التفاسير

< >
عرض

حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ
٩٩
لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٠٠
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ
١٠١
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٠٢
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
١٠٣
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
١٠٤
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٠٥
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ
١٠٦
رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
١٠٧
قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ
١٠٨
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٠٩
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
١١٠
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ
١١١
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
١١٢
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ
١١٣
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٤
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ
١١٦
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
١١٧
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١١٨
-المؤمنون

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات تفصّل القول في عذاب الآخرة التي أوعدهم الله بها في طي الآيات السابقة وهو من يوم الموت إلى يوم البعث ثم إلى الأبد، وتذكر أن الحياة الدنيا التي غرَّتهم وصرفتهم عن الآخرة قليلة لو كانوا يعلمون. ثم تختم السورة بأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن تسأله ما حكاه عن عباده المؤمنين الفائزين في الآخرة {ربِّ اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} وقد افتتحت السورة بأنهم مفلحون وارثون للجنة.
قوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون} "حتى" متعلق بما تقدم من وصفهم له تعالى بما هو منزَّه منه وشركهم به، والآيات المتخللة اعتراض في الكلام أي لا يزالون يشركون به ويصفونه بما هو منزَّه منه وهم مغترّون بما نمدهم به من مال وبنين حتى إذا جاء أحدهم الموت.
وقوله: {قال ربِّ ارجعون} الظاهر أن الخطاب للملائكة المتصدّين لقبض روحه و "ربِّ" استغاثة معترضة بحذف حرف النداء والمعنى قال - وهو يستغيث بربه - ارجعون.
وقيل: إن الخطاب للرب تعالى والجمع للتعظيم كقول امرأة فرعون له على ما حكاه الله: {قرَّة عين لي ولك لا تقتلوه}.
وقيل: هو من جمع الفعل ويفيد تعدد الخطاب، والمعنى ربِّ ارجعني ارجعني ارجعني كما قيل في قوله:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول وحومل

أي قف قف نبك.
وفي الوجهين أن الجمع للتعظيم إن صحَّ ثبوته في اللغة العربية فهو شاذ لا يحمل عليه كلامه تعالى، وأشذُّ منه جمع الفعل بالمعنى الذي ذكر.
قوله تعالى: {لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها} "لعلَّ" للترجّي وهو رجاء تعلقوا به بمعاينة العذاب المشرف عليهم كما ربما ذكروا الرجوع بوعد العمل الصالح كقولهم:
{ فأرجعنا نعمل صالحاً } [السجدة: 12]، وربما ذكروه بلفظ التمني كقولهم: { يا ليتنا نردَّ ولا نكذب بآيات ربنا } } [الأنعام: 27]. وقوله: {أعمل صالحاً فيما تركت} أي أعمل عملاً صالحاً فيما تركت من المال بإنفاقه في البرّ والإِحسان وكل ما فيه رضي الله سبحانه.
وقيل: المراد بما تركت الدنيا التي تركها بالموت والعمل الصالح أعم من العبادات المالية وغيرها من صلاة وصوم وحج ونحوها، وهو حسن غير أن الأول هو الأظهر.
وقوله: {كلا إنها كلمة هو قائلها} أي لا يرجع إلى الدنيا إن هذه الكمة {ارجعونِ لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت} كلمة هو قائلها أي لا أثر لها إلا أنها كلمة هو قائلها، فهو كناية عن عدم إجابة مسألته.
قوله تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} البرزخ هو الحاجز بين الشيئين كما في قوله:
{ بينهما برزخ لا يبغيان } [الرحمن: 20]، والمراد بكونه وراءهم كونه أمامهم محيطاً بهم وسميّ وراءهم بعناية أنه يطلبهم كما أن مستقبل الزمان أمام الإِنسان ويقال: وراءك يوم كذا بعناية أن الزمان يطلب الإِنسان ليمرَّ عليه وهذا معنى قول بعضهم: إن في "وراء" معنى الإِحاطة، قال تعالى: { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً } } [الكهف: 79]. والمراد بهذا البرزخ عالم القبر وهو عالم المثال الذي يعيش فيه الإِنسان بعد موته إلى قيام الساعة على ما يعطيه السياق وتدل عليه آيات أُخر وتكاثرت فيه الروايات من طرق الشيعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام وكذا من طرق أهل السنة، وقد تقدم البحث عنه في الجزء الأول من الكتاب.
وقيل: المراد بالآية أن بينهم وبين الدنيا حاجزاً يمنعهم من الرجوع إليها إلى يوم القيامة ومعلوم أن لا رجوع بعد القيامة ففيه تأكيد لعدم رجوعهم وإيآس لهم من الرجوع إليها من أصله.
