التفاسير

< >
عرض

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٢١٦
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢١٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢١٨
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم}، الكتابة كما مر مراراً ظاهرة في الفرض إذا كان الكلام مسوقاً لبيان التشريع، وفي القضاء الحتم إذا كان في التكوين، فالآية تدل على فرض القتال على كافة المؤمنين لكون الخطاب متوجهاً إليهم إلا من أخرجه الدليل مثل قوله تعالى:
{ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } [النور: 61]، وغير ذلك من الآيات والأدلة.
ولم يظهر فاعل كتب لكون الجملة مذيلة بقوله: {وهو كره لكم} وهو لا يناسب إظهار الفاعل صوناً لمقامه عن الهتك، وحفظاً لاسمه عن الاستخفاف أن يقع الكتابة المنسوبة إليه صريحاً مورداً لكراهة المؤمنين.
والكره بضم الكاف المشقة التي يدركها من نفسه طبعاً أو غير ذلك، والكره بفتح الكاف: المشقة التي تحمل عليه من خارج كأن يجبره إنسان آخر على فعل ما يكرهه، قال تعالى:
{ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } [النساء: 19]، وقال تعالى: { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً } [فصلت: 11]، وكون القتال المكتوب كرهاً للمؤمنين إما لأن القتال لكونه متضمناً لفناء النفوس وتعب الأبدان والمضار المالية وارتفاع الأمن والرخص والرفاهية، وغير ذلك مما يستكرهه الإنسان في حياته الاجتماعية لا محالة كان كرهاً وشاقاً للمؤمنين بالطبع، فإن الله سبحانه وإن مدح المؤمنين في كتابه بما مدح، وذكر أن فيهم رجالاً صادقين في إيمانهم مفلحين في سعيهم، لكنه مع ذلك عاتب طائفة منهم بما في قلوبهم من الزيغ والزلل، وهو ظاهر بالرجوع إلى الآيات النازلة في غزوة بدر وأُحد والخندق وغيرها، ومعلوم أن من الجائز أن ينسب الكراهة والتثاقل إلى قوم فيهم كاره وغير كاره وأكثرهم كارهون، فهذا وجه.
وإما لأن المؤمنين كانوا يرون أن القتال مع الكفار مع ما لهم من العدة والقوة لا يتم على صلاح الإِسلام والمسلمين، وأن الحزم في تأخيره حتى يتم لهم الاستعداد بزيادة النفوس وكثرة الأموال ورسوخ الاستطاعة، ولذلك كانوا يكرهون الإِقدام على القتال والاستعجال في النزال، فبيّن تعالى أنهم مخطئون في هذا الرأي والنظر، فإن لله أمراً في هذا الأمر هو بالغه، وهو العالم بحقيقة الأمر وهم لا يعلمون إلاَّ ظاهره وهذا وجه آخر.
وإما لأن المؤمنين لكونهم متربين بتربية القرآن تعرق فيهم خلق الشفقة على خلق الله، وملكة الرحمة والرأفة فكانوا يكرهون القتال مع الكفار لكونه مؤدياً إلى فناء نفوس منهم في المعارك على الكفر، ولم يكونوا راضين بذلك بل كانوا يحبون أن يداروهم ويخالطوهم بالعشرة الجميلة، والدعوة الحسنة لعلهم يسترشدوا بذلك، ويدخلوا تحت لواء الإيمان فيحفظ نفوس المؤمنين من الفناء، ونفوس الكفار من الهلاك الأبدي والبوار الدائم، فبيّن ذلك انهم مخطئون في ذلك، فإن الله - وهو المشرع لحكم القتال - يعلم أن الدعوة غير مؤثرة في تلك النفوس الشقية الخاسرة، وأنه لا يعود من كثير منهم عائد إلى الدين ينتفع به في دنيا أو آخرة، فهم في الجامعة الإنسانية كالعضو الفاسد الساري فساده إلى سائر الأعضاء، الذي لا ينجع فيه علاج دون أن يقطع ويرمي به، وهذا أيضاً وجه.
فهذه وجوه يوجه بها قوله تعالى: {وهو كره لكم} إلا أن الأول أنسب نظراً إلى ما أُشير إليه من آيات العتاب، على أن التعبير في قوله: {كتب عليكم القتال}، بصيغة المجهول على ما مر من الوجه يؤيد ذلك.
قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم}، قد مر فيما مرّ أن أمثال عسى ولعلَّ في كلامه تعالى مستعمل في معنى الترجي، وليس من الواجب قيام صفة الرجاء بنفس المتكلم بل يكفي قيامها بالمخاطب أو بمقام التخاطب، فالله سبحانه إنما يقول: عسى أن يكون كذا لا لأنه يرجوه، تعالى عن ذلك، بل ليرجوه المخاطب أو السامع.
وتكرار عسى في الآية لكون المؤمنين كارهين للحرب، محبين للسلم، فأرشدهم الله سبحانه على خطأهم في الأمرين جميعاً، بيان ذلك: أنه لو قيل: عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم أو تحبوا شيئاً وهو شر لكم، كان معناه أنه لا عبرة بكرهكم وحبكم فإنهما ربما يخطئان الواقع، ومثل هذا الكلام إنما يلقى إلى من أخطأ خطأ واحداً كمن يكره لقاء زيد فقط، وأما من أخطأ خطأين كأن يكره المعاشرة والمخالطة ويحب الاعتزال، فالذي تقتضيه البلاغة أن يشار إلى خطأه في الأمرين جميعاً، فيقال له: لا في كرهك أصبت، ولا في حبك اهتديت، عسى أن تكره شيئاً وهو خير لك وعسى أن تحب شيئاً وهو شر لك لأنك جاهل لا تقدر أن تهتدي بنفسك إلى حقيقة الأمر، ولما كان المؤمنون مع كرههم للقتال محبين للسلم كما يشعر به أيضاً قوله تعالى سابقاً: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم}، نبههم الله بالخطأين بالجملتين المستقلتين وهما: عسى أن تكرهوا، وعسى أن تحبوا.
قوله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، تتميم لبيان خطأهم، فإنه تعالى تدرج في بيان ذلك إرفاقاً بأذهانهم، فأخذ أولاً بإبداء احتمال خطأهم في كراهتهم للقتال بقوله: {عسى أن تكرهوا}، فلما اعتدلت أذهانهم بحصول الشك فيها، وزوال صفة الجهل المركب عليهم ثانياً بأن هذا الحكم الذي كرهتموه أنتم إنما شرعه الله الذي لا يجهل شيئاً من حقائق الأمور، والذي ترونه مستند إلى نفوسكم التي لا تعلم شيئاً إلا ما علمها الله إياه وكشف عن حقيقته، فعليكم أن تسلموا إليه سبحانه الأمر.
والآية في إثباته العلم له تعالى على الإطلاق ونفي العلم عن غيره على الإطلاق تطابق سائر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى:
{ إن الله لا يخفى عليه شيء } [آل عمران: 5]، وقوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } [البقرة: 255]، وقد سبق بعض الكلام في القتال في قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } } [البقرة: 190]. قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه}، الآية تشتمل على المنع عن القتال في الشهر الحرام وذمه بأنه صد عن سبيل الله وكفر، واشتمالها مع ذلك على أن إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله، وأن الفتنة أكبر من القتل، يؤذن بوقوع حادثة هي الموجبة للسؤال وإن هناك قتلاً، وأنه إنما وقع خطأ لقوله تعالى في آخر الآيات {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أُولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} الآية، فهذه قرائن على وقوع قتل في الكفار خطأ من المؤمنين في الشهر الحرام في قتال واقع بينهم، وطعن الكفار به، ففيه تصديق لما ورد في الروايات من قصة عبد الله بن جحش وأصحابه.
