التفاسير

< >
عرض

وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٨
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢٢٩
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٢٣٠
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
٢٣١
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٢٣٢
وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٢٣٣
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٢٣٤
وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
٢٣٥
لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ
٢٣٦
وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٢٣٧
حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ
٢٣٨
فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
٢٣٩
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٤٠
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ
٢٤١
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٢٤٢
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات في احكام الطلاق والعدة وإرضاع المطلقة ولدها، وفي خلالها شيء من أحكام الصلاة.
قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}، أصل الطلاق التخلية عن وثاق وتقييد، ثم استعير لتخلية المرأة عن حبالة النكاح وقيد الزوجية، ثم صار حقيقة في ذلك بكثرة الاستعمال.
والتربص هو الانتظار والحبس، وقد قيد بقوله تعالى: بأنفسهن، ليدل على معنى التمكين من الرجال فيفيد معنى العدة أعني عدة الطلاق، وهو حبس المرأة نفسها عن الازدواج تحذراً عن اختلاط المياه، ويزيد على معنى العدة الإِشارة إلى حكمة التشريع، وهو التحفظ عن اختلاط المياه وفساد الانساب، ولا يلزم اطراد الحكمة في جميع الموارد فإن القوانين والأحكام إنما تدور مدار المصالح والحكم الغالبة دون العامة، فقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن} بمنزلة قولنا: يعتددن احترازاً من اختلاط المياه وفساد النسل بتمكين الرجال من أنفسهن، والجملة خبر أريد به الإِنشاء تأكيداً.
والقروء جمع القرء، وهو لفظ يطلق على الطهر والحيض معاً، فهو على ما قيل من الأضداد، غير أن الأصل في مادة قرء هو الجمع لكن لا كل جمع بل الجمع الذي يتلوه الصرف والتحويل ونحوه، وعلى هذا فالأظهر أن يكون معناه الطهر لكونه حالة جمع الدم ثم استعمل في الحيض لكونه حالة قذفه بعد الجمع، وبهذه العناية أُطلق على الجمع بين الحروف للدلالة على معنى القراءة، وقد صرَّح أهل اللغة بكون معناه هو الجمع، ويشعر بأن الأصل في مادة قرء الجمع، قوله تعالى:
{ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } [القيامة: 16-18]، وقوله تعالى: { وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } [الإسراء: 106]، حيث عبّر تعالى في الآيتين بالقرآن، ولم يعبر بالكتاب أو الفرقان أو ما يشبههما، وبه سمي القرآن قرآناً.
قال الراغب في مفرداته: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر ولما كان اسماً جامعاً للأمرين: الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد لأن كل اسم موضوع لمعنيين معاً يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة للخوان والطعام، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به، وليس القرء اسماً للطهر مجرداً ولا للحيض مجرداً، بدليل أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها: ذات قرء، وكذا الحائض التي استمر بها الدم لا يقال لها: ذلك، انتهى.
قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر}، المراد به تحريم كتمان المطلقة الدم أو الولد استعجالاً في خروج العدة أو إضراراً بالزوج في رجوعه ونحو ذلك، وفي تقييده بقوله: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} مع عدم اشتراط أصل الحكم بالإِيمان نوع ترغيب وحث لمطاوعة الحكم والتثبت عليه لما في هذا التقييد من الإِشارة إلى أن هذا الحكم من لوازم الإِيمان بالله واليوم الآخر الذي عليه بناء الشريعة الإِسلامية فلا استغناء في الإِسلام عن هذا الحكم، وهذا نظير قولنا: أحسن معاشرة الناس أن أردت خيراً، وقولنا للمريض: عليك بالحمية إن أردت الشفاء والبرء.
قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً}، البعولة جمع البعل وهو الذكر من الزوجين ما داما زوجين وقد استشعر منه معنى الاستعلاء والقوة والثبات في الشدائد لما أن الرجل كذلك بالنسبة إلى المرأة ثم جعل أصلاً يشتق منه الألفاظ بهذا المعنى فقيل لراكب الدابة بعلها، وللأرض المستعلية بعل، وللصنم بعل، وللنخل إذا عظم بعل ونحو ذلك.
والضمير في بعولتهن للمطلقات إلاَّ أن الحكم خاص بالرجعيات دون مطلق المطلقات الأعم منها ومن البائنات، والمشار إليه بذلك التربص الذي هو بمعنى العدة، والتقييد بقوله إن أرادوا إصلاحاً، للدلالة على وجوب أن يكون الرجوع لغرض الإِصلاح لا لغرض الإِضرار المنهي عنه بعد بقوله: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}، الآية.
ولفظ أحق اسم تفضيل حقه أن يتحقق معناه دائماً مع مفضل عليه كأن يكون للزوج الأول حق في المطلقة ولسائر الخطاب حق، والزوج الأول أحق بها لسبق الزوجية، غير أن الرد المذكور لا يتحقق معناه إلاَّ مع الزوج الأول.
ومن هنا يظهر: أن في الآية تقديراً لطيفاً بحسب المعنى، والمعنى وبعولتهن أحق بهن من غيرهم، ويحصل ذلك بالرد والرجوع في أيام العدة، وهذه الأحقية إنما تتحقق في الرجعيات دون البائنات التي لا رجوع فيها، وهذه هي القرينة على أن الحكم مخصوص بالرجعيات، لا أن ضمير بعولتهن راجع إلى بعض المطلقات بنحو الاستخدام أو ما أشبه ذلك، والآية خاصة بحكم المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، وأما غير المدخول بها والصغيرة واليائسة والحامل فلحكمها آيات أُخر.
قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة}، المعروف هو الذي يعرفه الناس بالذوق المكتسب من نوع الحياة الاجتماعية المتداولة بينهم، وقد كرر سبحانه المعروف في هذه الآيات فذكره في اثني عشر موضعاً اهتماماً بأن يجري هذا العمل أعني الطلاق وما يلحق به على سنن الفطرة والسلامة، فالمعروف يتضمن هداية العقل، وحكم الشرع، وفضيلة الخلق الحسن وسنن الأدب.
وحيث بنى الإِسلام شريعته على أساس الفطرة والخلقة كان المعروف عنده هو الذي يعرفه الناس إذا سلكوا مسلك الفترة ولم يتعدوا طور الخلقة، ومن أحكام الاجتماع المبني على أساس الفطرة أن يتساوى في الحكم أفراده وأجزاؤه فيكون ما عليهم مثل ما لهم إلاَّ أن ذلك التساوي إنما هو مع حفظ ما لكل من الأفراد من الوزن في الاجتماع والتأثير والكمال في شؤون الحياة فيحفظ للحاكم حكومته، وللمحكوم محكوميته، وللعالم علمه، وللجاهل حاله، وللقوي من حيث العمل قوته، وللضعيف ضعفه ثم يبسط التساوي بينها بإعطاء كل ذي [حق] حقه، وعلى هذا جرى الإِسلام في الأحكام المجعولة للمرأة وعلى المرأة فجعل لها مثل ما جعل عليها مع حفظ ما لها من الوزن في الحياة الاجتماعية في اجتماعها مع الرجل للتناكح والتناسل. والإِسلام يرى في ذلك أن للرجال عليهن درجة، والدرجة المنزلة.
ومن هنا يظهر: أن قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة}، قيد متمم للجملة السابقة، والمراد بالجميع معنى واحد وهو: أن النساء أو المطلقات قد سوى الله بينهن وبين الرجال مع حفظ ما للرجال من الدرجة عليهن، فجعل لهن مثل ما عليهن من الحكم، وسنعود إلى هذه المسألة بزيادة توضيح في بحث علمي مخصوص بها.
قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}، المرة بمعنى الدفعة مأخوذة من المرور للدلالة على الواحد من الفعل، كما أن الدفعة والكرة والنزلة مثلها وزناً ومعنى واعتباراً.
والتسريح أصله الإِطلاق في الرعي مأخوذ من سرحت الإِبل وهو أن ترعيه السرح، وهو شجر له ثمر يرعاه الإِبل، وقد أُستعير في الآية لإِطلاق المطلقة بمعنى عدم الرجوع إليها في العدة، والتخلية عنها حتى تنقضي عدتها على ما سيجيء.
والمراد بالطلاق في قوله تعالى: الطلاق مرتان، الطلاق الذي يجوز فيه الرجعة ولذا أردفه بقوله بعد: فإمساك "الخ"، وأما الثالث: فالطلاق الذي يدل عليه قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} الآية.
والمراد بتسريحها بإحسان ظاهراً التخلية بينها وبين البينونة وتركها بعد كل من التطليقتين الأوليين حتى تبين بانقضاء العدة وإن كان الأظهر أنه التطليقة الثالثة كما هو ظاهر الإِطلاق في تفريع قوله: فإمساك "الخ"، وعلى هذا فيكون قوله تعالى بعد: فإن طلقها "الخ"، بياناً تفصيلياً للتسريح بعد البيان الإِجمالي.
وفي تقييد الإِمساك بالمعروف والتسريح بالإِحسان من لطيف العناية ما لا يخفى، فإن الإِمساك والرد إلى حبالة الزوجية ربما كان للإِضرار بها وهو منكر غير معروف، كمن يطلق امرأته ثم يخليها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلق ثم يرجع كذلك، يريد بذلك إيذائها والإِضرار بها وهو إضرار منكر غير معروف في هذه الشريعة منهي عنه، بل الإِمساك الذي يجوزه الشرع أن يرجع إليها بنوع من أنواع الالتئام، ويتم به الأُنس وسكون النفس الذي جعله الله تعالى بين الرجل والمرأة.
وكذلك التسريح ربما كان على وجه منكر غير معروف يعمل فيه عوامل السخط والغضب، ويتصور بصورة الانتقام، والذي يجوزه هذه الشريعة أن يكون تسريحاً بنوع يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، وهو التسريح بالمعروف، كما قال تعالى في الآية الآتية {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}، وهذا التعبير هو الأصل في إفادة المطلوب الذي ذكرناه، وأما ما في هذه الآية أو تسريح بإحسان، حيث قيد التسريح بالإِحسان وهو معنى زائد على المعروف، فذلك لكون الجملة ملحوقة بما يوجب ذلك. أعني قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً}.
بيانه: أن التقييد بالمعروف والإِحسان لنفي ما يوجب فساد الحكم المشرع المقصود، والمطلوب بتقييد الإِمساك بالمعروف نفي الإِمساك الواقع على نحو المضارة كما قال تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}، والمطلوب في مورد التسريح نفي أن يأخذ الزوج بعض ما آتاه للزوجة من المهر، ولا يكفي فيه تقييد التسريح بالمعروف كما فعل في الآية الآتية، فإن مطالبة الزوج بعض ما آتاه زوجته وأخذه ربما لم ينكره التعارف الدائر بين الناس فزيد في تقييده بالإِحسان في هذه الآية دون الآية الآتية ليستقيم قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً}، وليتدارك بذلك ما يفوت المرأة من مزية الحياة التي في الزوجية والالتئام النكاحي، ولو قيل: أو تسريح بمعروف ولا يحل لكم "الخ"، فاتت النكتة.
قوله تعالى: {إلاَّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله}، الخوف هو الغلبة على ظنهما أن لا يقيما حدود الله، وهي أوامره ونواهيه من الواجبات والمحرمات في الدين، وذلك إنما يكون بتباعد أخلاقهما وما يستوجبه حوائجهما والتباغض المتولد بينهما من ذلك.
قوله تعالى: {فإن خفتم ألاَّ يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}، العدول عن التثنية إلى الجمع في قوله: خفتم، كأنه للإِشارة إلى لزوم أن يكون الخوف خوفاً يعرفه العرف والعادة، لا ما ربما يحصل بالتهوس والتلهي أو بالوسوسة ونحوها، ولذلك عدل أيضاً عن الإِضمار فقيل ألا يقيما حدود الله، ولم يقل فإن خفتم ذلك لمكان اللبس.
وأما نفي الجناح عنهما مع أن النهي في قوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا} "الخ"، إنما تعلق بالزوج فلأن حرمة الأخذ على الزوج توجب حرمة الاعطاء على الزوجة من باب الإِعانة على الاثم والعدوان إلاَّ في طلاق الخلع فيجوز توافقهما على الطلاق مع الفدية، فلا جناح على الزوج أن يأخذ الفدية، ولا جناح على الزوجة أن تعطي الفدية وتعين على الأخذ فلا جناح عليهما فيما افتدت به.
قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله} "الخ"، المشار إليه هي المعارف المذكورة في الآيتين وهي أحكام فقهية مشوبة بمسائل أخلاقية، وأُخرى علمية مبتنية على معارف أصلية، والاعتداء والتعدي هو التجاوز.
وربما استشعر من الآية عدم جواز التفرقة بين الأحكام الفقهية والأصول الأخلاقية، والاقتصار في العمل بمجرد الأحكام الفقهية والجمود على الظواهر والتقشف فيها، فإن في ذلك إبطالاً لمصالح التشريع وإماتة لغرض الدين وسعادة الحياة الإِنسانية، فإن الإِسلام كما مر مراراً دين الفعل دون القول، وشريعة العمل دون الفرض، ولم يبلغ المسلمون إلى ما بلغوا من الانحطاط والسقوط إلاَّ بالاقتصار على أجساد الأحكام والاعراض عن روحها وباطن أمرها، ويدل على ذلك ما سيأتي من قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}، الآية.
وفي الآية التفات عن خطاب الجمع في قوله: {ولا يحل لكم}، وقوله: {فإن خفتم} إلى خطاب المفرد في قوله: {تلك حدود الله}، ثم إلى الجمع في قوله: {فلا تعتدوها}، ثم إلى المفرد في قوله: {فأُولئك هم الظالمون}، فيفيد تنشيط ذهن المخاطب وتنبيهه للتيقظ ورفع الكسل في الإِصغاء.
قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكحَ زوجاً غيره} إلى آخر الآية، بيان لحكم التطليقة الثالثة وهو الحرمة حتى تنكح زوجاً غيره، وقد نفى الحل عن نفس الزوجة مع أن المحرم إنما هو عقدها أو وطئها ليدل به على تعلق الحرمة بهما جميعاً، وليشعر قوله تعالى: حتى تنكح زوجاً غيره، على العقد والوطء جميعاً، فإن طلقها الزوج الثاني فلا جناح عليهما أي على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا إلى الزوجية بالعقد بالتوافق من الجانبين، وهو التراجع، وليس بالرجوع الذي كان حقاً للزوج في التطليقتين الأوليين، وذلك إن ظنا أن يقيما حدود الله.