وفيه أن ظاهر السياق الدلالة على استقرار الحاجز بين الدنيا وبين يوم يبعثون لا بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، ولو كان المراد أن الموت حاجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا لغى التقييد بقوله: {إلى يوم يبعثون} لا لدلالته من طريق المفهوم على رجوعهم بعد البعث إلى الدنيا ولا رجوع بعد البعث بل للغوية أصل التقييد وإن فرض أنهم كانوا يعلمون من الخارج أو من آيات سابقة أن لا رجوع بعد القيامة.
على أن قولهم: إنه تأكيد لعدم الرجوع بإيئاسهم من الرجوع مطلقاً مع قولهم بأن عدم الرجوع بعد القيامة معلوم من خارج كالمتهافتين بل يرجع المعنى إلى تأكيد نفي الرجوع مطلقاً المفهوم من "كلا" بنفي الرجوع الموقت المحدود بقوله: {إلى يوم يبعثون} فافهمه.
قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} المراد به النفخة الثانية التي تحيا فيها الأموات دون النفخة الأولى التي تموت فيها الأحياء كما قاله بعضهم لكون ما يترتب عليها من انتفاء الأنساب والتساؤل وثقل الميزان وخفته إلى غير ذلك من آثار النفخة الثانية.
وقوله: {فلا أنساب بينهم} نفي لآثار الأنساب بنفي أصلها فإن الذي يستوجب حفظ الأنساب واعتبارها هي الحوائج الدنيوية التي تدعو الإِنسان إلى الحياة الاجتماعية التي تبتني على تكون البيت، والمجتمع المنزلي يستعقب التعارف والتعاطف وأقسام التعاون والتعاضد وسائر الأسباب التي تدوم بها العيشة الدنيوية ويوم القيامة ظرف جزاء الأعمال وسقوط الأسباب التي منها الأعمال فلا موطن فيه للأسباب الدنيوية التي منها الأنساب بلوازمها وخواصها وآثارها.
وقوله: {ولا يتساءلون} ذكر لأظهر آثار الأنساب، وهو التساؤل بين المنتسبين بسؤال بعضهم عن حال بعض، للإِعانة والاستعانة في الحوائج لجلب المنافع ودفع المضارّ.
ولا ينافي الآية ما وقع في مواضع أُخر من قوله تعالى:
{ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } [الصافات: 27]، فإنه حكاية تساؤل أهل الجنة بعد دخولها وتساؤل أهل النار بعد دخولها وهذه الآية تنفي التساؤل في ظرف الحساب والقضاء.
قوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} إلى آخر الآيتين. الموازين جمع الميزان أو جمع الموزون وهو العمل الذي يوزن يومئذ، وقد تقدم الكلام في معنى الميزان وثقله وخفته في تفسير سورة الأعراف.
قوله تعالى: {تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} قال في المجمع: اللفح والنفح بمعنى إلا أن اللفح أشد تأثيراً وأعظم من النفح، وهو ضرب من السموم للوجه والنفح ضرب الريح الوجه، والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان. انتهى.
والمعنى: يصيب وجوههم لهب النار حتى تتقلص شفاههم وتنكشف عن أسنانهم كالرؤوس المشوية.
قوله تعالى: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم} الخ أي يقال لهم: ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون.
قوله تعالى: {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين} الشقوة والشقاوة والشقاء خلاف السعادة، وعادة الشيء ما يختص به من الخير، وشقاوته فقد ذلك وإن شئت فقل: ما يختص به من الشر.
وقوله: {غلبت علينا شقوتنا} أي قهرنا واستولت علينا شقوتنا، وفي إضافة الشقوة إلى أنفسهم تلويح إلى أن لهم صنعاً في شقوتهم من جهة اكتسابهم ذلك بسوء اختيارهم، والدليل عليه قولهم بعد: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} إذ هو وعد منهم بالحسنات ولو لم يكن لها ارتباط باكتسابهم الاختياري لم يكن الوعد معنى لكون حالهم بعد الخروج مساوية لما قبل الخروج.
وقد عدوا أنفسهم مغلوبة للشقوة فقد أخذوها ساذجة في ذواتها صالحة للحوق السعادة والشقاوة غير أن الشقوة غلبت فأشغلت المحل وكانت الشقوة شقوة أنفسهم أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم وسيآت أعمالهم لأنهم فرضوا أنفسهم خالية عن السعادة والشقوة لذاتها فانتساب الشقوة إلى أنفسهم وارتباطها بها إنما هي من جهة سوء اختيارهم وسيئات أعمالهم.
