التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
١٣٠
وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
١٣١
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٣٢
وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
١٣٣
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٣٤
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٣٥
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ
١٣٦
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
١٣٧
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
١٣٨
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
آيات داعية إلى الخير زاجرة عن الشر والسوء, وهي مع ذلك لا تفقد الاتصال بما قبلها ولا ما بعدها من الآيات الشارحة لقصة غزوة أُحد, وبيان ما كان في المؤمنين يومئذ من مساوئ الحالات والخصال المذمومة التي لا يرتضيها الله سبحانه, وهي الموجبة لما دب فيهم من الوهن والضعف ومعصية الله ورسوله؛ فالآيات من تتمة الآيات النازلة في غزوة أُحد.
ثم هدايتهم إلى ما يأمنون به الوقوع في هذه الورطات المهلكة, والعقبات المردية, ودعوتهم إلى تقوى الله والثقة به والثبات على طاعة الرسول, فهذه الآيات التسع خاصة فيها ترغيب وتحذير؛ فهي ترغب المؤمنين على المسارعة إلى الخير وهي الإنفاق في سبيل الله في السراء والضراء, وكظم الغيظ والعفو عن الناس, ويجمعها بث الإحسان والخير في المجتمع, والصبر على تحمل الأذى والسوء, والصفح عن الإساءة قبالة الإساءة, فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تستحفظ بها حياة المجتمع ويشد بها عظمه فيقوم على ساق, ومن لوازم هذا الإنفاق والإحسان ترك الربا ولذلك بدأ به, وهو كالتوطئة للدعوة إلى الإحسان والإنفاق؛ فقد مر في آيات الإنفاق والربا من سورة البقرة أن الإنفاق بجميع طرقه من أعظم ما يعتمد عليه بنية المجتمع, وأنه الذي ينفخ روح الوحدة في المجتمع الإنساني, فتتحد به قواه المتفرقة فتنال بذلك سعادته في الحياة, ويقوى به على دفع كل آفة مهلكة أو موذية تقصده, وأن الربا من أعظم ما يضاد الانفاق في خاصته هذه.
فهذا ما يرغّبهم الله فيه ثم يرغبهم في أن لا ينقطعوا عن ربهم بقواطع الذنوب والمعاصي, فإن أتوا بما لا يرضاه لهم ربهم تداركوه بالتوبة والرجوع اليه ثانياً وثالثاً من غير أن يكسلوا أو يتوانوا, وبهذين الأمرين يستقيم سيرهم في صراط الحياة السعيدة فلا يضلون ولا يقفون فيهلكوا.
وهذا البيان كما ترى أحسن طريق يهدى به الإنسان إلى تكميل نفسه بعد ظهور النقص وأجود سبيل في علاج الرذائل النفسانية التي ربما دبت في النفوس المحلاة بالفضائل فأورثت السفال والسقوط وهددت بالهلكة والردى.
(تعليم القرآن وقرانه العلم بالعمل)
وهذا من دأب القرآن في تعليمه الإلهي, إذ لم يزل يجعل في مدة نزولها - وهي ثلاث وعشرون سنة - لكليات تعاليمه مواد أولية حتى إذا عمل بشيء منها أخذ صورة العمل الواقع مادة لتعليمهم ثانياً, فألقاها إليهم بعد إصلاح الفاسد من أجزائه وتركيبه بالصحيح الباقي, وذم الفاسد, والثناء على الصحيح المستقيم, والوعد الجميل, والشكر الجزيل لفاعله؛ فكتاب الله العزيز كتاب علم وعمل لا كتاب فرض وتقدير, ولا كتاب تعمية وتقاليد.
فمثله مثل المعلم يلقي إلى تلامذته الكليات العلمية في أوجز بيان وأقصر لفظ, ويأمرهم بالعمل بها, ثم يأخذ ما عملوه ثانياً, ويحلله إلى أوائل أجزائه من صحيح وفاسد, فيبين لهم وارد النقص والقصور مشفّعة بالعظة والوعيد, ويمدح موارد الاستقامة والصحة ويقارنها بالوعد والشكر ويأمرهم بالعمل ثانياً, وهذا فعاله حتى يكملوا في فنهم ويسعدوا في جدهم.
