التفاسير

< >
عرض

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٤٤
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٤٥
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ
٢٤٦
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٢٤٧
وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
٢٤٨
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٢٤٩
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
٢٥٠
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٢٥١
تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٢٥٢
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الاتصال البين بين الآيات أعني الارتباط الظاهر بين فرض القتال، والترغيب في القرض الحسن، والمعنى المحصل من قصة طالوت وداود وجالوت يعطي أن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة، والمراد بيان ما للقتال من شؤون الحياة، والروح الذي به تقدم الأمة في حياتهم الدينية، والدنيوية، وسعادتهم الحقيقية، يبين سبحانه فيها فرض الجهاد، ويدعو إلى الإِنفاق والبذل في تجهيز المؤمنين وتهيئة العدة والقوة، وسماه إقراضاً لله لكونه في سبيله، مع ما فيه من كمال الاسترسال والإِيذان بالقرب، ثم يقص قصة طالوت وجالوت وداود ليعتبر بها هؤلاء المؤمنون المأمورون بالقتال مع أعداء الدين ويعلموا أن الحكومة والغلبة للإِيمان والتقوى وإن قل حاملوهما، والخزي والفناء للنفاق والفسق وإن كثر جمعهما، فإن بني إسرائيل، وهم أصحاب القصة، كانوا أذلاء مخزيين ما داموا على الخمود والكسل والتواني، فلما قاموا لله وقاتلوا في سبيل الله واستظهروا بكلمة الحق وإن كان الصادق منهم في قوله القليل منهم، وتولى أكثرهم عند إنجاز القتال أولاً، وبالاعتراض على طالوت ثانياً، وبالشرب من النهر ثالثاًً، وبقولهم: لا طاقة لنا بجالوت وجنوده رابعاً، نصرهم الله تعالى على عدوهم فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت واستقر الملك فيهم، وعادت الحياة إليهم، ورجع إليهم سؤددهم وقوتهم، ولم يكن ذلك كله إلاَّ لكلمة أجراها الإِيمان والتقوى على لسانهم لما برزوا لجالوت وجنوده، وهي قولهم: ربنا أفرغ علينا صبراً وانصرنا على القوم الكافرين، فكذلك ينبغي للمؤمنين أن يسيروا بسيرة الصالحين من الماضين، فهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} الآية، فرض وإيجاب للجهاد، وقد قيده تعالى ها هُنا وسائر المواضع من كلامه بكونه في سبيل الله لئلا يسبق إلى الوهم ولا يستقر في الخيال أن هذه الوظيفة الدينية المهمة لإِيجاد السلطة الدنيوية الجافة، وتوسعة المملكة الصورية، كما تخيله الباحثون اليوم في التقدم الإِسلامي من الاجتماعيين وغيرهم، بل هو التوسعة سلطة الدين التي فيها صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم.
وفي قوله تعالى: {واعلموا أن الله سميع عليم}، تحذير للمؤمنين في سيرهم هذا السير أن لا يخالفوا بالقول إذا أمر الله ورسوله بشيء، ولا يضمروا نفاقاً كما كان ذلك من بني إسرائيل حيث تكلموا في أمر طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا "الخ"، وحيث قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وحيث فشلوا وتولوا لما كتب عليهم القتال وحيث شربوا من النهر بعدما نهاهم طالوت عن شربه.
قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} إلى قوله: {أضعافاً كثيرة}، القرض معروف وقد عد الله سبحانه ما ينفقونه في سبيله قرضاً لنفسه لما مرّ أنه للترغيب، ولأنه إنفاق في سبيله، ولأنه مما سيرد إليهم أضعافاً مضاعفة.
وقد غيّر سياق الخطاب من الأمر إلى الاستفهام فقيل بعد قوله: وقاتلوا في سبيل الله: من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً، ولم يقل: قاتلوا في سبيل الله واقرضوا، لينشط بذلك ذهن المخاطب بالخروج من حيز الأمر غير الخالي من كلفة التكليف إلى حيز الدعوة والندب فيستريح بذلك ويتهيج.
قوله تعالى: {والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون}، القبض الأخذ بالشيء إليك ويقابله البسط، والبصط هو البسط قلب سينه صاداً لمجاورته حرف الاطباق والتفخيم وهو الطاء.
وإيراد صفاته الثلاث أعني: كونه قابضاً وباسطاً ومرجعاً يرجعون إليه للإِشعار بأن ما أنفقوه بإقراضه تعالى لا يعود باطلاً ولا يستبعد تضعيفه اضعافاً كثيرة فإن الله هو القابض الباسط، ينقص ما شاء، ويزيد ما شاء، وإليه يرجعون فيوفيهم ما أقرضوه أحسن التوفية.
قوله تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} إلى قوله: {في سبيل الله}، الملأ كما قيل: الجماعة من الناس على رأى واحد، سميت بالملأ لكونها تملأ العيون عظمة وأُبهة.
وقولهم لنبيهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، على ما يعطيه السياق يدل على أن الملك المسمى بجالوت كان قد تملكهم، وسار فيهم بما افتقدوا به جميع شؤون حياتهم المستقلة من الديار والأولاد بعد ما كان الله أنجاهم من آل فرعون، يسومونهم سوء العذاب ببعثة موسى وولايته وولاية من بعده من أوصيائه، وبلغ من اشتداد الأمر عليهم ما انتبه به الخامد من قواهم الباطنة، وعاد إلى أنفسهم العصبية الزائلة المضعفة فعند ذلك سأل الملأ منهم نبيهم أن يبعث لهم ملكاً ليرتفع به اختلاف الكلمة من بينهم وتتجمع به قواهم المتفرقة الساقطة عن التأثير، ويقاتلوا تحت أمره في سبيل الله.
قوله تعالى: {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا}، كان بنوا إسرائيل سألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه في سبيل الله وليس ذلك للنبي بل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه، ولذلك ارجع نبيهم الأمر في القتال وبعث الملك إلى الله تعالى، ولم يصرح باسمه تعظيماً لأن الذي أجابهم به هو السؤال عن مخالفتهم وكانت مرجوة منهم ظاهرة من حالهم بوحيه تعالى فنزه اسمه تعالى من التصريح به، بل إنما أشار إلى أن الأمر منه وإليه تعالى بقوله: {إن كتب}، والكتابة وهي الفرض إنما تكون من الله تعالى.
وقد كانت المخالفة والتولي عن القتال مرجواً منهم لكنه أورده بطريق الاستفهام ليتم الحجة عليهم بإنكارهم فيما سيجيبون به من قولهم: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله.
قوله تعالى: {قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا}، الإِخراج من البلاد لما كان ملازماً للتفرقة بينهم وبين أوطانهم المألوفه، ومنعهم عن التصرف فيها والتمتع بها، كني به عن مطلق التصرف والتمتع، ولذلك نسب الإِخراج إلى الأبناء أيضاً كما نسب إلى البلاد.
قوله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلاَّ قليلاً منهم والله عليم بالظالمين}، تفريع على قول نبيهم: هل عسيتم "الخ"، وقولهم: وما لنا أن لا نقاتل، وفي قوله تعالى: {والله عليم بالظالمين}، دلالة على أن قول نبيهم لهم: هل عسيتم ان كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا، إنما كان لوحي من الله سبحانه: انهم سيتولون عن القتال.
قوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث} إلى قوله: {من المال}، في جوابه عليه السلام هذا حيث نسب بعث الملك إلى الله تنبيه بما فات منهم إذ قالوا لنبيهم ابعث لنا ملكاً نقاتل ولم يقولوا: اسأل الله أن يبعث لنا ملكاً ويكتب لنا القتال.