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله تعالى: {وتلك حدود الله}، لأن المراد بالحدود غير الحدود.
وفي الآية من عجيب الإِيجاز ما يبهت العقل، فإن الكلام على قصره مشتمل على أربعة عشر ضميراً مع اختلاف مراجعها واختلاطها من غير أن يوجب تعقيداً في الكلام، ولا إغلاقاً في الفهم.
وقد اشتملت هذه الآية والتي قبلها على عدد كثير من الأسماء المنكرة والكنايات من غير رداءة في السياق كقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}، أربعة أسماء منكرة، وقوله تعالى: {مما آتيتموهن شيئاً}، كني به عن المهر، وقوله تعالى: {فإن خفتم}، كني به عن وجوب كون الخوف جارياً على مجرى العادة المعروفة، وقوله تعالى: {فيما افتدت به}، كني به عن مال الخلع، وقوله تعالى: {فإن طلقها}، أُريد به التطليقة الثالثة، وقوله تعالى: {فلا تحل له}، أُريد به تحريم العقد والوطء، وقوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره}، أُريد به العقد والوطء معاً كناية مؤدبة، وقوله تعالى: {أن يتراجعا}، كني به عن العقد.
وفي الآيتين حسن المقابلة بين الإِمساك والتسريح، وبين قوله: {أن يخافا أن لا يقيما حدود الله}، وبين قوله: {إن ظنا أن يقيما حدود الله}، والتفنن في التعبير في قوله: {فلا تعتدوها} وقوله: {ومن يتعد}.
قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} إلى قوله: {لتعتدوا}، المراد ببلوغ الأجل الإِشراف على انقضاء العدة، فإن البلوغ كما يستعمل في الوصول إلى الغاية، كذلك يستعمل في الاقتراب منها، والدليل على أن المراد به ذلك قوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}، إذ لا معنى للإِمساك ولا التسريح بعد انقضاء العدة: وفي قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}، نهى عن الرجوع بقصد المضارة، كما نهى عن التسريح بالأخذ من المهر في غير الخلع.
قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} إلى آخر الآية، إشارة إلى حكمة النهي عن الإِمساك للمضارة، فإن التزوج لتتميم سعادة الحياة، ولا يتم ذلك إلاَّ بسكون كل من الزوجين إلى الآخر وإعانته في رفع حوائج الغرائز، والإِمساك خاصة رجوع إلى الاتصال والاجتماع بعد الانفصال والافتراق، وفيه جمع الشمل بعد شتاته، وأين ذلك من الرجوع بقصد المضارة.
فمن يفعل ذلك أي امسك ضراراً فقد ظلم نفسه حيث حملها على الانحراف عن الطريقة التي تهدي إليها فطرته الإِنسانية.
على أنه اتخذ آيات الله هزواً يستهزىء بها فإن الله سبحانه لم يشرع ما شرعه لهم من الأحكام تشريعاً جامداً يقتصر فيه على أجرام الأفعال أخذاً وإعطاءاً وإمساكاً وتسريحاً وغير ذلك، بل بناها على مصالح عامة يصلح بها فاسد الاجتماع، ويتم بها سعادة الحياة الإِنسانية، وخلطها بأخلاق فاضلة تتربى بها النفوس، وتطهر بها الأرواح، وتصفو بها المعارف العالية: من التوحيد والولاية وسائر الاعتقادات الزاكية، فمن اقتصر في دينه على ظواهر الأحكام ونبذ غيرها وراء ظهره فقد اتخذ آيات الله هزواً.
والمراد بالنعمة في قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم}، نعمة الدين أو حقيقة الدين وهي السعادة التي تنال بالعمل بشرائع الدين كسعادة الحياة المختصة بتألف الزوجين، فإن الله تعالى سمى السعادة الدينية نعمة، كما في قوله تعالى:
{ وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3]، وقوله تعالى: { وليتم نعمته عليكم } [المائدة: 6]، وقوله تعالى: { فأصبحتم بنعمته إخواناً } [آل عمران: 103]. وعلى هذا يكون قوله تعالى بعده: {وما أُنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به}، كالمفسر لهذه النعمة، ويكون المراد بالكتاب والحكمة ظاهر الشريعة وباطنها، أعني أحكامها وحِكَمها.
ويمكن أن يكون المراد بالنعمة مطلق النعم الإِلهية، التكوينية وغيرها، فيكون المعنى: اذكروا حقيقة معنى حياتكم وخاصة المزايا ومحاسن التألف والسكونة بين الزوجين، وما بينه الله تعالى لكم بلسان الوعظ من المعارف المتعلقة بها في ظاهر الأحكام وحكمها، فإنكم إن تأملتم ذلك أوشك أن تلزموا صراط السعادة، ولا تفسدوا كمال حياتكم ونعمة وجودكم، واتقوا الله ولتتوجه نفوسكم إلى أن الله بكل شيء عليم، حتى لا يخالف ظاهركم باطنكم، ولا تجترؤوا على الله بهدم باطن الدين في صورة تعمير ظاهره.
قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} العضل المنع، والظاهر أن الخطاب في قوله: فلا تعضلوهن، لأوليائهن ومن يجري مجراهم ممن لا يسعهن مخالفته، والمراد بأزواجهن، الأزواج قبل الطلاق، فالآية تدل على نهي الأولياء ومن يجري مجراهم عن منع المرأة أن تنكح زوجها ثانياً بعد انقضاء العدة سخطاً ولجاجاً كما يتفق كثيراً، ولا دلالة في ذلك على أن العقد لا يصح إلاَّ بولي.
أما أولاً: فلأن قوله: فلا تعضلوهن، لو لم يدل على عدم تأثير الولاية في ذلك لم يدل على تأثيره.
وأما ثانياً: فلأن اختصاص الخطاب بالأولياء فقط لا دليل عليه بل الظاهر أنه أعم منهم، وأن النهي نهي إرشادي إلى ما يترتب على هذا الرجوع من المصالح والمنافع كما قال تعالى: {ذلكم أزكى لكم وأطهر}.
وربما قيل: إن الخطاب للأزواج جرياً على ما جرى به قوله: {وإذا طلقتم النساء}، والمعنى: وإذا طلقتم النساء يا أيُّها الأزواج فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن أن ينكحن أزواجاً يكونون أزواجهن، وذلك بأن يخفي عنهن الطلاق لتضار بطول العدة ونحو ذلك.
وهذا الوجه لا يلائم قوله تعالى: أزواجهن، فإن التعبير المناسب لهذا المعنى أن يقال: أن ينكحن أو أن ينكحن أزواجاً وهو ظاهر.
والمراد بقوله تعالى: {فبلغن أجلهن}، انقضاء العدة، فإن العدة لو لم تنقض لم يكن لأحد من الأولياء وغيرهم أن يمنع ذلك وبعولتهن أحق بردهن في ذلك. على أن قوله تعالى: أن ينكحن، دون أن يقال: يرجعن ونحوه ينافي ذلك.
قوله تعالى: {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر}، هذا كقوله فيما مرّ: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} الآية، وإنما خص الموردان من بين الموارد بالتقييد بالإِيمان بالله واليوم الآخر، وهو التوحيد، لأن دين التوحيد يدعو إلى الاتحاد دون الافتراق، ويقضي بالوصل دون الفصل.
وفي قوله تعالى: {ذلك يوعظ به من كان منكم}، التفات إلى خطاب المفرد عن خطاب الجمع ثم التفات عن خطاب المفرد إلى خطاب الجمع، والأصل في هذا الكلام خطاب المجموع أعني خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأُمته جميعاً، لكن ربما التفت إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحده في غير جهات الأحكام كقوله: {تلك حدود الله فلا تعتدوها}، وقوله: {فأُولئك هم الظالمون}، وقوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك}، وقوله: {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله}، حفظاً لقوام الخطاب، ورعاية لحال من هو ركن في هذه المخاطبة وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه هو المخاطب بالكلام من غير واسطة، وغيره فخاطب بوساطته، وأما الخطابات المشتملة على الأحكام فجميعها موجهة نحو المجموع، ويرجع حقيقة هذا النوع من الالتفات الكلامي إلى توسعة الخطاب بعد تضييقه وتضييقه بعد توسعته فليتدبر فيه.
قوله تعالى: {ذلكم أزكى لكم وأطهر} الزكاة هو النمو الصالح الطيب، وقد مرَّ الكلام في معنى الطهارة، والمشار إليه بقوله: ذلكم، عدم المنع عن رجوعهن إلى أزواجهن، أو نفس رجوعهن إلى أزواجهن، والمآل واحد، وذلك أن فيه رجوعاً من الانثلام والانفصال إلى الالتئام والاتصال، وتقوية لغريزة التوحيد في النفوس فينمو على ذلك جميع الفضائل الدينية، وفيه تربية لملكة العفة والحياء فيهن وهو استر لهن وأطهر لنفوسهن، ومن جهة أُخرى فيه حفظ قلوبهن عن الوقوع على الأجانب إذا منعن عن نكاح أزواجهن.
والإِسلام دين الزكاة والطهارة والعلم، قال تعالى:
{ ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } [آل عمران: 164]، وقال تعالى: { ولكن يريد ليطهركم } [المائدة: 6]. قوله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، أي إلاَّ ما يعلمكم كما قال تعالى: { ويعلمهم الكتاب والحكمة } [آل عمران: 164]. وقال تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلاَّ بما شاء } [البقرة: 255]، فلا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} الآية، أي يعلمون بتعليم الله.
قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة}، الوالدات هن الأمهات، وإنما عدل عن الأمهات إلى الوالدات لأن الأُم أعم من الوالدة كما أن الأب أعم من الوالد والابن أعم من الولد، والحكم في الآية مشروع في خصوص مورد الوالدة والولد والمولود له، وأما تبديل الوالد بالمولود له، ففيه إشارة إلى حكمة التشريع، فإن الوالد لما كان مولوداً للوالد ملحقاً به في معظم أحكام حياته لا في جميعها، كما سيجيء بيانها في آية التحريم من سورة النساء إن شاء الله، كان عليه أن يقوم بمصالح حياته ولوازم تربيته، ومنها كسوة أمه التي ترضعه، ونفقتها، وكان على أُمه أن لا تضار والده لأن الولد مولود له.
ومن أعجب الكلام ما ذكر بعض المفسرين: أنه إنما قيل: المولود له دون الوالد: ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهن لأن الأولاد للآباء ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات، وأنشد المأمون ابن الرشيد:

وإنما أُمهات الناس أوعية مستودعـات وللآباء أبناء

انتهى ملخصاً، وكأنه ذهل عن صدر الآية وذيلها حيث يقول تعالى: أولادهن، ويقول: بولدها، وأما ما أنشده من شعر المأمون فهو وأمثاله أنزل قدراً من أن يتأيد بكلامه كلام الله تعالى وتقدس.
وقد اختلط على كثير من علماء الأدب أمر اللغة، وأمر التشريع، حكم الاجتماع وأمر التكوين فربما استشهدوا باللغة على حكم اجتماعي، أو حقيقة تكوينية.
وجملة الأمر في الولد أن التكوين يلحقه بالوالدين معاً لاستناده في وجوده إليهما معاً، والاعتبار الاجتماعي فيه مختلف بين الأمم: فبعض الأمم يلحقه بالوالدة، وبعضهم بالوالد والآية تقرر قول هذا البعض، وتشير إليه بقوله: {المولود له} كما تقدم، والإِرضاع إفعال من الرضاعة والرضع وهو مص الثدي بشرب اللبن منه، والحول هو السنة سميت به لأنها تحول، وإنما وصف بالكمال لأن الحول والسنة لكونه ذا أجزاء كثيرة ربما يسامح فيه فيطلق على الناقص كالكامل، فكثيراً ما يقال: أقمت هناك حولاً أو حولين إذا أُقيم مدة تنقص منه أياماً.
وفي قوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة}، دلالة على أن الحضانة والإِرضاع حق للوالدة المطلقة موكول إلى اختيارها، والبلوغ إلى آخر المدة أيضاً من حقها، فإن شاءت إرضاعه حولين كاملين فلها ذلك وإن لم تشأ التكميل فلها ذلك، وأما الزوج فليس له في ذلك حق إلاَّ إذا وافقت عليه الزوجة بتراض منهما كما يشير إليه قوله تعالى: {فإن أرادا فصالاً} "الخ".
قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلاَّ وسعها}، المراد بالمولود له هو الوالد كما مرّ، والرزق والكسوة هما النفقة واللباس، وقد نزلهما الله تعالى على المعروف وهو المتعارف من حالهما، وقد علل ذلك بحكم عام آخر رافع للحرج، وهو قوله تعالى: {لا تكلف نفس إلاَّ وسعها}، وقد فرع عليه حكمين آخرين، أحدهما: حق الحضانة والإِرضاع الذي للزوجة وما أشبهه، فلا يحق للزوج أن يحول بين الوالدة وولدها بمنعها عن حضانته أو رؤيته أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك مضارة وحرج عليها، وثانيهما: نفي مضارة الزوجة للزوج بولده بأن تمنعه عن الرؤية ونحو ذلك، وذلك قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده}، والنكتة في وضع الظاهر موضع الضمير أعني في قوله: بولده دون أن يقول به رفع التناقض المتوهم، فإنه لو قيل: ولا مولود له به رجع الضمير إلى قوله ولدها وكان ظاهر المعنى: ولا مولود له بولد المرأة فأوهم التناقض لأن إسناد الولادة إلى الرجل يناقض إسنادها إلى المرأة، ففي الجملة مراعاة لحكم التشريع والتكوين معاً أي إن الولد لهما معاً تكويناً فهو ولده وولدها، وله فحسب تشريعاً لأنه مولود له.
قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك}، ظاهر الآية: أن الذى جعل على الوالد من الكسوة والنفقة فهو مجعول على وارثه إن مات، وقد قيل في معنى الآية أشياء أُخر لا يوافق ظاهرها، وقد تركنا ذكرها لأنها بالبحث الفقهي أمس فلتطلب من هناك، والذي ذكرناه هو الموافق لمذهب أئمة أهل البيت فيما نقل عنهم من الأخبار، وهو الموافق أيضاً لظاهر الآية.
