التفاسير

< >
عرض

وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
١٩٠
وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
١٩١
فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٩٢
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ
١٩٣
ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ
١٩٤
وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٩٥
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
سياق الآيات الشريفة يدل على أنها نازلة دفعة واحدة، وقد سيق الكلام فيها لبيان غرض واحد وهو تشريع القتال لأول مرة مع مشركي مكة، فإن فيها تعرضاً لإِخراجهم من حيث أخرجوا المؤمنين، وللفتنة، وللقصاص، والنهي عن مقاتلتهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوا عنده، وكل ذلك أمور مربوطة بمشركي مكة، على أنه تعالى قيد القتال بالقتال في قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}، وليس معناه الاشتراط أي قاتلوهم أن قاتلوكم وهو ظاهر، ولا قيداً احترازياً، والمعنى قاتلوا الرجال دون النساء والولدان الذين لا يقاتلونكم كما ذكره بعضهم، إذ لا معنى لقتال من لا يقدر على القتال حتى ينهى عن مقاتلته، ويقال: لا تقاتله بل إنما الصحيح النهي عن قتله دون قتاله.
بل الظاهر أن الفعل أعني يقاتلونكم، للحال والوصف للإشارة، والمراد به الذين حالهم حال القتال مع المؤمنين وهم مشركوا مكة.
فمساق هذه الآيات مساق قوله تعالى:
{ أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } [الحج: 39-40]، إذن ابتدائي للقتال مع المشركين المقاتلين من غير شرط.
على أن الآيات الخمس جميعاً متعرضة لبيان حكم واحد بحدوده وأطرافه ولوازمه فقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله}، لأصل الحكم، وقوله تعالى: {لا تعتدوا} الخ، تحديد له من حيث الانتظام، وقوله تعالى: {واقتلوهم} الخ، تحديد له من حيث التشديد، وقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} الخ، تحديد له من حيث المكان، وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الخ، تحديد له من حيث الأمد والزمان، وقوله تعالى: {الشهر الحرام} الخ، بيان أن هذا الحكم تشريع للقصاص في القتال والقتل ومعاملة بالمثل معهم، وقوله تعالى: {وأنفقوا}، إيجاب لمقدمته المالية وهو الإنفاق للتجهيز والتجهز، فيقرب أن يكون نزول مجموع الآيات الخمس لشأن واحد من غير أن ينسخ بعضها بعضاً كما احتمله بعضهم، ولا أن تكون نازلة في شؤون متفرقه كما ذكره آخرون، بل الغرض منها واحد وهو تشريع القتال مع مشركي مكة الذين كانوا يقاتلون المؤمنين.
قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}، القتال محاولة الرجل قتل من يحاول قتله، وكونه في سبيل الله إنما هو لكون الغرض منه إقامة الدين وإعلاء كلمة التوحيد، فهو عبادة يقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على أموال الناس وأعراضهم، فإنما هو في الإسلام دفاع يحفظ به حق الإنسانية المشروعة عند الفطرة السليمة كما سنبينه، فإن الدفاع محدود بالذات، والتعدي خروج عن الحد، ولذلك عقبه بقوله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}.
قوله تعالى: {ولا تعتدوا} الخ، الاعتداء هو الخروج عن الحد، يقال عدا واعتدى إذا جاوز حده، والنهى عن الاعتداء مطلق يراد به كل ما يصدق عليه أنه اعتداء كالقتال قبل أن يدعى إلى الحق، والابتداء بالقتال، وقتل النساء والصبيان، وعدم الانتهاء إلى العدو، وغير ذلك مما بينه السنة النبوية.
قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} إلى قوله: {من القتل}، يقال ثقف ثقافة أي وجد وادرك فمعنى الآية معنى قوله:
{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5]، والفتنة هو ما يقع به اختبار حال الشيء، ولذلك يطلق على نفس الامتحان والابتلاء وعلى ما يلازمه غالباً وهو الشدة والعذاب على ما يستعقبه كالضلال والشرك، وقد استعمل في القرآن الشريف في جميع هذه المعاني، والمراد به في الآية الشرك بالله ورسوله بالزجر والعذاب كما كان يفعله المشركون بمكة بالمؤمنين بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبلها.
