التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ
٦٩
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ
٧٠
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ
٧١
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ
٧٢
أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
٧٣
قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
٧٤
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
٧٥
أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ
٧٦
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ
٧٧
ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
٧٨
وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
٧٩
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
٨٠
وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
٨١
وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ
٨٢
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ
٨٣
وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ
٨٤
وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ
٨٥
وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ
٨٦
وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
٨٧
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ
٨٨
إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٩
وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
٩٠
وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
٩١
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ
٩٢
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ
٩٣
فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ
٩٤
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
٩٥
قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
٩٦
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٩٧
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٩٨
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ
٩٩
فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ
١٠٠
وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ
١٠١
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٠٢
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٠٣
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤
-الشعراء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تشير الآيات بعد الفراغ عن قصة موسى إلى نبأ إبراهيم عليه السلام وهو خبره الخطير إذ انتهض لتوحيد الله سبحانه بفطرته الزاكية الطاهرة من بين قومه المطبقين على عبادة الأصنام فتبرَّأ منهم ودافع عن الحق ثم كان من أمره ما قد كان ففي ذلك آية ولم يؤمن به أكثر قومه كما سيشير إلى ذلك في آخر الآيات.
قوله تعالى: {واتلُ عليهم نبأ إبراهيم} غيّر السياق عما كان عليه أول القصة {وإذ نادى ربك موسى} الخ، لمكان قوله: {عليهم} فإن المطلوب تلاوته على مشركي العرب وعمدتهم قريش وإبراهيم هذا أبوهم وقد قام لنشر التوحيد وإقامة الدين الحق ولم يكن بينهم يومئذ من يقول: لا إله إلا الله، فنصر الله ونصره حتى ثبتت كلمة التوحيد في الأرض المقدسة وفي الحجاز.
فلم يكن ذلك كله إلا عن دعوة من الفطرة وبعث من الله سبحانه ففي ذلك آية لله فليعتبروا به وليتبرّءوا من دين الوثنية كما تبرأ منه ومن أبيه وقومه المنتحلين به أبوهم إبراهيم عليه السلام.
قوله تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} مخاصمته ومناظرته عليه السلام مع أبيه غير مخاصمته مع قومه واحتجاجه عليهم كما حكاه الله تعالى في سورة الأنعام وغيرها لكن البناء ها هنا على الإِيجاز والاختصار ولذا جمع بين المحاجتين وسبكهما محاجة واحدة أورد فيها ما هو القدر المشترك بينهما.
وقوله: {ما تعبدون} سؤال عن الحقيقة بوضع نفسه موضع من لا يعرف شيئاً من حقيقتها وسائر شؤونها وهذا من طرق المناظرة سبيل من يريد أن يبين الخصم حقيقة مدّعاه وسائر شؤونه حتى يأخذه بما سمع من اعترافه.
على أن هذه المحاجة كانت من إبراهيم أول ما خرج من كهفه ودخل في مجتمع أبيه وقومه ولم يكن شهد شيئاً من ذلك قبل اليوم فحاجَّهم عن فطرة ساذجة طاهرة كما تقدم تفصيل القول فيه في تفسير سورة الأنعام.
قوله تعالى: {قالوا نعبد أصناماً فنظلّ لها عاكفين} ظلَّ بمعنى دام، والعكوف على الشيء ملازمته والإِقامة عنده، واللام في {لها} للتعليل أي ندوم عاكفين عليها لأجلها وهو تفريع على عبادة الأصنام.
والصنم جثة مأخوذة من فلزّ أو خشب أو غير ذلك على هيئة خاصة يمثل بها ما في المعبود من الصفات، وهؤلاء كانوا يعبدون الملائكة والجن وهم يرون أنها روحانيات خارجة عن عالم الأجسام منزّهة عن خواص المادة وآثارها، ولما كان من الصعب عليهم التوجه العبادي إلى هذه الروحانيات باستحضارها للإِدراك توسلوا إلى ذلك باتخاذ صور وتماثيل جسمانية تمثل بأشكالها وهيئاتها ما هناك من المعنويات.