قوله تعالى: {قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام}، الصد هو المنع والصرف، والمراد بسبيل الله العبادة والنسك وخاصة الحج، والظاهر أن ضمير به راجع إلى السبيل فيكون كفراً في العمل دون الاعتقاد، والمسجد الحرام عطف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام.
والآية تدل على حرمة القتال في الشهر الحرام، وقد قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى:
{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5]، وليس بصواب، وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير آيات القتال.
قوله تعالى: {وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل}، أي والذي فعله المشركون من إخراج رسول الله والمؤمنين من المهاجرين، وهم أهل المسجد الحرام، منه اكبر من القتال وما فتنوا به المؤمنين من الزجر والدعوة إلى الكفر أكبر من القتل، فلا يحق للمشركين ان يطعنوا المؤمنين وقد فعلوا ما هو أكبر مما طعنوا به، ولم يكن المؤمنون فيما اصابوه منهم إلا راجين رحمة الله والله غفور رحيم.
قوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم} إلى آخر الآية حتى للتعليل أي ليردوكم.
قوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه} "الخ" تهديد للمرتد بحبط العمل وخلود النار.
(كلام في الحبط)
والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره، ولم ينسب في القرآن إلا إلى العمل كقوله تعالى:
{ لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } [الزمر: 65]، وقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبيَّن لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم * يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } [محمد: 32-33]، وذيل الآية يدل بالمقابلة على أن الحبط بمعنى بطلان العمل كما هو ظاهر قوله تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً } } [الفرقان: 23]. وبالجملة الحبط هو بطلان العمل وسقوطه عن التأثير، وقد قيل: إن أصله من الحبط بالتحريك وهو ان يكثر الحيوان من الأكل فينتفخ بطنه وربما أدى إلى هلاكه.
والذي ذكره تعالى من أثر الحبط بطلان الأعمال في الدنيا والآخرة معاً، فللحبط تعلق بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة، فإن الإِيمان يطيب الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة، قال تعالى:
{ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [النحل: 97]، وخسران سعي الكافر، وخاصة من ارتد إلى الكفر بعد الإِيمان، وحبط عمله في الدنيا ظاهر لا غبار عليه، فإن قلبه غير متعلق بأمر ثابت، وهو الله سبحانه، يبتهج به عند النعمة، ويتسلى به عند المصيبة، ويرجع إليه عند الحاجة، قال تعالى: { أَوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]، تبيِّنُ الآية أن للمؤمن في الدنيا حياة ونوراً في أفعاله، وليس للكافر، ومثله قوله تعالى: { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى } [طه: 123-124]، حيث يبيِّن أن معيشة الكافر وحياته في الدنيا ضنك ضيقة متعبة، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيده رحبة وسيعة.
وقد جمع الجميع ودل على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى:
{ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } } [محمد: 11]. فظهر مما قربناه أن المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان بها سعادة الحياة، لا خصوص الأعمال العبادية، والأفعال القربية التي كان المرتد عملها وأتى بها حال الإيمان، مضافاً إلى أن الحبط وارد في مورد الذين لا عمل عبادي، ولا فعل قربي لهم كالكفار والمنافقين كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم } [محمد: 7-9]، وقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أُولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 21-22]، إلى غير ذلك من الآيات.
فمحصل الآية كسائر آيات الحبط هو أن الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثر في سعادة الحياة، كما أن الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها أثرها في السعادة، فإن آمن الإِنسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السعادة بعد كونها محبطة باطلة، وإن ارتد بعد الإِيمان ماتت أعماله جميعاً وحبطت، فلا تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أُخروية، لكن يرجى له ذلك أن هو لم يمت على الردة وإن مات على الردة حتم له الحبط وكتب عليه الشقاء.
ومن هنا يظهر بطلان النزاع في بقاء أعمال المرتد إلى حين الموت والحبط عنده أو عدمه.
توضيح ذلك: انه ذهب بعضهم إلى أن أعمال المرتد السابقة على ردته باقية إلى حين الموت، فإن لم يرجع إلى الإيمان بطلت بالحبط عند ذلك، واستدل عليه بقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأُولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} الآية، وربما أيّد قوله تعالى:
{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً } [الفرقان: 23]، فإن الآية تبيّن حال الكفار عند الموت، ويتفرع عليه أنه لو رجع إلى الإيمان تملك أعماله الصالحة السابقة على الارتداد.
وذهب آخرون إلى أن الردة تحبط الأعمال من أصلها فلا تعود إليه وإن آمن من بعد الارتداد، نعم له ما عمله من الأعمال بعد الإيمان ثانياً إلى حين الموت، وأما الآية فإنما أخذت قيد الموت لكونها في مقام بيان جميع أعماله وأفعاله التي عملها في الدنيا!.
وأنت بالتدبر فيما ذكرناه تعرف، أن لا وجه لهذا النزاع أصلاً، وإن الآية بصدد بيان بطلان جميع أعماله وأفعاله من حيث التأثير في سعادته!.
وهنا مسألة أُخرى كالمتفرعة على هذه المسألة وهي مسألة الإِحباط والتكفير، وهي أن الأعمال هل تبطل بعضها بعضاً أو لا تبطل بل للحسنة حكمها وللسيئة حكمها، نعم الحسنات ربما كفرت السيئات بنص القرآن.
ذهب بعضهم إلى التباطل والتحابط بين الأعمال وقد اختلف هؤلاء بينهم، فمن قائل بأن كل لاحق من السيئة تبطل الحسنة السابقة كالعكس، ولازمه أن لا يكون عند الإِنسان من عمله إلاَّ حسنة فقط أو سيئة فقط، ومن قائل بالموارنة وهو أن ينقص من الأكثر بمقدار الأقل ويبقى الباقي سليماً عن المنافي، ولازم القولين جميعاً أن لا يكون عند الإِنسان من أعماله إلاَّ نوع واحد حسنة أو سيئة لو كان عنده شيء منهما.
ويردهما أولاً قوله تعالى:
{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم والله غفور رحيم } [التوبة: 102]، فإن الآية ظاهرة في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أن تلحقها توبة من الله سبحانه، وهو ينافي التحابط بأي وجه تصوروه.
وثانياً: أنه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الإنساني من طريق المجازاة، وهو الجزاء على الحسنة على حدة وعلى السيئة على حدة إلا في بعض السيئات من المعاصي التي تقطع رابطة المولوية والعبودية من أصلها فهو مورد الإحباط، والآيات في هذه الطريقة كثيرة غنية عن الإيراد.
وذهب آخرون إلى أن نوع الأعمال محفوظة، ولكل عمل أثره سواء في ذلك الحسنة والسيئة.