فالمعنى شددوا على المشركين بمكة كل التشديد بقتلهم حيث وجدوا حتى ينجر ذلك إلى خروجهم من ديارهم وجلائهم من أرضهم كما فعلوا بكم ذلك، وما فعلوه أشد فإن ذلك منهم كان فتنة والفتنة أشد من القتل لأن في القتل انقطاع الحياة الدنيا، وفي الفتنة انقطاع الحياتين وانهدام الدارين.
قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} الخ، فيه نهي عن القتال عند المسجد الحرام حفظاً لحرمته ما حفظوه، والضمير في قوله: فيه راجع إلى المكان المدلول عليه بقوله عند المسجد.
قوله تعالى: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم}، الانتهاء الامتناع والكف، والمراد به الانتهاء عن مطلق القتال عند المسجد الحرام دون الانتهاء عن مطلق القتال بطاعة الدين وقبول الإسلام فإن ذلك هو المراد بقوله ثانياً: {فإن انتهوا فلا عدوان} وأما هذا الانتهاء فهو قيد راجع إلى أقرب الجمل إليه وهو قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد}، وعلى هذا فكل من الجملتين أعني قوله تعالى: {فإن انتهوا فإن الله}، وقوله تعالى: {فإن انتهوا فلا عدوان}، قيد لما يتصل به من الكلام من غير تكرار.
وفي قوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم}، وضع السبب موضع المسبب إعطاء لعلة الحكم، والمعنى فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم.
قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين لله}، تحديد لأمد القتال كما مر ذكره، والفتنة في لسان هذه الآيات هو الشرك باتخاذ الأصنام كما كان يفعله ويكره عليه المشركون بمكه، ويدل عليه قوله تعالى: {ويكون الدين لله}، والآية نظيرة لقوله تعالى:
{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } [الأنفال: 39-40]، وفي الآية دلالة على وجوب الدعوة قبل القتال فإن قبلت فلا قتال وإن ردت فلا ولاية إلا لله ونعم المولى ونعم النصير، ينصر عباده المؤمنين، ومن المعلوم أن القتال إنما هو ليكون الدين لله، ولا معنى لقتال هذا شأنه وغايته إلا عن دعوة إلى الدين الحق وهو الدين الذي يستقر على التوحيد.
ويظهر من هذا الذي ذكرناه أن هذه الآية ليست بمنسوخة بقوله تعالى:
{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [التوبة: 29]، بناء على أن دينهم لله سبحانه وتعالى، وذلك أن الآية أعني قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، خاصة بالمشركين غير شاملة لأهل الكتاب، فالمراد، بكون الدين لله سبحانه وتعالى هو أن لا يعبد الأصنام ويقر بالتوحيد، وأهل الكتاب مقرون به، وإن كان ذلك كفراً منهم بالله بحسب الحقيقة كما قال تعالى: إنهم: {لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق}، لكن الإسلام قنع منهم بمجرد التوحيد، وإنما أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزيه لإعلاء كلمة الحق على كلمتهم وإظهار الإسلام على الدين كله.
قوله تعالى: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}، أي فإن انتهوا عن الفتنة وآمنوا بما آمنتم به فلا تقاتلوهم فلا عدوان إلا على الظالمين، فهو من وضع السبب موضع المسبب كما مر نظيره في قوله تعالى: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} الآية، فالآية كقوله تعالى:
{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } [التوبة: 11]. قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}، الحرمات جمع حرمة وهي ما يحرم هتكه ويجب تعظيمه ورعاية جانبه، والحرمات: حرمة الشهر الحرام وحرمة الحرم وحرمة المسجد الحرام، والمعنى أنهم لو هتكوا حرمة الشهر الحرام بالقتال فيه، وقد هتكوا حين صدوا النبي وأصحابه عن الحج عام الحديبية ورموهم بالسهام والحجارة جاز للمؤمنين أن يقاتلوهم فيه وليس بهتك، فإنما يجاهدون في سبيل الله ويمتثلون أمره في إعلاء كلمته ولو هتكوا حرمة الحرم والمسجد الحرام بالقتال فيه وعنده جاز للمؤمنين معاملتهم بالمثل، فقوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم من هذا البيان العام قوله تعالى عقيبه: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، فالمعنى أن الله سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام لأنه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات لأنه شرع جواز الاعتداء بالمثل.