وكذلك الحال في عبادة عبّاد الكواكب لها فإن المعبود الأصلي هناك روحانيات الكواكب ثم اتخذ أجرام الكواكب أصناماً لروحانياتها ثم لما اختلفت أحوال الكواكب بالحضور والغيبة والطلوع والغروب اتخذوا لها أصناماً تمثل ما للكواكب من القوى الفعَّالة فيما دونها من عالم العناصر كالقوة الفاعلة للطرب والسرور والنشاط في الزهرة فيصورونها في صورة فتاة، ولسفك الدماء في المريخ، وللعلم والمعرفة في عطارد وعلى هذا القياس الأمر في أصنام القدّيسين من الإِنسان.
فالأصنام إنما اتخذت ليكون الواحد منها مرآةً لرب الصنم من ملك أو جنّ أو إنسان غير أنهم يعبدون الصنم نفسه بتوجيه العبادة إليه والتقرب منه ولو تعدّوا عن الصنم إلى ربه عبدوه دون الله سبحانه.
وهذا هو الذي يكذب قول القائل منهم: إن الصنم إنما هي قبلة لم تتخذ إلا جهة للتوجه العبادي لا مقصودة بالذات كالكعبة عند المسلمين وذلك أن القبلة هي ما يستقبل في العبادة ولا يستقبل بالعبادة وهم يستقبلون الصنم في العبادة وبالعبادة، وبعبارة أخرى التوجه إلى القبلة والعبادة لرب القبلة وهو الله عزَّ اسمه وأما الصنم فالتوجه إليه والعبادة له لا لربه ولو فرض أن العبادة لربه وهو شيء من الروحانيات كانت له لا لله فالله سبحانه غير معبود في ذلك على أي حال.
وبالجملة فجوابهم عن سؤال إبراهيم: {ما تعبدون} بقولهم: {نعبد أصناماً} إبانة أن هذه الأجسام المعبودة ممثلات مقصودة لغيرها لا لنفسها، وقد أخذ إبراهيم قولهم: {نعبد} وخاصمهم به فإن استقلال الأصنام بالمعبودية لا يجامع كونها أصناماً ممثلة للغير فإذ كانت مقصودة بالعبادة فمن الواجب أن يشتمل على ما هو الغرض المقصود منها من جلب نفع أو دفع ضر بالتوجه العبادي والدعاء والمسألة والأصنام بمعزل من أن تعلم بمسأله أو تجيب مضطراً بإيصال نفع أو صرف ضر ولذلك سألهم إبراهيم بقوله: {هل يسمعونكم} الخ.
قوله تعالى: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرُّون} اعترض عليه السلام عليهم في عبادتهم الأصنام من جهتين:
إحداهما: أن العبادة تمثيل لذلة العابد وحاجته إلى المعبود فلا يخلو من دعاء من العابد للمعبود، والدعاء يتوقف على علم المعبود بذلك وسمعه ما يدعوه به، والأصنام أجسام جمادية لا سمع لها فلا معنى لعبادتها.
والثانية: أن الناس إنما يعبدون الإِله إما طمعاً في خيره ونفعه وإما اتّقاء من شرِّه وضرِّه والأصنام جمادات لا قدرة لها على إيصال نفع أو دفع ضرر.
فكل من الآيتين يتضمن جهة من جهتي الاعتراض، وقد أوردهما في صورة الاستفهام ليضطرهم على الاعتراف.
قوله تعالى: {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} كان مقتضى المقام أن يجيبوا عن سؤاله عليه السلام بالنفي لكنه لما كان ينتج خلاف ما هم عليه من الانتحال بالوثنية أضربوا عنه إلى التشبث بذيل التقليد فذكروا أنهم لا مستند لهم في عبادتها إلا تقليد الآباء محضاً.
وقوله: {وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} أي ففعلنا كما كانوا يفعلون وعبدناهم كما كانوا يعبدون، ولم يعدل عن قوله: {كذلك يفعلون} إلى مثل قولنا: يعبدونها ليكون أصرح في التقليد كأنهم لا يفهمون من هذه العبادات إلا أنها أفعال كأفعال آبائهم من غير أن يفقهوا منها شيئاً أزيد من أشكالها وصورها.
قوله تعالى: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} لما انتهت محاجته مع أبيه وقومه إلى أن لا حجة لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آباءهم محضاً تبرأ عليه السلام من آلهتهم ومن أنفسهم وآبائهم بقوله: {أفرأيتم} الخ.