قوله تعالى: {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور} إلى آخر الآية، الفصال: الفطام، والتشاور: الاجتماع على المشورة، والكلام تفريع على الحق المجعول للزوجة ونفي الحرج عن البين، فالحضانة والرضاع ليس واجباً عليها غير قابل التغيير، بل هو حق يمكنها أن تتركه.
فمن الجائز أن يتراضيا بالتشاور على فصال الولد من غير جناح عليهما ولا بأس، وكذا من الجائز أن يسترضع الزوج لولده من غير الزوجة الوالدة إذا ردت الولد إليه بالامتناع عن إرضاعه، أو لعلة أُخرى من انقطاع لبن أو مرض ونحوه إذا سلم لها ما تستحقه تسليماً بالمعروف بحيث لا يزاحم في جميع ذلك حقها، وهو قوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف}.
قوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير}، أمر بالتقوى وان يكون هذا التقوى بإصلاح صورة هذه الأعمال، فإنها أُمور مرتبطة بالظاهر من الصورة، ولذلك قال تعالى: {واعلموا أن الله بما تعملون بصير}، وهذا بخلاف ما في ذيل قوله تعالى السابق: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} الآية، من قوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم}، فإن تلك الآية مشتملة على قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}، والمضارة ربما عادت إلى النية من غير ظهور في صورة العمل إلاَّ بحسب الأثر بعد.
قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}، التوفي هو الإِماتة، يقال: توفاه الله إذا أماته فهو متوفى بصيغة اسم المفعول، ويذرون مثل يدعون بمعنى يتركون ولا ماضي لهما من مادتهما، والمراد بالعشر الأيام حذفت لدلالة الكلام عليه.
قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف}، المراد ببلوغ الأجل انقضاء العدة، وقوله: فلا جناح "الخ" كناية عن إعطاء الاختيار لهن في أفعالهن فإن اخترن لأنفسهن الازدواج فلهن ذلك، وليس لقرابة الميت منعهن عن شيء من ذلك استناداً إلى بعض العادات المبنية على الجهالة والعمى أو الشح والحسد، فإن لهن حقاً في ذلك معروفاً في الشرع وليس لأحد أن ينهي عن المعروف.
وقد كانت الأمم على أهواء شتى في المتوفى عنها زوجها، بين من يحكم بإحراق الزوجة الحية مع زوجها الميت أو إلحادها وإقبارها معه، وبين من يقضي بعدم جواز ازدواجها ما بقيت بعده إلى آخر عمرها كالنصارى، وبين من يوجب اعتزالها عن الرجال إلى سنة من حين الوفاة كالعرب الجاهلي، أو ما يقرب من السنة كتسعة أشهر، كما هو كذلك عند بعض الملل الراقية، وبين من يعتقد أن للزوج المتوفى حقاً على الزوجة في الكف عن الازدواج حيناً من غير تعيين للمدة، كل ذلك لما يجدونه من أنفسهم أن الازدواج للاشتراك في الحياة والامتزاج فيها، وهو مبني على أساس الانس والألفة، وللحب حرمة يجب رعايتها، وهذا وإن كان معنى قائماً بالطرفين، ومرتبطاً بالزوج والزوجة معاً، فكل منهما أخذته الوفاة كان على الآخر رعاية هذه الحرمة بعد صاحبه، غير أن هذه المراعاة على المرأة أوجب وألزم، لما يجب عليها من مراعاة جانب الحياء والاحتجاب والعفة، فلا ينبغي لها أن تبتذل فتكون كالسلعة المبتذلة الدائرة تعتورها الأيدي واحدة بعد واحدة، فهذا هو الموجب لما حكم به هذه الأقوام المختلفة في المتوفى عنها زوجها، وقد عيّن الإِسلام هذا التربص بما يقرب من ثُلْث سنة، أعني أربعة أشهر وعشراً.
قوله تعالى: {والله بما تعملون خبير}، لما كان الكلام مشتملاً على تشريع عدة الوفاة وعلى تشريع حق الازدواج لهن بعدها، وكان كل ذلك تشخيصاً للأعمال مستنداً إلى الخبرة الإِلهية كان الأنسب تعليله بأن الله خبير بالأعمال مشخص للمحظور منها عن المباح، فعليهن أن يتربصن في مورد وأن يخترن ما شئن لأنفسهن في مورد آخر، ولذا ذيل الكلام بقوله: {والله بما تعملون خبير}.
قوله تعالى: {لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم}، التعريض هو الميل بالكلام إلى جانب ليفهم المخاطب أمراً مقصوداً للمتكلم لا يريد التصريح به من العرض بمعنى الجانب فهو خلاف التصريح. والفرق بين التعريض والكناية أن للكلام الذي فيه التعريض معنى مقصوداً غير ما اعترض به كقول المخاطب للمرأة: إني حسن المعاشرة وأُحب النساء، أي لو تزوجت بي سعدت بطيب العيش وصرت محبوبة، بخلاف الكناية إذ لا يقصد في الكناية غير المكنى عنه كقولك: فلان كثير الرماد تريد أنه سخي.
والخطبة بكسر الخاء من الخطب بمعنى التكلم والمراجعة في الكلام، يقال: خطب المرأة خطبة بالكسر إذا كلمها في أمر التزوج بها فهو خاطب ولا يقال: خطيب ويقال خطب القوم خطبة بضم الخاء إذا كلمهم، وخاصة في الوعظ فهو خاطب من الخطاب وخطيب من الخطباء.
والإِكنان من الكن بالفتح بمعنى الستر لكن يختص الإِكنان بما يستر في النفس كما قال: أو أكننتم في أنفسكم، والكن بما يستر بشيء من الأجسام كمحفظة أو ثوب أو بيت، قال تعالى:
{ كأنهن بيض مكنون } [الصافات: 49]، وقال تعالى: { كأمثال اللؤلؤ المكنون } [الواقعة: 23]، والمراد بالآية نفي البأس عن التعريض في الخطبة أو إخفاء أُمور في القلب في أمرها.
قوله تعالى: {علم الله أنكم ستذكرونهن}، في مورد التعليل لنفي الجناح عن الخطبة والتعريض فيها، والمعنى: ان ذكركم إياهن أمر مطبوع في طباعكم والله لا ينهى عن أمر تقضي به غريزتكم الفطرية ونوع خلقتكم، بل يجوزه، وهذا من الموارد الظاهرة في أن دين الإِسلام مبني على أساس الفطرة.
قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله}، العزم عقد القلب على الفعل وتثبيت الحكم بحيث لا يبقى فيه وهن في تأثيره إلاَّ أن يبطل من رأس، والعقدة من العقد بمعنى الشد. وفي الكلام تشبيه علقة الزوجية بالعقدة التي يعقد بها أحد الخيطين بالآخر بحيث يصيران واحداً بالاتصال، كأن حبالة النكاح تصير الزوجين واحداً متصلاً، ثم في تعليق عقدة النكاح بالعزم الذي هو أمر قلبي إشارة إلى أن سنخ هذه العقدة والعلقة أمر قائم بالنية والاعتقاد، فإنها من الاعتبارات العقلائية التي لا موطن لها إلاَّ ظرف الاعتقاد والإِدراك، نظير الملك وسائر الحقوق الاجتماعية العقلائية كما مرّ بيانه في ذيل قوله تعالى:
{ كان الناس أُمة واحدة } [البقرة: 213] الآية، ففي الآية استعارة وكناية، والمراد بالكتاب هو المكتوب أي المفروض من الحكم وهو التربص الذي فرضه الله على المعتدات.
فمعنى الآية: ولا تجروا عقد النكاح حتى تنقضي عدتهن، وهذه الآية تكشف أن الكلام فيها وفي الآية السابقة عليها أعني قوله تعالى: {لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} الآية، إنما هو في خطبة المعتدات وفي عقدهن، وعلى هذا فاللام في قوله: النساء للعهد دون الجنس وغيره.
قوله تعالى: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم} "الخ"، إيراد ما ذكر من صفاته تعالى في الآية، أعني العلم والمغفرة والحكم يدل على أن الأمور المذكورة في الآيتين وهي خطبة المعتدات والتعريض لهن ومواعدتهن سراً من موارد الهلكات لا يرتضيها الله سبحانه كل الارتضاء وإن كان قد أجاز ما أجازه منها.
قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة}، المس كناية عن المواقعة، والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر، والمعنى: أن عدم مس الزوجة لا يمنع عن صحة الطلاق وكذا عدم ذكر المهر.
قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف}، التمتيع إعطاء ما يتمتع به، والمتاع والمتعة ما يتمتع به، ومتاعاً مفعول مطلق لقوله تعالى: ومتعوهن، اعترض بينهما قوله تعالى: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}، والموسع اسم فاعل من أوسع إذا كان على سعة من المال وكأنه من الأفعال المتعدية التي كثر استعمالها مع حذف المفعول اختصاراً حتى صار يفيد ثبوت أصل المعنى فصار لازماً، والمقتر اسم فاعل من أقتر إذا كان على ضيق من المعاش، والقدر بفتح الدال وسكونها بمعنى واحد.
ومعنى الآية: يجب عليكم أن تمتعوا المطلقات عن غير فرض فريضة متاعاً بالمعروف وإنما يجب على الموسع قدره أي ما يناسب حاله ويتقدر به وضعه من التمتيع، وعلى المقتر قدره من التمتيع، وهذا يختص بالمطلقة غير المفروضة لها التي لم يسم مهرها، والدليل على أن هذا التمتيع المذكور مختص بها ولا يعم المطلقة المفروضة لها التي لم يدخل بها ما في الآية التالية من بيان حكمها.
قوله تعالى: {حقاً على المحسنين}، أي حق الحكم حقاً على المحسنين، وظاهر الجملة وإن كان كون الوصف أعني الإِحسان دخيلاً في الحكم، وحيث ليس الإِحسان واجباً استلزم كون الحكم استحبابياً غير وجوبي، إلاَّ أن النصوص من طرق أهل البيت تفسر الحكم بالوجوب، ولعلَّ الوجه فيه ما مرّ من قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} الآية، فأوجب الإِحسان على المسرحين وهم المطلقون فهم المحسنون، وقد حق الحكم في هذه الآية على المحسنين وهم المطلقون، والله أعلم.
قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} "الخ"، أي وإن أوقعتم الطلاق قبل الدخول بهن وقد فرضتم لهن فريضة وسميتم المهر فيجب عليكم تأدية نصف ما فرضتم من المهر إلى أن يعفون هؤلاء المطلقات أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح من وليهن فيسقط النصف المذكور أيضاً أو الزوج، فإن عقدة النكاح بيده أيضاً، فلا يجب على الزوجة المطلقة رد نصف المهر الذي أخذت، والعفو على أي حال أقرب للتقوى لأن من أعرض عن حقه الثابت شرعاً فهو عن الاعراض عمّا ليس له بحق من محارم الله سبحانه أقوى وأقدر.
قوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} "الخ"، الفضل هو الزيادة كالفضول غير أن الفضل هو الزيادة في المكارم والمحامد، والفضول هو الزيادة غير المحمودة على ما قيل، وفي الكلام ذكر الفضل الذي ينبغي أن يؤثره الإِنسان في مجتمع الحياة فيتفاضل به البعض على بعض، والمراد به الترغيب في الإِحسان والفضل بالعفو عن الحقوق والتسهيل والتخفيف من الزوج للزوجة وبالعكس، والنكتة في قوله تعالى: {إن الله على كل شيء بصير}، كالنكتة فيما مرّ في ذيل قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} الآية.
قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات} إلى آخر الآية، حفظ الشيء ضبطه وهو في المعاني أعني حفظ النفس لما تستحضره أو تدركه من المعاني أغلب، والوسطى مؤنث الأوسط، والصلاة الوسطى هي الواقعة في وسطها، ولا يظهر من كلامه تعالى ما هو المراد من الصلاة الوسطى، وإنما تفسيره السنة، وسيجيء ما ورد من الروايات في تعيينه.
واللام في قوله تعالى: {وقوموا لله}، للغاية، والقيام بأمر كناية عن تقلده والتلبس بفعله، والقنوت هو الخضوع بالطاعة، قال تعالى:
{ كل له قانتون } [الروم: 26]، وقال تعالى: { ومن يقنت منكن لله ورسوله } [الأحزاب: 31]، فمحصل المعنى: تلبسوا بطاعة الله سبحانه بالخضوع مخلصين له ولأجله.
قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} إلى آخر الآية، عطف الشرط على الجملة السابقة يدل على تقدير شرط محذوف أي حافظوا إن لم تخافوا، وإن خفتم فقدروا المحافظة بقدر ما يمكن من الصلاة راجلين وقوفاً أو مشياً أو راكبين، والرجال جمع راجل والركبان جمع راكب، وهذه صلاة الخوف.
والفاء في قوله تعالى: فإذا أمنتم، للتفريع - أي أن المحافظة على الصلاة أمر غير ساقط من أصله، بل إن لم تخافوا شيئاً وأمكنت لكم وجبت عليكم وإن تعسر عليكم فقدروها بقدر ما يمكن لكم، وإن زال عنكم الخوف بتجدد الأمن ثانياً عاد الوجوب ووجب عليكم ذكر الله سبحانه.
والكاف في قوله تعالى: {كما علمكم}، للتشبيه، وقوله: {ما لم تكونوا تعلمون} من قبيل وضع العام موضع الخاص دلالة على الامتنان بسعة النعمة والتعليم، والمعنى على هذا: فاذكروا الله ذكراً يماثل ما علمكم من الصلاة المفروضة المكتوبة في حال الأمن في ضمن ما علمكم من شرائع الدين.
قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم}،. وصية مفعول مطلق لمقدر، والتقدير ليوصوا وصية ينتفع به أزواجهم ويتمتعن متاعاً إلى الحول بعد التوفي.