نعم الحسنة ربما كفرت السيئة كما قال تعالى:
{ يا أيها آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم } [الأنفال: 29]، وقال تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } [البقرة: 203] الآية، وقال تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31]، بل بعض الأعمال يبدل السيئة حسنة كما قال تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } [الفرقان: 70]. وهنا مسألة أُخرى هي كالأصل لهاتين المسألتين، وهي البحث عن وقت استحقاق الجزاء وموطنه، فقيل: إنه وقت العمل، وقيل: حين الموت، وقيل: الآخرة، وقيل: وقت العمل بالموافاة بمعنى أنه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين الموت وموافاته لم يستحق ذلك إلا أن يعلم الله ما يؤل إليه حاله ويستقر عليه، فيكتب ما يستحقه حال العمل.
وقد استدل أصحاب كل قول بما يناسبه من الآيات، فإن فيها ما يناسب كلاً من هذه الأوقات بحسب الانطباق، وربما استدل ببعض وجوه عقلية ملفقة.
والذي ينبغي أن يقال: إنا لو سلكنا في باب الثواب والعقاب والحبط والتكفير وما يجري مجراها مسلك نتائج الأعمال على ما بيناه في تفسير قوله تعالى:
{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها } [البقرة: 26]، كان لازم ذلك كون النفس الإنسانية ما دامت متعلقة بالبدن جوهراً متحولا قابلاً للتحول في ذاته وفي آثار ذاته من الصور التي تصدر عنها وتقوم بها نتائج وآثار سعيدة أو شقية، فإذا صدر منه حسنة حصل في ذاته صورة معنوية مقتضية لاتصافه بالثواب، وإذا صدر منه معصية فصورة معنوية تقوم بها صورة العقاب، غير أن الذات لما كانت في معرض التحول والتغير بحسب ما يطرؤها من الحسنات والسيئات كان من الممكن أن تبطل الصورة الموجودة الحاضرة بتبدلها إلى غيرها، وهذا شأنها حتى يعرضها الموت فتفارق البدن وتقف الحركة ويبطل التحول واستعداده، فعند ذلك يثبت لها الصور وآثارها ثبوتاً لا يقبل التحول والتغير إلا بالمغفرة أو الشفاعة على النحو الذي بيناه سابقاً.
وكذا لو سلكنا في الثواب والعقاب مسلك المجازاة على ما بيناه فيما مر كان حال الإِنسان من حيث اكتساب الحسنة والمعصية بالنسبة إلى التكاليف الإلهية وترتب الثواب والعقاب عليها حاله من حيث الإطاعة والمعصية في التكاليف الاجتماعية وترتب المدح والذم عليها، والعقلاء يأخذون في مدح المطيع والمحسن وذم العاصي والمسيء بمجرد صدور الفعل عن فاعله، غير أنهم يرون ما يجازونه به من المدح والذم قابلاً للتغير والتحول لكونهم يرون الفاعل ممكن التغير والزوال عما هو عليه من الانقياد والتمرد، فلحوق المدح والذم على فاعل الفعل فعلي عندهم بتحقق الفعل غير أنه موقوف البقاء على عدم تحقق ما ينافيه، وأما ثبوت المدح والذم ولزومهما بحيث لا يبطلان قط فإنما يكون إذا ثبت حاله بحيث لا يتغير قط بموت أو بطلان استعداد في الحياة.
ومن هنا يعلم: أن في جميع الأقوال السابقة في المسائل المذكورة انحرافاً عن الحق لبنائهم البحث على غير ما ينبغي أن يبنى عليه.
وان الحق أولاً: أن الإنسان يلحقه الثواب والعقاب من حيث الاستحقاق بمجرد صدور الفعل الموجب له لكنه قابل للتحول والتغير بعد، وإنما يثبت من غير زوال بالموت كما ذكرناه.
وثانياً: أن حبط الأعمال بكفر ونحوه نظير استحقاق الأجر يتحقق عند صدور المعصية ويتحتم عند الموت.
وثالثاً: أن الحبط كما يتعلق بالأعمال الأخروية كذلك يتعلق بالأعمال الدنيوية.
ورابعاً: أن التحابط بين الأعمال باطل بخلاف التكفير ونحوه.
(كلام في أحكام الأعمال من حيث الجزاء)
من أحكام الأعمال: أن من المعاصي ما يحبط حسنات الدنيا والآخرة كالارتداد. قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} الآية، وكالكفر بآيات الله والعناد فيه. قال تعالى:
{ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 21-22]، وكذا من الطاعات ما يكفر سيئات الدنيا والآخرة كالإسلام والتوبة، قال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } [الزمر: 53-55]، وقال تعالى: { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى } [طه: 123-124]. وأيضاً: من المعاصي ما يحبط بعض الحسنات كالمشاقة مع الرسول، قال تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } [محمد: 32-33]، فإن المقابلة بين الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النهي عن المشاقة، وإبطال العمل هو الإحباط، وكرفع الصوت فوق صوت النبي، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } [الحجرات: 2]. وكذا من الطاعات ما يكفر بعض السيئات كالصلوات المفروضة، قال تعالى: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود: 114]، وكالحج، قال تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } [البقرة: 213]، وكاجتناب الكبائر، قال تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31]، وقال تعالى: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } [النجم: 32]. وأيضاً: من المعاصي ما ينقل حسنات فاعلها إلى غيره كالقتل، قال تعالى: { إني أُريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } [المائدة: 29]، وقد ورد هذا المعنى في الغيبة والبهتان وغيرهما في الروايات المأثورة عن النبي وأئمة أهل البيت، وكذا من الطاعات ما ينقل السيئات إلى الغير كما سيجيء.
وأيضاً: من المعاصي ما ينقل مثل سيئات الغير إلى الإنسان لا عينها، قال تعالى:
{ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } [النحل: 25]، وقال: { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } [العنكبوت: 13]، وكذا من الطاعات ما ينقل مثل حسنات الغير إلى الإنسان لا عينها، قال تعالى: { ونكتب ما قدموا وآثارهم } [يس: 12]. وأيضاً: من المعاصي ما يوجب تضاعف العذاب، قال تعالى: { إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } [الإسراء: 75]، وقال تعالى: { يضاعف لها العذاب ضعفين } [الأحزاب: 30]، وكذا من الطاعات ما يوجب الضعف كالإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أَنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة } [البقرة: 261]، ومثله ما في قوله تعالى: { أُولئك يؤتون أجرهم مرتين } [القصص: 54]، وما في قوله تعالى: { يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم } [الحديد: 28]، على أن الحسنة مضاعفة عند الله مطلقاً، قال تعالى: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]. وأيضاً: من الحسنات ما يبدل السيئات إلى الحسنات، قال تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } [الفرقان: 70]. وأيضاً: من الحسنات ما يوجب لحوق مثلها بالغير، قال تعالى: { الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين } [الطور: 21]. ويمكن الحصول على مثلها في السيئات كظلم أيتام الناس حيث يوجب نزول مثله على الأيتام من نسل الظالم، قال تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } [النساء: 9]. وأيضاً: من الحسنات ما يدفع سيئات صاحبها إلى غيره، ويجذب حسنات الغير إليه، كما أن من السيئات ما يدفع حسنات صاحبها إلى الغير، ويجذب سيئاته إليه، وهذا من عجيب الأمر في باب الجزاء والاستحقاق، سيجيء البحث عنه في قوله تعالى: { ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم } [الأنفال: 37]. وفي موارد هذه الآيات روايات كثيرة متنوعة سنورد كلاً منها عند الكلام فيما يناسبه من الآيات إن شاء الله العزيز.