فقوله: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون} تفريع على ما ظهر مما تقدم من عدم الدليل على عبادة الأصنام إلا التقليد بل بطلانها من أصلها أي فإذا كانت باطلة لا حجة لكم عليها إلا تقليد آبائكم فهذه الأصنام التي رأيتموها أي هذه بأعيانها التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنها عدو لي لأن عبادتها ضارة لديني مهلكة لنفسي فليست إلا عدواً لي.
وذكر آبائهم الأقدمين للدلالة على أنه لا يأخذ بالتقليد كما أخذوا وأن لا وقع عنده عليه السلام لتقدم العهد، ولا أثر عليه السلام للسبق الزماني في إبطال حق أو إحقاق باطل، وإرجاع ضمير أُولي العقل إلى الأصنام لمكان نسبة العبادة إليها وهي تستلزم الشعور والعقل، وهو كثير الوقوع في القرآن.
وقوله: {إلا رب العالمين} استثناء منقطع من قوله: {فإنهم عدو لي} أي لكن رب العالمين ليس كذلك.
قوله تعالى: {الذي خلقني فهو يهدين} إلى قوله {يوم الدين} لما استثنى رب العالمين جل اسمه وصفه بأوصاف تتم بها الحجة على أنه تعالى ليس عدواً له بل رب رحيم ذو عناية بحاله منعم عليه بكل خير دافع عنه كل شر فقال: {الذي خلقني} الخ، وأما قول القائل: إن قوله: {الذي خلقني} الخ استيناف من الكلام لا يعبأ به.
فقوله: {الذي خلقني فهو يهدين} بدأ بالخلق لأن المطلوب بيان استناد تدبير أمره إليه تعالى بطريق إعطاء الحكم بالدليل، والبرهان على قيام التدبير به تعالى قيام الخلق والإِيجاد به لوضوح أن الخلق والتدبير لا ينفكان في هذه الموجودات الجسمانية التدريجية الوجود التي تستكمل الوجود على التدريج فليس من المعقول أن يقوم الخلق بشيء والتدبير بشيء وإذ كان الخلق والإِيجاد لله سبحانه فالتدبير له أيضاً.
ولهذا عطف الهداية على الخلق بفاء التفريع فدل على أنه تعالى هو الهادي لأنه هو الخالق.
وظاهر قوله: {فهو يهدين} - وهو مطلق - أن المراد به مطلق الهداية إلى المنافع دنيوية كانت أو أُخرويه والتعبير بلفظ المضارع لإِفادة الاستمرار فالمعنى أنه الذي خلقني ولا يزال يهديني إلى ما فيه سعادة حياتي منذ خلقني ولن يزال كذلك. فيكون الآية في معنى ما حكاه الله عن موسى إذ قال لفرعون:
{ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، أي هداه إلى منافعه وهي الهداية العامة.
وهذا هو الذي أُشير إليه في أول السورة بقوله: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية} وقد مر تقرير الحجة فيه.
وعلى هذا فما سيأتي في قوله: {والذي هو يطعمني} الخ من الصفات المعدودة من قبيل ذكر الخاص بعد العام فإنها جميعاً من مصاديق الهداية العامة بعضها هداية إلى منافع دنيوية وبعضها هداية إلى ما يرجع إلى الآخرة.
ولو كان المراد بالهداية الهداية الخاصة الدينية فالصفات المعدودة على رسلها وذكر الهداية بعد الخلقه، وتقديمها على سائر النعم والمواهب لكونها أفضل النعم بعد الوجود.
وقوله: {والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين} هو كالكناية عن جملة النعم المادية التي يرزقه الله إياها لتتميم النواقص ورفع الحوائج الدنيوية، وقد خصّ بالذكر منها ما هو أهمها وهو الإِطعام والسقي والشفاء إذا مرض.
ومن هنا يظهر أن قوله: {وإذا مرضت} توطئة وتمهيد لذكر الشفاء، فالكلام في معنى يطعمني ويسقيني ويشفين، ولذا نسب المرض إلى نفسه لئلا يختل المراد بذكر ما هو سلب النعمة بين النعم، وأما قول القائل: إنه إنما نسب المرض إلى نفسه مع كونه من الله للتأدب فليس بذاك.