وبالجملة التصريح باسم طالوت هو الذي أوجب منهم الاعتراض على ملكه، وذلك لوجود صفتين فيه كانتا تنافيان عندهم الملك، وهما ما حكاهما الله تعالى من قولهم أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ومن المعلوم أن قولهم هذا لنبيهم، ولم يستدلوا على كونهم أحق بالملك منه بشيء يدل على أن دليله كان أمراً بيناً لا يحتاج إلى الذكر، وليس إلاَّ أن بيت النبوة وبيت الملك في بني إسرائيل وهما بيتان مفتخران بموهبة النبوة والملك كانتا غير البيت الذي كان منه طالوت، وبعبارة أُخرى لم يكن طالوت من بيت الملك ولا من بيت النبوة ولذلك اعترضوا على ملكه بأنى، وهم أهل بيت الملك أو الملك والنبوة معاً، أحق بالملك منه لأن الله جعل الملك فينا فكيف يقبل الانتقال إلى غيرنا، وهذا الكلام منهم من فروع قولهم بنفي البداء وعدم جواز النسخ والتغيير حيث قالوا: يد الله مغلولة غلت أيديهم، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: إن الله اصطفاه عليكم فهذه إحدى الصفتين المنافيتين للملك عندهم، والصفة الثانية ما في قولهم: ولم يؤت سعة من المال وقد كان طالوت فقيراً، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: وزاده بسطة في العلم والجسم "الخ".
قوله تعالى: {قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}، الاصطفاء والاستصفاء الاختيار وأصله الصفو، والبسطة هي السعة والقدرة، وهذان جوابان عن اعتراضهم.
أما اعتراضهم بكونهم أحق بالملك من طالوت لشرف بيتهم، فجوابه: ان هذه مزية كان الله سبحانه خص بيتهم بها وإذا اصطفى عليهم غيرهم كان أحق بالملك منهم، وكان الشرف والتقدم لبيته على بيوتهم ولشخصه على أشخاصهم، فإنما الفضل يتبع تفضيله تعالى.
وأما اعتراضهم بأنه لم يؤت سعة من المال، فجوابه: ان الملك وهو استقرار السلطة على مجتمع من الناس حيث كان الغرض الوحيد منه أن يتلاءم الإِرادات المتفرقة من الناس وتجتمع تحت إرادة واحدة وتتحد الأزمة باتصالها بزمام واحد فيسير بذالك كل فرد من أفراد المجتمع طريق كماله اللائق به فلا يزاحم بذلك فرد فرداً، ولا يتقدم فرد من غير حق، ولا يتأخر فرد من غير حق. وبالجملة الغرض من الملك أن يدبر صاحبه المجتمع تدبيراً يوصل كل فرد من أفراده إلى كماله اللائق به، ويدفع كل ما يمانع ذلك، والذي يلزم وجوده في نيل هذا المطلوب أمران: أحدهما: العلم بجميع مصالح حياة الناس ومفاسدها، وثانيهما: القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة، وهما اللذان يشير إليهما قوله تعالى: {وزاده بسطة في العلم والجسم}، وأما سعة المال فعده من مقومات الملك من الجهل.
ثم جمع الجميع تحت حجة واحدة ذكرها بقوله تعالى: {والله يؤتي ملكه من يشاء}، وهو أن الملك لله وحده ليس لأحد فيه نصيب إلاَّ ما آتاه الله سبحانه منه وهو مع ذلك لله كما يفيده الإِضافة في قوله تعالى، {يؤتي ملكه}، وإذا كان كذلك فله تعالى التصرف في ملكه كيف شاء وأراد، ليس لأحد أن يقول: لماذا أو بماذا (أي ان يسأل عن علة التصرف لأن الله تعالى هو السبب المطلق، ولا عن متمم العلية وأداة الفعل لأن الله تعالى تام لا يحتاج إلى متمم) فلا ينبغي السؤال عن نقل الملك من بيت إلى بيت، أو تقليده أحداً ليس له أسبابه الظاهرة من الجمع والمال.
والإِيتاء والإِفاضة الإِلهية وإن كانت كيف شاء ولمن شاء غير أنها مع ذلك لا تقع جزافاً خالية عن الحكم والمصالح، فإن المقصود من قولنا: إنه تعالى يفعل ما يشاء، ويؤتي الملك من يشاء ونظائر ذلك ليس أن الله سبحانه لا يراعي في فعله جانب المصلحة أو أنه يفعل فعلاً فإن اتفق أن صادف المصلحة فقد صادف وإن لم يصادف فقد صار جزافاً ولا محذور لأن الملك له فله أن يفعل ما يشاء هذا، فإن هذا مما يبطله الظواهر الدينية والبراهين العقلية.
بل المقصود بذلك: أن الله سبحانه حيث ينتهي إليه كل خلق وأمر، فالمصالح وجهات الخير مثل سائر الأشياء مخلوقه له تعالى، وإذا كان كذلك لم يكن الله سبحانه في فعله مقهوراً لمصلحة من المصالح محكوماً بحكمها، كما أننا في أفعالنا كذلك، فإذا فعل سبحانه فعلاً أو خلق خلقاً ولا يفعل إلاَّ الجميل، ولا يخلق إلاَّ الحسن كان فعله ذا مصلحة مرعياً فيه صلاح العباد غير أنه تعالى غير محكوم ولا مقهور للمصلحة.
ومن هنا صحَّ اجتماع هذا التعليل مع ما تقدمه، أعني اجتماع قوله تعالى: {والله يؤتي ملكه من يشاء}، مع قوله تعالى: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}، فإن الحجة الأولى مشتملة على التعليل بالمصالح والأسباب، والحجة الثانية على إطلاق الملك الذي يفعل ما يشاء، ولولا أن اطلاق الملك وكونه تعالى يفعل ما يشاء لا ينافي كون أفعاله مقارنة للمصالح والحكم لم يصح الجمع بين الكلامين فضلاً عن تأييد أحدهما أو تتميمه بالآخر.
وقد أوضح هذا المعنى أحسن الإِيضاح تذييل الآية بقوله تعالى: {والله واسع عليم}، فإن الواسع يدل على عدم ممنوعيته تعالى عن فعل وإيتاء أصلاً والعليم يدل على أن فعله تعالى فعل يقع عن علم ثابت غير مخطئ، فهو سبحانه يفعل كل ما يشاء ولا يفعل إلاَّ فعلاً ذا مصلحة.
والوسعة والسعة في الأصل حال في الجسم به يقبل أشياء أُخر من حيث التمكن كسعة الاناء لما يصب فيه، والصندوق لما يوضع فيه، والدار لمن يحل فيها ثم استعير الغنى ولكن لا كل غنى ومن كل جهة، بل من جهة إمكان البذل معه كأن المال يسع بذل ما أُريد بذله، وبهذا المعنى يطلق عليه سبحانه، فهو سبحانه واسع أي غني لا يعجزه بذل ما أراد بذله بل يقدر على ذلك.
قوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم}، التابوت هو الصندوق، وهو على ما قيل فعلوت من التوب بمعنى الرجوع لأن الإِنسان يرجع إلى الصندوق رجوعاً بعد رجوع.
(كلام في معنى السكينة)
والسكينة من السكون خلاف الحركة وتستعمل في سكون القلب وهو استقرار الإِنسان وعدم اضطراب باطنه في تصميم إرادته على ما هو حال الإِنسان الحكيم (من الحكمة باصطلاح فن الأخلاق) صاحب العزيمة في أفعاله، والله سبحانه جعلها من خواص الإِيمان في مرتبة كماله، وعدها من مواهبه السامية.