ثم ندبهم إلى ملازمة طريقة الاحتياط في الاعتداء لأن فيه استعمالاً للشدة والبأس والسطوة وسائر القوى الداعية إلى الطغيان والانحراف عن جادة الاعتدال والله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين، وهم أحوج إلى محبة الله تعالى وولايته ونصره فقال تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}.
وأما أمره تعالى بالاعتداء مع أنه لا يحب المعتدين فإن الاعتداء مذموم إذا لم يكن في مقابله اعتداء، وأما إذا كان في مقابله الاعتداء فليس إلا تعالياً عن ذل الهوان وارتقاء عن حضيض الاستعباد والظلم والضيم، كالتكبر مع المتكبر، والجهر بالسوء لمن ظلم.
قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أمر بإنفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله، والكلام في تقييد الإنفاق ها هنا بكونه في سبيل الله نظير تقييد القتال في أول الآيات بكونه في سبيل الله، كما مر، والباء في قوله: {بأيديكم} زائدة للتأكيد، والمعنى: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة كناية عن النهي عن إبطال القوة والاستطاعة والقدرة فإن اليد مظهر لذلك، وربما يقال: إن الباء للسببية ومفعول لا تلقوا محذوف، والمعنى: لا تلقوا أنفسكم بأيدي أنفسكم إلى التهلكة، والتهلكة والهلاك واحد وهو مصير الإنسان بحيث لا يدري أين هو، وهو على وزن تفعلة بضم العين ليس في اللغة مصدر على هذا الوزن غيره.
والكلام مطلق أُريد به النهي عن كل ما يوجب الهلاك من إفراط وتفريط، كما أن البخل والإمساك عن إنفاق المال عند القتال يوجب بطلان القوة وذهاب القدرة، وفيه هلاك العدة بظهور العدو عليهم، وكما أن التبذير بإنفاق جميع المال يوجب الفقر والمسكنة المؤديين إلى انحطاط الحياة وبطلان المروة.
ثم ختم سبحانه وتعالى الكلام بالإحسان فقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، وليس المراد بالإحسان الكف عن القتال أو الرأفه في قتل أعداء الدين وما يشبههما بل الإِحسان هو الإتيان بالفعل على وجه حسن بالقتال في مورد القتال، والكف في مورد الكف، والشدة في مورد الشدة، والعفو في مورد العفو، فدفع الظالم بما يستحقه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقها المشروع لها، ودفاع عن الدين المصلح لشأنها كما أن الكف عن التجاوز في استيفاء الحق المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر، ومحبة الله سبحانه وتعالى هو الغرض الأقصى من الدين، وهو الواجب على كل متدين بالدين أن يجلبها من ربه بالاتباع، قال تعالى:
{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31]، وقد بدأت الآيات الشريفة - وهي آيات القتال - بالنهي عن الاعتداء وأن الله لا يحب المعتدين وختمت بالأمر بالإحسان وأن الله يحب المحسنين، وفي ذلك من وجوه الحلاوة ما لا يخفى.
