إلاَّ علاجاً لمزمن الداء بالإِفناء.
وأما ما سلكه القرآن في ذلك فهو أمره باتباع ما أنزل الله والنهي عن القول بغير علم، هذا في النظر، وأما في العمل فأمره بابتغاء ما عند الله فيه فإن كان مطابقاً لما يشتهيه النفس كان فيه سعادة الدنيا والآخرة وإن كان فيه حرمانها، فعند الله عظيم الأجر، وما عند الله خير وأبقى.
والذي يقوله أصحاب الحس: أن اتباع الدين تقليد يمنع عنه العلم وأنه من خرافات العهد الثاني من العهود الأربعة المارة على نوع الإِنسان (وهي عهد الأساطير وعهد المذهب وعهد الفلسفة وعهد العلم، وهو الذي عليه البشر اليوم من اتباع العلم ورفض الخرافات) فهو قول بغير علم ورأي خرافي.
أما أن اتباع الدين تقليد فيبطله: أن الدين مجموع مركب من معارف المبدأ والمعاد، ومن قوانين اجتماعية من العبادات والمعاملات مأخوذة من طريق الوحي والنبوة الثابت صدقه بالبرهان والمجموعة من الأخبار التي أخبر بها الصادق صادقة واتباعها اتباع للعلم لأن المفروض العلم بصدق مخبرها بالبرهان، وقد مرّ في البحث التالي لقوله تعالى:
{ وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، كلام في التقليد فارجع.
ومن العجيب أن هذا القول قول من ليس بيده في أُصول الحياة وسنن الاجتماع: من مأكله ومشربه وملبسه ومنكحه ومسكنه وغير ذلك إلاَّ التقليد على العمى واتباع الهوى من غير تثبت وتبين، نعم اختلقوا للتقليد اسماً آخر وهو اتباع السنّة الذي ترتضيه الدنيا الراقية فصار التقليد بذلك ممحو الاسم ثابت الرسم، مهجور اللفظ، مأنوس المعنى، وكان (ألق دلوك في الدلاء) شعاراً علمياً ورقياً مدنياً وعاد {ولا تتبع الهوى فيضلك} تقليداً دينياً وقولاً خرافياً.
وأما تقسيمهم سير الحياة الإِنسانية إلى أربعة عهود فما بأيدينا من تاريخ الدين والفلسفة يكذبه فإن طلوع دين إبراهيم إنما كان بعد عهد الفلسفة بالهند ومصر وكلدان ودين عيسى بعد فلسفة يونان وكذا دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم - وهو الإِسلام - كان بعد فلسفة يونان وإسكندرية، وبالجملة غاية أوج الفلسفة كانت قبل بلوغ الدين أوجه. وقد مرّ فيما مرّ أن دين التوحيد يتقدم في عهده على جميع الأديان الأخر.
والذي يرتضيه القرآن من تقسيم تاريخ الإِنسان هو تقسيمه إلى عهد السذاجة ووحدة الأمم وعهد الحس والمادة، وسيجيء بيانه في الكلام على قوله تعالى:
{ كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين } [البقرة: 213].