وبالتأمل في الآيات السابقة والتدبر فيها يظهر: أن في الأعمال من حيث المجازاة أي من حيث تأثيرها في السعادة والشقاوة نظاماً يخالف النظام الموجود بينها من حيث طبعها في هذا العالم، وذلك أن فعل الأكل مثلاً من حيث إنه مجموع حركات جسمانية فعلية وانفعالية، إنما يقوم بفاعله نحو قيام يعطيه الشبع مثلاً ولا يتخطاه إلى غيره، ولا ينتقل عنه إلى شخص آخر دونه، وكذا يقوم نحو قيام بالغذاء المأكول يستتبع تبدله من صورة إلى صورة أُخرى مثلاً، ولا يتعداه إلى غيره، ولا يتبدل بغيره، ولا ينقلب عن هويته وذاته، وكذا إذا ضرب زيد عمراً كانت الحركة الخاصة ضرباً لا غير وكان زيد ضارباً لا غير، وكان عمرو مضروباً لا غير إلى غير ذلك من الأمثلة، لكن هذه الأفعال بحسب نشأة السعادة والشقاوة على غير هذه الأحكام كما قال تعالى:
{ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، وقال تعالى: { ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله } [فاطر: 43]، وقال تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]، وقال تعالى: { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً كذلك يضل الله الكافرين } [غافر: 73-74]. وبالجملة: عالم المجازاة ربما بدل الفعل من غير نفسه، وربما نقل الفعل وأسنده إلى غير فاعله، وربما أعطى للفعل غير حكمه إلى غير ذلك من الآثار المخالفة لنظام هذا العالم الجسماني.
ولا ينبغي لمتوهم أن يتوهم أن هذا يبطل حجة العقول في مورد الأعمال وآثارها ويفسد الحكم العقلي فلا يستقر شيء منه على شيء، وذلك أنا نرى أن الله سبحانه وتعالى (فيما حكاه في كتابه) يستدل هو أو ملائكته الموكلة على الأمور على المجرمين في حال الموت والبرزخ، وكذا في القيامة والنار والجنة بحجج عقلية تعرفها العقول. قال تعالى:
{ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض إلا ما شاء الله ونفخ فيه أُخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون } [الزمر: 98-70]، وقد تكرر في القرآن الإخبار بأن الله سيحكم بين الناس بالحق يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، وكفى في هذا الباب ما حكاه الله عن الشيطان بقوله تعالى: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } [إبراهيم: 22] الآية.
ومن هنا نعلم: أن حجة العقول غير باطلة في نشأة الأعمال ودار الجزاء مع ما بين النشأتين أعني نشأة الطبيعة ونشأة الجزاء من الاختلاف البين على ما أشرنا إليه.
والذي يحل به هذه العقدة: ان الله تكلم مع الناس في دعوتهم وإرشادهم بلسان أنفسهم وجرى في مخاطباته إياهم وبياناته لهم مجرى العقول الاجتماعية، وتمسك بالأصول والقوانين الدائرة في عالم العبودية والمولوية، فعد نفسه مولى والناس عبيداً والأنبياء رسلاً إليهم، وواصلهم بالأمر والنهي والبعث والزجر، والتبشير والإنذار، والوعد والوعيد، وسائر ما يلحق بهذا الطريق من عذاب ومغفرة وغير ذلك.
وهذه طريقة القرآن الكريم في تكليمه للناس، فهو يصرح أن الأمر أعظم مما يتوهمه الناس أو يخيل إليهم، غير إنه شيء لا تسعه حواصلهم وحقائق لا تحيط بها أفهامهم ولذلك نزل منزلة قريبة من أُفق إدراكهم لينالوا ما شاء الله أن ينالوه من تأويل هذا الكتاب العزيز كما قال تعالى:
{ والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 3-4]. فالقرآن الكريم يعتمد في خصوصيات ما نبأ به من أحكام الجزاء وما يرتبط بها على الأحكام الكلية العقلانية الدائرة بين العقلاء المبتنية على المصالح والمفاسد، ومن لطيف الأمر: أن هذه الحقائق المستورة عن سطح الأفهام العادية قابلة التطبيق على الأحكام العقلائية المذكورة، ممكنة التوجيه بها، فإن العقل العملي الاجتماعي لا يأبى مثلاً، التشديد على بعض المفسدين بمؤاخذته بجميع ما يترتب على عمله من المضار والمفاسد الاجتماعية كأن يؤاخذ القاتل بجميع الحقوق الاجتماعية الفائتة بسبب موت المقتول، أو يؤاخذ من سن سنة سيئة بجميع المخالفات الجارية على وفق سنته، ففي المثال الأول يقضي بأن المعاصي التي كانت ترى ظاهراً أفعالاً للمقتول فاعلها هو القاتل بحسب الاعتبار العقلائي، وفي المثال الثاني بأن السيئات التي عملها التابعون لتلك السنة السيئة أفعال فعلها أول من سن تلك السنة المتبوعة، في عين أنها أفعال للتابعين فيها، فهي أفعال لهم معا، فلذلك يؤاخذ بها كما يؤخذون.
وكذلك يمكن أن يقضي بكون الفاعل لفعل غير فاعل له، أو الفعل المعين المحدود غير ذلك الفعل، أو حسنات الغير حسنات للإنسان، أو للإنسان أمثال تلك الحسنات، كل ذلك باقتضاء من المصالح الموجودة.
فالقرآن الكريم يعلل هذه الأحكام العجيبة الموجودة في الجزاء كمجازاة الإنسان بفعل غيره خيراً أو شراً، وإسناد الفعل إلى غير فاعله، وجعل الفعل غير نفسه، إلى غير ذلك، ويوضحها بالقوانين العقلانية الموجودة في ظرف الاجتماع وفي سطح الأفهام العامة، وإن كانت بحسب الحقيقة ذات نظام غير نظام الحس، وكانت الأحكام الاجتماعية العقلانية محصورة على الحياة الدنيا، وسينكشف على الإنسان ما هو مستور عنه اليوم يوم تبلى السرائر كما قال تعالى:
{ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلاَّ تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق } [الأعراف: 52-53]، وقال تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} (إلى أن قال) { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } } [يونس: 39]. وبهذا الذي ذكرناه يرتفع الاختلاف المترائى بين هذه الآيات المشتملة على هذه الأحكام العجيبة وبين أمثال قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } [الزلزلة: 7-8]، وقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أُخرى } [الأنعام: 164]، وقوله تعالى: { كل امرىء بما كسب رهين } [الطور: 21]، وقوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [النجم: 39]، وقوله تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئاً } [يونس: 44]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وذلك أن الآيات السابقة تحكم بأن معاصي المقتول المظلوم وإنما فعلها القاتل الظالم فمؤاخذته له بفعل نفسه لا بفعل غيره، وكذا تحكم بأن من اتبع سنة سيئة ففعل معصية على الاتباع لم يفعلها التابع وحده بل فعله هو وفعله المتبوع، فالمعصية معصيتان، وكذا تحكم بأن من أعان ظالماً على ظلمه أو اقتدى بأمام ضلال فهو شريك معصيته، وفاعل كمثله، فهؤلاء وأمثالهم من مصاديق قوله تعالى: {لا تزر وازرة وزر أُخرى} الآية، ونظائرها من حيث الجزاء، لا أنهم خارجون عن حكمها بالاستثناء أو بالنقض.