الجهاد الذى يأمر به القرآن:
كان القرآن يأمر المسلمين بالكف عن القتال والصبر على كل أذى في سبيل الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه وتعالى:
{ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } [الكافرون: 1-3]، إلى قوله: { لكم دينكم ولي دين } [الكافرون: 6]، وقال تعالى: { واصبر على ما يقولون } [المزمل: 10]، وقال تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال } [النساء: 77]، وكأن هذة الآية تشير إلى قوله سبحانه وتعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 119]. ثم نزلت آيات القتال، فمنها آيات القتال مع مشركي مكة ومن معهم بالخصوص كقوله تعالى: { أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } [الحج: 39]، ومن الممكن أن تكون هذه الآية نزلت في الدفاع الذي أمر به في بدر وغيرها، وكذا قوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } [الأنفال: 39]، وكذا قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة: 119] ومنها آيات القتال مع أهل الكتاب، قال تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون } [التوبة: 29]. ومنها آيات القتال مع المشركين عامة، وهم غير أهل الكتاب كقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5]، وكقوله تعالى: { قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } [التوبة: 36]. ومنها ما يأمر بقتال مطلق الكفار كقوله تعالى: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } [التوبة: 123]. وجملة الأمر أن القرآن يذكر أن الإسلام ودين التوحيد مبني على أساس الفطرة وهو القيم على إصلاح الإنسانية في حياتها كما قال تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [الروم: 30]، فإقامته والتحفظ عليه أهم حقوق الإنسانية المشروعة كما قال تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [الشورى: 13]، ثم يذكر أن الدفاع عن هذا الحق الفطري المشروع حق آخر فطري، قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } [الحج: 40]، فبين أن قيام دين التوحيد على ساقه وحياة ذكره منوط بالدفاع، ونظيره قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، وقال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال: { ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } [الأنفال: 8]، ثم قال تعالى: بعد عدة آيات: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 24]، فسمى الجهاد والقتال الذي يدعى له المؤمنون محيياً لهم، ومعناه أن القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام أو كان قتالاً ابتدائياً كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في حياتها ففي الشرك بالله سبحانه هلاك الإنسانية وموت الفطرة، وفي القتال وهو دفاع عن حقها إعادة لحياتها وإحيائها بعد الموت.
ومن هناك يستشعر الفطن اللبيب: أنه ينبغي أن يكون للإسلام حكم دفاعي في تطهير الأرض من لوث مطلق الشرك وإخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى، فإن هذا القتال الذي تذكره الآيات المذكورة إنما هو لإماتة الشرك الظاهر من الوثنية، أو لإعلاء كلمة الحق على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء الجزية، مع أن آية القتال معهم تتضمن أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يدينون دين الحق فهم وإن كانوا على التوحيد لكنهم مشركون بالحقيقة مستبطنون ذلك، والدفاع عن حق الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدين الحق.
والقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح لكنه يبوح بالوعد بيوم للمؤمنين على أعدائهم لا يتم أمره إلا بإنجاز الأمر بهذه المرتبة من القتال، وهو القتال لإقامة الإخلاص في التوحيد، قال تعالى:
{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } [الصف: 9]، وأظهر منه قوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } [الأنبياء: 105]، وأصرح منه قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً } [النور: 55]، فقوله تعالى: يعبدونني يعني به عبادة الإخلاص بحقيقة الإيمان بقرينة قوله تعالى: {لا يشركون بي شيئاً}، مع أنه تعالى يعد بعض الإيمان شركاً، قال تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [يوسف: 106]، فهذا ما وعده تعالى من تصفية الأرض وتخليتها للمؤمنين يوم لا يعبد فيه غير الله حقاً.
وربما يتوهم المتوهم: أن ذلك وعد بنصر إلهي بمصلح غيبي من غير توسل بالأسباب الظاهرة لكن ينافيه قوله: ليستخلفنهم في الأرض، فإن الاستخلاف إنما هو بذهاب بعض وإزالتهم عن مكانهم ووضع آخرين مقامهم ففيه إيماء إلى القتال.
على أن قوله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } [المائدة: 54] - على ما سيجيء في محله - يشير إلى دعوة حقة، ونهضة دينية ستقع عن أمر إلهي ويؤيد أن هذه الواقعة الموعودة إنما تقع عن دعوة جهاد.