وإنما أعاد الموصول فقال: {الذي هو يطعمني} الخ، ولم يعطف الصفات على ما في قوله: {الذي خلقني فهو يهدين} للدلالة على أن كلا من الصفات المذكورة في هذه الجمل المترتبة كان في إثبات كونه تعالى هو الرب المدبّر لأمره والقائم على نفسه المجيب لدعوته.
وقوله: {والذي يميتني ثم يحيين} يريد الموت المقضي لكل نفس المدلول عليه بقوله:
{ كل نفس ذائقة الموت } [الأنبياء: 35]، وليس بانعدام وفناء بل انتقال من دار إلى دار من جملة التدبير العام الجاري، والمراد بالإِحياء إفاضة الحياة بعد الموت.
وقوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة، ولم يقطع بالمغفرة كما قطع في الأمور المذكورة قبلها لأن المغفرة ليست بالاستحقاق بل هي فضل من الله فليس يستحق أحد على الله سبحانه شيئاً لكنه سبحانه قضى على نفسه الهداية والرزق والإِماتة والإِحياء لكل ذي نفس ولم يقضِ المغفرة لكل ذي خطيئة فقال:
{ فورب السماء والأرض إنه لحق } [الذاريات: 23]، وقال: { كل نفس ذائقة الموت } [آل عمران: 185، الأنبياء: 35، العنكبوت: 57]، وقال: { إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً } [يونس: 4]، وقال في المغفرة: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } } [النساء: 116]. ونسبة الخطيئة إلى نفسه وهو صلى الله عليه وآله وسلم نبي معصوم من المعصية دليل على أن المراد بالخطيئة غير المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي فإن للخطيئة والذنب مراتب تتقدر حسب حال العبد في عبوديته كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {واستغفر لذنبك}.
فالخطيئة من مثل إبراهيم عليه السلام اشتغاله عن ذكر الله محضاً بما تقتضيه ضروريات الحياة كالنوم والأكل والشرب ونحوها وإن كانت بنظر آخر طاعة منه عليه السلام كيف؟ وقد نص تعالى على كونه عليه السلام مخلصاً لله لا يشاركه تعالى فيه شيء إذ قال:
{ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } [ص: 46]، وقد قدمنا كلاماً له تعلق بهذا المقام في آخر الجزء السادس وفي قصص إبراهيم في الجزء السابع من الكتاب.
قوله تعالى: {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} لما ذكر عليه السلام نعم ربه المستمرة المتوالية المتراكمة عليه منذ خلق إلى ما لا نهاية له من أمد البقاء وصور بذلك شمول اللطف والحنان الإِلهي أخذته جاذبة الرحمة الملتئمة بالفقر العبودي فدعته إلى إظهار الحاجة وبثّ المسأله فالتفت من الغيبة إلى الخطاب فسأل ما سأل.
فقوله: {ربِّ} أضاف الرب إلى نفسه بعد ما كان يصفه بما أنه رب العالمين إثارة للرحمة الإِلهية وتهييجاً للعناية الربانية لاستجابة دعائه ومسألته.
وقوله: {هب لي حكماً} يريد بالحكم ما تقدم في قول موسى عليه السلام:
{ فوهب لي ربي حكماً } [الشعراء: 21] وهو - كما تقدم - إصابة النظر والرأي في المعارف الاعتقادية والعملية الكلية وتطبيق العمل عليها كما يشير إليه قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } [الأنبياء: 25]، وهو وحي المعارف الاعتقادية والعملية التي يجمعها التوحيد والتقوى، وقوله تعالى: { وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } [الأنبياء: 73]، وهو وحي التسديد والهداية إلى الصلاح في مقام العمل، وتنكير الحكم لتفخيم أمره.
وقوله: {وألحقني بالصالحين} الصلاح - على ما ذكره الراغب - يقابل الفساد الذي هو تغير الشيء عن مقتضى طبعه الأصلي فصلاحه كونه على مقتضى الطبع الأصلي فيترتب عليه من الخير والنفع ما من شأنه أن يترتب عليه من غير أن يفسد فيحرم من آثاره الحسنة.