وإلى ذلك يشير قوله تعالى:
{ وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون } [الزمر: 70]، فقوله: وهو أعلم بما يفعلون، يدل أو يشعر بأن توفية كل نفس ما عملت إنما هي على حسب ما يعلمه الله سبحانه ويحاسبه من أفعالهم لا على حسب ما يحاسبونه من عند أنفسهم من غير علم ولا عقل، فإن الله قد سلب عنهم العقل في الدنيا حيث قال تعالى حكاية عن أصحاب السعير: { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } [الملك: 10]، وفي الآخرة أيضاً حيث قال: { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً } [الإسراء: 72]، وقال تعالى: { نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة } [الهمزة: 6-7]، وقال تعالى في تصديق هذا السلب: { قالت أُخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38]، فأثبت لكل من المتبوعين وتابعيهم الضعف من العذاب، أما المتبوعين فلضلالهم وإضلالهم، وأما التابعين فلضلالهم وإقامتهم أمر متبوعيهم بالتبعية ثم ذكر أنهم جميعاً لا يعلمون.
فإن قلت: ظاهر هذه الآيات التي تسلب العلم عن المجرمين في الدنيا والآخرة ينافي آيات أُخر تثبت لهم العلم كقوله تعالى:
{ كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون } [فصلت: 3]، وكالآيات التي تحتج عليهم ولا معنى للاحتجاج على من لا علم له ولا فقه للاستدلال، على أن نفس هذه الآيات مشتملة على أقسام من الاحتجاج عليهم في الآخرة ولا مناص من إثبات العقل والادراك لهم فيه، على أن ها هنا آيات تثبت لهم العلم واليقين في خصوص الآخرة كقوله تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } [ق: 22]، وقوله تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون } [السجدة: 12]. قلت: مرجع نفي العلم عنهم في الدنيا نفي اتباع ما عندهم من العلم، ومعنى نفيه عنهم في الآخرة لزوم ما جروا عليه من الجهالة في الدنيا لهم حين البعث وعدم انفكاك الأعمال عنهم كما قال تعالى: { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً } [الإسراء: 13]، وقوله تعالى: { قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } [الزخرف: 38]، إلى غير ذلك من الآيات، وسيجيء استيفاء هذا البحث في تفسير قوله تعالى: { يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } [البقرة: 242]. وقد أجاب الإمام الغزالي عن إشكال انتقال الأعمال بجواب آخر ذكره في بعض رسائله فقال ما حاصله: إن نقل الحسنات والسيئات بسبب الظلم واقع في الدنيا وقت جريان الظلم لكن ينكشف ذلك يوم القيامة، فيرى الظالم مثلاً طاعات نفسه في ديوان غيره، ولم تنقل في ذلك الوقت بل في الدنيا كما قال تعالى: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}، أخبر عن ثبوت الملك له تعالى في الآخرة وهو لم يحدث له تعالى هناك، بل هو مالك دائماً إلا أن حقيقته لا تنكشف لكافة الخلائق إلا يوم القيامة، وما لا يعلمه الإنسان فليس بموجود له وإن كان موجوداً في نفسه، فإذا علمه صار موجوداً له كأنه وجد الآن في حقه.
فقد سقط بهذا قول من قال: إن المعدوم كيف ينقل والعرض كيف ينقل؟. فنقول: المنقول ثواب الطاعة لا نفس الطاعة، ولكن لما كانت الطاعة يراد لثوابها عبر عن نقل أثرها بنقل نفسها، وأثر الطاعة ليس أمراً خارجاً عن الإنسان لاحقاً به حتى يشكل بأن نقله في الدنيا من قبيل انتقال العرض المحال، ونقله في الآخرة بعد انعدامه من قبيل إعادة المعدوم الممتنعة، وإن كان جوهراً فما هذا الجوهر؟! بل المراد بأثر الطاعة أثره في القلب بالتنوير، فإن للطاعات تأثيراً في القلب بالتنوير وللمعاصي تأثيراً فيه بالقسوة والظلمة، وبأنوار الطاعة تستحكم مناسبة القلب مع عالم النور والمعرفة والمشاهدة، وبالظلم والقسوة يستعد القلب للحجاب والبعد، وبين آثار الطاعات والمعاصي تعاقب وتضاد كما قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"أتبع السيئة الحسنة تمحقها والآثام تمحيصات للذنوب" ، ولذلك قال عليه السلام: إن الرجل ليثاب حتى بالشوكة تصيب رجله، وقال عليه السلام: الحدود كفارات.
فالظالم يتبع ظلمه ظلمة في قلبه وقسوة توجب انمحاء أثر النور الذي كان في قلبه من الطاعات التي كان عملها، والمظلوم يتألم فينكسر شهوته وبمحو عن قلبه أثر السيئات التي أورثت ظلمة في قلبه فيتنور قلبه نوع تنور، فقد دار ما في قلب الظالم من النور إلى قلب المظلوم، وما في قلب المظلوم من الظلمة إلى قلب الظالم وهذا معنى نقل الحسنات والسيئات.
فإن قال قائل: ليس هذا نقلاً حقيقياً إذ حاصله بطلان النور من قلب الظالم وحدوث نور آخر في قلب المظلوم، وبطلان الظلمة من قلب المظلوم وحدوث ظلمة أُخرى في قلب الظالم وليس هذا نقلاً حقيقة.
قلنا اسم النقل قد يطلق على مثل هذا الأمر على سبيل الاستعارة كما يقال: انتقل الظل من موضع إلى موضع آخر، وانتقل نور الشمس أو السراج من الأرض إلى الحائط إلى غير ذلك، فهذا معنى نقل الطاعات، فليس فيه إلا أنه كنى بالطاعة عن ثوابها كما يكنى بالسبب عن المسبب، وسمى إثبات الوصف في محل، وإبطال مثله في محل آخر بالنقل، وكل ذلك شائع في اللسان، معلوم بالبرهان، لو لم يرد الشرع به فكيف إذا ورد، انتهى ملخصاً.
أقول: محصل ما أفاده أن إطلاق النقل على ما يعامله الله سبحانه في حق، أي القاتل والمقتول استعارة في استعارة أعني: استعارة اسم الطاعة لأثر الطاعة في القلب واستعارة اسم النقل لإِمحاء شيء وإثبات شيء آخر في محل آخر، وإذا اطّرد هذا الوجه في سائر أحكام الأعمال المذكورة عادت جميع هذه الأحكام مجازات، وقد عرفت أنه سبحانه قرر هذه الأحكام على ما يراه العقل العملي الاجتماعي، ويبني عليه أحكامه من المصالح والمفاسد، ولا ريب أن هذه الأحكام العقلية إنما تصدر من العقل باعتقاد الحقيقة، فيؤاخذ القاتل مثلاً بجرم المقتول أو يتحف المقتول أو ورثته بحسنة القاتل وما يشبه ذلك باعتقاد أن الجرم عين الجرم والحسنة عين الحسنة وهكذا.