وتعريف الحول باللام لا يخلو عن دلالة على كون الآية نازلة قبل تشريع عدة الوفاة، أعني الأربعة أشهر وعشرة أيام، فإن عرب الجاهلية كانت نساؤهم يقعدن بعد موت أزواجهن حولاً كاملاً، فالآية توصي بأن يوصي الأزواج لهن بمال يتمتعن به إلى تمام الحول من غير إخراجهن من بيوتهن، غير أن هذا لما كان حقاً لهن والحق يجوز تركه كان لهن أن يطالبن به، وأن يتركنه فإن خرجن فلا جناح للورثة ومن يجري مجراهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف، وهذا نظير ما أوصى الله به من حضره الموت أن يوصي للوالدين والأقربين بالمعروف، قال تعالى:
{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين } [البقرة: 180]. ومما ذكرنا يظهر أن الآية منسوخة بآية عدة الوفاة وآية الميراث بالربع والثمن.
قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين}، الآية في حق مطلق المطلقات، وتعليق ثبوت الحكم بوصف التقوى مشعر بالاستحباب.
قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلَّكم تعقلون}، الأصل في معنى العقل العقد والإِمساك وبه سمي إدراك الإِنسان إدراكاً يعقد عليه عقلاً، وما أدركه عقلاً، والقوة التي يزعم أنها إحدى القوى التي يتصرف بها الإِنسان يميّز بها بين الخير والشر والحق والباطل عقلاً، ويقابله الجنون والسفه والحمق والجهل باعتبارات مختلفة.
والألفاظ المستعملة في القرآن الكريم في أنواع الإِدراك كثيرة ربما بلغت العشرين، كالظن، والحسبان، والشعور، والذكر، والعرفان، والفهم، والفقه، والدراية، واليقين، والفكر، والرأي، والزعم، والحفظ، والحكمة، والخبرة، والشهادة، والعقل، ويلحق بها مثل القول، والفتوى، والبصيرة ونحو ذلك.
والظن هو التصديق الراجح وإن لم يبلغ حد الجزم والقطع، وكذا الحسبان، غير أن الحسبان كأن استعماله في الإِدراك الظني استعمال استعاري، كالعد بمعنى الظن وأصله من نحو قولنا: عد زيداً من الابطال وحسبه منهم أي ألحقه بهم في العد والحساب.
والشعور هو الإِدراك الدقيق مأخوذ من الشعر لدقته، ويغلب استعماله في المحسوس دون المعقول، ومنه إطلاق المشاعر للحواس.
والذكر هو استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبته عن الإِدراك أو حفظه من أن يغيب عن الإِدراك.
والعرفان والمعرفة تطبيق الصورة الحاصلة في المدركة على ما هو مخزون في الذهن ولذا قيل: إنه إدراك بعد علم سابق.
والفهم: نوع انفعال للذهن عن الخارج عنه بانتقاش الصورة فيه.
والفقه: هو التثبت في هذه الصورة المنتقشة فيه والاستقرار في التصديق.
والدراية: هو التوغل في ذلك التثبت والاستقرار حتى يدرك خصوصية المعلوم وخباياه ومزاياه، ولذا يستعمل في مقام تفخيم الأمر وتعظيمه، قال تعالى:
{ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } [الحاقة: 1-3]، وقال تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر } [القدر: 1-2]. واليقين: هو اشتداد الإِدراك الذهني بحيث لا يقبل الزوال والوهن.
والفكر نحو سير ومرور على المعلومات الموجودة الحاضرة لتحصيل ما يلازمها من المجهولات.
والرأي: هو التصديق الحاصل من الفكر والتروي، غير أنه يغلب استعماله في العلوم العملية مما ينبغي فعله وما لا ينبغي دون العلوم النظرية الراجعة إلى الأمور التكوينية، ويقرب منه البصيرة، والافتاء، والقول، غير أن استعمال القول كأنه استعمال استعاري من قبيل وضع اللازم موضع الملزوم لأن القول في شيء يستلزم الاعتقاد بما يدل عليه.
والزعم: هو التصديق من حيث أنه صورة في الذهن سواء كان تصديقاً راجحاً أو جازماً قاطعاً.
والعلم كما مرّ: هو الإِدراك المانع من النقيض.
والحفظ: ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق إليه التغيير والزوال.
والحكمة: هي الصورة العلمية من حيث إحكامها وإتقانها.
والخبره: هو ظهور الصورة العلمية بحيث لا يخفى على العالم ترتب أي نتيجة على مقدماتها.
والشهادة: هو نيل نفس الشيء وعينه إما بحس ظاهر كما في المحسوسات أو باطن كما في الوجدانيات نحو العلم والإِرادة والحب والبغض وما يضاهي ذلك.
والألفاظ السابقة على ما عرفت من معانيها لا تخلو عن ملابسة المادة والحركة والتغير، ولذلك لا تستعمل في مورده تعالى غير الخمسة الأخيرة منها أعني العلم والحفظ والحكمة والخبرة والشهادة، فلا يقال فيه تعالى: انه يظن أو يحسب أو يزعم أو يفهم أو يفقه أو غير ذلك.
وأما الألفاظ الخمسة الأخيرة فلعدم استلزامها للنقص والفقدان تستعمل في مورده تعالى، قال سبحانه:
{ والله بكل شيء عليم } [البقرة: 282]، وقال تعالى: { وربـــك على كــــل شيء حفيـــظ } [سبأ: 21]، وقال تعالى: { والله بمــــا تعملــون خبير } [البقرة: 234]، وقال تعالى: { هو العليم الحكيم } [يوسف: 100]، وقال تعالى: { إنه على كل شيء شهيد } [فصلت: 53]. ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: لفظ العقل على ما عرفت يطلق على الإِدراك من حيث إن فيه عقد القلب بالتصديق، على ما جبل الله سبحانه الإِنسان عليه من إدراك الحق والباطل في النظريات، والخير والشر والمنافع والمضار في العمليات حيث خلقه الله سبحانه خِلقة يدرك نفسه في أول وجوده، ثم جهزه بحواس ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء، وبأُخرى باطنة يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإِرادة، والحب والبغض، والرجاء، والخوف، ونحو ذلك، ثم يتصرف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم، فيقضي فيها في النظريات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاء نظرياً، وفي العمليات والأمور المربوطة بالعمل قضاء عملياً، كل ذلك جرياً على المجرى الذي تشخصه له فطرته الأصلية، وهذا هو العقل.
لكن ربما تسلط بعض القوى على الإِنسان بغلبته على سائر القوى كالشهوة والغضب فأبطل حكم الباقي أو ضعفه، فخرج الإِنسان بها عن صراط الاعتدال إلى أودية الإِفراط والتفريط، فلم يعمل هذا العامل العقلي فيه على سلامته، كالقاضي الذي يقضي بمدارك أو شهادات كاذبة منحرفة محرفة، فإنه يحيد في قضائه عن الحق وإن قضى غير قاصد للباطل، فهو قاض وليس بقاض، كذلك الإِنسان يقضي في مواطن المعلومات الباطلة بما يقضي، وإنه وإن سمي عمله ذلك عقلاً بنحو من المسامحة، لكنه ليس بعقل حقيقة لخروج الإِنسان عند ذلك عن سلامة الفطرة وسنن الصواب.
وعلى هذا جرى كلامه تعالى، فإنه يعرف العقل بما ينتفع به الإِنسان في دينه ويركب به هداه إلى حقائق المعارف وصالح العمل، وإذا لم يجر على هذا المجرى فلا يسمى عقلاً، وإن عمل في الخير والشر الدنيوي فقط، قال تعالى:
{ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } [الملك: 10]. وقال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } [الحج: 46]، فالآيات كما ترى تستعمل العقل في العلم الذي يستقل الإِنسان بالقيام عليه بنفسه، والسمع في الإِدراك الذي يستعين فيه بغيره مع سلامة الفطرة في جميع ذلك، وقال تعالى:{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلاَّ من سفه نفسه} [الآية: 130]، وقد مرّ أن الآية بمنزلة عكس النقيض لقوله عليه السلام: العقل ما عبد به الرَّحمن، الحديث.
فقد تبيّن من جميع ما ذكرنا: أن المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الإِدراك الذي يتم للإِنسان مع سلامه فطرته، وبه يظهر معنى قوله سبحانه: كذلك يبين الله لكم آياته لعلّكم تعقلون، فبالبيان يتم العلم، والعلم مقدمة للعقل ووسيلة إليه، كما قال تعالى:
{ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاَّ العالمون } [العنكبوت: 43].
(بحث روائي)
في سنن أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل حين طلقت العدة للطلاق: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فكانت أول من أنزلت فيها العدة للطلاق.
وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}، عن زرارة، قال: سمعت ربيعة الرأي وهو يقول: إن من رأيي أن الأقراء التي سمى الله في القرآن إنما هي الطهر فيما بين الحيضتين وليس بالحيض، قال: فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فحدثته بما قال ربيعة فقال: ولم يقل برأيه إنما بلغه عن علي عليه السلام فقلت: أصلحك الله أكان علي عليه السلام يقول ذلك؟ قال: نعم، كان يقول: إنما القرء الطهر، تقرأ فيه الدم فتجمعه فإذا جاءت دفعته، قلت: أصلحك الله رجل طلق امرأته طاهراً من غير جماع بشهادة عدلين؟ قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج، الحديث.
أقول: هذا المعنى مروي بعدة طرق عنه عليه السلام، وقوله: قلت: أصلحك الله أكان علي عليه السلام يقول ذلك إنما استفهم ذلك بعد قوله عليه السلام: إنما بلغه عن علي، لما اشتهر بين العامة عن علي أنه كان يقول: إن القروء في الآية هي الحيض دون الأطهار كما في الدر المنثور عن الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: تحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل للأزواج، لكن أئمة أهل البيت ينكرون ذلك وينسبون إليه عليه السلام: ان الأقراء الأطهار دون الحيض كما مرت في الرواية، وقد نسبوا هذا القول إلى عدة أُخرى من الصحابة غيره عليه السلام كزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة ورووه عنهم.
وفي المجمع عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن الآية: الحبل والحيض.
وفي تفسير القمي: وقد فوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الطهر والحيض والحبل.
وفي تفسير القمي أيضاً في قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة، قال: قال عليه السلام حق الرجال على النساء أفضل من حق النساء على الرجال.
أقول: وهذا لا ينافي التساوي من حيث وضع الحقوق كما مر.
وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن الله يقول الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والتسريح بالإِحسان هو التطليقة الثالثة.
وفي التهذيب عن أبي جعفر عليه السلام، قال: طلاق السنة يطلقها تطليقة يعني على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضي أقرائها فإذا مضت أقرائها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب: إن شاءت نكحته، وإن شاءت فلا، وإن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضي أقرائها، فتكون عنده على التطليقة الماضية، الحديث.
وفي الفقيه عن الحسن بن فضال، قال: سألت الرضا عن العلة التي من أجلها لا تحل المطلقة لعدة لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره فقال عليه السلام: إن الله عزّ وجلّ إنما أذن في الطلاق مرتين فقال عز وجل: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، يعني في التطليقة الثالثة، ولدخوله فيما كره الله عز وجل من الطلاق الذي حرمها عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لئلا يوقع الناس في الاستخفاف بالطلاق ولا تضار النساء، الحديث.
أقول: مذهب أئمة أهل البيت: ان الطلاق بلفظ واحد أو في مجلس واحد لا يقع إلاَّ تطليقة واحدة، وإن قال طلقتك ثلاثاً على ما روته الشيعة، واما أهل السنة والجماعة فرواياتهم فيه مختلفة: بعضها يدل على وقوعه طلاقاً واحداً، وبعضها يدل على وقوع الثلاثة، وربما رووا ذلك عن علي وجعفر بن محمد عليهما السلام، لكن يظهر من بعض رواياتهم التي رواها أرباب الصحاح كمسلم والنسائي وأبي داود وغيرهم: أن وقوع الثلاث بلفظ واحد مما أجازه عمر بعد مضي سنتين أو ثلاثة من خلافته، ففي الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق ومسلم، وابو داود، والنسائي، والحاكم، والبيهقي عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحداً فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم.
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة أُم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ما يغني عني إلاَّ كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حميه فدعا ركانة واخوته ثم قال لجلسائه:
"أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا وفلان منه كذا وكذا قالوا: نعم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد يزيد: طلقها ففعل، قال: راجع امرأتك أم ركانة، فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: قد علمت أرجعها وتلا: {يا أيُّها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}"
]. وفي الدر المنثورعن البيهقي عن ابن عباس، قال: " طلق ركانة امرأة ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف طلقتها؟ قال طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد، قال: نعم فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت" فراجعها فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر فتلك السنة التي أمر الله بها: فطلقوهن لعدتهن.
أقول: وهذا المعنى مروي في روايات أُخرى أيضاً والكلام على هذه الإِجازة نظير الكلام المتقدم في متعة الحج.
وقد استدل على عدم وقوع الثلاث بلفظ واحد بقوله تعالى: {الطلاق مرتان} فإن المرتين والثلاث لا يصدق على ما انشئ بلفظ واحد كما في مورد اللعان بإجماع الكل.
وفي المجمع في قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان}، قال: فيه قولان، أحدهما: أنه الطلقة الثالثة، والثاني أنه يترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، عن السدي والضحاك، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
أقول: والأخبار كما ترى تختلف في معنى قوله: أو تسريح بإحسان.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلاَّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} الآية، عن الصادق عليه السلام قال: الخلع لا يكون إلاَّ أن تقول المرأة لزوجها: لا أبر لك قسماً، ولأخرجن بغير أُذنك، ولأوطئن فراشك غيرك ولا أغتسل لك من جنابة، أو تقول: لا أُطيع لك أمراً أو تطلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها وكل ما قدر عليه مما تعطيه من مالها، فإذا تراضيا على ذلك طلقها على طهر بشهود فقد بانت منه بواحدة، وهو خاطب من الخطاب، فإن شاءت زوجته نفسها، وإن شاءت لم تفعل، فإن زوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين وينبغي له أن يشترط عليها كما اشترط صاحب المباراة فإذا ارتجعت في شيء مما أعطيتني فأنا أملك ببضعك، وقال عليه السلام: لا خلع ولا مباراة ولا تخيير إلاَّ على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، والمختلعة إذا تزوجت زوجاً آخر ثم طلقها يحل للأول أن يتزوج بها، وقال: لا رجعة للزوج على المختلعة ولا على المباراة إلاَّ أن يبدو للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها.
وفي الفقيه عن الباقر عليه السلام قال: إذا قالت المرأة لزوجها جملة: لا أُطيع لك أمراً مفسرة أو غير مفسرة حل له أن يأخذ منها، وليس له عليها رجعة.