وبالجملة هو اعتراف منهم بتمام الحجة ولحوق الشقوة على ما يشهد به وقوع الآية بعد قوله: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم} الخ.
ثم عقَّبوا قولهم: {غلبت علينا شقوتنا} بقولهم: {وكنا قوماً ضالين} تأكيداً لاعترافهم، وإنما اعترفوا بالذنب ليتوسلوا به إلى التخلص من العذاب والرجوع إلى الدنيا لكسب السعادة فقد شاهدوا في الدنيا أن اعتراف العاصي المتمرد بذنبه وظلمه توبة منه مطهِّرة له تنجيه من تبعة الذنب وهم يعلمون أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل والتوبة والاعتراف بالذنب من الأعمال لكن ذلك من قبيل ظهور الملكات كما أنهم يكذبون يومئذ وينكرون أشياء مع ظهور الحق ومعاينته لاستقرار ملكة الكذب والإِنكار في نفوسهم، قال تعالى:
{ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم } [المجادلة: 18]. وقال: { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلَّوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً } } [غافر: 73ـ74]. قوله تعالى: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} سؤال منهم للرجوع إلى الدنيا على ما تدل عليه آيات أُخر فهو من قبيل طلب المسبِّب بطلب سببه، ومرادهم أن يعملوا صالحاً بعد ما تابوا بالاعتراف المذكور فيكونوا بذلك ممن تاب وعمل صالحاً.
قوله تعالى: {قالوا اخسئوا فيها ولا تكلّمون} قال الراغب: خسأت الكلب فخسأ أي زجرته مستهيناً به فانزجر وذلك إذا قلت له: اخسأ انتهى. ففي الكلام استعارة بالكناية، المراد زجرهم بالتباعد وقطع الكلام.
قوله تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} هؤلاء هم المؤمنون في الدنيا وكان إيمانهم توبة ورجوعاً إلى الله كما سماه الله في كلامه توبة، وكان سؤالهم شمول الرحمة - وهي الرحمة الخاصة بالمؤمنين البتة - سؤالاً منهم أن يوفقهم للسعادة فيعملوا صالحاً فيدخلوا الجنة، وقد توسلوا إليه باسمه خير الراحمين.
فكان ما قاله المؤمنون في الدنيا معناه التوبة وسؤال الفوز بالسعادة وذلك عين ما قاله هؤلاء مما معناه التوبة وسؤال الفوز بالسعادة وإنما الفرق بينهما من حيث الموقف.
قوله تعالى: {فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون} ضمائر الخطاب للكفار وضمائر الغيبة للمؤمنين، والسياق يشهد أن المراد من "ذكري" قول المؤمنين: {ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا} الخ، وهو معنى قول الكفار في النار.
وقوله: {حتى أنسوكم ذكري} أي أنسى اشتغالكم بسخرية المؤمنين والضحك منهم ذكري، ففي نسبة الإِنساء إلى المؤمنين دون سخريتهم إشارة إلى أنه لم يكن للمؤمنين عندهم شأن من الشؤون إلا أن يتخذوهم سخرياً.
قوله تعالى: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون} المراد باليوم يوم الجزاء، ومتعلق الصبر معلوم من السياق محذوف للإِيجاز أي صبروا على ذكري مع سخريتكم منهم لأجله، وقوله: {أنهم هم الفائزون} مسوق للحصر أي هم الفائزون دونكم.
وهذه الآيات الأربع {قال اخسئوا} إلى قوله {هم الفائزون} إيآس قطعي للكفار من الفوز بسبب ما تعلقوا به من الاعتراف بالذنب وسؤال الرجوع إلى الدنيا ومحصَّلها أن اقنطوا مما تطلبونه بهذا القول وهو الاعتراف والسؤال فإنه عمل إنما كان ينفع في دار العمل وهي الدنيا، وقد كان المؤمنون من عبادي يتخذونه وسيلة إلى الفوز وكنتم تسخرون وتضحكون منهم حتى تركتموه وبدَّلتموه من سخريتهم حتى إذا كان اليوم وهو يوم جزاء لا يوم عمل فازوا بجزاء ما عملوا يوم العمل وبقيتم صفر الأكف تريدون أن تتوسلوا بالعمل اليوم وهو يوم الجزاء دون العمل.
