التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٤
لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
٢٢٥
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٢٦
وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٧
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} إلى آخر الآية، العرضة بالضم من العرض وهو كإراءة الشيء للشيء حتى يرى صلوحه لما يريده ويقصده كعرض المال للبيع وعرض المنزل للنزول وعرض الغذاء للأكل، ومنه ما يقال للهدف: إنه عرضة للسهام، وللفتاة الصالحة للازدواج انها عرضة للنكاح، وللدابة المعدة للسفر إنها عرضة للسفر وهذا هو الأصل في معناها، وأما العرضة بمعنى المانع المعرض في الطريق وكذا العرضة بمعنى ما ينصب ليكون معرضاً لتوارد الواردات وتواليها في الورود كالهدف للسهام حتى يفيد كثرة العوارض إلى غير ذلك من معانيها فهي مما لحقها من موارد استعمالها غير دخلية في أصل المعنى.
والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف مأخوذة من اليمين بمعنى الجارحة لكونهم يضربون بها في الحلف والعهد والبيعة ونحو ذلك فاشتق من آلة العمل اسم للعمل، للملازمة بينها كما يشتق من العمل اسم لآلة العمل كالسبابة للإِصبع التي يسب بها.
ومعنى الآية (والله أعلم): ولا تجعلوا الله عرضة تتعلق بها أيمانكم التي عقدتموها بحلفكم أن لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فإن الله سبحانه لا يرضى أن يجعل اسمه ذريعة للامتناع عمّا أمر به من البر والتقوى والأصلاح بين الناس، ويؤيد هذا المعنى ما ورد من سبب نزول الآية على ما سننقله في البحث الروائي إن شاء الله.
وعلى هذا يصير قوله تعالى: {أن تبروا} "إلخ"، بتقدير، لا، أي أن لا تبروا، وهو شائع مع أن المصدرية كقوله تعالى:
{ يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء: 176]، أي أن لا تضلوا أو كراهة أن تضلوا، ويمكن أن لا يكون بتقدير، لا. وقوله تعالى: {أن تبروا}، متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى: {ولا تجعلوا}، من النهي، أي ينهاكم الله عن الحلف الكذائي أو يبين لكم حكمه الكذائي {أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس}، ويمكن أن يكون العرضة بمعنى ما يكثر عليه العرض فيكون نهياً عن الإِكثار من الحلف بالله سبحانه، والمعنى لا تكثروا من الحلف بالله فإنكم إن فعلتم ذلك أداكم إلى أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، فإن الحلاف المكثر من اليمين لا يستعظم ما حلف به ويصغر أمر ما أقسم به لكثرة تناوله فلا يبالي الكذب فيكثر منه هذا عند نفسه، وكذا يهون خطبه وينزل قدره عند الناس لاستشعارهم أنه لا يرى لنفسه عند الناس قدم صدق ويعتقد أنهم لا يصدقونه فيما يقول، ولا أنه يوقر نفسه بالاعتماد عليها، فيكون على حد قوله تعالى: { ولا تطع كل حلاف مهين } [القلم: 10]، والأنسب على هذا المعنى أيضاً عدم تقدير لا في الكلام بل قوله تعالى: أن تبروا، منصوب بنزع الخافض أو مفعول له لما يدل عليه النهي في قوله: ولا تجعلوا، كما مرّ.
وفي قوله تعالى: {والله سميع عليم}، نوع تهديد على جميع المعاني أن المعنى الأول أظهرها كما لا يخفى.
قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله في اللغو في أيمانكم} إلى آخر الآية، اللغو من الأفعال مالا يستبعد أثراً، وأثر الشيء يختلف فاختلاف جهاته ومتعلقاته، فلليمين أثر من حيث إنه لفظ، وأثر من حيث انه مؤكد للكلام، وأثر من حيث انه عقد وأثر من حيث حنثه ومخالفة مؤداه، وهكذا إلاَّ أن المقابلة في الآية بين عدم المؤاخذة على لغو اليمين وبين المؤاخذة على ما كسبته القلوب وخاصة من حيث اليمين تدل على أن المراد بلغو اليمين ما لا يؤثر في قصد الحالف، وهو اليمين الذي لا يعقد صاحبه على شيء من قول: لا والله وبلى والله.
والكسب هو اجتلاب المنافع بالعمل بصنعة أو حرفة أو نحوهما وأصله في اقتناء ما يرتفع به حوائج الإِنسان المادية ثم استعير لكل ما يجتلبه الإِنسان بعمل من أعماله من خير أو شر ككسب المدح والفخر وحسن الذكر بحسن الخلق والخدمات النوعية وكسب الخلق الحسن والعلم النافع والفضيلة بالأعمال المناسبة لها، وكسب اللوم والذم، واللعن والطعن، والذنوب والآثام، ونحوها بالأعمال المستتبعة لذلك، فهذا هو معنى الكسب والاكتساب، وقد قيل في الفرق بينهما أن الاكتساب اجتلاب الإِنسان المنفعة لنفسه، والكسب أعم مما يكون لنفسه أو غيره مثل كسب العبد لسيده وكسب الولي للمولى عليه ونحو ذلك.