وفي الدر المنثور: اخرج أحمد عن سهل بن أبي حثمة، قال: كانت حبيبة ابنة سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس فكرهته، وكان رجلاً دميماً فجاءت وقالت: يا رسول الله إني لا أراه، فلولا مخافة الله لبزقت في وجهه فقال لها: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم، فردت عليه حديقته وفرق بينهما، فكان ذلك أول خلع كان في الإِسلام.
وفي تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: {وتلك حدود الله فلا تعتدوها} الآية، فقال إن الله غضب على الزاني فجعل له مائة جلدة فمن غضب عليه فزاد فأنا إلى الله منه بريء فذلك قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها}.
وفي الكافي عن أبي بصير قال: المرأة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، قال: هي التي تطلق ثم تراجع ثم تطلق الثالثة، وهي التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره ويذوق عسيلتها.
أقول: العسيلة الجماع، قال في الصحاح: وفي الجماع العسيلة شبهت تلك اللذة بالعسل، وصغرت بالهاء لأن الغالب في العسل التأنيث ويقال: إنما أنث لأنه أُريد به العسلة وهي القطعة منه كما يقال للقطعة من الذهب: ذهبة، انتهى.
وقوله عليه السلام: ويذوق عسيلتها، كالاقتباس من كلمة رسول الله لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك، في قصة رفاعة.
ففي الدر المنثور: عن البزاز والطبراني والبيهقي:
"أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله قد تزوجني عبد الرَّحمن وما معه إلاَّ مثل هذه، وأومأت إلى هدبة من ثوبها، فجعل رسول الله يعرض عن كلامها ثم قال لها: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة: لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"
]. أقول: والرواية من المشهورات، رواها جمع كثير من الرواة من أرباب الصحاح وغيرهم من طرق أهل السنة، والجماعة وبعض الخاصة، وألفاظ الروايات وإن كانت مختلفة لكن أكثرها تشتمل على هذه اللفظة.
وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام عن تزويج المتعة أيحلل؟ قال: لا لأن الله يقول فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمتعة ليس فيه طلاق.
وفيه أيضاً عن محمد بن مضارب قال: سألت الرضا عليه السلام عن الخصي يحلل؟ قال: لا يحلل.
وفي تفسير القمي: في قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} إلى قوله: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} الآية، قال: قال عليه السلام: إذا طلقها لم يجز له أن يراجعها إن لم يردها.
وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام قال: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته ثم يراجعها، وليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى الله عنه، إلاَّ أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإِمساك.
وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} الآية، عن عمر بن الجميع رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام في حديث، قال: ومن قرأ القرآن من هذه الأمة ثم دخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزواً، الحديث.
في صحيح البخاري في قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن}، الآية أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}.
أقول: وروى هذا المعنى في الدر المنثور عنه وعن عدة من أرباب الصحاح كالنسائي وابن ماجة والترمذي، وابن داود وغيرهم.
وفي الدر المنثور أيضاً عن السدي، قال: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عمّ فطلقها زوجها تطليقة وانقضت عدتها فأراد مراجعتها فأبى جابر فقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية وكانت المرأة تريد زوجها فأنزل الله: {وإذا طلقتم النساء}، الآية.
أقول: لا ولاية للأخ ولا لابن العم على مذهب أئمة أهل البيت فلو سلمت إحدى الروايتين كان النهي في الآية غير مسوق لتحديد ولاية، ولا لجعل حكم وضعي بل للإِرشاد إلى قبح الحيلولة بين الزوجين أو لكراهة أو حرمة تكليفية متعلقة بكل من يعضلهن عن النكاح لا غير.
وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن}، الآية عن الصادق عليه السلام، قال: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، قال: ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية فإذا فطم فالوالد أحق به من العصبة وإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم، وقالت الأم: لا أرضعه إلاَّ بخمسة دراهم فإن له أن ينزعه منها، إلاَّ أن ذلك أجبر له وأقدم وأرفق به أن يترك مع أُمه.
وفيه أيضاً عنه في قوله تعالى: {لا تضار والدة} الآية، قال عليه السلام: كانت المرأة ممن ترفع يدها إلى الرجل إذا أراد مجامعتها فتقول: لا أدعك، إني أخاف أن أحمل على ولدي، ويقول الرجل للمرأة: لا أُجامعك إني أخاف أن تعلقي فأقتل ولدي، فنهى الله أن يضار الرجل المرأة والمرأة الرجل.
وفيه أيضاً عن احدهما عليهما السلام في قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} قال: هو في النفقة: على الوارث مثل ما على الوالد.
وفيه أيضاً عن الصادق عليه السلام في الآية، قال لا ينبغي للوارث أيضاً أن يضار المرأة فيقول: لا أدع ولدها يأتيها، ويضار ولدها أن كان لهم عنده شيء، ولا ينبغي له أن يقتر عليه.
وفيه أيضاً عن حماد عن الصادق عليه السلام قال: لا رضاع بعد فطام، قال: قلت له: جعلت فداك وما الفطام؟ قال: الحولين الذي قال الله عز وجل.
أقول: قوله: الحولين، حكاية لما في لفظ الآية ولذا وصفه عليه السلام بقوله: الذي قال الله.
وفي الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن عدي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا نفقة في المعصية، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا تعرّب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لزوجة مع زوج، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك"
]. وفي تفسير العياشي عن أبي بكر الحضرمي عن الصادق عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}، جئن النساء يخاصمن رسول الله وقلن: لا نصبر، فقال لهن رسول الله: "كانت إحداكن إذا مات زوجها أخذت بعرة فألقتها خلفها في دبرها في خدرها ثم قعدت فإذا كان مثل ذلك اليوم من الحول أخذتها ففتقتها، ثم اكتحلت بها، ثم تزوجت فوضع الله عنكن ثمانية أشهر"
]. وفي التهذيب عن الباقر عليه السلام: كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة، وعلى أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجاً أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر وعشراً.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك كيف صارت عدة المطلقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر وصارت عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً؟ فقال: أما عدة المطلقة ثلاث قروء فلأجل استبراء الرحم من الولد، وأما عدة المتوفى عنها زوجها فإن الله شرط للنساء شرطاً وشرط عليهن: وأما ما شرط لهن ففي الإِيلاء أربعة أشهر إذ يقول: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فلن يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر لعلمه تبارك وتعالى أنها غاية صبر المرأة من الرجل، وأما ما شرط عليهن فإنه أمرها أن تعتد إذا مات زوجها أربعه أشهر وعشراً فأخذ له منها عند موته ما أخذ لها منه في حياته.
أقول: وهذا المعنى مروي أيضاً عن الرضا والهادي عليهما السلام بطرق أُخرى.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء}، الآية: المرأة في عدتها تقول لها قولاً جميلاً ترغبها في نفسك، ولا تقول: إني أصنع كذا أو كذا أو أصنع كذا القبيح من الأمر في البضع وكل أمر قبيح، وفي رواية أُخرى تقول لها وهي في عدتها: يا هذه لا أحب إلاَّ ما أسرك ولو قد مضى عدتك لا تفوتيني إن شاء الله، ولا تستبقي بنفسك، وهذا كله من غير أن يعزموا عقدة النكاح.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أُخر عنهم عليهم السلام.
وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء}، الآية، عن الصادق عليه السلام، قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها وإن لم يكن سمى لها مهراً فمتاع بالمعروف على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وليس لها عدة وتزوج من شاءت من ساعتها.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها قال: عليه نصف المهر أن كان فرض لها شيئاً وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يمتع مثلها من النساء.
أقول: وفيه تفسير المتاع بالمعروف.
وفي الكافي والتهذيب وتفسير العياشي وغيرها عن الباقر والصادق عليهما السلام في قوله تعالى: الذي بيده عقدة النكاح، قالا: هو الولي.
أقول: والروايات فيه كثيرة، وقد ورد في بعض الروايات من طرق أهل السنة والجماعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام: إن الذي بيده عقدة النكاح الزوج.
وفي الكافي والفقيه وتفسير العياشي والقمي في قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} الآية بطرق كثيرة عن الباقر والصادق عليهما السلام: أن الصلاة الوسطى هي الظهر.
أقول: هذا هو المأثور عن أئمة أهل البيت في الروايات المروية عنهم لساناً واحداً.
نعم في بعضها أنها الجمعة إلاَّ أن المستفاد منها انهم أخذوا الظهر والجمعة نوعاً واحداً لا نوعين اثنين كما رواه في الكافي وتفسير العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام واللفظ لما في الكافي، قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}، وهي صلاة الظهر أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي وسط النهار، ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر، قال: ونزلت هذه الآية ورسول الله في سفره فقنت فيها رسول الله وتركها على حالها في السفر والحضر وأضاف للمقيم ركعتين، وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الإِمام فمن صلى يوم الجمعه في غير جماعة فليصلها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام، الحديث؛ والرواية كما ترى تعد الظهر والجمعة صلاة واحدة وتحكم بأنها هي الصلاة الوسطى ولكن معظم الروايات مقطوعة، وما كان منها مسنداً فمتنه لا يخلو عن تشويش كرواية الكافي وهي مع ذلك غير واضحة الانطباق على الآية، والله العالم.
وفي الدر المنثور: أخرج أحمد، وابن المنيع، والنسائي، وابن جرير، والشاشي، والضياء من طريق الزبرقان: إن رهطاً من قريش مرّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى فقال: هي الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه فقال: هي الظهر،
"إن رسول الله كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلاَّ الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهن"
]. أقول: وروي هذا السبب عن زيد بن ثابت وغيره بطرق أُخرى.
واعلم: أن الأقوال في تفسير الصلاة الوسطى مختلفة معظمها ناشئ من اختلاف روايات القوم: فقيل إنها صلاة الصبح ورووه عن علي عليه السلام وبعض الصحابة، وقيل: إنها صلاة الظهر. ورووه عن النبي وعدة من الصحابة، وقيل: إنها صلاة العصر ورووه عن النبي وعدة من الصحابة، وقد روى السيوطي في الدر المنثور فيه بضعاً وخمسين رواية، وقيل: إنها صلاة المغرب، وقيل إنها مخفية بين الصلوات كليلة القدر بين الليالي، وروي فيهما روايات عن الصحابة، وقيل: إنها صلاة العشاء وقيل: إنها الجمعة.
وفي المجمع في قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}، قال: هو الدعاء في الصلاة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
أقول: وروي ذلك عن بعض الصحابة.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في الآية: إقبال الرجل على صلاته ومحافظته على وقتها حتى لا يلهيه عنها ولا يشغله شيء.
أقول: ولا منافاة بين الروايتين وهو ظاهر.
في الكافي عن الصادق في قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} الآية: إذا خاف من سبع أو لص يكبر ويومىء إيماءاً.
وفي الفقيه عنه عليه السلام في صلاة الزحف، قال: تكبير وتهليل ثم تلا الآية.
وفيه عنه عليه السلام: إن كنت في أرض مخوفة فخشيت لصاً أو سبعاً فصل الفريضة وأنت على دابتك.
وفيه عن الباقر عليه السلام: الذي يخاف اللصوص يصلي إيماءاً على دابته.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة.
وفي تفسير العياشي عن أبي بصير قال: سألته عن قول الله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج}، قال عليه السلام: هي منسوخة، قلت: وكيف كانت؟ قال: كان الرجل إذا مات أنفق على امرأته من صلب المال حولاً ثم أخرجت بلا ميراث ثم نسختها آية الربع والثمن، فالمرأة ينفق عليها من نصيبها.
وفيه عن معاوية بن عمار قال: سألته عن قول الله: والذين يتوفون "الخ"، قال: منسوخة نسختها آية يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً، ونسختها آية الميراث.
وفي الكافي وتفسير العياشي: سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يطلق امرأته يمتعها؟ قال: نعم، أما يحب أن يكون من المحسنين أما يحب أن يكون من المتقين؟.
(بحث علمي)
من المعلوم أن الإِسلام - والذي شرعه هو الله عزّ اسمه - لم يبن شرائعه على أصل التجارب كما بنيت عليه سائر القوانين لكنا في قضاء العقل في شرائعه ربما احتجنا إلى التأمل في الأحكام والقوانين والرسوم الدائرة بين الأمم الحاضرة والقرون الخالية، ثم البحث عن السعادة الإِنسانية، وتطبيق النتيجة على المحصل من مذاهبهم ومسالكهم حتى نزن به مكانته ومكانتها، ونميز به روحه الحية الشاعرة من أرواحها، وهذا هو الموجب للرجوع إلى تواريخ الملل وسيرها، واستحضار ما عند الموجودين منهم من الخصائل والمذاهب في الحياة.
ولذلك فإنا نحتاج في البحث عمّا يراه الإِسلام ويعتقده في:
1 - هوية المرأة والمقايسة بينها وبين هوية الرجل.
2 - وزنها في الاجتماع حتى يعلم مقدار تأثيرها في حياة العالم الإِنساني.
3 - حقوقها والأحكام التي شرعت لأجلها.
4 - الأساس الذي بنيت عليه الأحكام المربوطة بها.
إلى استحضار ما جرى عليه التاريخ في حياتها قبل طلوع الإِسلام وما كانت الأمم غير المسلمة تعاملها عليه حتى اليوم من المتمدنة وغيرها، والاستقصاء في ذلك وإن كان خارجاً عن طوق الكتاب، لكنا نذكر طرفاً منه:
(حياة المرأة في الأُمم غير المتمدنة)
كانت حياة النساء في الأمم والقبائل الوحشية كالأمم القاطنين بإفريقيا وأُستراليا والجزائر المسكونة بالأوقيانوسية وأمريكا القديمة وغيرها بالنسبة إلى حياة الرجال كحياة الحيوانات الأهلية من الأنعام وغيرها بالنسبة إلى حياة الإِنسان.
فكما أن الإِنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه يرى لنفسه حقاً أن يمتلك الأنعام وسائر الحيوانات الأهلية ويتصرف فيها كيفما شاء وفي أي حاجة من حوائجه شاء، يستفيد من شعرها ووبرها ولحمها وعظمها ودمها وجلدها وحليبها وحفظها وحراستها وسفادها ونتاجها ونمائها، وفي حمل الاثقال، وفي الحرث، وفي الصيد، إلى غير ذلك من الأغراض التي لا تحصى كثرة.