قوله تعالى: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} مما يسأل الله الناس عنه يوم القيامة مدة لبثهم في الأرض وقد ذكر في مواضع من كلامه والمراد به السؤال عن مدة لبثهم في القبور كما يدل عليه قوله تعالى:
{ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة } [الروم: 55]، وقوله: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } [الأحقاف: 35] وغيرهما من الآيات، فلا محل لقول بعضهم: إن المراد به المكث في الدنيا، واحتمال بعضهم أنه مجموع اللبث في الدنيا والبرزخ.
قوله تعالى: {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين} ظاهر السياق أن المراد باليوم هو الواحد من أيام الدنيا وقد استقلوا اللبث في الأرض حينما قايسوه بالبقاء الأبدي الذي يلوح لهم يوم القيامة ويعاينونه.
ويؤيده ما وقع في موضع آخر من تقديرهم ذلك بالساعة، وفي موضع آخر بعشية أو ضحاها.
وقوله: {فاسأل العادّين} أي نحن لا نحسن إحصاءها فاسأل الذين يعدّونه وفسر بالملائكة العادين للأيام وليس ببعيد.
قوله تعالى: {قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون} القائل هو الله سبحانه، وفي الكلام تصديق لهم في استقلالهم المكث في القبور وفيه توطئة لما يلحق به من قوله: {لو أنكم كنتم تعلمون} بما فيه من التمني.
والمعنى: قال الله: الأمر كما قلتم فما مكثتم إلا قليلاً فليتكم كنتم تعلمون في الدنيا أنكم لا تلبثون في قبوركم إلا قليلاً ثم تبعثون حتى لا تنكروا البعث ولم تبتلوا بهذا العذاب الخالد، والتمني في كلامه تعالى كالترجي راجع إلى المخاطب أو المقام.
وجعل بعضهم "لو" في الآية شرطية والجملة شرطاً محذوف الجزاء وتكلف في تصحيح الكلام بما لا يرتضيه الذوق السليم وهو بعيد عن السياق كما هو ظاهر وأبعد منه جعل "لو" وصلية مع أن "لو" الوصلية لا تجيء بغير واو العطف.
قوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} إلى قوله {رب العرش الكريم} بعد ما بين ما سيستقبلهم من أحوال الموت ثم اللبث في البرزخ ثم البعث بما فيه من الحساب والجزاء وبخهم على حسبانهم أنهم لا يبعثون فإن فيه جرأة على الله بنسبة العبث إليه ثم أشار إلى برهان العبث.
فقوله: {أفحسبتم} الخ، معناه فإذا كان الأمر على ما أخبرناكم من تحسركم عند معاينة الموت ثم اللبث في القبور ثم البعث فالحساب والجزاء فهل تظنون إنما خلقناكم عبثاً تحيون وتموتون من غير غاية باقية في خلقكم وأنكم إلينا لا ترجعون؟
وقوله: {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} إشارة إلى برهان يثبت البعث ويدفع قولهم بالنفي، في صورة التنزيه، فإنه تعالى وصف نفسه في كلمة التنزيه بالأوصاف الأربعة: أنه ملك وأنه حق وأنه لا إله إلا هو وأنه رب العرش الكريم.
فله أن يحكم بما شاء من بدء وعود وحياة وموت ورزق نافذاً حكمه ماضياً أمره لملكه، وما يصدر عنه من حكم فإنه لا يكون إلا حقاً فإنه حق ولا يصدر عن الحق بما هو حق إلا حق دون أن يكون عبثاً باطلاً ثم لما أمكن أن يتصور أن معه مصدر حكم آخر يحكم بما يبطل به حكمه وصفه بأنه لا إله - أي لا معبود - إلا هو، والإِله معبود لربوبيته فإذا لا إله غيره فهو رب العرش الكريم - عرش العالم - الذي هو مجتمع أزمة الأمور ومنه يصدر الأحكام والأوامر الجارية فيه.
فتلخص أنه هو الذي يصدر عنه كل حكم ويوجد منه كل شيء ولا يحكم إلا بحق ولا يفعل إلا حقاً فللأشياء رجوع إليه وبقاء به وإلا لكانت عبثاً باطلة ولا عبث في الخلق ولا باطل في الصنع.
والدليل على اتصافه بالأوصاف الأربعة كونه تعالى هو الله الموجود لذاته الموجد لغيره.
قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون}، المراد من دعاء إله آخر مع الله دعاؤه مع وجوده تعالى لا دعاؤه تعالى ودعاء إله آخر معاً فإن المشركين جلَّهم أو كلهم لا يدعون الله تعالى وإنما يدعون ما أثبتوه من الشركاء، ويمكن أن يكون المراد بالدعاء الإِثبات فإن إثبات إله آخر لا ينفك عن دعائه.