وكيف كان فالكاسب والمكتسب هو الإِنسان لا غير.
(كلام في معنى القلب في القرآن)
وهذا من الشواهد على أن المراد بالقلب هو الإِنسان بمعنى النفس والروح، فإن التعقل والتفكر والحب والبغض والخوف وأمثال ذلك وإن أمكن أن ينسبه أحد إلى القلب باعتقاد أنه العضو المدرك في البدن على ما ربما يعتقده العامة كما ينسب السمع إلى الأُذن والإِبصار إلى العين والذوق إلى اللسان، لكن الكسب والاكتساب مما لا ينسب إلاَّ إلى الإِنسان البتة.
ونظير هذه الآية قوله تعالى:
{ فإنه آثمٌ قلبه } [البقرة: 283]، وقوله تعالى: { وجاء بقلب منيب } [ق: 33]. والظاهر: أن الإِنسان لما شاهد نفسه وسائر أصناف الحيوان وتأمل فيها ورأى أن الشعور والإِدراك ربما بطل أو غاب عن الحيوان بإغماء أو صرع أو نحوهما، والحياة المدلول عليها بحركة القلب ونبضانه باقية بخلاف القلب قطع على أن مبدأ الحياة هو القلب، أي أن الروح التي يعتقدها في الحيوان أول تعلقها بالقلب وإن سرت منه إلى جميع أعضاء الحياة، وأن الآثار والخواص الروحية كالإِحساسات الوجدانية مثل: الشعور، والإِرادة، والحب، والبغض، والرجاء، والخوف، وأمثال ذلك كلها للقلب بعناية أنه أول متعلق للروح، وهذا لا ينافي كون كل عضو من الأعضاء مبدأً لفعله الذي يختص به كالدماغ للفكر والعين للإِبصار والسمع للوعي والرئة للتنفس ونحو ذلك، فإنها جميعاً بمنزلة الآلات التي يفعل بها الأفعال المحتاجة إلى توسيط الآلة.
وربما يؤيد هذا النظر: ما وجده التجارب العلمي أن الطيور لا تموت بفقد الدماغ إلاَّ أنها تفقد الإِدراك ولا تشعر بشيء وتبقى على تلك الحال حتى تموت بفقد المواد الغذائية ووقوف القلب عن ضرباته.
وربما أيده أيضاً: أن الأبحاث العلمية الطبيعية لم توفق حتى اليوم لتشخيص المصدر الذي يصدر عنه الأحكام البدنية أعني عرش الأوامر التي يمتثلها الأعضاء الفعالة في البدن الإِنساني، إذ لا ريب أنها في عين التشتت والتفرق من حيث أنفسها وأفعالها مجتمعة تحت لواء واحد منقادة لأمير واحد، وحدة حقيقية.
ولا ينبغي أن يتوهم أن ذلك كان ناشئاً عن الغفلة عن أمر الدماغ وما يخصه من الفعل الإِدراكي، فإن الإِنسان قد تنبّه لما عليه الرأس من الأهمية منذ أقدم الأزمنة، والشاهد عليه ما نرى في جميع الأمم والملل على اختلاف ألسنتهم من تسميه مبدأ الحكم والأمر بالرأس، واشتقاق اللغات المختلفة منه، كالرأس والرئيس والرئاسة، ورأس الخيط، ورأس المدة، ورأس المسافة، ورأس الكلام، ورأس الجبل، والرأس من الدواب والأنعام، ورئاس السيف.
فهذا - على ما يظهر - هو السبب في إسنادهم الإِدراك والشعور وما لا يخلو عن شوب إدراك مثل: الحب، والبغض، والرجاء، والخوف، والقصد، والحسد، والعفة، والشجاعة، والجرأة ونحو ذلك إلى القلب، ومرادهم به الروح المتعلقة بالبدن أو السارية فيه بواسطته، فينسبونها إليه كما ينسبونها إلى الروح وكما ينسبونها إلى أنفسهم، يقال: أحببته وأحبته روحي وأحبته نفسي وأحبه قلبي ثم استقر التجوز في الاستعمال فأطلق القلب وأُريد به النفس مجازاً كما ربما تعدوا عنه إلى الصدر فجعلوه لاشتماله على القلب مكاناً لانحاء الإِدراك والأفعال والصفات الروحية.
وفي القرآن شيء كثير من هذا الباب، قال تعالى:
{ يشرح صدره للإِسلام } [الأنعام: 125]، وقال تعالى: { إنك يضيق صدرك } [الحجر: 97]، وقال تعالى: { وبلغت القلوب الحناجر } [الأحزاب: 10]، وهو كناية عن ضيق الصدر، وقال تعالى: { إن الله عليم بذات الصدور } [آل عمران: 119]، وليس من البعيد أن تكون هذه الإِطلاقات في كتابه تعالى إشارة إلى تحقيق هذا النظر وإن لم يتضح كل الاتضاح بعد.