وليس لهؤلاء العجم من الحيوانات من مبتغيات الحياة وآمال القلوب في المأكل والمشرب والمسكن والسفاد والراحة إلاَّ ما رضي به الإِنسان الذي امتلكها ولن يرضى إلاَّ بما لا ينافي أغراضه في تسخيرها وله فيه نفع في الحياة، وربما أدى ذلك إلى تهكمات عجيبة ومجازفات غريبة في نظر الحيوان المستخدم لو كان هو الناظر في أمر نفسه: فمن مظلوم من غير أي جرم كان أجرمه، ومستغيث وليس له أي مغيث يغيثه، ومن ظالم من غير مانع يمنعه، ومن سعيد من غير استحقاق كفحل الضراب يعيش في أنعم عيش وألذه عنده، ومن شقي من غير استحقاق كحمار الحمل وفرس الطاحونة.
وليس لها من حقوق الحياة إلاَّ ما رآه الإِنسان المالك لها حقاً لنفسه، فمن تعدى إليها لا يؤاخذ إلاَّ لأنه تعدى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان في نفسه، كل ذلك لأن الإِنسان يرى وجودها تبعاً لوجود نفسه وحياتها فرعاً لحياته ومكانتها مكانة الطفيلي.
كذلك كانت حياة النساء عند الرجال في هذه الأمم والقبائل حياة تبعية، وكانت النساء مخلوقة عندهم "لأجل الرجال" بقول مطلق: كانت النساء تابعة الوجود والحياة لهم من غير استقلال في حياة، ولا في حق فكان آبائهن ما لم ينكحن، وبعولتهن بعد النكاح أولياء لهن على الإِطلاق.
كان للرجل أن يبيع المرأة ممن شاء وكان له أن يهبها لغيره، وكان له أن يقرضها لمن استقرضها للفراش أو الاستيلاد أو الخدمة أو غير ذلك، وكان له أن يسوسها حتى بالقتل، وكان له أن يخلي عنها، ماتت أو عاشت، وكان له أن يقتلها ويرتزق بلحمها كالبهيمة وخاصة في المجاعة وفي المآدب، وكان له ما للمرأة من المال والحق وخاصة من حيث إيقاع المعاملات من بيع وشرى وأخذ ورد.
وكان على المرأة أن تطيع الرجل، أباها أو زوجها، في ما يأمر به طوعا ًأو كرهاً، وكان عليها أن لا تستقل عنه في أمر يرجع إليه أو إليها، وكان عليها أن تلي أمور البيت والأولاد وجميع ما يحتاج إليه حياة الرجل فيه، وكان عليها أن تتحمل من الأشغال أشقها كحمل الأثقال وعمل الطين وما يجري مجراهما ومن الحرف والصناعات أردأها وسفسافها، وقد بلغ عجيب الأمر إلى حيث إن المرأة الحامل في بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البيت، ونام الرجل على فراشها أياماً يتمرض ويداوي نفسه، هذه كليات ما له وعليها، ولكل جيل من هذه الأجيال الوحشية خصائل وخصائص من السنن والآداب القومية باختلاف عاداتها الموروثة في مناطق حياتها والأجواء المحيطة بها يطلع عليه من راجع الكتب المؤلفة في هذه الشؤون.
(حياة المرأة في الأمم المتمدنة)
قبل الإِسلام
نعني بهم الأمم التي كانت تعيش تحت الرسوم الملية المحفوظة بالعادات الموروثة من غير استناد إلى كتاب أو قانون كالصين والهند ومصر القديم وإيران ونحوها.
تشترك جميع هؤلاء الأمم: في أن المرأة عندهم ما كانت ذات استقلال وحرية، لا في إرادتها ولا في أعمالها، بل كانت تحت الولاية والقيمومة، لا تنجز شيئاً من قبل نفسها ولا كان لها حق المداخلة في الشؤون الاجتماعية من حكومة أو قضاء أو غيرهما.
وكان عليها: أن تشارك الرجل في جميع أعمال الحياة من كسب وغير ذلك.
وكان عليها: أن تختص بأُمور البيت والأولاد، وكان عليها أن تطيع الرجل في جميع ما يأمرها ويريد منها.
وكانت المرأة عند هؤلاء أرفه حالاً بالنسبة إليها في الأمم غير المتمدنة، فلم تكن تقتل وتؤكل لحمها، ولم تحرم من تملك المال بالكلية بل كانت تتملك في الجملة من إرث أو ازدواج أو غير ذلك وإن لم تكن لها أن تتصرف فيها بالاستقلال، وكان للرجل أن يتخذ زوجات متعددة من غير تحديد وكان لها تطليق من شاء منهن، وكان للزوج أن يتزوج بعد موت الزوجة ولا عكس غالباً، وكانت ممنوعة عن معاشرة خارج البيت غالباً.
ولكل أُمة من هذه الأمم مختصات بحسب اقتضاء المناطق والأوضاع: كما أن تمايز الطبقات في إيران ربما أوجب تميزاً لنساء الطبقات العالية من المداخلة في الملك والحكومة أو نيل السلطنة ونحو ذلك أو الازدواج بالمحارم من أُم أو بنت أو أخت أو غيرها.
وكما أنه كان بالصين الازدواج بالمرأة نوعاً من اشتراء نفسها ومملوكيتها، وكانت هي ممنوعة من الإِرث ومن أن تشارك الرجال حتى أبنائها في التغذي، وكان للرجال أن يتشارك أكثر من واحد منهم في الازدواج بمرأة واحدة يشتركون في التمتع بها، والانتفاع من أعمالها، ويلحق الأولاد بأقوى الازواج غالباً.
وكما أن النساء كانت بالهند من تبعات أزواجهن لا يحل لهن الازدواج بعد توفي أزواجهن أبداً، بل إما أن يحرقن بالنار مع جسد أزواجهن أو يعشن مذللات، وهن في أيام الحيض أنجاس خبيثات لازمة الاجتناب وكذا ثيابها وكل ما لامستها بالبشرة.
ويمكن أن يلخص شأنها في هذه الأمم: أنها كالبرزخ بين الحيوان والإِنسان يستفاد منها استفادة الإِنسان المتوسط الضعيف الذي لا يحق له إلاَّ أن يمد الإِنسان المتوسط في أمور حياته كالولد الصغير بالنسبة إلى وليه غير أنها تحت الولاية والقيمومة دائماً.
(وها هُنا أُمم أُخرى)
كانت الأمم المذكورة آنفاً أُمماً تجري معظم آدابهم ورسومهم الخاصة على أساس اقتضاء المناطق والعادات الموروثة ونحوها من غير أن تعتمد على كتاب أو قانون ظاهراً، لكن هناك أُمم أُخرى كانت تعيش تحت سيطرة القانون أو الكتاب، مثل الكلدة والروم واليونان.
أما الكلدة والآشور فقد حكم فيهم شرع "حامورابي" بتبعية المرأة لزوجها وسقوط استقلالها في الإِرادة والعمل، حتى أن الزوجة لو لم تطع زوجها في شيء من أمور المعاشرة أو استقل بشيء فيها كان له أن يخرجها من بيته، أو يتزوج عليها ويعامل معها بعد ذلك معاملة ملك اليمين محضاً، ولو أخطأت في تدبير البيت بإسراف أو تبذير كان له أن يرفع أمرها إلى القاضي ثم يغرقها في الماء بعد إثبات الجرم.
وأما الروم فهي أيضاً من أقدم الأُمم وضعاً للقوانين المدنية، وضع القانون فيها أول ما وضع في حدود سنة أربعمائة قبل الميلاد ثم أخذوا في تكميله تدريجاً، وهو يعطي للبيت نوع استقلال في إجراء الأوامر المختصة به، ولرب البيت وهو زوج المرأة وأبو أولادها نوع ربوبية كان يعبده لذلك أهل البيت كما كان يعبد هو من تقدمه من آبائه السابقين عليه في تأسيس البيت، وكان له الاختيار التام والمشية النافذة في جميع ما يريده ويأمر به على أهل البيت من زوجة وأولاد حتى القتل لو رأى أن الصلاح فيه، ولا يعارضه في ذلك معارض، وكانت النساء نساء البيت كالزوجة والبنت والأخت أردأ حالاً من الرجال حتى الأبناء التابعين محضاً لرب البيت، فإنهن لم يكن أجراء للاجتماع المدني فلا تسمع لهن شكاية، ولا ينفذ منهن معاملة، ولا تصح منهن في الأمور الاجتماعية مداخلة لكن الرجال أعني الأخوة والذكور من الأولاد حتى الأدعياء (فإن التبني وإلحاق الولد بغير أبيه كان معمولاً شائعاً عندهم وكذا في اليونان وإيران والعرب) كان من الجائز أن يأذن لهم رب البيت في الاستقلال بأُمور الحياة مطلقاً لأنفسهم.
ولم يكنّ أجزاء أصيلة في البيت بل كان أهل البيت هم الرجال، وأما النساء فتبع، فكانت القرابة الاجتماعية الرسمية المؤثرة في التوارث ونحوها مختصه بما بين الرجال، وأما النساء فلا قرابة بينهن أنفسهن كالأُم مع البنت أو الأخت مع الأخت، ولا بينهن وبين الرجال كالزوجين أو الأم مع الابن أو الأخت مع الأخ أو البنت مع الأب ولا توارث فيما لا قرابة رسمية، نعم القرابة الطبيعية (وهي التي يوجبها الاتصال في الولادة) كانت موجودة بينهم، وربما يظهر أثرها في نحو الازدواج بالمحارم، وولاية رئيس البيت وربه لها.
وبالجملة كانت المرأة عندهم طفيلية الوجود تابعة الحياة في المجتمع (المجتمع المدني والبيتي) زمام حياتها وإرادتها بيد رب البيت من أبيها إن كانت في بيت الأب أو زوجها إن كانت في بيت الزوج أو غيرهما، يفعل بها ربها ما يشاء ويحكم فيها ما يريد، فربما باعها، وربما وهبها، وربما أقرضها للتمتع، وربما أعطاها في حق يراد استيفائه منه كدين وخراج ونحوهما، وربما ساسها بقتل أو ضرب أو غيرهما، وبيده تدبير مالها إن ملكت شيئاً بالازدواج أو الكسب مع إذن وليها لا بالإِرث لأنها كانت محرومة منه، وبيد أبيها أو واحد من سراة قومها تزويجها، وبيد زوجها تطليقها.
وأما اليونان فالأمر عندهم في تكون البيوت وربوبية أربابها فيها كان قريب الوضع من وضع الروم.
فقد كان الاجتماع المدني وكذا الاجتماع البيتي عندهم متقوماً بالرجال، والنساء تبع لهم، ولذا لم يكن لها استقلال في إرادة ولا فعل إلا َّتحت ولاية الرجال، لكنهم جميعاً ناقضوا أنفسهم بحسب الحقيقة في ذلك، فإن قوانينهم الموضوعة كانت تحكم عليهن بالاستقلال ولا تحكم لهن إلاَّ بالتبع إذا وافق نفع الرجال، فكانت المرأة عندهم تعاقب بجميع جرائمها بالاستقلال، ولا تثاب لحسناتها ولا تراعى جانبها إلاَّ بالتبع وتحت ولاية الرجل.
وهذا بعينه من الشواهد الدالة على أن جميع هذه القوانين ما كانت تراها جزء ضعيفاً من المجتمع الإِنساني ذات شخصية تبعية، بل كانت تقدر أنها كالجراثيم المضرة مفسدة لمزاج الاجتماع مضرة بصحتها غير أن للمجتمع حاجة ضرورية إليها من حيث بقاء النسل، فيجب أن يعتنى بشأنها، وتذاق وبال أمرها إذا جنت أو أجرمت، ويحتلب الرجال درها إذا أحسنت أو نفعت، ولا تترك على حيال إرادتها صوناً من شرها كالعدو القوي الذي يغلب فيؤخذ أسيراً مسترقاً يعيش طول حياته تحت القهر، إن جاء بالسيئة يؤاخذ بها وإن جاء بالحسنة لم يشكر لها.
وهذا الذي سمعته: أن الاجتماع كان متقوماً عندهم بالرجال هو الذي ألزمهم أن يعتقدوا أن الأولاد بالحقيقة هم الذكور، وان بقاء النسل ببقائهم، وهذا هو منشأ ظهور عمل التبني والإِلحاق بينهم، فإن البيت الذي ليس لربه ولد ذكر كان محكوماً بالخراب، والنسل مكتوباً عليه الفناء والانقراض، فاضطر هؤلاء إلى اتخاذ أبناء صوناً عن الانقراض وموت الذكر، فدعوا غير أبناءهم لأصلابهم أبناءاً لأنفسهم فكانوا أبناءًا رسماً يرثون ويورثون ويرتب عليهم آثار الأبناء الصلبيين، وكان الرجل منهم إذا زعم أنه عاقر لا يولد منه ولد عمد إلى بعض أقاربه كأخيه وابن أخيه فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولداً يدعوه لنفسه، ويقوم بقاء بيته.
وكان الأمر في التزويج والتطليق في اليونان قريباً منهما في الروم، وكان من الجائز عندهم تعدد الزوجات، غير أن الزوجة إذا زادت على الواحدة كانت واحدة منهن زوجة رسمية والباقية غير رسمية.
(حال المرأة عند العرب ومحيط حياتهم)
محيط نزول القرآن
وقد كانت العرب قاطنين في شبه الجزيرة وهي منطقة حارة جدبة الأرض، والمعظم من أُمتهم قبائل بدوية بعيدة عن الحضارة والمدنية، يعيشون بشن الغارات، وهم متصلون بإيران من جانب، وبالروم من جانب، وببلاد الحبشه والسودان من آخر.
ولذلك كانت العمدة من رسومهم رسوم التوحش، وربما وجد خلالها شيء من عادات الروم وإيران، ومن عادات الهند ومصر القديم أحياناً.