بيان ذلك: ان الإِنسان بغريزته الفطرية يصدر أفعاله عن التعقل، وهو تنظيم مقدمات عقلية مشتملة على مصالح الأفعال، وتأثيرها في سعادته في حياته والخير المطلوب في اجتماعه، ثم استنتاج ما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن يتركه.
وهذا العمل الفكري إذا جرى الإِنسان على أسلوب فطرته ولم يقصد إلاَّ ما ينفعه نفعاً حقيقياً في سعادته يجري على قرار من النفس وسكون من الفكر من غير اضطراب وتزلزل، وأما إذا أخلد الإِنسان في حياته إلى الأرض واتبع الهوى اختلط عليه الأمر، وداخل الخيال بتزييناته وتنميقاته في أفكاره وعزائمه فأورث ذلك انحرافه عن سنن الصواب تارة، وتردده واضطرابه في عزمه وتصميم إرادته وإقدامه على شدائد الأمور وهزاهزها أُخرى.
والمؤمن بإيمانه بالله تعالى مستند إلى سناد لا يتحرك وركن لا ينهدم. بانياً أموره على معارف حقة لا تقبل الشك والريب، مقدماً في أعماله عن تكليف إلهي لا يرتاب فيها، ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته، أو يحزن لفقده، أو يضطرب في تشخيص خيره من شره.
وأما غير المؤمن فلا ولي له يتولى أمره، بل خيره وشره يرجعان إليه نفسه فهو واقع في ظلمات هذه الأفكار التي تهجم عليه من كل جانب من طريق الهوى والخيال والإِحساسات المشؤومة، قال تعالى:
{ والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]، وقال تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } [محمد: 11]، وقال تعالى: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، وقال تعالى: { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]، وقال تعالى: { ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } [آل عمران: 175]، وقال تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة } [البقرة: 268]، وقال تعالى: {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً} إلى أن قال: { وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً } [النساء: 122]، وقال تعالى: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [يونس: 62]، والآيات كما ترى تضع كل خوف وحزن واضطراب وغرور في جانب الكفر، وما يقابلها من الصفات في جانب الإِيمان.
وقد بيّن الأمر أوضح من ذلك بقوله تعالى:
{ أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]، فدل على أن خبط الكافر في مشيه لكونه واقعاً في الظلمات لا يبصر شيئاً، لكن المؤمن له نور إلهي يبصر به طريقه، ويدرك به خيره وشره، وذلك لأن الله أفاض عليه حياة جديدة على حياته التي يشاركه فيها الكافر، وتلك الحياة هي المستتبعة لهذا النور الذي يستنير به، وفي معناه قوله تعالى: { يا أيُّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم } [الحديد: 28]. ثم قال تعالى: { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أُولئك كتب في قلوبهم الإِيمان وأيدهم بروح منه } [المجادلة: 22]، فأفاد أن هذه الحياة إنما هي بروح منه، وتلازم لزوم الإِيمان واستقراره في القلب، فهؤلاء المؤمنون مؤيدون بروح من الله تستتبع استقرار الإِيمان في قلوبهم، والحياة الجديدة في قوالبهم، والنور المضيء قدامهم.
وهذه الآية كما ترى قريبة الانطباق على قوله تعالى:
{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً } [الفتح: 4]، فالسكينة في هذه الآية تنطبق على الروح في الآية السابقة وازدياد الإِيمان على الإِيمان في هذه على كتابة الإِيمان في تلك، ويؤيد هذا التطبيق قوله تعالى في ذيل الآية: ولله جنود السماوات والأرض، فإن القرآن يطلق الجند على مثل الملائكة والروح.
ويقرب من هذه الآية سياقاً قوله تعالى:
{ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها } [الفتح: 26]، وكذا قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها } [التوبة: 40]. وقد ظهر مما مرّ أنه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالى أن السكينة روح إلهي أو تستلزم روحاً إلهياً من أمر الله تعالى يوجب سكينة القلب واستقرار النفس وربط الجأش، ومن المعلوم أن ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر واستعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب وعدم اضطرابه في الروح الإِلهي، وبهذا المعنى ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات.
قوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة} الخ، آل الرجل خاصته من أهله ويدخل فيهم نفسه إذا أطلق، فآل موسى وآل هارون هم موسى وهارون وخاصتهما من أهلهما، وقوله: {تحمله الملائكة}، حال عن التابوت، وفي قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}، كسياق صدر الآية دلالة على أنهم سألوا نبيهم آية على صدق ما أخبر به: ان الله قد بعث لكم طالوت ملكاً.
قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر} إلى قوله {منهم}، الفصل ها هُنا مفارقة المكان كما في قوله تعالى:
{ فلما فصلت العير } [يوسف: 94]، وربما استعمل بمعنى القطع وهو إيجاد المفارقة بين الشيئين كما قال تعالى: { وهو خير الفاصلين } [الأنعام: 57]، فالكلمة مما يتعدى ولا يتعدى.
والجند المجتمع الغليظ من كل شيء وسمي العسكر جنداً لتراكم الأشخاص فيه وغلظتهم، وفي جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد يعتني به وخاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر وتفرق الناس، ونظير هذه النكتة موجود في قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود}.
وفي مجموع الكلام إشارة إلى حق الأمر في شأن بني إسرائيل وإيفائهم بميثاق الله، فإنهم سألوا بعث الملك جميعاً وشدوا الميثاق، وقد كانوا من الكثرة بحيث لما تولوا إلاَّ قليلاً منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنوداً، وهذه الجنود أيضاً لم تغن عنهم شيئاً بل تخلفوا بشرب النهر ولم يبق إلاَّ القليل من القليل مع شائبة فشل ونفاق بينهم من جهة المغترفين، ومع ذلك كان النصر للذين آمنوا وصبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة.
والابتلاء الامتحان، والنهر مجرى الماء الفائض، والاغتراف والغرف رفع الشيء وتناوله، يقال: غرف الماء غرفة واغترفه غرفة إذا رفعه ليتناوله ويشربه.
وفي استثناء قوله تعالى: {إلاَّ من اغترف غرفة بيده} عن مطلق الشرب دلالة على أنه كان المنهي عنه هو الشرب على حالة خاصة، وقد كان الظاهر أن يقال: فمن شرب منه فليس مني إلاَّ من اغترف غرفة بيده غير أن وضع قوله تعالى: {ومن لم يطعمه فإنه مني}، في الكلام مع تبديل الشرب بالطعم ومعناه الذوق أوجب تحولاً في الكلام من جهة المعنى إذ لو لم تضف الجملة الثانية كان مفاد الكلام أن جميع الجنود كانوا من طالوت، والشرب يوجب انقطاع جمع منه والاغتراف يوجب الانقطاع من المنقطع أي الاتصال وأما لو أُضيفت الجملة الثانية، أعني قوله تعالى: {ومن لم يطعمه فإنه مني} إلى الجملة الأولى كان مفاد الكلام أن الأمر غير مستقر بحسب الحقيقة بعد إلاَّ بحسب الظاهر، فالجنود في الظاهر مع طالوت لكن لم يتحقق بعد أن الذين هم مع طالوت من هم، ثم النهر الذي سيبتليهم الله به سيحقق كلا الفريقين ويشخصهما، فيعين به من ليس منه وهو من شرب من النهر، ويتعين به من هو منه وهو من لم يطعمه، وإذا كان هذا هو المفاد من الكلام لم يفد قوله في الاستثناء إلاَّ من اغترف غرفة بيده كون المغترفين من طالوت لأن ذلك إنما كان مفاداً لو كان المذكور هناك الجملة الأولى فقط، وأما مع وجود الجملتين فيتعين الطائفتان: أعني الذين ليسوا منه وهم الشاربون، والذين هم منه وهم غير الطاعمين، ومن المعلوم أن الاخراج من الطائفة الأولى إنما يوجب الخروج منها لا الدخول في الثانية، ولازم ذلك أن الكلام يوجب وجود ثلاث طوائف: الذين ليسوا منه والذين هم منه، والمغترفون، وعلى هذا فالباقون معه بعد الجواز طائفتان: الذين هم منه، والذين ليسوا من الخارجين، فجاز أن يختلف حالهم في الصبر والجزع والاعتماد بالله والقلق والاضطراب.