وبما مر من البيان يظهر الجواب عما ربما يورد على الإسلام في تشريعه الجهاد بأنه خروج عن طور النهضات الدينية المأثورة عن الأنبياء السالفين، فإن دينهم إنما كان يعتمد في سيره وتقدمه على الدعوة والهداية، دون الاكراه على الايمان بالقتال المستتبع للقتل والسبي والغارات، ولذلك ربما سماه بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف والدم وآخرون بدين الاجبار والاكراه!
وذلك أن القرآن يبين أن الاسلام مبني على قضاء الفطرة الانسانية التي لا ينبغي أن يرتاب أن كمال الانسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه، وهي تقضي بأن التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية والاجتماعية عليه، وأن الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حق مشروع للإنسانية يجب استيفائه بأى وسيلة ممكنة، وقد روعي في ذلك طريق الاعتدال، فبدأ بالدعوة المجردة والصبر على الأذى في جنب الله، ثم الدفاع عن بيضة الاسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، ثم القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حق الانسانية وكلمة التوحيد ولم يبدأ بشيء من القتال إلا بعد إتمام الحجة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنة النبوية، قال تعالى:
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [النحل: 125]، والآية مطلقة، وقال تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } [الأنفال: 42]. وأما ما ذكروه من استلزامه الاكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقف إحياء الانسانية على تحميل الحق المشروع على عدة من الأفراد بعد البيان واقامة الحجة البالغة عليهم، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول، فإن المتمرد المتخلف عن القوانين المدنية يدعى إلى تبعيتها ثم يحمل عليه بأي وسيلة أمكنت ولو انجر إلى القتال حتى يطيع وينقاد طوعاً أو كرهاً.
على أن الكره إنما يعيش ويدوم في طبقة واحدة من النسل، ثم التعليم والتربية الدينيان يصلحان الطبقات الآتية بإنشائها على الدين الفطري وكلمة التوحيد طوعاً.
وأما ما ذكروه: ان سائر الأنبياء جروا على مجرد الدعوة والهداية فقط، فالتاريخ الموجود من حياتهم يدل على عدم اتساع نطاقهم بحيث يجوز لهم القيام بالقتال كنوح وهود وصالح عليهم السلام فقد كان أحاط بهم القهر والسلطنة من كل جانب، وكذلك كان عيسى عليه السلام أيام إقامته بين الناس واشتغاله بالدعوة وإنما انتشرت دعوته وقبلت حجته في زمان طرو النسخ على شريعته وكان ذلك أيام طلوع الاسلام.
على أن جمعاً من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله تعالى كما تقصه التوراة، والقرآن يذكر طرفاً منه، قال تعالى:
{ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } [آل عمران: 146]، وقال تعالى - يقص دعوة موسى قومه إلى قتال العمالقة -: {وإذ قال موسى لقومه} إلى أن قال: { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } [المائدة: 21] إلى أن قال تعالى: { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هُنا قاعدون } [المائدة: 24]، وقال تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله } [البقرة: 246]، إلى آخر قصة طالوت وجالوت.
وقال تعالى في قصة سليمان وملكة سبأ:
{ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين } [النمل: 31] - إلى أن قال تعالى -: { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون } [النمل: 37]، ولم يكن هذا الذي كان يهددهم بها بقوله: {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} "الخ"، إلا قتالاً ابتدائياً عن دعوة ابتدائية.
(بحث اجتماعي)
لا ريب أن الاجتماع أينما وجد كاجتماع نوع الإنسان وسائر الاجتماعات المختلفة النوعية التي نشاهدها في أنواع من الحيوان، فإنما هو مبني على أساس الاحتياج الفطري الموجود فيها الذي يراد به حفظ الوجود والبقاء.