كانت العرب لا ترى للمرأة استقلالاً في الحياة ولا حرمة ولا شرافة إلاَّ حرمة البيت وشرافته، وكانت لا تورث النساء، وكانت تجوز تعدد الزوجات من غير تحديد بعدد معيّن كاليهود، وكذا في الطلاق، وكانت تئد البنات، ابتدأ بذلك بنو تميم لوقعة كانت لهم مع النعمان بن المنذر، أسرت فيه عدة من بناتهم، والقصة معروفة فأغضبهم ذلك فابتدروا به، ثم سرت السجية في غيرهم، وكانت العرب تتشاءم إذا ولدت للرجل منهم بنت يعدها عاراً لنفسه، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، لكن يسره الابن مهما كثر ولو بالدعاء والإِلحاق حتى أنهم كانوا يتبنون الولد لزنا محصنة ارتكبوه، وربما نازع رجال من صناديدهم وأولي الطول منهم في ولد ادعاه كل لنفسه.
وربما لاح في بعض البيوت استقلال لنسائهم وخاصة للبنات في أمر الازدواج، فكان يراعي فيه رضى المرأة وانتخابها، فيشبه ذلك منهم دأب الأشراف بإيران الجاري على تمايز الطبقات.
وكيف كان فمعاملتهم مع النساء كانت معاملة مركبة من معاملة أهل المدينة من الروم وإيران كتحريم الاستقلال في الحقوق، والشركة في الأمور العامة الاجتماعية كالحكم والحرب وأمر الازدواج إلاَّ استثناءً، ومن معاملة أهل التوحش والبربرية، فلم يكن حرمانهن مستنداً إلى تقديس رؤساء البيوت وعبادتهم، بل من باب غلبة القوي واستخدامه للضعيف.
وأما العبادة فكانوا يعبدون جميعاً (رجالاً ونساءاً) أصناماً يشبه أمرها أمر الأصنام عند الصابئين أصحاب الكواكب وأرباب الأنواع، وتتميز أصنامهم بحسب تميّز القبائل وأهوائها المختلفة، فيعبدون الكواكب والملائكة (وهم بنات الله سبحانه بزعمهم) ويتخذونها على صور صورتها لهم أوهامهم، ومن أشياء مختلفة كالحجارة والخشب، وقد بلغ هواهم في ذلك إلى مثل ما نقل عن بني حنيفة أنهم اتخذوا لهم صنماً من الحيس فعبدوه دهراً طويلاً ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقيل فيهم:

أكلـــت حنيفة ربهـــــا زمـن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهـــم سوء العواقب والتباعة

وربما عبدوا حجراً حتى إذا وجدوا حجراً أحسن منه طرحوا الأول وأخذوا بالثاني، وإذا لم يجدوا شيئاً جمعوا حفنة من تراب ثم جاؤا بغنم فحلبوه عليها ثم طافوا بها يعبدونها.
وقد أودعت هذا الحرمان والشقاء في نفوس النساء ضعفاً في الفكرة يصور لها أوهاماً وخرافات عجيبة في الحوادث والوقائع المختلفة، ضبطتها كتب السير والتاريخ.
فهذه جمل من أحوال المرأة في المجتمع الإِنساني من أدواره المختلفة قبل الإِسلام وزمن ظهوره، آثرنا فيها الاختصار التام، ويستنتج من جميع ذلك:
أولاً: أنهم كانوا يرونها إنساناً في أُفق الحيوان العجم، أو إنساناً ضعيف الإِنسانية منحطاً لا يؤمن شره وفساده لو أُطلق من قيد التبعية، واكتسب الحرية في حياته، والنظر الأول أنسب لسيرة الأمم الوحشية والثاني لغيرهم.
وثانياً: أنهم كانوا يرون في وزنها الاجتماعي أنها خارجة من هيكل المجتمع المركب غير داخلة فيه، وإنما هي من شرائطه التي لا غناء عنها كالمسكن لا غناء عن الالتجاء إليه، أو أنها كالأسير المسترق الذي هي من توابع المجتمع الغالب، ينتفع من عمله ولا يؤمن كيده على اختلاف المسلكين.
وثالثاً: أنهم كانوا يرون حرمانها في عامة الحقوق التي أمكن انتفاعها منها إلاَّ بمقدار يرجع انتفاعها إلى انتفاع الرجال القيمين بأمرها.
ورابعاً: أن أساس معاملتهم معها فيما عاملوا هو غلبة القوي على الضعيف وبعبارة أُخرى قريحة الاستخدام، هذا في الأمم غير المتمدنة، وأما الأمم المتمدنة فيضاف عندهم إلى ذلك ما كانوا يعتقدونه في أمرها: أنها إنسان ضعيف الخلقة لا تقدر على الاستقلال بأمرها، ولا يؤمن شرها، وربما اختلط الأمر اختلاطاً باختلاف الأمم والأجيال.
(ماذا أَبدعه الإِسلام في أمرها)
لا زالت بأجمعها ترى في أمر المرأة ما قصصناه عليك، وتحبسها في سجن الذلة والهوان حتى صار الضعف والصغار طبيعة ثانية لها، عليها نبتت لحمها وعظمها وعليها كانت تحيا وتموت، وعادت ألفاظ المرأة والضعف والهوان كاللغات المترادفة بعد ما وضعت متبائنة، لا عند الرجال فقط بل وعند النساء - ومن العجب ذلك - ولا ترى أُمة من الأمم وحشيها ومدنيها إلاَّ وعندهم أمثال سائرة في ضعفها وهوان أمرها، وفي لغاتهم على اختلاف أصولها وسياقاتها وألحانها أنواع من الاستعارة والكناية والتشبيه مربوطة بهذه اللفظة (المرأة) يقرّع بها الجبان، ويؤنب بها الضعيف، ويلام بها المخذول المستهان والمستذل المنظلم، ويوجد من نحو قول القائل:

وما أدري وليت إخال أدري أقـــوم آل حصــــــن أم نساء

مئات وألوف من النظم والنثر في كل لغة.
وهذا في نفسه كاف في أن يحصل للباحث ما كانت تعتقده الجامعة الإِنسانية في أمر المرأة وإن لم يكن هناك ما جمعته كتب السير والتواريخ من مذاهب الأمم والملل في أمرها، فإن الخصائل الروحية والجهات الوجودية في كل أُمة تتجلى في لغتها وآدابها.
ولم يورث من السابقين ما يعتني بشأنها ويهم بأمرها إلاَّ بعض ما في التوراة وما وصى به عيسى بن مريم عليهما السلام من لزوم التسهيل عليها والإِرفاق بها.
وأما الإِسلام أعني الدين الحنيف النازل به القرآن فإنه أبدع في حقها أمراً ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطن بها قاطنوها، وخالفهم جميعاً في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، وألغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقاداً وما كانت تسير فيها سيرتها عملاً.
أما هويتها: فإنه بيّن أن المرأة كالرجل إنسان وأن كل إنسان ذكراً أو أُنثى فإنه إنسان يشترك في مادته وعنصره إنسانان ذكر وأُنثى ولا فضل لأحد على أحد إلاَّ بالتقوى، قال تعالى:
{ يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [الحجرات: 13]، فجعل تعالى كل إنسان مأخوذاً مؤلفاً من إنسانين ذكر وأُنثى هما معاً وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده، وهو سواء كان ذكراً أو أُنثى مجموع المادة المأخوذة منهما، ولم يقل تعالى مثل ما قاله القائل:

وإنما أُمهات الناس أوعية

ولا قال مثل ما قاله الآخر:

بنونا بـــنو أبنائنـــــا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

بل جعل تعالى كلاً مخلوقاً مؤلفاً من كل. فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتم ولا، أبلغ من هذا البيان، ثم جعل الفضل في التقوى.
وقال تعالى:
{ إني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أُنثى بعضكم من بعض } [آل عمران: 195]، فصرح أن السعي غير خائب والعمل غير مضيع عند الله وعلل ذلك بقوله: {بعضكم من بعض} فعبّر صريحاً بما هو نتيجة قوله في الآية السابقة: {إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى}، وهو أن الرجل والمرأة جميعاً من نوع واحد من غير فرق في الأصل والسنخ.
ثم بيّن بذلك أن عمل كل واحد من هذين الصنفين غير مضيع عند الله لا يبطل في نفسه، ولا يعدوه إلى غيره، كل نفس بما كسبت رهينة، لا كما كان يقوله الناس: إن عليهن سيئاتهن، وللرجال حسناتهن من منافع وجودهن، وسيجيء لهذا الكلام مزيد توضيح.
وإذا كان لكل منهما ما عمل ولا كرامة إلاَّ بالتقوى، ومن التقوى الأخلاق الفاضلة كالإِيمان بدرجاته، والعلم النافع، والعقل الرزين، والخلق الحسن، والصبر، والحلم، فالمرأة المؤمنة بدرجات الإِيمان، أو المليئة علماً، أو الرزينة عقلاً، أو الحسنة خلقاً أكرم ذاتاً وأسمى درجة ممن لا يعادلها في ذلك من الرجال في الإِسلام، كان من كان، فلا كرامة إلاَّ للتقوى والفضيلة.
وفي معني الآية السابقة وأوضح منها قوله تعالى:
{ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [النحل: 97]، وقوله تعالى: { ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأُولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } [غافر: 40]، وقوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأُولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً } [النساء: 124]. وقد ذم الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات بمثل قوله وهو من أبلغ الذم: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } [النحل: 59]، ولم يكن تواريهم إلاَّ لعدهم ولادتها عاراً على المولود له، وعمدة ذلك أنهم كانوا يتصورون أنها ستكبر فتصير لعبة لغيرها يتمتع بها، وذلك نوع غلبة من الزوج عليها في أمر مستهجن، فيعود عاره إلى بيتها وأبيها، ولذلك كانوا يئدون البنات وقد سمعت السبب الأول فيه فيما مرّ، وقد بالغ الله سبحانه في التشديد عليه حيث قال: { وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت } [التكوير: 9]. وقد بقي من هذه الخرافات بقايا عند المسلمين ورثوها من أسلافهم، ولم يغسل رينها من قلوبهم المربون، فتراهم يعدون الزنا عاراً لازماً على المرأة وبيتها وإن تابت دون الزاني وإن أصر، مع أن الإِسلام قد جمع العار والقبح كله في المعصية، والزاني والزانية سواء فيها.
وأما وزنها الاجتماعي: فإن الإِسلام ساوى بينها وبين الرجل من حيث تدبير شؤون الحياة بالإِرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإِرادة بما تحتاج إليه البنية الإِنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لوازم البقاء، وقد قال تعالى:
{ بعضكم من بعض } [آل عمران: 195]، فلها أن تستقل بالإِرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجهما كما للرجل ذلك من غير فرق، {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.
فهما سواء فيما يراه الإِسلام ويحقه القرآن والله يحق الحق بكلماته غير أنه قرر فيها خصلتين ميزها بهما الصنع الإِلهي:
إحداهما: أنها بمنزلة الحرث في تكون النوع ونمائه فعليها يعتمد النوع في بقائه فتختص من الأحكام بمثل ما يختص به الحرث، وتمتاز بذلك من الرجل.
والثانية: أن وجودها مبني على لطافة البنية ورقة الشعور، ولذلك أيضاً تأثير في أحوالها والوظائف الاجتماعية المحولة إليها.
فهذا وزنها الاجتماعي، وبذلك يظهر وزن الرجل في المجتمع، واليه تنحل جميع الأحكام المشتركة بينهما وما يختص به أحدهما في الإِسلام، قال تعالى:
{ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليماً } [النساء: 32]، يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به من الفضل، وأن من هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإِرث، وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، فلا ينبغي أن يتمناه متمن، ومنه ما لم يتعين إلاَّ بعمل العامل كائناً من كان كفضل الإِيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنها الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واسألوا الله من فضله، والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعده: الرجال قوامون، على ما سيجيء بيانه.
وأما الأحكام المشتركة والمختصة: فهي تشارك الرجل في جميع الأحكام العبادية والحقوق الاجتماعية فلها أن تستقل فيما يستقل به الرجل من غير فرق في إرث ولا كسب ولا معاملة ولا تعليم وتعلم ولا اقتناء حق ولا دفاع عن حق وغير ذلك إلاَّ في موارد يقتضي طباعها ذلك.
وعمدة هذه المورد: أنها لا تتولى الحكومة والقضاء، ولا تتولى القتال بمعنى المقارعة لا مطلق الحضور والإِعانة على الأمر كمداواة الجرحى مثلاً، ولها نصف سهم الرجل في الإِرث، وعليها: الحجاب وستر مواضع الزينة، وعليها: أن تطيع زوجها فيما يرجع إلى التمتع منها، وتدورك ما فاتها بأن نفتتها في الحياة على الرجل: الأب أو الزوج، وأن عليه أن يحمي عنها منتهى ما يستطيعه، وأن لها حق تربية الولد وحضانته.
وقد سهل الله لها أنها محمية النفس والعرض حتى عن سوء الذكر، وأن العبادة موضوعة عنها أيام عادتها ونفاسها، وأنها لازمة الارفاق في جميع الأحوال.
والمتحصل من جميع ذلك: أنها لا يجب عليها في جانب العلم إلاَّ العلم بأُصول المعارف والعلم بالفروع الدينية (أحكام العبادات والقوانين الجارية في الاجتماع)، وأما في جانب العمل فأحكام الدين وطاعة الزوج فيما يتمتع به منها، وأما تنظيم الحياة - الفردية بعمل أو كسب بحرفة أو صناعة وكذا الورود فيما يقوم به نظام البيت وكذا - المداخلة في ما يصلح المجتمع العام كتعلم العلوم واتخاذ الصناعات والحرف المفيدة - للعامة والنافعة في الاجتماعات مع حفظ الحدود الموضوعة فيها فلا يجب عليها شيء من ذلك، ولازمه أن يكون الورود في جميع هذه الموارد من علم أو كسب أو شغل أو تربية ونحو ذلك كلها فضلاً لها تتفاضل به، وفخراً لها تتفاخر به، وقد جوز الإِسلام بل ندب إلى التفاخر بينهن، مع أن الرجال نهوا عن التفاخر في غير حال الحرب.
والسنة النبوية تؤيد ما ذكرناه، ولولا بلوغ الكلام في طوله إلى ما لا يسعه هذا المقام لذكرنا طرفاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع زوجته خديجة ومع بنته سيدة النساء فاطمة عليها السلام ومع نسائه ومع نساء قومه وما وصى به في أمر النساء والمأثور من طريقة أئمة أهل البيت ونسائهم كزينب بنت علي وفاطمة وسكينة بنتي الحسين وغيرهن على جماعتهم السلام، ووصاياهم في أمر النساء. ولعلنا نوفق لنقل شطر منها في الأبحاث الروائية المتعلقة بآيات النساء فليرجع المراجع إليها.