هذا حال هذه الأحكام في ظرف الاجتماع الذي هو موطن أحكام العقل العملي، وأما بالنسبة إلى غير هذا الظرف وهو ظرف الحقائق فالجميع مجازات إلا بحسب التحليل بمعنى أن نفس هذه المفاهيم لما كانت مفاهيم اعتبارية مأخوذة من الحقائق المأخوذة على نحو الدعوى والتشبيه كانت جميعها مجازات إذا قيست إلى تلك الحقائق المأخوذة منها فافهم ذلك.
ومن أحكام الأعمال: انها محفوظة مكتوبة متجسمة كما قال تعالى:
{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً } [آل عمران: 30]، وقال تعالى: { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً } [الإسراء: 13]، وقال تعالى: { ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } [يس: 12]، وقال تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } [ق: 22]، وقد مر البحث عن تجسم الأعمال.
ومن أحكام الأعمال: ان بينها وبين الحوادث الخارجية ارتباطاً، ونعني بالأعمال الحسنات والسيئات التي هي عناوين الحركات الخارجية، دون الحركات والسكنات التي هي آثار الأجسام الطبيعية، فقد قال تعالى:
{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } [الشورى: 30]، وقال تعالى: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له } [الرعد: 11]، وقال تعالى: { ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الأنفال: 53]، والآيات ظاهرة في أن بين الأعمال والحوادث ارتباطاً ما شراً أو خيراً.
ويجمع جملة الأمر آيتان من كتاب الله تعالى وهما قوله تعالى:
{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } [الأعراف: 96]، وقوله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } [الروم: 41]. فالحوادث الكونية تتبع الأعمال بعض التبعية، فجرى النوع الإنساني على طاعة الله سبحانه وسلوكه الطريق الذي يرتضيه يستتبع نزول الخيرات، وانفتاح أبواب البركات، وانحراف هذا النوع عن صراط العبودية، وتماديه في الغي والضلالة، وفساد النيات، وشناعة الأعمال يوجب ظهور الفساد في البر والبحر وهلاك الأمم بفشو الظلم وارتفاع الأمن وبروز الحروب وسائر الشرور الراجعة إلى الإنسان وأعماله، وكذا ظهور المصائب والحوادث المبيدة الكونية كالسيل والزلزلة والصاعقة والطوفان وغير ذلك، وقد عد الله سبحانه سيل العرم وطوفان نوح وصاعقة ثمود وصرصر عاد من هذا القبيل.
فالأمة الطالحة إذا انفجرت في الرذائل والسيئات أذاقها الله وبال أمرها وآل ذلك إلى إهلاكها وإبادتها، قال تعالى:
{ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واقٍ } [غافر: 21]، وقال تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً } [الإسراء: 16]، وقال تعالى: { ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أُمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقوم لا يؤمنون } [المؤمنون: 44]، هذا كله في الأمة الطالحة، والأمة الصالحة على خلاف ذلك.
والفرد كالأمة يؤخذ بالحسنة والسيئة والنقم والمثلات غير أن الفرد ربما ينعم بنعمة أسلافه كما أنه يؤخذ بمظالم غيره كآبائه وأجداده، قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام:
{ قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [يوسف: 90]، والمراد به ما أنعم الله عليه من الملك والعزة وغيرهما، وقال تعالى: { فخسفنا به وبداره الأرض } [القصص: 81]، وقال تعالى: { وجعلنا لهم لسان صدق علياً } [مريم: 50]، وكأنه الذرية الصالحة المنعمة كما قال تعالى: { وجعلها كلمة باقية في عقبه } [الزخرف: 28]، وقال تعالى: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما } [الكهف: 82]، وقال تعالى: { فليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } [النساء: 9]، والمراد بذلك الخلف المظلوم يبتلى بظلم سلفه. وبالجملة إذا أفاض الله نعمة على أُمة أو على فرد من أفراد الإنسان فإن كان المنعم عليه صالحاً كان ذلك نعمة أنعمها عليه وامتحاناً يمتحنه بذلك كما حكى الله تعالى عن سليمان إذ يقول: { قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } [النحل: 40]، وقال تعالى: { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [إبراهيم: 7]، والآية كسابقتها تدل على أن نفس الشكر من الأعمال الصالحة التي تستتبع النعم.
وإن كان المنعم عليه طالحاً كانت النعمة مكراً في حقه واستدراجاً وإملاءً يملى عليه كما قال تعالى:
{ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } [الأنفال: 30]، وقال تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين } [القلم: 44-45]، وقال تعالى: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } [الدخان: 17]. وإذا أنزلت النوازل وكرت المصائب والبلايا على قوم أو على فرد فإن كان المصاب صالحاً كان ذلك فتنة ومحنة يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من الطيب، وكان مثله مع البلاء مثل الذهب مع البوتقة والمحك، قال تعالى: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } [العنكبوت: 2-4]، قال تعالى: { وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء } [آل عمران: 140]. وإن كان المصاب طالحاً كان ذلك أخذاً بالنقمة وعقاباً بالأعمال، والآيات السابقة دالة على ذلك.
فهذا حكم العمل يظهر في الكون ويعود إلى عامله، وأما قوله تعالى:
{ ولولا أن يكون الناس أُمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين } [الزخرف: 33-34]، فغير ناظر إلى هذا الباب بل المراد به (والله أعلم) ذم الدنيا ومتاعها وأنها لا قدر لها ولمتاعها عند الله سبحانه، ولذلك يؤثر للكافر، وان القدر للآخرة ولولا أن أفراد الإنسان أمثال والمساعي واحدة متشاكلة متشابهة لخصها الله بالكافر.
فإن قيل: الحوادث العامة والخاصة كالسيول والزلازل والأمراض المسرية والحروب والإِجداب لها علل طبيعية مطردة إذا تحققت تحققت معاليلها سواء صلحت النفوس أو طلحت، وعليه فلا محل للتعليل بالأعمال الحسنة والسيئة بل هو فرضية دينية، وتقدير لا يطابق الواقع.
قلت: هذا إشكال فلسفي غير مناف لما نحن فيه من البحث التفسيري المتعلق بما يستفاد من كلامه تعالى وسنتعرض له تفصيلاً في بحث فلسفي على حدة في تفسير قوله تعالى:
{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء } [الأعراف: 96]. وجملة القول فيه: إن الشبهة ناشئة عن سوء الفهم وعدم التنبه لمقاصد القرآن وأهله، فهم لا يريدون بقولهم: "إن الأعمال حسنة كانت أو سيئة مستتبعة لحوادث يناسبها خيراً أو شراً" إبطال العلل الطبيعية وإنكار تأثيرها، ولا تشريك الأعمال مع العوامل المادية، كما أن الإلهيين لا يريدون بإثبات الصانع إبطال قانون العلية والمعلولية العام وإثبات الاتفاق والمجازفة في الوجود، أو تشريك الصانع مع العلل الطبيعية واستناد بعض الأمور إليه والبعض الآخر إليها، بل مرادهم إثبات علة في طول علة، وعامل معنوي فوق العوامل المادية، وإسناد التأثير إلى كلتا العلتين لكن بالترتيب: أولاً وثانياً، نظير الكناية المنسوبة إلى الإنسان وإلى يده.