وقد رجح الشيخ أبو علي بن سينا كون الإِدراك للقلب بمعنى أن دخالة الدماغ فيه دخالة الآلة، فللقلب الإِدراك وللدماغ الوساطة.
ولنرجع إلى الآية ولا يخلو قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}، عن مجاز عقلي فإن ظاهر الاضراب عن المؤاخذة في بعض أقسام اليمين وهو اللغو إلى بعض آخر أن تتعلق بنفسه ولكن عدل عنه إلى تعليقه بأثره وهو الإِثم المترتب عليه عند الحنث ففيه مجاز عقلي وإضراب في إضراب للإِشارة إلى أن الله سبحانه لا شغل له إلاَّ بالقلب كما قال تعالى:
{ إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } [البقرة: 284]، وقال تعالى: { ولكن يناله التقوى منكم } [الحج: 37]. وفي قوله تعالى: {والله غفور حليم}، إشارة إلى كراهة اللغو من اليمين، فإنه مما لا ينبغي صدوره من المؤمن. وقد قال تعالى: {وقد أفلح المؤمنون} إلى أن قال { والذين هم عن اللغو معرضون } [المؤمنون: 3]. قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} "الخ"، الإِيلاء من الإِلية بمعنى الحلف، وغلب في الشرع في حلف الزوج أن لا يأتي زوجته غضباً وإضراراً، وهو المراد في الآية، والتربص هو الانتظار، والفيء هو الرجوع.
والظاهر أن تعدية الإِيلاء بمن لتضمينه معنى الابتعاد ونحوه فيفيد وقوع الحلف على الاجتناب عن المباشرة، ويشعر به تحديد التربص بالأربعة أشهر فإنها الأمد المضروب للمباشرة الواجبة شرعاً، ومنه يعلم أن المراد بالعزم على الطلاق العزم مع إيقاعه، ويشعر به أيضاً تذييله بقوله تعالى: {فإن الله سميع عليم}، فإن السمع إنما يتعلق بالطلاق الواقع لا بالعزم عليه.
وفي قوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم}، دلالة على أن الإِيلاء لا عقاب عليه على تقدير الفيء. وأما الكفارة فهي حكم شرعي لا يقبل المغفرة، قال تعالى:
{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين } [المائدة: 89] الآية.
فالمعنى أن من آلى من امرأته يتربص له الحاكم أربعة أشهر فإن رجع إلى حق الزوجية وهو المباشرة وكفر وباشر فلا عقاب عليه وإن عزم الطلاق وأوقعه فهو المخلص الآخر، والله سميع عليم.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} الآية، قال عليه السلام: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله.
وفيه أيضاً عن الباقر والصادق عليهما السلام في الآية: يعني الرجل يحلف أن لا يكلم أخاه وما أشبه ذلك أو لا يكلم أُمه.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في الآية، قال: إذا دعيت لتصلح بين اثنين فلا تقل عليَّ يمين أن لا أفعل.
أقول: والرواية الأولى كما ترى تفسر الآية بأحد المعنيين، والثانية والثالثة بالمعنى الآخر، ويقرب منهما ما في تفسير العياشي أيضاً عن الباقر والصادق عليهما السلام قالا: هو الرجل يصلح بين الرجل [والرجل] فيحمل ما بينهما من الإِثم؛ الحديث، فكأن المراد أنه ينبغي أن لا يحلف بل يصلح ويحمل الإِثم والله يغفر له، فيكون مصداقاً للعامل بالآية.
وفي الكافي عن مسعدة عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} الآية، قال: اللغو قول الرجل: لا والله وبلى والله ولا يعقد على شيء.
أقول: وهذا المعنى مروي في الكافي عنه عليه السلام من غير الطريق، وفي المجمع عنه وعن الباقر عليهما السلام.
وفي الكافي أيضاً عن الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قول ولا حق في الأربعة أشهر، ولا إثم عليه في الكف عنها في الأربعة أشهر، فإن مضت الأربعة أشهر قبل أن يمسها فما سكتت ورضيت فهو في حل وسعة، فإن رفعت أمرها قيل له: إما أن تفيء فتمسها وإما أن تطلق، وعزم الطلاق أن يخلي عنها، فإذا حاضت وطهرت طلقها، وهو أحق برجعتها ما لم يمض ثلاثة قروء، فهذا الإِيلاء الذي أنزل الله في كتابه وسنه رسول الله.
وفيه أيضاً عن الصادق عليه السلام في حديث: والإِيلاء أن يقول: والله لا أُجامعك كذا وكذا أو يقول: والله لأغيظنك ثم يغاظها، الحديث.
أقول: وفي خصوصيات الإِيلاء وبعض ما يتعلق به خلاف بين العامة والخاصة، والبحث فقهي مذكور في الفقه.