وقوله: {لا برهان له به} قيد توضيحي لإِله آخر إذ لا إله آخر يكون به برهان بل البرهان قائم على نفي الإِله الآخر مطلقاً.
وقوله: {فإنما حسابه عند ربه} كلمة تهديد وفيه قصر حسابه بكونه عند ربه لا يداخله أحد فيما اقتضاه حسابه من جزاء - وهو النار كما صرَّحت به الآيات السابقة - فإنه يصيبه لا محالة، ومرجعه إلى نفي الشفعاء والإِيآس من أسباب النجاة وتمَّمه بقوله: {إنه لا يفلح الكافرون}.
قوله تعالى: {وقل ربِّ اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} خاتمة السورة وقد أمر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ما حكاه عن عباده المؤمنين أنهم يقولونه في الدنيا وأن جزاء ذلك هو الفوز يوم القيامة:
{ إنه كان فريق من عبادي يقولون } [المؤمنون: 109] الخ.
وبذلك يختتم الكلام بما افتتح به في أول السورة: {قد أفلح المؤمنون} وقد تقدم الكلام في معنى الآية.
(بحث روائي)
في الكافي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: من منع قيراطاً من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قوله تعالى: {رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت}.
أقول: وروي هذا المعني بطرق أُخر غيرها عنه عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به انطباق الآية على مانع الزكاة لا نزولها فيه.
وفي تفسير القمي: قوله عز وجل: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} قال: البرزخ هو أمر بين أمرين وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة، وهو قول الصادق عليه السلام: والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ وأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم.
أقول: وروى الذيل في الكافي بإسناده عن عمر بن يزيد عنه عليه السلام.
وفيه قال على بن الحسين عليه السلام: إن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
وفي الكافي بإسناده عن أبي ولاّد الحنَّاط عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك يروون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش. فقال: لا. المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير لكن في أبدان كأبدانهم.
وفيه بإسناده عن أبي بصير قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويقولون: ربنا أقم الساعة لنا، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأولنا.
وفيه بإسناده أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة تتعارف وتتسأل فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول: دعوها فإنها قد أقبلت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم: تركته حياً ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى قد هوى.
أقول: أخبار البرزخ وتفاصيل ما يجري على المؤمنين وغيرهم فيه كثيرة متواترة، وقد مرَّ شطر منها في أبحاث متفرقة مما تقدم.
في مجمع البيان وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي"
]. أقول: كأن الرواية من طريق الجماعة، وقد رواها في الدر المنثور عن عدة من أصحاب الجوامع عن المسوَّر بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولفظها: "أن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري" ، وعن عدة منهم عن عمر بن الخطاب عنه صلى الله عليه وآله وسلم ولفظها: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" وعن ابن عساكر عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وآله وسلم ولفظها: "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري"
]. وفي المناقب في حديث طاوس عن زين العابدين عليه السلام: خلق الله الجنة لمن أطاع وأحسن ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشياً أما سمعت قول الله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون} والله لا ينفعك غداً إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح.
أقول: سياق الآية كالآبي عن التخصيص ولعل من آثار نسبه صلى الله عليه وآله وسلم أن يوفق ذريته من صالح العمل بما ينتفع به يوم القيامة.
وفي تفسير القمي وقوله عز وجل: {تلفح وجوههم النار} قال: تلهب عليهم فتحرقهم {وهم فيها كالحون} أي مفتوحي الفم متربدي الوجوه.
وفي التوحيد بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {ربنا غلبت علينا شقوتنا} قال: بأعمالهم شقوا.
وفي العلل بإسناده عن مسعدة بن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمد عليه السلام: يا أبا عبد الله إنا خلقنا للعجب. قال: وما ذلك لله أنت؟ قال: خلقنا للفناء. قال: مه يا ابن أخ خلقنا للبقاء وكيف تفنى جنة لا تبيد ونار لا تخمد؟ ولكن إنما نتحول من دار إلى دار.
وفي تفسير القمي قوله تعالى: {قال كم لبثتم} إلى قوله {فاسأل العادين} قال: سل الملائكة الذين يعدّون علينا الأيام، ويكتبون ساعاتنا وأعمالنا التي اكتسبنا فيها.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال لأهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم. قال: لنعم ما أتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي اسكنوا فيها خالدين مخلدين.
ثم يقول: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين"
]. أقول: وفي انطباق معنى الحديث على الآية بما لها من السياق وبما يشهد به الآيات النظائر خفاء، وقد تقدم البحث عن مدلول الآية مستمداً من الشواهد.