وأما الأساس الذي بنيت عليه هذه الأحكام والحقوق فهو الفطرة، وقد علم من الكلام في وزنها الاجتماعي كيفية هذا البناء ونزيده ها هُنا إيضاحاً فنقول:
لا ينبغي أن يرتاب الباحث عن أحكام الاجتماع وما يتصل بها من المباحث العلمية، أن الوظائف الاجتماعية والتكاليف الاعتبارية المتفرعة عليها يجب انتهائها بالأخرة إلى الطبيعة، فخصوصية البنية الطبيعية الإِنسانية هي التي هدت الإِنسان إلى هذا الاجتماع النوعي الذي لا يكاد يوجد النوع خالياً عنه في زمان، وإن أمكن أن يعرض لهذا الاجتماع المستند إلى اقتضاء الطبيعة ما يخرجه عن مجرى الصحة إلى مجرى الفساد، كما يمكن أن يعرض للبدن الطبيعي ما يخرجه عن تمامه الطبيعي إلى نقص الخلقة، أو عن صحته الطبيعية إلى السقم والعاهة.
فالاجتماع بجميع شؤونه وجهاته سواء كان اجتماعاً فاضلاً أو اجتماعاً فاسداً ينتهي بالاخرة إلى الطبيعة وإن اختلف القسمان من حيث ان الاجتماع الفاسد يصادف في طريق الانتهاء ما يفسده في آثاره بخلاف الاجتماع الفاضل.
فهذه حقيقة، وقد أشار إليها تصريحاً أو تلويحاً الباحثون عن هذه المباحث، وقد سبقهم إلى بيانه الكتاب الإِلهي فبينه بأبدع البيان، قال تعالى:
{ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، وقال تعالى: { الذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى } [الأعلى: 2-3]، وقال تعالى: { ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 7-8]، إلى غير ذلك من آيات القدر.
فالأشياء ومن جملتها الإِنسان إنما تهتدي في وجودها وحياتها إلى ما خلقت له وجهزت بما يكفيه ويصلح له من الخلقة، والحياة القيمة بسعادة الإِنسان هي التي تنطبق أعمالها على الخلقة والفطرة انطباقاً تاماً، وتنتهي وظائفها وتكاليفها إلى الطبيعة انتهاءً صحيحاً، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى:
{ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } [الروم: 30]. والذي تقتضيه الفطرة في أمر الوظائف والحقوق الاجتماعية بين الأفراد - على أن الجميع إنسان ذو فطرة بشرية - أن يساوي بينهم في الحقوق والوظائف من غير أن يحبا بعض ويضطهد آخرون بإبطال حقوقهم، لكن ليس مقتضى هذه التسوية التي يحكم بها العدل الاجتماعي أن يبذل كل مقام اجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع، فيتقلد الصبي مثلاً على صباوته والسفيه على سفاهته ما يتقلده الإِنسان العاقل المجرب، أو يتناول الضعيف العاجز ما يتناوله القوي المتقدر من الشؤون والدرجات، فإن في تسوية حال الصالح وغير الصالح إفساداً لحالهما معاً.
بل الذي يقتضيه العدل الاجتماعي ويفسر به معنى التسوية، أن يعطى كل ذي حق حقه وينزل منزلته، فالتساوي بين الأفراد والطبقات إنما هو في نيل كل ذي حق خصوص حقه من غير أن يزاحم حق حقاً، أو يهمل أو يبطل حق بغياً أو تحكماً ونحو ذلك، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} الآية، كما مرّ بيانه، فإن الآية تصرح بالتساوي في عين تقرير الاختلاف بينهن وبين الرجال.
ثم إن اشتراك القبيلين أعني الرجال والنساء في أُصول المواهب الوجودية أعني، الفكر والإِرادة المولدتين للاختيار يستدعي اشتراكها مع الرجل في حرية الفكر والإِرادة أعني الاختيار، فلها الاستقلال بالتصرف في جميع شؤون حياتها الفردية والاجتماعية عدا ما منع عنه مانع، وقد أعطاها الإِسلام هذا الاستقلال والحرية على أتم الوجوه كما سمعت فيما تقدم، فصارت بنعمة الله سبحانه مستقلة بنفسها منفكة الإِرادة والعمل عن الرجال وولايتهم وقيمومتهم، واجدة لما لم يسمح لها به الدنيا في جميع أدوارها وخلت عنه صحائف تاريخ وجودها، قال تعالى: {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} الآية.
لكنها مع وجود العوامل المشتركة المذكورة في وجودها تختلف مع الرجال من جهة أُخرى، فإن المتوسطة من النساء تتأخر عن المتوسط من الرجال في الخصوصيات الكمالية من بنيتها كالدماغ والقلب والشرايين والأعصاب والقامة والوزن على ما شرحه فن وظائف الأعضاء، واستوجب ذلك أن جسمها ألطف وأنعم كما أن جسم الرجل أخشن وأصلب، وأن الإِحساسات اللطيفة كالحب ورقة القلب والميل إلى الجمال والزينة أغلب عليها من الرجل كما أن التعقل أغلب عليه من المرأة، فحياتها حياة إحساسية كما أن حياة الرجل حياة تعقلية.
ولذلك فرّق الإِسلام بينهما في الوظائف والتكاليف العامة الاجتماعية التي يرتبط قوامها بأحد الأمرين أعني التعقل، والإِحساس، فخص مثل الولاية والقضاء والقتال بالرجال لاحتياجها المبرم إلى التعقل والحياة التعقلية إنما هي للرجل دون المرأة، وخص مثل حضانة الأولاد وتربيتها وتدبير المنزل بالمرأة، وجعل نفقتها على الرجل، وجبر ذلك له بالسهمين في الإِرث (وهو في الحقيقة بمنزلة أن يقتسما الميراث نصفين ثم تعطي المرأة ثلث سهمها للرجل في مقابل نفقتها أي للانتفاع بنصف ما في يده فيرجع بالحقيقة إلى أن ثلثي المال في الدنيا للرجال ملكاً وعيناً وثلثيها للنساء انتفاعاً، فالتدبير الغالب إنما هو للرجال لغلبة تعقلهم، والانتفاع والتمتع الغالب للنساء لغلبة إحساسهن. وسنزيده إيضاحاً في الكلام على آيات الإِرث إن شاء الله تعالى) ثم تمم ذلك بتسهيلات وتخفيفات في حق المرأة مرت الإِشارة إليها.
فإن قلت: ما ذكر من الارفاق البالغ للمرأة في الإِسلام يوجب انعطالها في العمل، فإن ارتفاع الحاجة الضرورية إلى لوازم الحياة بتخديرها، وكفاية مؤنتها بإيجاب الانفاق على الرجل يوجب إهمالها وكسلها وتثاقلها عن تحمل مشاق الأعمال والاشغال فتنمو على ذلك نماءاً رديئاً وتنبت نباتاً سيئاً غير صالح لتكامل الاجتماع، وقد أيّدت التجربة ذلك.
قلت: وضع القوانين المصلحة لحال البشر أمر، وإجراء ذلك بالسيرة الصالحة والتربية الحسنة التي تنبت الإِنسان نباتاً حسناً أمر آخر، والذي أصيب به الإِسلام في مدة سيرها الماضي هو فقد الأولياء الصالحين والقوام المجاهدين فارتدت بذلك أنفاس الأحكام، وتوقفت التربية ثم رجعت القهقرى. ومن أوضح ما أفاده التجارب القطعي: أن مجرد النظر والاعتقاد لا يثمر أثره ما لم يثبت في النفس بالتبليغ والتربية الصالحين، والمسلمون في غير برهة يسيرة لم يستفيدوا من الأولياء المتظاهرين بولايتهم القيمين بأُمورهم تربية صالحة يجتمع فيها العلم والعمل، فهذا معاوية، يقول على منبر العراق حين غلب على أمر الخلافة ما حاصله: إني ما كنت أُقاتلكم لتصلوا أو تصوموا فذلك إليكم وإنما كنت أُقاتلكم لأتأمر عليكم وقد فعلت، وهذا غيره من الأمويين والعباسيين فمن دونهم. ولولا استضاءة هذا الدين بنور الله الذي لا يُطفأ والله متم نوره ولو كره الكافرون لقضي عليه منذ عهد قديم.
(حرية المرأة في المدنية الغربية)
لا شك أن الإِسلام له التقدم الباهر في إطلاقها عن قيد الاسارة، وإعطائها الاستقلال في الإِرادة والعمل، وأن أُمم الغرب فيما صنعوا من أمرها إنما قلدوا الإِسلام - وإن أساؤوا التقليد والمحاذاة - فإن سيرة الإِسلام حلقة بارزة مؤثرة أتم التأثير في سلسلة السير الاجتماعية وهي متوسطة متخللة، ومن المحال أن يتصل ذيل السلسلة بصدرها دونها.
وبالجملة فهؤلاء بنوا على المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الحقوق في هذه الأزمنة بعد أن اجتهدوا في ذلك سنين مع ما في المرأة من التأخر الكمالي بالنسبة إلى الرجل كما سمعت إجماله.
والرأي العام عندهم تقريباً: أن تأخر المرأة في الكمال والفضيلة مستند إلى سوء التربية التي دامت عليها ومكثت قروناً لعلَّها تعادل عمر الدنيا مع تساوي طباعها طباع الرجل.
ويتوجه عليه: أن الاجتماع منذ أقدم عهود تكونه قضى على تأخرها عن الرجل في الجملة، ولو كان الطباعان متساويين لظهر خلافه ولو في بعض الأحيان ولتغيرت خلقة أعضائها الرئيسة وغيرها إلى مثل ما في الرجل.
ويؤيد ذلك أن المدنية الغربية مع غاية عنايتها في تقديم المرأة ما قدرت بعد على إيجاد التساوي بينهما، ولم يزل الإِحصاءات في جميع ما قدم الإِسلام فيه الرجل على المرأة كالولاية والقضاء والقتال تقدم الرجال وتؤخر النساء، وأما ما الذي أورثته هذه التسوية في هيكل الاجتماع الحاضر فسنشرح ما تيسّر لنا منه في محله إن شاء الله تعالى.
(بحث علمي آخر)
عمل النكاح من أُصول الأعمال الاجتماعية، والبشر منذ أول تكونه وتكثره حتى اليوم لم يخل عن هذا العمل الاجتماعي، وقد عرفت أن هذه الأعمال لا بد لها من أصل طبيعي ترجع إليه ابتداءً أو بالاخرة.
وقد وضع الإِسلام هذا العمل عند تقنينه على أساس خلقة الفحولة والاناس إذ من البين أن هذا التجهيز المتقابل الموجود في الرجل والمرأة - وهو تجهيز دقيق يستوعب جميع بدن الذكور والإِناث - لم يوضع هباءً باطلاً، ومن البين عند كل من أجاد التأمل أن طبيعة الإِنسان الذكور في تجهيزها لا تريد إلاَّ الإِناث وكذا العكس، وأن هذا التجهيز لا غاية له إلاَّ توليد المثل وإبقاء النوع بذلك، فعمل النكاح يبتني على هذه الحقيقة وجميع الأحكام المتعلقة به تدور مدارها، ولذلك وضع التشريع على ذلك أي على البضع، ووضع عليه أحكام العفة والمواقعة واختصاص الزوجة بالزوج وأحكام الطلاق والعدة والأولاد والارث ونحو ذلك.
وأما القوانين الأُخر الحاضرة فقد وضعت أساس النكاح على تشريك الزوجين مساعيهما في الحياة، فالنكاح نوع اشتراك في العيش هو أضيق دائرة من الاجتماع البلدي ونحو ذلك، ولذلك لا ترى القوانين الحاضرة متعرضة لشيء مما تعرض له الإِسلام من أحكام العفة ونحو ذلك.
وهذا البناء على ما يتفرع عليه من أنواع المشكلات والمحاذير الاجتماعية على ما سنبين إن شاء الله العزيز لا ينطبق على أساس الخلقة والفطرة أصلاً، فإن غاية ما نجده في الإِنسان من الداعي الطبيعي إلى الاجتماع وتشريك المساعي هو أن بنيته في سعادة حياته تحتاج إلى أُمور كثيرة وأعمال شتى لا يمكنه وحده أن يقوم بها جميعاً إلاَّ بالاجتماع والتعاون فالجميع يقوم بالجميع، والأشواق الخاصة المتعلق كل واحد منها بشغل من الأشغال ونحو من أنحاء الأعمال متفرقة في الأفراد يحصل من مجموعها مجموع الأشغال والأعمال.
وهذا الداعي إنما يدعو إلى الاجتماع والتعاون بين الفرد والفرد أياً ما كانا، وأما الاجتماع الكائن من رجل وامرأة فلا دعوة من هذا الداعي بالنسبة إليه، فبناء - الازدواج على أساس التعاون الحيوي انحراف عن صراط الاقتضاء الطبيعي للتناسل والتوالد إلى غيره مما لا دعوة من الطبيعة والفطرة بالنسبة إليه.
ولو كان الأمر على هذا، أعني وضع الازدواج على أساس التعاون والاشتراك في الحياة كان من اللازم أن لا يختص أمر الازدواج من الأحكام الاجتماعية بشيء أصلاً إلاَّ الأحكام العامة الموضوعة لمطلق الشركة والتعاون، وفي ذلك إبطال فضيلة العفة رأساً وإبطال أحكام الأنساب والمواريث كما التزمته الشيوعية، وفي ذلك إبطال جميع الغرائز الفطرية التي جهّز بها الذكور والإِناث من الإِنسان، وسنزيده إيضاحاً في محل يناسبه إن شاء الله، هذا إجمال الكلام في النكاح، وأما الطلاق فهو من مفاخر هذه الشريعة الإِسلامية، وقد وضع جوازه على الفطرة إذ لا دليل من الفطرة يدل على المنع عنه، وأما خصوصيات القيود المأخوذة في تشريعه فسيجيء الكلام فيها في سورة الطلاق إن شاء الله العزيز.
وقد اضطرت الملل المعظمة اليوم إلى ادخاله في قوانينهم المدنية بعد ما لم يكن.