قوله تعالى: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} إلى آخر الآية، الفئة القطعة من الناس، والتدبر في الآيات يعطي أن يكون القائلون: لا طاقة لنا، هم المغترفون، والمجيبون لهم هم الذين لم يطعموه أصلاً، والظن بلقاء الله إما بمعنى اليقين به وإما كناية عن الخشوع.
ولم يقولوا: يمكن أن تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله، بل قالوا: كم من فئة "الخ"، أخذاً بالواقع في الاحتجاج بإراءة المصداق ليكون أقنع للخصم.
قوله تعالى: {ولما برزوا لجالوت وجنوده} "الخ"، البروز هو الظهور، ومنه البراز وهو الظهور للحرب، والإِفراغ صب نحو المادة السيالة في القالب والمراد إفاضة الله سبحانه الصبر عليهم على قدر ظرفيتهم فهو استعارة بالكناية لطيفة، وكذا تثبيت الاقدام كناية عن الثبات وعدم الفرار.
قوله تعالى: {فهزموهم بإذن الله} "الخ"، الهزم الدفع.
قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} إلى آخر الآية، من المعلوم أن المراد بفساد الأرض فساد من على الأرض أي فساد الاجتماع الإِنساني ولو استتبع فساد الاجتماع فساداً في أديم الأرض فإنما هو داخل في الغرض بالتبع لا بالذات، وهذه حقيقة من الحقائق العلمية ينبه لها القرآن.
بيان ذلك: أن سعادة هذه النوع لا تتم إلاَّ بالاجتماع والتعاون. ومن المعلوم أن هذا الأمر لا يتم إلاَّ مع حصول وحدة ما في هيكل الاجتماع بها تتحد أعضاء الاجتماع وأجزائه بعضها مع بعض بحيث يعود الجميع كالفرد الواحد يفعل وينفعل عن نفس واحدة وبدن واحد، والوحدة الاجتماعية ومركبها الذي هو اجتماع أفراد النوع حالهما شبيه حال الوحدة الاجتماعية التي في الكون ومركبها الذي هو اجتماع أجزاء هذا العالم المشهود، ومن المعلوم أن وحدة هذا النظام أعني نظام التكوين إنما هي نتيجة التأثير والتأثر الموجودين بين أجزاء العالم فلولا المغالبة بين الأسباب التكوينية وغلبة بعضها على بعض واندفاع بعضها الآخر عنه ومغلوبيتها له لم يرتبط أجزاء النظام بعضها ببعض بل بقي كل على فعليته التي هي له، وعند ذلك بطل الحركات فبطل عالم الوجود.
كذلك نظام الاجتماع الإِنساني لو لم يقم على أساس التأثير والتأثر، والدفع والغلبة لم يرتبط أجزاء النظام بعضها ببعض، ولم يتحقق حينئذٍ نظام وبطلت سعادة النوع، فإنا لو فرضنا ارتفاع الدفع بهذا المعنى، وهو الغلبة وتحميل الإِرادة من البين كان كل فرد من أفراد الاجتماع فعل فعلاً ينافي منافع الآخر (سواء منافعه المشروعة أو غيرها) لم يكن للآخر إرجاعه إلى ما يوافق منافعه ويلائمها وهكذا، وبذلك تنقطع الوحدة من بين الأجزاء وبطل الاجتماع، وهذا البحث هو الذي بحثنا عنه فيما مرّ: أن الأصل الأول الفطري للإِنسان المكون للاجتماع هو الاستخدام، وأما التعاون والمدنية فمتفرغ عليه وأصل ثانوي، وقد مرّ تفصيل الكلام في تفسير قوله تعالى:
{ كان الناس أُمة واحدة } [البقرة: 213]، وفي الحقيقة معنى الدفع والغلبة معنى عام سار في جميع شؤون الاجتماع الإِنساني، وحقيقته حمل الغير بأي وجه أمكن على ما يريده الإِنسان، ودفعه عمّا يزاحمه ويمانعه عليه، وهذا معنى عام موجود في الحرب والسلم معاً، وفي الشدة والرخاء، والراحة والعناء جميعاً، وبين جميع الأفراد في جميع شعوب الاجتماع، نعم إنما يتنبه الإِنسان له عند ظهور المخالفة ومزاحمة بعض الأفراد بعضهم في حقوق الحياة أو في الشهوات والميول ونحوها، فيشرع الإِنسان في دفع الإِنسان المزاحم الممانع عن حقه أو عن مشتهاه، ومعلوم أن هذا على مراتب ضعيفة وشديدة، والقتال والحرب إحدى مراتبه.
وأنت تعلم أن هذه الحقيقة أعني كون الدفع والغلبة من الأصول الفطرية عند الإِنسان أصل فطري أعم من أن يكون هذا الدفع دفعاً بالعدل عن حق مشروع أو بغير ذلك، إذ لو لم يكن في فطرة الإِنسان أصل مسلم على هذه الوتيرة لم يتحقق منه، لا دفاع مشروع على الحق ولا غيره، فإن أعمال الإِنسان تستند إلى فطرته - كما مرّ بيانه - سابقاً فلولا اشتراك الفطرة بين المؤمن والكافر لم يمكن أن يختص المؤمن بفطرة يبني عليها أعماله.
وهذا الأصل الفطري ينتفع به الإِنسان في إيجاد أصل الاجتماع على ما مرّ من البيان، ثم ينتفع به في تحميل إرادته على غيره وتمالك ما بيده تغلباً وبغياً، وينتفع به في دفعه واسترداد ما تملكه تغلباً وبغياً، وينتفع به في إحياء الحق بعد موته جهلاً بين الناس وتحميل سعادتهم عليهم، فهو أصل فطري ينتفع به الإِنسان أكثر مما يستضر به.
وهذا الذي ذكرناه "لعله" هو المراد بقوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}، ويؤيد ذلك تذييله بقوله تعالى: {ولكن الله ذو فضل على العالمين}.
وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالدفع في الآية دفع الله الكافرين بالمؤمنين كما أن المورد أيضاً كذلك، وربما أيده أيضاً قوله تعالى:
{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله } } [الحج: 40]، وفيه: أنه في نفسه معنى صحيح لكن ظاهر الآية أن المراد بصلاح الأرض مطلق الصلاح الدائم المبقي للاجتماع دون الصلاح الخاص الموجود في أحيان يسيرة كقصة طالوت وقصص أُخرى يسيرة معدودة.
وربما ذكر آخرون: أن المراد بها دفع الله العذاب والهلاك عن الفاجر بسبب البر، وقد وردت فيه من طرق العامة والخاصة روايات كما في المجمع والدر المنثور عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم"
]. وفي الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام، قال: إن الله ليدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا ولو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي ولو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمّن لا يحج ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا؛ الحديث، ومثلهما غيرهما.