وإذ كان {الصالحين} غير مقيد بالعمل ونحوه فالمراد به الصالحون ذاتاً لا عملاً فحسب وإن كان صلاح الذات لا ينفك عنه صلاح العمل، قال تعالى:
{ البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } } [الأعراف: 58]. فصلاح الذات كونها تامة الاستعداد لقبول الرحمة الإِلهية وإفاضة كل خير وسعادة من شأنها أن تتلبس به من غير أن يقارنها ما يفسدها من اعتقاد باطل أو عمل سيىء وبذلك يتبين أن الصلاح الذاتي من لوازم موهبة الحكم بالمعنى الذي تقدم وإن كان الحكم أخص مورداً من الصلاح وهو ظاهر.
فمسألته الإِلحاق بالصالحين من لوازم مسألة موهبة الحكم وفروعها المترتبة عليها فيعود معنى قوله: {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} إلى مثل قولنا: رب هب لي حكماً وتمّم أثره فيَّ وهو الصلاح الذاتي.
وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:
{ وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [النحل: 122] في الجزء الأول من الكتاب كلام له تعلّق بهذا المقام.
قوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} إضافة اللسان إلى الصدق لامية تفيد اختصاصة بالصدق بحيث لا يتكلم إلا به، وظاهر جعل هذا اللسان له أن يكون مختصاً به كلسانه لا يتكلم إلا بما في ضميره مما يتكلم هو به فيؤول المعنى إلى مسألة أن يبعث الله في الآخرين من يقوم بدعوته ويدعو الناس إلى ملَّته وهي دين التوحيد.
فتكون الآية في معنى قوله في سورة الصافات بعد ذكر إبراهيم عليه السلام:
{ وتركنا عليه في الآخرين } [الصافات: 108]، وقد ذكر هذه الجملة بعد ذكر عدة من الأنبياء غيره كنوح وموسى وهارون وإلياس، وكذا قال تعالى في سورة مريم بعد ذكر زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وموسى وهارون: { وجعلنا لهم لسان صدق عليّاً } [مريم: 50] فالمراد على أي حال إبقاء دعوتهم بعدهم ببعث رسل أمثالهم.
وقيل: المراد به بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد روي عنه أنه قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، ويؤيده تسمية دينه في مواضع من القرآن ملّة إبراهيم، ويرجع معنى الآية حينئذٍ إلى معنى قوله حكاية عن إبراهيم وإسماعيل حين بناء الكعبة:
{ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أُمة مسلمة لك } [البقرة: 128] إلى أن قال { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم } } [البقرة: 129]. وقيل: المراد به أن يجعل الله له ذكراً جميلاً وثناء حسناً بعده إلى يوم القيامة وقد استجاب الله دعاءه فأهل الأديان يثنون عليه ويذكرونه بالجميل.
وفي صدق لسان الصدق على الذكر الجميل خفاء، وكذا كون هذا الدعاء والمحكي في سورة البقرة دعاء واحداً لا يخلو من خفاء.
قوله تعالى: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} تقدم معنى وراثة الجنة في تفسير قوله تعالى:
{ أُولئك هم الوارثون } } [المؤمنون: 10]. قوله تعالى: {واغفر لأبي إِنه كان من الضالِّين} استغفار لأبيه حسب ما وعده في قوله: { سلام عليك سأستغفر لك ربي } [مريم: 47]، وليس ببعيد أن يستفاد من قوله تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرَّأ منه } [التوبة: 114]، أنه دعا لأبيه بهذا الدعاء وهو حيّ بعد، وعلى هذا فمعنى قوله: {إنه كان من الضالِّين} أنه كان قبل الدعاء بزمان من أهل الضلال.
قوله تعالى: {ولا تُخزِني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} الخزي عدم النصر ممن يؤمّل منه النصر والضمير في {يبعثون} للناس ولا يضرُّه عدم سبق الذكر لكونه معلوماً من خارج.
ويعلم من سؤاله عدم الإِخزاء يوم القيامة أن الإِنسان في حاجة إلى النصر الإِلهي يومئذٍ فهذه البنية الضعيفة لا تقوم دون الأهوال التي تواجهها يوم القيامة إلا بنصر وتأييد منه تعالى.
وقوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون} الظرف بدل من قوله: {يوم يبعثون} وبه يندفع قول من قال: إن قول إبراهيم قد انقطع في {يبعثون} والآية إلى تمام خمسة عشر آية من كلام الله تعالى.
والآية تنفي نفع المال والبنين يوم القيامة وذلك أن رابطة المال والبنين التي هي المناط في التناصر والتعاضد في الدنيا هي رابطة وهمية اجتماعية لا تؤثر أثراً في الخارج من ظرف الاجتماع المدني ويوم القيامة يوم انكشاف الحقائق وتقطّع الأسباب فلا ينفع فيه مال بماليته ولا بنون بنسبة بنوّتهم وقرابتهم، قال تعالى:
{ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم } [الأنعام: 94]، وقال: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } } [المؤمنون: 101]. فالمراد بنفي نفع المال والبنين يوم القيامة سببيتهما الوضعية الاعتبارية في المجتمع الإِنساني في الدنيا فإن المال نعم السبب والوسيلة في المجتمع للظفر بالمقاصد الحيوية، وكذا البنون نعمت الوسيلة للقوة والعزة والغلبة والشوكة، فالمال والبنون عمدة ما يركن إليهما ويتعلق بهما الإِنسان في الحياة الدنيا فنفي نفعهما يوم القيامة كالكناية عن نفي نفع كل سبب وضعي اعتباري في المجتمع الإِنساني يتوسل به إلى جلب المنافع المادية كالعلم والصنعة والجمال وغيرها.
وبعبارة أُخرى نفي نفعهما في معنى الإِخبار عن بطلان الاجتماع المدني بما يعمل فيه من الأسباب الوضعية الاعتبارية كما يشير إليه قوله تعالى: {ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون}.
وقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} قال الراغب: السلم والسلامة التعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة. انتهى. والسياق يعطي أنه عليه السلام في مقام ذكر معنى جامع يتميز به اليوم من غيره وقد سأل ربه أولاً أن ينصره ولا يخزيه يوم لا ينفعه ما كان ينفعه في الدنيا من المال والبنين، ومقتضى هذه التوطئة أن يكون المطلوب بقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} بيان ما هو النافع يومئذ وقد ذكر فيه الإِتيان بالقلب السليم.
فالاستثناء منقطع، والمعنى: لكن من أتى الله بقلب سليم فإنه ينتفع به، والمحصل أن مدار السعادة يومئذٍ على سلامة القلب سواء كان صاحبه ذا مال وبنين في الدنيا أو لم يكن. وقيل: الاستثناء متصل والمستثنى منه مفعول ينفع المحذوف والتقدير يوم لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا من أتى الله بقلب سليم.
وقيل: الاستثناء متصل والكلام بتقدير مضاف، والتقدير لا ينفع مال ولا بنون إلا مال وبنوه من أتى "الخ".
وقيل: المال والبنون في معنى الغنى والاستثناء منه بحذف مضاف من نوعه والتقدير يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، وسلامة القلب من الغنى فالاستثناء متصل ادّعاء لا حقيقة.
وقيل: الاستثناء منقطع وهناك مضاف محذوف، والتقدير لا ينفع مال ولا بنون إلا حال من أتى "الخ".
والأقوال الثلاثة الأول توجب اختصاص تميُّز اليوم بمن له مال وبنون فقط فإن للكلام عليها في معنى قولنا: يوم لا ينفع المال والبنون أصحابهما إلا ذا القلب السليم منهم وأما من لا مال له ولا ولد فمسكوت عنه والسياق لا يساعده، وأما القول الرابع فمبني على تقدير لا حاجة إليه.
والآية قريبة المعنى من قوله تعالى:
{ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً } [الكهف: 46]، غير أنها تسند النفع إلى القلب السليم وهو النفس السالمة من وصمه الظلم وهو الشرك والمعصية كما قال تعالى في وصف اليوم: { وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً } } [طه: 111]. قال بعضهم: وفي الآيتين تأييد لكون استغفاره عليه السلام لأبيه طلباً لهدايته إلى الإِيمان لاستحالة طلب مغفرته بعد موته كافراً مع علمه بعدم نفعه لأنه من باب الشفاعة. انتهى.
وهذا على تقدير أخذ الاستثناء متصلاً كما ذهب إليه هذا القائل مبني على كون إبراهيم عليه السلام ابن آزر لصلبه وقد تقدم في قصته عليه السلام من سورة الأنعام فساد القول به وأن الآيات ناصة على خلافه.
وأما إذا أُخذ الاستثناء منقطعاً فقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} بضميمة قوله تعالى:
{ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [الأنبياء: 28]. دليل على كون الاستغفار قبل موته كما لا يخفى.
قوله تعالى: {وأُزلفت الجنة للمتقين وبرِّزت الجحيم للغاوين} الازلاف التقريب والتبريز الاظهار، وفي المقابلة بين المتقين والغاوين واختيار هذين الوصفين لهاتين الطائفتين إشارة إلى ما قضى به الله سبحانه يوم رجم إبليس عند إبائه أن يسجد لآدم كما ذكر في سورة الحجر
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين } [الحجر: 42ـ43] إلى أن قال { إِنَّ المتقين في جنات وعيون } } [الحجر: 45]. قوله تعالى: {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} أي هل يدفعون الشقاء والعذاب عنكم أو عن أنفسهم، والمحصل أنه يتببن لهم أنهم ضلوا في عبادتهم غير الله.
قوله تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} يقال: كبه فانكب أي ألقاه على وجهه وكبكبه أي ألقاه على وجهه مرة بعد اخرى فهو يفيد تكرار الكب كدب ودبدب وذب وذبذب وزل وزلزل ودك ودكدك.
وضمير الجمع في قوله: {فكبكبوا فيها هم} للأصنام كما يدل عليه قوله:
{ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } [الأنبياء: 98] وهؤلاء إحدى الطوائف الثلاث التي تذكر الآية أنها تكبكب في جهنم يوم القيامة، والطائفة الثانية الغاوون المقضي عليهم ذلك كما في آية الحجر المنقولة آنفاً، والطائفة الثالثة جنود إبليس وهم قرناء الشياطين الذين يذكر القرآن أنهم لا يفارقون أهل الغواية حتى يدخلوا النار، قال تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين } [الزخرف: 36] إلى أن قال { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } } [الزخرف: 39]. قوله تعالى: {قالوا وهم فيها يختصمون} إلى قوله {إلا المجرمون} الظاهر أن القائلين هم الغاوون، والاختصام واقع بينهم يخاصمون أنفسهم والشياطين على ما ذكره الله سبحانه في مواضع من كلامه.
وقوله: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} اعتراف منهم بالضلال، والخطاب في قوله: {إذ نسويكم برب العالمين} للآلهة من الأصنام وهم معهم في النار، أو لهم وللشياطين أو لهما وللمتبوعين والرؤساء من الغاوين وخير الوجوه أولها.
وقوله: {وما أضلنا إلاَّ المجرمون} الظاهر أن كلا من القائلين يريد بالمجرمين غيره من إمام ضلال اقتدى به في الدنيا وداع دعاه إلى الشرك فاتبعه وآباء مشركين قلدهم فيه وخليل تشبه به، والمجرمون على ما يستفاد من آيات القيامة هم الذين ثبت فيهم الإِجرام وقضي عليهم بدخول النار قال تعالى:
{ وامتازوا اليوم أيها المجرمون } } [يس: 59]. قوله تعالى: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الحميم على ما ذكره الراغب القريب المشفق.
وهذا الكلام تحسّر منهم على حرمانهم من شفاعه الشافعين وإغاثة الأصدقاء وفي التعبير بقوله: {فما لنا من شافعين} إشارة إلى وجود شافعين هناك يشفعون بعض المذنبين، ولولا ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: فما لنا من شافع إذ لا نكتة تقتضي الجمع، وقد روي أنهم يقولون ذلك لما يرون الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون.
قوله تعالى: {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} تمن منهم أن يرجعوا إلى الدنيا فيكونوا من المؤمنين حتى ينالوا ما ناله المؤمنون من السعادة.
قوله تعالى: {إن في ذلك لآية} إلى آخر الآيتين أي في قصة إبراهيم عليه السلام ولزومه عن فطرته الساذجة دين التوحيد وتوجيه وجهه نحو رب العالمين وتبرِّيه من الأصنام واحتجاجه على الوثنيين وعبد الأصنام آية لمن تدبَّر فيها على أن في سائر قصصه من محنه وابتلا آته التي لم تذكر ها هنا كإلقائه في النار ونزول الضيف من الملائكة عليه وقصة إسكانه إسماعيل وأُمه بوادي مكة وبناء الكعبة وذبح إسماعيل آيات لأولي الألباب.
وقوله: {وما كان أكثرهم مؤمنين} أي وما كان أكثر قوم إبراهيم مؤمنين والباقي ظاهر مما تقدم. (بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} قال: هو أمير المؤمنين عليه السلام.
أقول: يحتمل التفسير والجري.
وفي الكافي بإسناده عن يحيى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ولسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خير من المال يأكله ويورثه. الحديث.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {واغفر لأبي} أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"ليجيئن رجل يوم القيامة من المؤمنين آخذاً بيد أب له مشرك حتى يقطعه النار ويرجو أن يدخله الجنة فيناديه منادٍ إنه لا يدخل الجنة مشرك، فيقول: ربي أبي ووعدت أن لا تخزيني.
قال: فما يزال متشبثاً به حتى يحوّله الله في صورة سيئة وريح منتنة في صورة ضبعان فإذا رآه كذلك تبرّأ منه وقال: لست بأبي"
. قال: فكنا نرى أنه يعني إبراهيم وما سمَّي به يومئذ.
وفيه أخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة يقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك.
فيقول إبراهيم: رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرَّمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار"
]. أقول: الخبران من أخبار بنوّة إبراهيم لآزر لصلبه وقد مرّ في قصص إبراهيم من سورة الأنعام أنها مخالفة للكتاب وكلامه تعالى نص في خلافه.
وفي الكافي بإسناده عن سُفيان بن عيينة قال: سألته عن قول الله عز وجل: {إلا من أتى الله بقلب سليم} قال: السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه.
قال: وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم إلى الآخرة.
وفي المجمع وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: هو القلب الذي سلم من حبّ الدنيا. ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"حب الدنيا رأس كل خطيئة"
]. وفي الكافي بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام في حديث {وجنود إبليس أجمعون} جنود إبليس ذرّيته من الشياطين.
قال: وفقولهم: {وما أضلّنا إلا المجرمون} إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل فيهم إذ جمعهم إلى النار: {قالت أُخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار} وقوله: {كلما دخلت أُمة لعنت أختها حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً} برئ بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضاً يريد بعضهم أن يحج بعضاً رجاء الفلج فيفلتوا جميعاً من عظيم ما نزل بهم وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولا حين نجاة.
وفي الكافي أيضاً بسندين عن أبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره.
أقول: وروى هذا المعنى القمي في تفسيره والبرقي في المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام، والظاهر أن الرواية كانت واردة في ذيل قوله تعالى: {والشعراء يتّبعهم الغاوون} لما بعده من قوله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} وقد وقع الخطأ في إيرادها في ذيل قوله: {فكبكبوا فيها} الخ، وهو ظاهر للمتأمل.
وفي المجمع وفي الخبر المأثور عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي؟ وصديقه في الجحيم. فيقول الله: أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم}"
]. وروى بالإِسناد عن حمران بن أعين عن أبي عبد لله عليه السلام قال: والله لنشفعنّ لشيعتنا ثلاث مرات حتى يقول الناس: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} إلى قوله {فنكون من المؤمنين} وفي رواية اخرى حتى يقول عدوّنا.
وفي تفسير القمي {فلو أن لنا كرّة فنكون من المؤمنين} قال: من المهتدين قال: لأن الإِيمان قد لزمهم بالإِقرار.
أقول: مراده أنهم يؤمنون يومئذ إيمان إيقان لكنهم يرون أن الإِيمان يومئذ لا ينفعهم بل الإِيمان النافع هو الإِيمان في الدنيا فيتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليكون ما عندهم من الإِيمان من إيمان المهتدين وهم المؤمنون حقاً المهتدون بإيمانهم يوم القيامة وهذا معنى لطيف، واليه يشير قوله تعالى:
{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون } [السجدة: 12]، فلم يقولوا فارجعنا نؤمن ونعمل صالحاً بل قالوا فارجعنا نعمل صالحاً فافهم ذلك.