وكما أن الفطرة والجبلة أعطتها حق التصرف في كل ما تنتفع بها في حياتها من حفظ الوجود والبقاء كالإِنسان يتصرف في الجماد والنبات والحيوان حتى في الإِنسان بأي وسيلة ممكنة فيرى لنفسه حقاً في ذلك وإن زاحم حقوق غيره من الحيوان وكمال غيره من النبات والجماد، وكأنواع الحيوان في تصرفاتها في غيرها وإذعانها بأن لها حقاً في ذلك كذلك أعطتها حق الدفاع عن حقوقها المشروعة لها بحسب فطرتها، إذ كان لا يتم حق التصرف بدون حق الدفاع فالدار دار التزاحم، والناموس ناموس التنازع في البقاء، فكل نوع يحفظ وجوده وبقاءه بالشعور والحركة يرى لنفسه حق الدفاع عن حقوقه بالفطرة، ويذعن بأن ذلك مباح له كما يذعن بإباحة تصرفه المذكور، ويدل على ذلك ما نشاهده في أنواع الحيوان: من أنها تتوسل عند التنازع بأدواتها البدنية الصالحة لأن تستعمل في الدفاع كالقرون والأنياب والمخالب والأظلاف والشوك والمنقار وغير ذلك، وبعضها الذي لم يتسلح بشيء من هذه الأسلحة الطبيعية القوية تستريح إلى الفرار أو الاستتار أو الخمود كبعض الصيد والسلحفاة وبعض الحشرات، وبعضها الذي يقدر على اعمال الحيل والمكائد ربما اخذ بها في الدفاع كالقرد والدب والثعلب وأمثالها.
والإنسان من بين الحيوان مسلح بالشعور الفكري الذي يقدر به على استخدام غيره في سبيل الدفاع كما يقدر عليه في سبيل التصرف للانتفاع، وله فطرة كسائر الأنواع، ولفطرته قضاوة وحكم، ومن حكمها أن للإنسان حقاً في التصرف، وحقاً في الدفاع عن حقه الفطري، وهذا الحق الذي يذعن به الإنسان بفطرته هو الذي يبعثه نحو المقاتلة والمقارعة في جميع الموارد التي يهم بها فيها في الاجتماع الإنساني دون حكم الاستخدام الذي يحكم به حكماً أولياً فطرياً، فيستخدم به كل ما يمكنه أن يستخدمه في طريق منافعه الحيوية، فإن هذا الحكم معدل بالاجتماع إذ الإنسان إذا أحس بحاجته إلى استخدام غيره من بني نوعه ثم علم بأن سائر الأفراد من نوعه أمثاله في الحاجة اضطر إلى المصالحة والموافقة على التمدن والعدل الاجتماعي بأن يخدم غيره بمقدار ما يستخدم غيره حسب ما يزنه الاحتياج بميزانه ويعدله الاجتماع بتعديله.
ومن هنا يعلم: ان الإنسان لا يستند في شيء من مقاتلاته إلى حكم الاستخدام والاستعباد المطلق الذي يذعن به في أول أمره، فإن هذا حكم مطلق نسخه الإنسان بنفسه عند أول وروده في الاجتماع واعترف بإنه لا ينبغي أن يتصرف في منافع غيره إلا بمقدار يؤتي غيره من منافع نفسه، بل إنما يستند في ذلك إلى حق الدفاع عن حقوقه في منافعه فيفرض لنفسه حقاً ثم يشاهد تضييعه فينهض إلى الدفاع عنه.
فكل قتال دفاع في الحقيقة، حتى أن الفاتحين من الملوك والمتغلبين من الدول يفرضون لأنفسهم نوعاً من الحق كحق الحاكمية ولياقة التأمر على غيرهم أو عسرة في المعاش أو مضيقة في الأرض أو غير ذلك فيعتذرون بذلك في مهاجمتهم على الناس وسفك الدماء وفساد الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
فقد تبين: أن الدفاع عن حقوق الإنسانية حق مشروع فطري مباح الاستيفاء للإنسان، نعم لما كان هذا حقاً مطلوباً لغيره لا لنفسه يجب أن يوازن بما للغير من الأهمية، فلا يقدم على الدفاع إلا إذا كان ما يفوت الإنسان بالدفاع من المنافع هو دون الحق الضائع المستنقذ في الأهمية الحيوية، وقد أثبت القرآن أن أهم حقوق الإِنسانية هو التوحيد والقوانين الدينية المبنية عليه، كما أن عقلاء الاجتماع الإنساني على أن أهم حقوقها هو حق الحياة تحت القوانين الحاكمة على المجتمع الإنساني التي تحفظ منافع الأفراد في حياتهم.