وفيه: أن عدم انطباق الآيتين على معنى الحديثين مما لا يخفى إلاَّ أن تنطبق عليهما من جهة أن موردهما أيضاً من مصاديق دفع الناس.
وربما ذكر بعضهم: أن المراد دفع الله الظالمين بالظالمين، وهو كما ترى.
قوله تعالى: {تلك آيات الله} "الخ"، كالخاتمة يختم بها الكلام والقصة غير أن آخر الآية: {وإنك لمن المرسلين}، لا يخلو عن ارتباط بالآية التالية.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم، قال: لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً الآية، جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله، ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأنفسنا وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية والأُخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"كم من عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة"
]. أقول: والرواية مروية بطرق كثيرة.
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام: لما نزلت هذه الآية: من جاء بالحسنة فله خير منها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم زدني فأنزل الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم زدني فأنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة، فعلم رسول الله أن الكثير من الله لا يحصى وليس له منتهى.
أقول: وروى الطبرسي في المجمع والعياشي في تفسيره نظيره وروي قريب منه من طرق أهل السنة أيضاً، قوله عليه السلام: فعلم رسول الله، يومئ إليه آخر الآية: {والله يقبض ويبصط}، إذ لا حد يحد عطائه تعالى، وقد قال:
{ وما كان عطاء ربك محظوراً } [الإسراء: 20]. وفي تفسير العياشي عن أبي الحسن عليه السلام في الآية، قال: هي صلة الإِمام.
أقول: وروي مثله في الكافي عن الصادق عليه السلام وهو من باب عد المصداق.
وفي المجمع في قوله تعالى: إذ قالوا لنبي لهم الآية هو أُشموئيل، وهو بالعربية إسماعيل.
أقول: وهو مروي من طرق أهل السنة أيضاً: وشموئيل هو الذي يوجد في العهدين بلفظ صموئيل.
وفي تفسير القمي عن أبيه عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام: أن بني إسرائيل بعد موت موسى عملوا بالمعاصي، وغيروا دين الله، وعتوا عن أمر ربهم، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي أنه أرميا النبي على نبينا وآله وعليه السلام فسلط الله عليهم جالوت وهو من القبط، فأذلهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارههم وأموالهم، واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم، وقالوا: سل الله أن يبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، ولم يجمع الله النبوة والملك في بيت واحد، فمن أجل ذلك قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، فقال لهم نبيهم: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا؟ فقالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا، فكان كما قال الله: فلما كتب عليهم القتال تولوا إلاَّ قليلاً منهم والله عليم بالظالمين، فقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، فغضبوا من ذلك وقالوا: أنى يكون له الملك علينا؟ ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، وكانت النبوة في بيت لاوي، والملك في بيت يوسف، وكان طالوت من ولد ابنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه، ولم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيهم: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم، وكان أعظمهم جسماً وكان قوياً وكان أعلمهم، إلاَّ أنه كان فقيراً فعابوه بالفقر، فقالوا لم يؤت سعة من المال، فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه أُمه وألقته في اليم فكان في بني إسرائيل يتبركون به، فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة، وأودعه عند يوشع وصيه، ولم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنوا إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم، فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلما سألوا النبي بعث الله عليهم طالوت ملكاً فقاتل معهم فرد الله عليهم التابوت كما قال: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، قال: البقية ذرية الأنبياء.
أقول: قوله: وروي أنه أرميا النبي، رواية معترضة في رواية، قوله عليه السلام: فكان كما قال الله "الخ"، أي تولى الكثيرون ولم يبق على تسليم حكم القتال إلاَّ قليل منهم، وفي بعض الأخبار أن هذا القليل كانوا ستين ألفاً، روى ذلك القمي في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام، ورواه العياشي عن الباقر عليه السلام. وقوله: وكانت النبوة في بيت لاوي، والملك في بيت يوسف، وقد قيل: إن الملك كان في بيت يهوذا، وقد اعترض عليه أن لم يكن بينهم ملك قبل طالوت وداود وسليمان حتى يكون في بيت يهوذا، وهذا يؤيد ما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت ان الملك كان في بيت يوسف فإن كون يوسف ملكاً مما لا ينكر.
وقوله: قال: والبقية ذرية الأنبياء، وهم من الراوي، وإنما فسر عليه السلام بقوله: ذرية الأنبياء قوله: آل موسى وآل عمران، ويؤيد ما ذكرناه ما في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: انه سئل عن قول الله: وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فقال: ذرية الأنبياء.
وفي الكافي عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، عن النصر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: وقال الله: إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني فشربوا منه إلاَّ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، منهم من اغترف، ومنهم من لم يشرب، فلما برزوا لجالوت قال الذين اغترفوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وقال الذين لم يغترفوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.
أقول: وأما كون الباقين مع طالوت ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدد أهل بدر فقد كثر فيه الروايات من طرق الخاصة والعامة، وأما كون القائلين: لا طاقة لنا، هم المغترفين، وكون القائلين كم من فئة "الخ"، هم الذين لم يشربوا أصلاً فيمكن استفادته من نحو الاستثناء في الآية على ما بيناه: من معنى الاستثناء.
وفي الكافي بإسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: إن آية ملكه إلى قوله تحمله الملائكة قال: كانت تحمله في صورة البقرة.
واعلم أن الوجه في ذكر سند هذا الحديث مع أنه ليس من دأب الكتاب ذلك لأن إسقاط الأسانيد فيه إنما هو لمكان موافقه القرآن ومعه لا حاجة إلى ذكر سند الحديث؛ أما فيما لا يطرد فيه الموافقة ولا يتأتى التطبيق فلا بد من ذكر الإِسناد، ونحن مع ذلك نختار للإِيراد روايات صحيحة الإِسناد أو مؤيده بالقرائن.
وفي تفسير العياشي عن محمد الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: كان داود وإخوة له أربعة، ومعهم أبوهم شيخ كبير، وتخلف داود في غنم لأبيه، ففصل طالوت بالجنود فدعاه أبو داود وهو أصغرهم، فقال: يا بني اذهب إلى اخوتك بهذا الذي صنعناه لهم يتقووا به على عدوهم وكان رجلاً قصيراً أرزق قليل الشعر طاهر القلب، فخرج وقد تقارب القوم بعضهم من بعض فذكر عن أبي بصير، قال سمعته يقول: فمر داود على حجر فقال الحجر: يا داود خذني واقتل بي جالوت فإني إنما خلقت لقتله، فأخذه فوضعه في مخلاته التي تكون فيها حجارته التي يرمي بها عن غنمه بمقذافه، فلما دخل العسكر سمعهم يتعظمون أمر جالوت، فقال لهم داود: ما تعظمون من أمره فو الله لئن عاينته لأقتلنه فحدثوا بخبره حتى أدخل على طالوت، فقال يا فتى وما عندك من القوة؟ وما جربت من نفسك؟ قال: كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه فآخذ برأسه فأفك لحييه منها فآخذها من فيه، قال: فقال: ادع لي بدرع سابغة فاتي بدرع فقذفها في عنقه فتملأ منها حتى راع طالوت ومن حضره من بني إسرائيل، فقال طالوت: والله لعسى الله أن يقتله به، قال: فلما أن أصبحوا ورجعوا إلى طالوت والتقى الناس قال داود: أروني جالوت فلما رآه أخذ الحجر فجعله في مقذافه فرماه فصك به بين عينيه فدمغه ونكس عن دابته، وقال الناس: قتل داود جالوت، وملكه الناس حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت بنو إسرائيل على داود، وأنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد فلينه له، وأمر الجبال والطير يسبحن معه، قال: ولم يعط أحد مثل صوته، فأقام داود في بني إسرائيل مستخفياً، وأعطى قود في عبادته.