ومغزى الكلام: هو أن سائق التكوين يسوق الإنسان إلى سعادته الوجودية وكماله الحيوي كما مر الكلام فيه في البحث عن النبوة العامة، ومن المعلوم أن من جملة منازل هذا النوع في مسيره إلى السعادة منزل الأعمال، فإذا عرض لهذا السير عائق مانع يوجب توقفه أو إشراف سائره إلى الهلاك والبوار قوبل ذلك بما يدفع العائق المذكور أو يهلك الجزء الفاسد، نظير المزاج البدني يعارض العاهة العارضة للبدن أو لعضو من أعضائه فإن وفق له أصلح المحل وإن عجز عنه تركه مفلجاً لا يستفاد به. وقد دلت المشاهدة والتجربة على أن الصنع والتكوين جهز كل موجود نوعي بما يدفع به الآفات والفسادات المتوجهة إليه، ولا معنى لاستثناء الإنسان في نوعه وفرده عن هذه الكلية! ودلتا أيضاً على أن التكوين يعارض كل موجود نوعي بأمور غير ملائمة تدعوه إلى أعمال قواه الوجودية ليكمل بذلك في وجوده ويوصله غايته وسعادته التي هيأها له، فما بال الإنسان لا يعتني في شأنه بذلك؟
وهذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى:
{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الدخان: 38-39]، وقوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا } [ص: 27]، فكما أن صانعاً من الصناع إذا صنع شيئاً لعباً ومن غير غاية مثلاً انقطعت الرابطة بينه وبين مصنوعه بمجرد إيجاده، ولم يبال: إلى ما يؤل أمره؟ وماذا يصادفه من الفساد والآفة؟ لكنه لو صنعه لغاية كان مراقباً لأمره شاهداً على رأسه، إذا عرضه عارض يعوقه عن الغاية التي صنعه لأجلها وركب أجزائه للوصول إليها أصلح حاله وتعرض لشأنه بزيادة ونقيصة أو بإبطاله من رأس وتحليل تركيبه والعود إلى صنعة جديدة، كذلك الحال في خلق السماوات والأرض وما بينهما ومن جملتها الإنسان، لم يخلق الله سبحانه ما خلقه عبثاً، ولم يوجده هباءً، بل للرجوع إليه كما قال تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } [المؤمنون: 115]، وقال تعالى: { وأن إلى ربك المنتهى } [النجم: 42]، ومن الضروري حينئذ أن تتعلق العناية الربانية إلى إيصال الإنسان كسائر ما خلق من خلق إلى غايته بالدعوة والارشاد، ثم بالامتحان والابتلاء، ثم بإهلاك من بطل في حقه غاية الخلقة وسقطت عنه الهداية، فإن في ذلك إتقاناً للصنع في الفرد والنوع وختماً للأمر في أُمة وإراحة الآخرين، قال تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]، (انظر إلى موضع قوله تعالى: وربك الغني ذو الرحمة).
وهذه السنة الربانية أعني سنة الابتلاء والانتقام هي التي أخبر الله عنها أنها سنة غير مغلوبة ولا مقهورة، بل غالبة منصورة كما قال تعالى:
{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } [الشورى: 30-31]، وقال تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171-173]. ومن أحكام الأعمال: من حيث السعادة والشقاء: ان قبيل السعادة فائقة على قبيل الشقاء، ومن خواص قبيل السعادة كل صفة وخاصة جميلة كالفتح والظفر والثبات والاستقرار والأمن والتأصل والبقاء، كما أن مقابلاتها من الزهاق والبطلان والتزلزل والخوف والزوال والمغلوبية وما يشاكلها من خواص قبيل الشقاء.
والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة متكثرة، ويكفي في ذلك ما ضربه الله تعالى مثلاً:
{ كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } [إبراهيم: 24-27]، وقوله تعالى: { ليحق الحق ويبطل الباطل } [الأنفال: 8]، وقوله تعالى: { والعاقبة للتقوى } [طه: 132]، وقوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171-173]، وقوله تعالى: { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [يوسف: 21]، إلى غير ذلك من الآيات.
وتذييل الكلام في هذه الآية الأخيرة بقوله: ولكن أكثر الناس لا يعلمون، مشعر بأن هذه الغلبة من الله سبحانه ليست بحيث يفقهها جميع الناس بل أكثرهم جاهلون بها، ولو كانت هي الغلبة الحسية التي يعرفها كل أحد لم يجهلها الأكثرون، وإنما جهلها من جهلها، وأنكرها من أنكرها من جهتين:
الأولى: أن الإنسان محدود فكره، مقصور نظره على ما بين يديه مما يشهده ولا يغيب عنه، يتكلم عن الحال ويغفل عن المستقبل، ويحسب دولة يوم دولة، ويعد غلبة ساعة غلبة، ويأخذ عمره القصير ومتاعه القليل مقياساً يحكم به على عامة الوجود، لكن الله سبحانه، وهو المحيط بالزمان والمكان، والحاكم على الدنيا والآخرة والقيوم على كل شيء إذا حكم حكم فصلاً، وإذا قضى قضى حقاً، والأولى، والعقبى بالنسبة إليه واحدة، لا يخاف فوتاً، ولا يعجل في أمر، فمن الممكن (بل الواقع ذلك) أن يقدر فساد يوم مقدمة يتوسل بها إلى إصلاح دهر، أو حرمان فرد ذريعة إلى فلاح أُمة، فيظن الجاهل أن الأمر أعجزه تعالى وأن الله سبحانه مسبوق مغلوب {ساء ما يحكمون}، لكن الله سبحانه يرى سلسلة الزمان كما يرى القطعة منه، ويحكم على جميع خلقه كما يحكم على الواحد منهم لا يشغله شأن عن شأن ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم، قال تعالى:
{ لا يغرّنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 196-197]. والثانية: أن غلبة المعنويات غير غلبة الجسمانيات، فإن غلبة الجسمانيات وقهرها أن تتسلط على الأفعال فتجعلها منقادة مطيعة للقاهر الغالب عليها بسلب حرية الاختيار، وبسط الكره والإِجبار كما كان ذلك دأب المتغلبين من ملوك الاستبداد، فكانوا يقتلون فريقاً، ويأسرون آخرين، ويفعلون ما يشاؤون بالتحكم والتهكم، وقد دل التجارب وحكم البرهان على أن الكره والقسر لا يدوم، وإن سلطة الأجانب لا يستقر على الأمم الحية استقراراً مؤبداً، وإنما هي رهينة أيام قلائل.
وأما غلبة المعنويات فبأن توجد لها قلوب تستكنها، وبأن تربي أفراداً تعتقدها وتؤمن بها، فليس فوق الإيمان التام درجة ولا كإحكامه حصن، فإذا استقر الإيمان بمعنى من المعاني فإنه سوف يظهر دهراً وإن استخفى يوماً أو برهة، ولذلك نجد أن الدول المعظمة والمجامع الحية اليوم تعتني بشأن التبليغ أكثر مما تعتني بشأن العدة والقوة فسلاح المعنى أشد بأساً.