(بحث روائي)
في المجمع عن ابن عباس في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} الآية، نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفاً وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية ثم صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه ويعود العام القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء فرجع إلى المدينة من فوره فلما كان العام المقبل تجهز النبي وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله هذه الآية.
أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور بطرق عن ابن عباس وغيره.
وفي المجمع أيضاً عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أول آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فنسخت هذه الآية.
أقول: وهذا اجتهاد منهما وقد عرفت أن الآية غير ناسخة للآية بل هو من قبيل تعميم الحكم بعد خصوصه.
وفي المجمع في قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} الآية نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك فبين الله سبحانه: أن الفتنة في الدين - وهو الشرك - أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان غير جائز.
أقول: وقد عرفت: ان ظاهر وحدة السياق في الآيات الشريفة أنها نزلت دفعة واحدة.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الآية، بطرق عن قتادة، قال: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك ويكون الدين لله. قال: حتى يقال: لا إله إلاَّ الله، عليها قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واليها دعا، وذكر لنا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول:
"إنَّ الله أمرني أنْ أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن انتهوا فلا عدوان إلاَّ على الظالمين، قال: وإنَّ الظالم الذي أبى أنْ يقول لا إله إلاَّ الله يقاتل حتى يقول: لا إله إلاَّ الله"
]. أقول: قوله: وإن الظالم من قول قتادة، استفاد ذلك من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي استفادة حسنة، وروي نظير ذلك عن عكرمة.
وفي الدر المنثور أيضاً أخرج البخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر: إنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني: أن الله حرم دم أخي: قالا: ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
أقول: وقد أخطأ في معنى الفتنة وأخطأ السائلان، وقد مر بيانه، وإنما المورد من مصاديق الفساد في الأرض أو الاقتتال عن بغي ولا يجوز للمؤمنين أن يسكتوا فيه.
وفي المجمع في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الآية، قال أي شرك، قال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام}، عن العلاء بن الفضيل، قال: سألته عن المشركين أيبتدأهم المسلمون بالقتال في الشهر الحرام؟ قال إذا كان المشركون ابتدأوهم باستحلالهم، رأى المسلمون بما أنهم يظهرون عليهم فيه، وذلك قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}.
وفي الدر المنثور: أخرج أحمد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزو في الشهر الحرام حتى يغزى، ويغزو فإذا حضره قام حتى ينسلخ.
وفي الكافي عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عن رجل قتل رجلاً في الحل ثم دخل الحرم فقال عليه السلام لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد قال قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال عليه السلام يقام عليه الحد في الحرم لأنه لم ير للحرم حرمة، وقد قال الله عز وجل: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} فقال هذا هو في الحرم فقال لا عدوان إلا على الظالمين.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكه}، قال: لو أن رجلاً أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفّق، أليس الله يقول: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، يعني المقتصدين!
وروى الصدوق عن ثابت بن أنس، قال: قال رسول الله:
"طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله، ودخل في نهيه يقول الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}"
]. وفي الدر المنثور: بطرق كثيرة عن أسلم أبي عمران، قال كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد فخرج صف عظيم من الروم فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس فقالوا سبحان الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب، صاحب رسول الله فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الأسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها فأنزل الله على نبيه، يرد علينا ما قلنا: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.
أقول: واختلاف الروايات كما ترى في معنى الآية يؤيد ما ذكرناه: أن الآية مطلقة تشمل جانبي الإفراط والتفريط في الإِنفاق جميعاً بل تعم الإِنفاق وغيره.