أقول: المقذاف المقلاع الذي يكون للرعاة يرمون به الأحجار، وقد اتفقت ألسنة الأخبار من طرق الفريقين أن داود قتل جالوت بالحجر.
في المجمع، قال: إن السكينة التي كانت فيه ريح هفانة من الجنة لها وجه كوجه الإِنسان عن علي عليه السلام.
أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور عن سفيان بن عيينة وابن جرير من طريق سلمة بن كهيل عن علي عليه السلام وكذا عن عبد الرزاق وأبي عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، وصححه وابن عساكر والبيهقي في الدلائل من طريق أبي الأحوص عن علي عليه السلام مثله.
وفي تفسير القمي عن أبيه عن علي بن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام: السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الإِنسان.
أقول: وروى هذا المعنى أيضاً الصدوق في المعاني والعياشي في تفسيره عن الرضا عليه السلام، وهذه الأخبار الواردة في معنى السكينة وإن كانت آحاداً إلاَّ أنها قابلة التوجيه والتقريب إلى معنى الآية، فإن المراد بها على تقدير صحتها: أن السكينة مرتبة من مراتب النفس في الكمال توجب سكون النفس وطمأنينتها إلى أمر الله، وأمثال هذه التعبيرات المشتملة على التمثيل كثيرة في كلام الأئمة، فينطبق حينئذٍ على روح الإِيمان، وقد عرفت في البيان السابق أن السكينة منطبقة على روح الإِيمان.
وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل ما في المعاني عن أبي الحسن عليه السلام في السكينة، قال عليه السلام: روح الله يتكلم، كانوا إذا اختلفوا في شيء كلمهم وأخبرهم، الحديث؛ فإنما هو روح الإِيمان يهدي المؤمن إلى الحق المختلف فيه.
(بحث علمي واجتماعي)
ذكر علماء الطبيعة أن التجارب العلمي ينتج أن هذه الموجودات الطبيعية المجبولة على حفظ وجودها وبقائها، والفعالة بقواها المقتضية لما يناسبها من الأفعال ينازع بعضها البعض في البقاء، وحيث كانت هذه المنازعة من جهة بسط التأثير في الغير والتأثر المتقابل من الغير وبالعكس كانت الغلبة للأقوى منهما والأكمل وجوداً، ويستنتج من ذلك أن الطبيعة لا تزال تنتخب من بين الأفراد من نوع أو نوعين أكملها وأمثلها فيتوحد للبقاء، ويفنى سائر الأفراد وينقرض تدريجاً، فهناك قاعدتان طبيعيتان: إحداهما: تنازع البقاء، والثانية: الانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل.
وحيث كان الاجتماع متكئاً في وجوده على الطبيعة جرى فيه أيضاً نظير القانونين: أعني: قانوني تنازع البقاء، والانتخاب وبقاء الأمثل.
فالاجتماع الكامل وهو الاجتماع المبني على أساس الاتحاد الكامل المحكم المرعي فيه حقوق الأفراد: الفردية والاجتماعية أحق بالبقاء، وغيره أحق بالفناء والانقراض، والتجارب قاض ببقاء الأمم الحية المراقبة لوظائفها الاجتماعية المحافظة على سلوك صراطها الاجتماعي، وانقراض الأمم بتفرق القلوب، وفشو النفاق وشيوع الظلم والفساد وإتراف الكبراء وانهدام بنيان الجد فيهم، والاجتماع يحاكي في ذلك الطبيعة كما ذكر. فالبحث في الآثار الأرضية يوصلنا إلى وجود أنواع من الحيوان في العهود الأولية الأرضية هي اليوم من الحيوانات المنقرضة الأنواع كالحيوان المسمى برونتو ساروس أو التي لم يبق من أنواعها إلاَّ انموذجات يسيرة كالتمساح والضفدع ولم يعمل في إفنائها وانقراضها إلاَّ تنازع البقاء، والانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل، وكذلك الأنواع الموجودة اليوم لا تزال تتغير تحت عوامل التنازع والانتخاب، ولا يصلح منها للبقاء إلاَّ الأمثل والأقوى وجوداً، ثم يجره حكم الوراثة إلى استمرار الوجود وبقاء النوع، وعلى هذه الوتيرة كانت الأنواع والتراكيب الموجودة في أصل تكونها فإنما هي أجزاء المادة المنبثة في الجو حدثت بتراكمها وتجمعها الكرات والأنواع الحادثة فيها، فما كان منها صالحاً للبقاء بقي ثم توارث الوجود، وما كان منها غير صالح لذلك لمنازعة ما هو أقوى منه معه فسد وانقرض، فهذا ما ذكره علماء الطبيعة والاجتماع...
وقد ناقضه المتأخرون بكثير من الأنواع الضعيفة الوجود الباقية بين الأنواع حتى اليوم، وبكثير من أصناف الأنواع النباتية والحيوانية، فإن وقوع التربية بتأهيل كثير من أنواع النبات والحيوان وإخراجها من البرية والوحشية، وسيرها بالتربية إلى جودة الجنس وكمال النوع مع بقاء البري والوحشي منها على الرداءة، وسيرهما إلى الضعف يوماً فيوماً، واستقرار التوارث فيها على تلك الصفة، كل ذلك يقضي بعدم اطراد القاعدتين أعني تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي.
ولذلك علل بعضهم هذه الصفة الموجودة بين الطبيعيات بفرضية أُخرى، وهي تبعية المحيط، فالمحيط الموجود وهو مجموع العوامل الطبيعية تحت شرائط خاصة زمانية ومكانية يستدعي تبعية الموجود في جهات وجوده له، وكذلك الطبيعة الموجودة في الفرد توجب تطبيق وجوده بالخصوصيات الموجودة في محيط حياته، ولذلك كانت لكل نوع من الأنواع التي تعيش في البر أو البحر أو في مختلف المناطق الأرضية القطبية أو الاستوائية وغير ذلك من الأعضاء والأدوات والقوى ما يناسب منطقة حياته وعيشته، فمحيط الحياة هو الذي يوجب البقاء عند انطباق وجود الموجود بمقتضياته والزوال والفناء عند عدم انطباقه بمقتضياته، فالقاعدتان ينبغي أن تنتزعا من هذا القانون أعنى: أن الأصل في قانوني تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي هو تبعية المحيط، ففيما لا اطراد للقاعدتين لا ميحط مؤثر يوجب التأثير، ولكن لقاعدة تبعية المحيط من النقض في اطرادها نظير ما للقاعدتين، وقد فصلوها في مظانها.
ولو كان تبعية المحيط تامة في تأثيرها ومطردة في حكمها كان من الواجب أن لا يوجد نوع أو فرد غير تابع، ولا أن يتغير محيط في نفسه كما أن القاعدتين لو كانتا تامتين مطردتين في حكمهما وجب أن لا يبقى شيء من الموجودات الضعيفة الوجود مع القوية منها ولا أن يجري حكم التوارث في الأصناف الردية من النبات والحيوان.
فالحق كما ربما اعترفت به الأبحاث العلمية أن هذه القواعد على ما فيها من الصحة في الجملة غير مطردة.
والنظر الفلسفي الكلي في هذا الباب: ان أمر حدوث الحوادث المادية سواء كان من حيث أصل وجودها أو التبدلات والتغيرات الحادثة في اطراف وجودها يدور مدار قانون العلية والمعلولية، فكل موجود من الموجودات المادية بمالها من الصورة الفعّالة لنفع وجوده يوجه أثره إلى غيره ليوجد فيه صورة تناسب صورة نفسه، وهذه حقيقة لا محيص عن الاعتراف بها عند التأمل في حال الموجودات بعضها مع بعض، ويستوجب ذلك أن ينقص كل من كل لنفع وجود نفسه فيضم ما نقصه إلى وجود نفسه بنحو، ولازم ذلك أن يكون كل موجود فعالاً لإِبقاء وجوده وحياته، وعلى هذا صح أن يقال: إن بين الموجودات تنازعاً في البقاء، وكذلك لازم التأثير العلي أن يتصرف الأقوى في الأضعف بإفنائه لنفع نفسه أو بتغييره بنحو ينتفع به لنفسه، وبذلك يمكن أن يوجه القانونان أعني: الانتخاب الطبيعي وتبعية المحيط، فإن النوع لما كان تحت تأثير العوامل المضادة فإنما يمكنه أن يقاومها إذا كان قوي الوجود قادراً على الدفاع عن نفسه، وكذلك الحال في افراد نوع واحد، إنما يصلح للبقاء منها ما قوي وجوده قبال المنافيات والأضداد التي تتوجه إليه، وهذا هو الانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل، وكذا إذا اجتمعت عدة كثيرة من العوامل ثم اتحدت أكثرها أو تقاربت من حيث العمل فلا بد أن يتأثر منها الموجود الذي توسط بينها الأثر الذي يناسب عملها، وهذا هو تبعية المحيط.
ومما يجب أن يعلم: أن أمثال هذه النواميس أعني: تبعية المحيط وغيرها إنما يؤثر فيما صح أن يؤثر، في عوارض وجود الشيء ولواحقه، وأما نفس الذات بأن يصير نوعاً آخر فلا، لكن القوم حيث كانوا لا يقولون بوجود الذات الجوهري بل يبنون البحث على أن كل موجود مجموع من العوارض المجتمعة الطارئة على المادة، وبذلك يمتاز نوع من نوع، وبالحقيقة لا نوع جوهري يباين نوعاً جوهرياً آخر، بل جميع الأنواع تتحلل إلى المادة الواحدة نوعاً المختلفة بحسب التراكيب المتنوعة، ومن هنا تراهم يحكمون بتبدل الأنواع وبتبعية المحيط أو تأثير سائر العوامل الطبيعية ولا يبالون بتبدل الذات فيها، وللبحث ذيل ممتد سيمر بك إن شاء الله تفصيل القول فيه.
ونرجع إلى أول الكلام فنقول: ذكر بعض المفسرين: ان قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} الآية إشارة إلى قانوني تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي.
قال: ويقرر ذلك قوله تعالى:
{ أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلاَّ أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاه وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } [الحج: 39-41]، فهذا إشارة إلى تنازع البقاء والدفاع عن الحق، وأنه ينتهي ببقاء الأمثل وحفظ الأفضل.
ومما يدل على هذه القاعدة من القرآن المجيد قوله تعالى:
{ أنزل من السماء ماءً فسالت أوديه بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } [الرعد: 17]، فهو يفيد ان سيول الحوادث وميزان التنازع تقذف زبد الباطل الضار في الاجتماع وتدفعه وتبقي ابليز الحق النافع الذي ينمو فيه العمران، وابريز المصلحة التي يتحلى به الإِنسان، انتهى.
أقول: أما ان قاعدة تنازع البقاء وكذا قاعدة الانتخاب الطبيعي - بالمعنى الذي مرّ بيانه - حق في الجملة، وان القرآن يعتني بهما فلا كلام فيه، لكن هذين الصنفين الذين أوردهما من الآيات غير مسوقين لبيان شيء من القاعدتين، فإن الصنف الأول من الآيات مسوق لبيان أن الله سبحانه غير مغلوب في إرادته، وان الحق وهو الذي يرتضيه الله من المعارف الدينية غير مغلوب، وان حامله إذا حمله على الحق والصدق لم يكن مغلوباً البتة، وعلى ذلك يدل قوله تعالى أولاً: بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير، وقوله تعالى ثانياً: {الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلاَّ أن يقولوا ربنا الله}، فإن الجملتين في مقام بيان أن المؤمنين سيغلبون أعداءهم لا لمكان التنازع وبقاء الأمثل الأقوى، فإن الأمثل والأقوى عند الطبيعة هو الفرد القوي في تجهيزه الطبيعي دون القوي من حيث الحق والأمثل بحسب المعنى، بل سيغلبون لأنهم مظلومون ظلموا على قول الحق والله سبحانه حق وينصر الحق في نفسه، بمعنى أن الباطل لا يقدر على أن يدحض حجة الحق إذا تقابلا، وينصر حامل الحق إذا كان صادقاً في حمله كما ذكره الله بقوله: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين أن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة "الخ"، أي هم صادقون في قولهم الحق وحملهم إيّاه ثم ختم الكلام بقوله تعالى: ولله عاقبه الأمور، يشير به إلى عدة آيات تفيد أن الكون يسير في طريق كماله إلى الحق والصدق والسعادة الحقيقية، ولا ريب أيضاً في دلالة القرآن على أن الغلبة لله ولجنده البتة كما يدل عليه قوله:
{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } [المجادلة: 21]، وقوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171-173]، وقوله تعالى: { والله غالب على أمره } [يوسف: 21]. وكذا الآية الثانية التي أوردها أعني قوله تعالى: أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها "الخ"، مسوقة لبيان بقاء الحق وزهوق الباطل سواء كان على نحو التنازع كما في الحق والباطل اللذين هما معاً من سنخ الماديات والبقاء بينهما بنحو التنازع، أولم يكن على نحو التنازع والمضادة كما في الحق والباطل اللذين هما بين الماديات والمعنويات فإن المعنى، ونعني به الموجود المجرد عن المادة، مقدم على المادة غير مغلوب في حال أصلاً، فالتقدم والبقاء للمعنى على الصورة من غير تنازع، وكما في الحق والباطل اللذين هما معاً من سنخ المعنويات والمجردات، وقد قال تعالى: { وعنت الوجوه للحي القيوم } [طه: 111]، وقال تعالى: { له ما في السماوات والأرض كل له قانتون } [الروم: 26]، وقال تعالى: { وإن إلى ربك المنتهى } [النجم: 42]، فهو تعالى، غالب على كل شيء، وهو الواحد القهار.
وأما الآيات التي نحن فيها أعني قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} الآية، فقد عرفت أنها في مقام الإِشارة إلى حقيقة يتكي عليه الاجتماع الإِنساني الذي به عمارة الأرض، وباختلاله يختل العمران وتفسد الأرض، وهي غريزة الاستخدام الذي جبل عليه الإِنسان، وتأديتها إلى التصالح في المنافع أعني التمدن والاجتماع التعاوني، وهذا المعنى وإن كان بعض أعراقه وأصوله التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي، لكنه مع ذلك هو السبب القريب الذي يقوم عليه عمارة الأرض ومصونيتها عن الفساد، فينبغي أن تحمل الآية التي تريد إعطاء السبب في عدم طروق الفساد على الأرض عليه لا على ما ذكر من القاعدتين.
وبعبارة أُخرى واضحة: القاعدتان وهما التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي توجبان انحلال الكثرة وعودتها إلى الواحدة فإن كلا من المتنازعين يريد بالنزاع إفناء الآخر وضم ماله من الوجود ومزاياه إلى نفسه، والطبيعة بالانتخاب تريد أن يكون الواحد الذي هو الباقي منهما أقواهما وأمثلهما، فنتيجة جريان القاعدتين فساد الكثرة وبطلانها وتبدلها إلى واحد أمثل، وهذا أمر ينافي الاجتماع والتعاون والاشتراك في الحياة الذي يطلبه الإِنسان بفطرته ويهتدي إليه بغريزته وبه عمارة الأرض بهذا النوع، لا إفناء قوم منه قوماً، وأكل بعضهم بعضاً، والدفع الذي تعمر به الأرض ويصان عن الفساد هو الدفع الذي يدعو إلى الاجتماع والاتحاد المستقر على الكثرة والجماعة دون الدفع الذي يدعو إلى إبطال الاجتماع وإيجاد الوحدة المفنية للكثرة، فالقتال سبب لعمارة الأرض وعدم فسادها من حيث إنه يحيا به حقوق اجتماعية حيوية لقوم مستهلكين مستذلين لا من حيث يتشتت به الجمع ويهلك به العين ويمحى به الأثر فافهم.
(بحث في التاريخ وما يعتني به القرآن منه)
التاريخ النقلي ونعني به ضبط الحوادث الكلية والجزئية بالنقل والحديث مما لم يزل الإِنسان من أقدم عهود حياته وأزمان وجوده في الأرض مهتماً به، ففي كل عصر من الأعصار على ما نعلمه عدة من حفظته أو كتابه والمؤلفين فيه، وآخرون يعتورون ما ضبطه أُولئك ويأخذون ما أتحفوهم به، والإِنسان ينتفع به في جهات شتى من حياته كالاجتماع والاعتبار والقص والحديث والتفكه وأُمور أُخرى سياسية أو اقتصادية أو صناعية وغير ذلك.
وإنه على شرافته وكثرة منافعه لم يزل ولا يزال يعمل فيه عاملان بالفساد يوجبان انحرافه عن صحة الطبع وصدق البيان إلى الباطل والكذب:
أحدهما: أنه لا يزال في كل عصر محكوماً للحكومة الحاضرة التي بيدها القوة والقدرة يميل إلى إظهار ما ينفعها ويغمض عمّا يضرها ويفسد الأمر عليها، وليس ذلك إلاَّ ما لا نشك فيه أن الحكومات المقتدرة في كل عصر تهتم بإفشاء ما تنتفع به من الحقائق وستر ما تستضر به أو تلبيسها بلباس تنتفع به أو تصوير الباطل والكذب بصورة الحق والصدق، فإن الفرد من الإِنسان والمجتمع منه مفطوران على جلب النفع ودفع الضرر بأي نحو أمكن، وهذا أمر لا يشك فيه من له أدنى شعور يشعر به الأوضاع العامة الحاضرة في زمان حياته ويتأمل به في تاريخ الأمم الماضية والبعيدة.
وثانيهما: أن المتحملين للأخبار والناقلين لها والمؤلفين فيها جميعهم لا يخلون من إعمال الإِحساسات الباطنية والعصبيات القومية فيما يتحملون منها أو يقضون فيها، فإن حملة الأخبار في الماضين، والحكومة في أعصارهم حكومة الدين، كانوا منتحلين بنحلة ومتدينين كل بدين، وكانت الإِحساسات المذهبية فيهم قوية والعصبيات القومية شديدة فلا محالة كانت تداخل الأخبار التاريخية من حيث اشتمالها على أحكام وأقضية كما أن العصبية المادية والإِحساسات القوية اليوم للحرية على الدين وللهوى على العقل يوجب مداخلات من أهل الأخبار اليوم نظير مداخلات القدماء فيما ضبطوه أو نقلوه، ومن هنا إنك لا ترى أهل دين ونحلة فيما ألف أو جمع من الأخبار أودع شيئاً يخالف مذهبه فما ضبطه أهل كل مذهب موافق لأصول مذهبه، وكذا الأمر في النقل اليوم لا ترى كلمة تاريخية عملته أيديهم إلاَّ وفيه بعض التأييد للمذهب المادي.
على أن ها هُنا عوامل أُخرى تستدعي فساد التاريخ، وهو فقدان وسائل الضبط والأخذ والتحمل والنقل والتأليف والحفظ عن التغير والفقدان سابقاً وهذه النقيصة وإن ارتفعت اليوم بتقارب البلاد وتراكم وسائل الاتصال وسهولة نقل الأخبار والانتقال والتحول لكن عمّت البلية من جهة أُخرى وهي: أن السياسة داخلت جميع شؤون الإِنسان في حياته، فالدنيا اليوم تدور مدار السياسة الفنية، وبحسب تحولها تتحول الأخبار من حال إلى حال، وهذا مما يوجب سوء الظن بالتاريخ حتى كاد أن يورده مورد السقوط، ووجود هذه النواقص أو النواقض في التاريخ النقلي هو السبب أو عمدة السبب في اعراض العلماء اليوم عنه إلى تأسيس القضايا التاريخية على أساس الآثار الأرضية، وهذا وإن سلمت عن بعض الاشكالات المذكورة كالأول مثلاً، لكنها غير خالية عن الباقي، وعمدته مداخلة المؤرخ بما عنده من الإِحساس والعصبية في الأقضية، وتصرف السياسة فيها إفشاءً وكتماناً وتغييراً وتبديلاً، فهذا حال التاريخ وما معه من جهات الفساد الذي لا يقبل الإِصلاح أبداً.
ومن هنا يظهر: أن القرآن الشريف لا يعارض في قصصه بالتاريخ إذا خالفه، فإنه وحي إلهي منزه عن الخطأ مبرئ عن الكذب، فلا يعارضه من التاريخ ما لا مؤمن له يؤمنه من الكذب والخطأ، فأغلب القصص القرآنية (كنفس هذه القصة قصة طالوت) يخالف ما يوجد في كتب العهدين، ولا ضير فيه فإن كتب العهدين لا تزيد على التواريخ المعمولة التي قد علمت كيفية تلاعب الأيدي فيها وبها، على أن مؤلف هذه القصة وهي قصة صموئيل وشارل بلسان العهدين، غير معلوم الشخص أصلاً، وكيف كان فلا نبالي بمخالفة القرآن لما يوجد منافياً له في التواريخ وخاصة في كتب العهدين، فالقرآن هو الكلام الحق من الحق عز اسمه.
على أن القرآن ليس بكتاب تاريخ ولا انه يريد في قصصه بيان التاريخ على حد ما يرومه كتاب التاريخ، وإنما هو كلام إلهي مفرغ في قالب الوحي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ولذلك لا تراه يقص قصة بتمام أطرافها وجهات وقوعها، وإنما يأخذ من القصة نكات متفرقة يوجب الامعان والتأمل فيها حصول الغاية من عبرة أو حكمة أو موعظة أو غيرها. كما هو مشهود في هذه القصة قصة طالوت وجالوت حيث يقول تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل}، ثم يقول: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} "الخ"، ثم يقول: {وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه}، ثم يقول: {فلما فصل طالوت} "الخ"، ثم يقول: {فلما برزوا لجالوت}، ومن المعلوم أن اتصال هذه الجمل بعضها إلى بعض في تمام الكلام يحتاج إلى قصة طويلة، وقد نبهناك بمثله فيما مرّ من قصة البقرة، وهو مطرد في جميع القصص المقتصة في القرآن، لا يختص بالذكر منها إلاَّ مواضع الحاجة فيها، من عبرة وموعظة وحكمة أو سنة إلهية في الأيام الخالية والأمم الدارجة، قال تعالى:
{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [يوسف: 111]، وقال تعالى: { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم } [النساء: 26]، وقال تعالى: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } [آل عمران: 137-138]، إلى غير ذلك من الآيات.