هذا في المعنويات الصورية الوهمية التي بين الناس في شؤونهم الاجتماعية التي لا تتجاوز حد الخيال والوهم، وأما المعنى الحق الذي يدعو إليه سبحانه فإن أمره أوضح وأبين.
فالحق من حيث نفسه لا يقابل إلا الضلال والباطل، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ومن المعلوم أن الباطل لا يقاوم الحق فالغلبة لحجة الحق على الباطل.
والحق من حيث تأثيره وإيصاله إلى الغاية أيضاً غير مختلف ولا متخلف، فإن المؤمن لو غلب على عدو الحق في ظاهر الحياة كان فائزاً مأجوراً، وإن غلب عليه عدو الحق، فإن أجبره على ما لا يرتضيه الله سبحانه كانت وظيفته الجري على الكره والاضطرار، ووافق ذلك رضاه تعالى، قال تعالى:
{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } [آل عمران: 28]، وإن قتله كان ذلك له حياة طيبة لا موتاً، قال تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]. فالمؤمن منصور غير مغلوب أبداً، إما ظاهراً وباطناً، وإما باطناً فقط، قال تعالى: { قل هل تربصون بنا إلاَّ إحدى الحسنيين } [التوبة: 52]. ومن هنا يظهر: أن الحق هو الغالب في الدنيا ظاهراً وباطناً معاً، أما ظاهراً: فإن الكون كما عرفت يهدي النوع الإنساني هداية تكوينية إلى الحق والسعادة، وسوف يبلغ غايته، فإن الظهور المترائى من الباطل جولة بعد جولة لا عبرة به، وإنما هو مقدمة لظهور الحق ولما ينقض سلسلة الزمان ولما يفن الدهر، والنظام الكوني غير مغلوب البتة، وأما باطناً: فلما عرفت أن الغلبة لحجة الحق.
وأما أن لحقّ القول والفعل كل صفة جميلة كالثبات والبقاء والحسن، ولباطل القول والفعل كل صفة ذميمة كالتزلزل والزوال والقبح والسوء فوجهه ما أشرنا إليه في سابق الأبحاث: ان المستفاد من قوله تعالى:
{ ذلكم الله ربكم خالق كل شيء } [غافر: 62]، وقوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه } [طه: 50]، وقوله تعالى: { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } [النساء: 79]، أن السيئات أعدام وبطلانات غير مستندة إلى الله سبحانه الذي هو الخالق الفاطر المفيض للوجود بخلاف الحسنات، ولذلك كان القول الحسن والفعل الحسن منشأ كل جمال وحسن، ومنبع كل خير وسعادة كالثبات والبقاء، والبركة والنفع دون السيء من القول والفعل، قال تعالى: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } [الرعد: 17]. ومن أحكام الأعمال: أن الحسنات من الأقوال والأفعال مطابقة لحكم العقل بخلاف السيئات من الأفعال والأقوال، وقد مر أن الله سبحانه وضع ما بينه للناس على أساس العقل (ونعني بالعقل ما يدرك به الإنسان الحق والباطل، ويميز به الحسن من السيء).
ولذلك أوصى باتباعه ونهى عن كل ما يوجب اختلال حكومته كشرب الخمر والقمار واللهو والغش والغرر في المعاملات، وكذا نهى عن الكذب والافتراء والبهتان والخيانة والفتك وجميع ما يوجب خروج العقل عن سلامة الحكم، فإن هذه الأفعال والأعمال توجب خبط العقل الانساني في عمله وقد ابتنيت الحياة الإنسانية على سلامة الإدراك والفكر في جميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية.
وأنت إذا حللت المفاسد الاجتماعية والفردية حتى في المفاسد المسلمة التي لا ينكرها منكر وجدت أن الأساس فيها هي الأعمال التي يبطل بها حكومة العقل، وأن بقية المفاسد وإن كثرت وعظمت مبنية عليها، ولتوضيح الأمر في هذا المقام محل آخر سيأتي إن شاء الله تعالى.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك فإن ذلك مثبت في كتاب الله، قلت: يا رسول الله فأين وقد قرأت القرآن؟ قال: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
أقول: وفي الرواية إشعار بأن التقدير يعم التشريع والتكوين وإنما يختلف باختلاف الاعتبار، وأما كون عسى بمعنى الوجوب فلا دلالة لها عليه، وقد مر أن عسى في القرآن بمعناه اللغوي وهو الترجي فلا عبرة بما نقل عن بعض المفسرين: كل شيء في القرآن عسى فإن عسى من الله واجب! وأعجب منه ما نقل عن بعض آخر: أن كل شيء من القرآن عسى فهو واجب إلا حرفين: حرف في التحريم: عسى ربه إن طلقكن، وفي بني إسرائيل عسى ربكم أن يرحمكم.
وفي الدر المنثور أيضاً: أخرج ابن جرير من طريق السدي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية وفيهم سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن صفوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة. وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل ملل فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فإني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، أضلا راحلة لهما، وسار ابن جحش فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة بن عثمان، وعمرو الحضرمي فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة وانفلت المغيرة، وقتل عمرو الحضرمي قتله واقد بن عبد الله فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، قال المشركون: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام فأنزل الله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عنه محمداً، والفتنة وهي الشرك أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام فذلك قوله: {وصد عن سبيل الله وكفر به}.
أقول: والروايات في هذا المعنى وما يقرب منه كثيرة من طرقهم، وروي هذا المعنى أيضاً في المجمع، وفي بعض الروايات: ان السرية كانت ثمانية تاسعهم أميرهم، وفي الدر المنثور أيضاً: أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أنه يسير، فقال: اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه، فما أمرتك به فامض له، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على الذهاب معك، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم، فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمع وطاعة، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله قد نهاني أن استكره منكم أحداً فمضى معه القوم، حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه يطلبانه، ومضى القوم حتى نزلوا نخلة، فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة بن عبد الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف: أدم وزيت، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقاً، قال عمار: ليس عليكم منه بأس، وائتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخر يوم من جمادي، فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة مكة الحرام فليمتنعن منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وهرب المغيرة فأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأوقف رسول الله الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً، فلما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال سقط في أيديهم وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش - حين بلغهم أمر هؤلاء -: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ المال، وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام، فأنزل الله في ذلك: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} الآية، فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العير وفدى الأسيرين، فقال المسلمون: - يا رسول الله! أتطمع أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل الله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أُولئك يرجون رحمة الله} وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع عبد الله بن جحش.
أقول: وفي كون قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} الآية، نازلة في أمر أصحاب عبد الله بن جحش روايات أُخر، والآية تدل على عذر من فعل فعلاً قربيّاً فأخطأ الواقع فلا ذنب مع الخطأ، وتدل أيضاً على جواز تعلق المغفرة بغير مورد الذنب.
وفي الروايات إشارة إلى أن المراد بالسائلين في قوله تعالى: يسألونك، هم المؤمنون دون المشركين الطاعنين في فعل المؤمنين، ويؤيده أيضاً ما مر من رواية ابن عباس في البحث الروائي السابق: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله عليه وآله وسلم، كلهن في القرآن: منهن يسألونك عن الخمر والميسر، ويسألونك عن الشهر الحرام الرواية، ويؤيد ذلك أن الخطاب في الآية إنما هو للمؤمنين حيث يقول تعالى: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم.