التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨٥
وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ
٨٦
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٨٧
وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٨
-القصص

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات خاتمة السورة وفيها وعد جميل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله سبحانه سيمن عليه برفع قدره ونفوذ كلمته وتقدم دينه وانبساط الأمن والسلام عليه وعلى المؤمنين به كما فعل ذلك بموسى وبني إسرائيل، وقد كانت قصة موسى وبني إسرائيل مسوقة في السورة لبيان ذلك.
قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد} إلى آخر الآية الفرض - على ما ذكره - بمعنى الإِيجاب فمعنى {فرض عليك القرآن} أي أوجب عليك العمل به أي بما فيه من الأحكام ففيه مجاز في النسبة.
وأحسن منه قول بعضهم: إن المعنى أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به وذلك لكونه أوفق لقوله: {لرادّك إلى معاد} بما سيجيء من معناه.
وقوله: {لرادّك إلى معاد} المعاد اسم مكان أو زمان من العود وقد اختلفت كلماتهم في تفسير هذا المعاد فقيل: هو مكة فالآية وعد له أن الله سيرده بعد هجرته إلى مكة ثانياً، وقيل: هو الموت، وقيل: هو القيامة، وقيل: هو المحشر، وقيل هو المقام المحمود وهو موقف الشفاعة الكبرى، وقيل: هو الجنة، وقيل: هو بيت المقدس، وهو في الحقيقة وعد بمعراج ثان يعود فيه إلى بيت المقدس بعد ما كان دخله في المعراج الأول: وقيل: هو الأمر المحبوب فيقبل الانطباق على جل الأقوال السابقة أو كلها.
والذي يعطيه التدبر في سياق آيات السورة هو أن تكون الآية تصريحاً بما كانت القصة المسرودة في أول السورة تلوح إليه ثم الآيات التالية لها تؤيده.
فإنه تعالى أورد قصة بني إسرائيل وموسى عليه السلام في أول السورة ففصّل القول في أنه كيف منَّ عليهم بالأمن والسلام والعزة والتمكن بعد ما كانوا أذلاء مستضعفين بأيدي آل فرعون يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وقد كانت القصة تدل بالالتزام - ومطلع السورة يؤيده - على وعد جميل للمؤمنين أن الله سبحانه سينجيهم مما هم عليه من الفتنة والشدة والعسرة ويظهر دينهم على الدين كله ويمكنهم في الأرض بعد ما كانوا لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم.
ثم ذكر بعد الفراغ من القصة أن من الواجب في الحكمة أن ينزل كتاباً يهدي الناس إلى الحق تذكرة وإتماماً للحجة ليتقوا بذلك من عذاب الله كما نزله على موسى بعد ما أهلك القرون الأولى وكما نزَّل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كذبوا به عناداً للحق وإيثاراً للدنيا على الآخرة.
وهذا السياق يرجي السامع أنه تعالى سيتعرض صريحاً لما أشار إليه في سرد القصة تلويحاً فإذا سمع قوله: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد} لم يلبث دون أن يفهم أنه هو الوعد الجميل الذي كان يترقبه وخاصة مع الابتداء بقوله: {إن الذي فرض عليك القرآن} وقد قدم تنظير التوراة بالقرآن وقد كان ما قصه في إنجاء بني إسرائيل مقدمة لنزول التوراة حتى يكونوا بالأخذ بها والعمل بها أئمة ويكونوا هم الوارثين.
فمعنى الآية: أن الذي فرض عليك القرآن لتقرأه على الناس وتبلغه وتعملوا به سيردك ويصيرك إلى محل تكون هذه الصيرورة منك إليه عوداً ويكون هو معاداً لك كما فرض التوراة على موسى ورفع به قدره وقدر قومه، ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان بمكة على ما فيها من الشدة والفتنة ثم هاجر منها ثم عاد إليها فاتحاً مظفراً وثبتت قواعد دينه واستحكمت أركان ملته وكسرت الأصنام وانهدم بنيان الشرك والمؤمنون هم الوارثون للأرض بعد ما كانوا أذلاء معذبين.
وفي تنكير قوله: {معاد} إشارة إلى عظمة قدر هذا العود وأنه لا يقاس إلى ما قبله من القطون بها والتاريخ يصدقه.
وقوله: {قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} يؤيد ما قدمنا من المعنى فإنه يحاذي قول موسى عليه السلام - لما كذبوه ورموا آياته البينات بأنها سحر مفترى -: {ربي أعلم بمن جاء بالهدى ومن تكون له عاقبة الدار} فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للفراعنة من مشركي قومه لما كذبوه ورموه بالسحر ما قاله موسى لآل فرعون لما كذبوه ورموه بالسحر للتشابه التام بين مبعثيهما وسير دعوتهما كما يظهر من القصة ويظهر ذلك تمام الظهور بالتأمل في قوله تعالى:
{ إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً } } [المزمل: 15]. ولعل الاكتفاء بالشطر الأول من قول موسى عليه السلام والسكوت عن الشطر الثاني أعني قوله: {ومن تكون له عاقبة الدار} لبناء الكلام بحسب سياقه على أن لا يتعدى حد الإِشارة والإِيماء كما يستشم من سياق قوله: {لرادّك إلى معاد} أيضاً حيث خص الخطاب بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونكر معاداً.
وكيف كان فالمراد بقوله: {من جاء بالهدى} النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه وبقوله: {ومن هو في ضلال مبين} المشركون من قومه، واختلاف سياق الجملتين - حيث قيل في جانبه صلى الله عليه وآله وسلم: {من جاء بالهدى} وفي جانبهم: {من هو في ضلال مبين} فقوبل بين ضلالهم وبين مجيئه بالهدى لا بين ضلالهم واهتدائه - لكون تكذيبهم متوجهاً بالطبع إلى ما جاء به لا إلى نفسه.
وقد ذكروا في قوله: {أعلم من جاء بالهدى} أن {من} منصوب بفعل مقدر يدل عليه {أعلم} والتقدير يعلم من جاء به بناء على ما هو المشهور أن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به، وذكر بعضهم أنه منصوب بأعلم وهو بمعنى عالم ولا دليل عليه، وما أذكر قائلاً بأنه منصوب بنزع الخافض وإن لم يظهر فيه النصب لبنائه والتقدير ربي أعلم بمن جاء بالهدى، ولا دليل على منعه.
قوله تعالى: {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيراً للكافرين} صدر الآية تقرير للوعد الذي في قوله: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد} أي إنه سيردك إلى معاد - وما كنت ترجوه كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه -.
وقيل: تذكرة استينافية لنعمته تعالى عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهذا وجه وجيه وتقريره أنه تعالى لما وعده بالرد إلى معاد وفيه ارتفاع ذكره وتقدم دعوته وانبساط دينه خط له السبيل التي يجب عليه سلوكها بجهد ومراقبة فبيّن له أن إلقاء الكتاب إليه لم يكن على نهج الحوادث العادية التي من شأنها أن ترتجى وتترقب بل كانت رحمة خاصة من ربه وقد وعده في فرضه عليه ما وعده فمن الواجب عليه قبال هذه النعمة وفي تقدم دعوته وبلوغها الغاية التي وعدها أن لا ينصر الكافرين ولا يطيعهم ويدعو إلى ربه ولا يكون من المشركين ولا يدعو معه إلهاً آخر.
وقوله: {إلا رحمة من ربك} استثناء منقطع أي لكنه أُلقي إليك رحمة من ربك وليس بإلقاء عادي يرجى مثله.
وقوله: {فلا تكونن ظهيراً للكافرين} تفريع على قوله: {إلا رحمة من ربك} أي فإذا كان إلقاؤه إليك رحمة من ربك خصّك بها وهو فوق رجائك فتبرأ من الكافرين ولا تكن معيناً وناصراً لهم.
ومن المحتمل قريباً أن يكون في الجملة نوع محاذاة لقول موسى عليه السلام - لما قتل القبطي: {ربّ بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين} وعلى هذا يكون في النهي عن إعانتهم إشارة إلى أن إلقاء الكتاب إليه صلى الله عليه وآله وسلم نعمة أنعمها الله عليه يهدي به إلى الحق ويدعو إلى التوحيد فعليه أن لا يعين الكافرين على كفرهم ولا يميل إلى صدهم إياه عن آيات الله بعد نزولها عليه كما عاهد موسى عليه السلام ربه بما أنعم عليه من الحكم والعلم أن لا يكون ظهيراً للمجرمين أبداً، وسيأتى أن قوله: {ولا يصدنّك} الخ، بمنزلة الشارح لهذه الجملة.
قوله تعالى: {ولا يصدنّك عن آيات الله بعد إذ أُنزلت إليك} إلى آخر الآية، نهي له صلى الله عليه وآله وسلم على الانصراف عن آيات الله بلسان نهي الكفار عن الصد والصرف ووجهه كون انصرافه مسبباً لصدهم وهو كقوله لآدم وزوجه: {فلا يخرجنّكما من الجنة} أي لا تخرجا منها بإخراجه لكما بالوسوسة.
والظاهر أن الآية وما بعدها في مقام الشرح لقوله: {فلا تكونن ظهيراً للكافرين} وفائدته تأكيد النهي بعدّ موارده واحداً بعد واحد فنهاه أولاً عن الانصراف عن القرآن النازل عليه برميهم كتاب الله بأنه سحر أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين اكتتبها، وأمره ثانياً أن يدعو إلى ربه، ونهاه ثالثاً أن يكون من المشركين وفسّره بأن يدعو مع الله إلهاً آخر.
وقد كرَّر صفة الرب مضافاً إليه صلى الله عليه وآله وسلم للدلالة على اختصاصه بالرحمة والنعمة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم متفرّد في عبادته لا يشاركه المشركون فيها.
قوله تعالى: {ولا تدع مع الله إلهاً آخر} قد تقدم أنه كالتفسير لقوله: {ولا تكونن من المشركين}.
قوله تعالى: {لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} كلمة الإِخلاص في مقام التعليل لقوله قبله: {ولا تدع مع الله إلهاً آخر} أي لأنه لا إله غيره وما بعدها في مقام التعليل بالنسبة إليها كما سيتضح.
وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} الشيء مساوٍ للموجود ويطلق على كل أمر موجود حتى عليه تعالى كما يدل عليه قوله:
{ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } [الأنعام: 19]، والهلاك البطلان والانعدام.
والوجه والجهة واحد كالوعد والعدة، ووجه الشيء في العرف العام ما يستقبل به غيره ويرتبط به إليه كما أن وجه الجسم السطح الظاهر منه ووجه الإِنسان النصف المقدم من رأسه ووجهه تعالى ما يستقبل به غيره من خلقه ويتوجه إليه خلقه به وهو صفاته الكريمة من حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وما ينتهي إليها من صفات الفعل كالخلق والرزق والإِحياء والإِماتة والمغفرة والرحمة وكذا آياته الدالة عليه بما هي آياته.
فكل شيء هالك في نفسه باطل في ذاته لا حقيقة له إلا ما كان عنده مما أفاضه الله عليه وأما ما لا ينسب إليه تعالى فليس إلا ما اختلقه وهم المتوهم أو سراباً صوّره الخيال وذلك كالأصنام ليس لها من الحقيقة إلا أنها حجارة أو خشبة أو شيء من الفلزات وأما أنها أرباب أو آلهة أو نافعة أو ضارة أو غير ذلك فليست إلا أسماء سماها عبدتهم وكالإِنسان ليس له من الحقيقة إلا ما أودعه فيه الخلقة من الروح والجسم وما اكتسبه من صفات الكمال والجميع منسوبة إلى الله سبحانه وأما ما يضيفه إليه العقل الاجتماعي من قوة وسلطة ورئاسة ووجاهة وثروة وعزة وأولاد وأعضاد فليس إلا سراباً هالكاً وامنية كاذبة وعلى هذا السبيل سائر الموجودات.
فليس عندها من الحقيقة إلا ما أفاض الله عليها بفضله وهي آياته الدالة على صفاته الكريمة من رحمة ورزق وفضل وإحسان وغير ذلك.
فالحقيقة الثابتة في الواقع التي ليست هالكة باطلة من الأشياء هي صفاته الكريمة وآياته الدالة عليها والجميع ثابتة بثبوت الذات المقدسة.
هذا على تقدير كون المراد بالهالك في الآية الهالك بالفعل وعلى هذا يكون محصل تعليل كلمة الإِخلاص بقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} أن الإِله وهو المعبود بالحق إنما يكون إلهاً معبوداً إذا كان أمراً ذا حقيقة واقعية غير هالك ولا باطل له تدبير في العالم بهذا النعت وكل شيء غيره تعالى هالك باطل في نفسه إلا ما كان وجهاً له منتسباً إليه فليس في الوجود إله غيره سبحانه.
والوثنيون وإن كانوا يرون وجود آلهتهم منسوباً إليه تعالى ومن جهته إلا أنهم يجعلونها مستقلة في التدبير مقطوعة النسبة في ذلك عنه من دون أن يكون حكمها حكمه، ولذلك يعبدونها من دون الله، ولا استقلال لشيء في شيء عنه تعالى فلا يستحق العبادة إلا هو.
وها هنا وجه آخر أدق منه بناء على أن المراد بالوجه ذات الشيء فقد ذكر بعضهم ذلك من معاني الوجه كما يُقال: وجه النهار ووجه الطريق لنفسهما وإن أمكنت المناقشة فيه، وذكر بعض آخر: أن المراد به الذات الشريفة كما يُقال: وجوه الناس أي أشرافهم وهو من المجاز المرسل أو الاستعارة وعلى كلا التقديرين فالمراد أن غيره تعالى من الموجودات ممكنة والممكن وإن كان موجوداً بإيجاده تعالى فهو معدوم بالنظر إلى حد ذاته هالك في نفسه والذي لا سبيل للبطلان والهلاك إليه هو ذاته الواجبة بذاتها.
ومحصل التعليل على هذا المعنى: أن الإِله المعبود بالحق يجب أن يكون ذاتاً بيده شيء من تدبير العالم، والتدبير الكوني لا ينفك عن الخلق والإِيجاد فلا معنى لأن يوجد الحوادث شيء ويدبر أمرها شيء آخر - وقد أوضحناه مراراً في هذا الكتاب - ولا يكون الخالق الموجد إلا واجب الوجود ولا واجب إلا هو تعالى فلا أله إلا هو.
وقولهم: إنه تعالى أجلّ من أن يحيط به عقل أو وهم فلا يمكن التوجه العبادي إليه فلا بد أن يتوجه بالعبادة إلى بعض مقرّبي حضرته من الملائكة الكرام وغيرهم ليكونوا شفعاء عنده. مدفوع بمنع توقف التوجه بالعبادة على العلم الإِحاطي بل يكفي فيه المعرفة بوجه وهو حاصل بالضرورة.
وأما على تقدير كون المراد بالهالك ما يستقبله الهلاك والفناء بناء على ما قيل: إن اسم الفاعل ظاهر في الاستقبال فظاهر الآية أن كل شيء سيستقبله الهلاك بعد وجوده إلا وجهه. نعم استقبال الهلاك يختلف باختلاف الأشياء فاستقباله في الزمانيات انتهاء أمد وجودها وبطلانها بعده وفي غيرها كون وجودها محاطاً بالفناء من كل جانب.
وهلاك الأشياء على هذا بطلان وجودها الابتدائي وخلوّ النشأة الأُولى عنها بانتقالها إلى النشأة الأُخرى ورجوعها إلى الله واستقرارها عنده، وأما المطلق بعد الوجود فصريح كتاب الله ينفيه فالآيات متتابعة في أن كل شيء مرجعه إلى الله وأنه المنتهى وإليه الرُّجعى وهو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده.
فمحصل معنى الآية - لو أُريد بالوجه صفاته الكريمة - أن كل شيء سخلّي مكانه ويرجع إليه إلا صفاته الكريمة التي هي مبادي فيضه فهي تفيض ثم تفيض إلى ما لا نهاية له والإِله يجب أن يكون كذلك لا بطلان لذاته، ولا انقطاع لصفاته الفيَّاضة وليس شيء غيره تعالى بهذه الصفة فلا إله إلا هو.
ولو أُريد بوجهه الذات المقدسة فالمحصّل أن كل شيء سيستقبله الهلاك والفناء بالرجوع إلى الله سبحانه إلا ذاته الحقة الثابتة التي لا سبيل للبطلان إليها - والصفات على هذا محسوبة من صقع الذات - والإِله يجب أن يكون بحيث لا يتطرق الفناء إليه وليس شيء غيره بهذه الصفة فلا إله إلا هو.
وبما تقدم من التقرير يندفع الاعتراض على عموم الآية بمثل الجنة والنار والعرش فإن الجنة والنار لا تنعدمان بعد الوجود وتبقيان إلى غير النهاية، والعرش أيضاً كذلك بناء على ما ورد في بعض الروايات أن سقف الجنة هو العرش.
وجه الاندفاع أن المراد بالهلاك هو تبدل نشأة الوجود والرجوع إلى الله المعبر عنه بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة والتلبس بالعود بعد البدء، وهذا إنما يكون فيما هو موجود بوجود بدئي دنيوي، وأما الدار الآخرة وما هو موجود بوجود أُخروي كالجنة والنار فلا يتصف شيء من هذا القبيل بالهلاك بهذا المعنى.
قال تعالى:
{ ما عندكم ينفد وما عند الله باق } [النحل: 96]، وقال: { وما عند الله خير للأبرار } [آل عمران: 198]، وقال: { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد } [الأنعام: 124]، ونظيرتهما خزائن الرحمة كما قال: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } [الحجر: 21]، وكذا اللوح المحفوظ كما قال: { وعندنا كتاب حفيظ } } [ق: 4]. وأما ما ذكروه من العرش فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى: { إن ربكم الله } [يونس: 3] الآية.
ويمكن أن يراد بالوجه جهته تعالى التي تنسب إليه وهي الناحية التي يقصد منها ويتوجه إليه بها، وتؤيده كثرة استعمال الوجه في كلامه تعالى بهذا المعنى كقوله:
{ يريدون وجهه } [الكهف: 28]، وقوله: { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } [الليل: 20]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جداً.
وعليه فتكون عبارة عن كل ما ينسب إليه وحده فإن كان الكلام على ظاهر عمومه انطبق على الوجه الأول الذي أوردناه ويكون من مصاديقه أسماؤه وصفاته وأنبياؤه وخلفاؤه ودينه الذي يؤتى منه.
وإن خصَّ الوجه بالدين فحسب - كما وقع في بعض الروايات أن لم يكن من باب التطبيق - كان المراد بالهلاك الفساد وعدم الأثر، وكانت الجملة تعليلاً لقوله: {ولا تدع مع الله إلهاً آخر} وكان ما قبلها قرينة على أن المراد بالشيء الدين والأعمال المتعلقة به وكان محصَّل المعنى: ولا تتدين بغير دين التوحيد لأن كل دين باطل لا أثر له إلا دينه.
والأنسب على هذا أن يكون الحكم في ذيل الآية بمعنى الحكم التشريعي أو الأعم منه ومن التكويني والمعنى: كل دين هالك إلا دينه لأن تشريع الدين إليه وإليه ترجعون لا إلى مشرّعي الأديان الأُخر.
هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وللمفسرين فيها أقوال أُخر مختلفة.
فقيل: المراد بالوجه ذاته تعالى المقدسة وبالهلاك الانعدام، والمعنى: كل شيء في نفسه عرضة للعدم لكون وجوده عن غيره إلا ذاته الواجبة الوجود، والكلام على هذا مبني على التشبيه أي كل شيء غيره كالهالك لاستناد وجوده إلى غيره.
وقيل: الوجه بمعنى الذات والمراد به ذات الشيء والضمير لله باعتبار أن وجه الشيء مملوك له، والمعنى: كل شيء هالك إلا وجه الله الذي هو ذات ذلك الشيء ووجوده.
وقيل: المراد بالوجه الجهة المقصودة والضمير لله، والمعنى: كل شيء هالك بجميع ما يتعلق به إلا الجهة المنسوبة إليه تعالى وهو الوجود الذي أفاضه الله تعالى عليه.
وقيل: الوجهة هو الجهة المقصودة والمراد به الله سبحانه الذي يتوجه إليه كل شيء والضمير للشيء، والمعنى: كل شيء هالك إلا الله الذي هو الجهة المطلوبة له.
وقيل: المراد بالهلاك هلاك الموت والعموم مخصوص بذوي الحياة، والمعنى: كل ذي حياة فإنه سيموت إلا وجهه.
وقيل: المراد بالوجه العمل الصالح والمعنى أن العمل كان في حيز العدم، فلما فعله العبد ممتثلاً لأمره تعالى أبقاه الله من غير إحباط حتى يثيبه أو أنه بالقبول صار غير قابل للهلاك لأن الجزاء قائم مقامه وهو باق.
وقيل: المراد بالوجه جاهه تعالى الذي أثبته في الناس.
وقيل: الهلاك عام لجميع ما سواه تعالى دائماً لكون الوجود المفاض عليها متجدداً في كل آن فهي متغيرة هالكة دائماً في الدنيا والآخرة والمعنى كل شيء متغير الذات دائماً إلا وجهه.
وهذه الوجوه بين ما لا ينطبق على سياق الآية وبين ما لا ينجح به حجتها وبين ما هو بعيد عن الفهم، وبالتأمل فيما قدمناه يظهر ما في كل منها فلا نطيل.
وقوله: {له الحكم وإليه ترجعون} الحكم هو قضاؤه النافذ في الأشياء وعليه يدور التدبير في نظام الكون، وأما كونه بمعنى فصل القضاء يوم القيامة فيبعده تقديم الحكم في الذكر على الرجوع إليه الذي هو يوم القيامة فإن فصل القضاء متفرع عليه وكلتا الجملتين مسوقتان للتعليل وكل واحدة منهما وحدها حجة تامة على توحده. تعالى بالألوهية صالحة للتعليل كلمة الإِخلاص، وقد تقدم إمكان أخذ الحكم على بعض الوجوه بمعنى الحكم التشريعي.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس في قوله تعالى: {لرادك إلى معاد} قال: إلى مكة. زاد ابن مردويه كما أخرجك منها.
أقول: وروى عنه وعن أبي سعيد الخدري أن المراد به الموت، وأيضاً عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المراد به الجنة وانطباقهما على الآية لا يخلو من خفاء.
وروى القمي في تفسيره عن حريز عن أبي جعفر عليه السلام وعن أبي خالد الكابلي عن علي بن الحسين عليه السلام أن المراد به الرجعة ولعله من البطن دون التفسير.
وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل: وأما قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} فالمراد كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه. هو أجل وأعظم من ذلك وإنما يهلك من ليس منه إلا ترى أنه قال: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} ففصل بين خلقه ووجهه؟.
وفي الكافي بإسناده عن سيف عمن ذكره عن الحارث بن المغيرة النصري قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} فقال: ما يقولون فيه؟ قلت: يقولون: يهلك كل شيء إلا وجه الله فقال: سبحان الله لقد قالوا عظيماً إنما عني به وجه الله الذي يؤتى منه.
أقول: وروى مثله في التوحيد بإسناده عن الحارث بن المغيرة النصرى عنه عليه السلام ولفظه سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: {كل شيء هالك إلا وجهه} قال: كل شيء هالك إلا من أخذ طريق الحق.
وفي محاسن البرقي مثله إلا أن آخره {من أخذ الطريق الذي أنتم عليه}.
والتشويش الذي يتراءى في الروايات تطرّق إليها من جهة النقل بالمعنى، فإن كان المراد بالوجه الذي يؤتى منه مطلق ما ينسب إليه وكان من صقعه تعالى ومن جانبه كان منطبقاً على المعنى الأول الذي قدمناه في معنى الآية.
وإن كان الوجه بمعنى الدين الذي يتوجه إليه تعالى بقصده كان المراد بالهلاك البطلان وعدم التأثير وكان المعنى: لا إله إلا هو كل دين باطل إلا دينه الحق الذي يؤتى منه فإنه سينفع ويثاب عليه، وقد تقدمت الإِشارة إلى الوجهين في تفسير الآية.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {فلا تكونن ظهيراً للكافرين} قال: المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى للناس، وقوله: {ولا تدعُ مع الله إلهاً آخر} المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى للناس، وهو قول الصادق عليه السلام: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بإياك أعني، واسمعي يا جارة.