وهذا الذي ذكرناه من الحقائق القرآنية اللائحة للمتدبر الدقيق في بادئ الأمر فتراه سبحانه ينزل كليات الجهاد مثلاً في آياته بادئ الأمر:
{ كتب عليكم القتال } [البقرة: 216]. الآيات ويأمر المؤمنين به فيها, ثم يأخذ قصة بدر ثانياً, ويأمرهم بما يبين لهم فيها, ثم قصة أُحد, ثم قصة اخرى وهكذا, وتراه سبحانه يقص قصص السابقين من الأنبياء واممهم ثم يجعلها بعد إصلاحها وبيان وجه الحق فيها عبرة للاحقين ودستوراً لعملهم وهكذا, وقد نزل في هذه الآيات من هذا القبيل قوله: {فسيروا في الأرض} الآية؛ وقوله: {وكأين من نبي} الآيات.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} إلى آخر الآيات الثلاث قد مر سابقاً وجه إطلاق الأكل وإرادة الأخذ, وقوله: {أضعافاً مضاعفة} يشير الى الوصف الغالب في الربا, فإنه بحسب الطبع يتضاعف, فيصير المال أضعافاً مضاعفة بإنفاد مال الغير وضمه إلى رأس المال الربوي.
وفي قوله: {واتقوا النار التي أُعدت للكافرين}، إشارة الى كفر آكل الربا, كما مر في سورة البقرة في آيات الربا:
{ والله لا يحب كل كفار أثيم } [البقرة: 276]. قوله تعالى: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة} المسارعة هي الاشتداد في السرعة وهي ممدوحة في الخيرات, ومذمومة في الشرور.
وقد قورن في القرآن الكريم المغفرة بالجنة في غالب الموارد, وليس إلا لأن الجنة دار طهارة لا يدخل فيها قذارات المعاصي والذنوب وأدرانها, ولا من تقذر بها إلا بعد المغفرة والإزالة.
والمغفرة والجنة المذكورتان في هذه الآية تحاذيان ما في الآيتين التاليتين؛ أما المغفرة فتحاذي ما في قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة}؛ وأما الجنة فتحاذي ما في قوله: {الذين ينفقون في السراء والضراء}.
وأما قوله: {جنة عرضها السماوات والأرض} فالمراد بالعرض السعة, وهو استعمال شائع, وكأن التعبير كناية عن بلوغها في السعة غايتها أو ما لا يحدها الوهم البشري, وله معنى آخر سنشير إليه في البحث الروائي الآتي.
وقوله: {أُعدت للمتقين} كالتوطئة لذكر ما يذكره بعد من أوصاف المتقين؛ فإن الغرض: هو بيان الأوصاف التي ترتبط بحال المؤمنين في المقام, أعني عند نزول هذه الآيات, وقد نزلت بعد غزوة أُحد, وقد جرى عليهم ومنهم ما جرى من الضعف والوهن والمخالفة, وهم مع ذلك مشرفون على غزوات أُخر مثلها, وحوادث تشابهها, وبهم حاجة الى الاتحاد والاتفاق والتلاؤم.
قوله تعالى: {الذين ينفقون في السراء والضراء} إلى آخر الآية، السراء والضراء ما يسر الإنسان وما يسوؤه أو اليسر والعسر, والكظم في الأصل, هو شد رأس القربة بعد ملئها, فاستعير للإنسان إذا امتلأ حزناً أو غضباً, والغيظ هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه, بخلاف الغضب فهو إرادة الانتقام أو المجازاة, ولذلك يقال: غضب الله ولا يقال: اغتاظ.
وفي قوله: {والله يحب المحسنين} إشارة إلى أن ما ذكره من الأوصاف معرف لهم, وإنما هو معرف للمحسنين في جنب الناس بالإحسان اليهم, وأما في جنب الله فمعرفهم ما في قوله تعالى:
{ وبشرى للمحسنين, إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [الأَحقاف: 12ـ13] الآيات، بل هذا الإِحسان المذكور في هذه الآيات هو المحتد للمذكور في قوله: {الذين ينفقون في السراء والضراء} الآية, فإن الإنفاق ونحوه إذا لم يكن لوجه الله لم يكن له منزلة عند الله سبحانه, على ما يدل عليه قوله تعالى فيما سبق من الآيات: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} الآية, وغيره.
ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى:
{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } [العنكبوت: 69] فإن هذا الجهاد هو بذل الجهد ولا يكون إلا فيما يخالف هوى النفس ومقتضى الطبع, ولا يكون إلا إذا كان عندهم ايمان بأمور يقتضي الجري على مقتضاها, والثبات عليها مقاومة بإزاء ما يحبه طبع الإنسان ويشتهيه نفسه, ولازمه بحسب القول والاعتقاد أن يكونوا قائلين ربنا الله وهم مستقيمون عليه, وبحسب العمل أن يقيموا هذا القول بالجهاد في عبادة الله فيما بينهم وبين الله, وبالإنفاق وحسن العشرة فيما بينهم وبين الناس, فتحصل مما ذكرنا أن الإحسان إتيان الأعمال على وجه الحسن من جهة الاستقامة والثبات على الإيمان بالله سبحانه.
قوله تعالى: {الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} إلى قوله: {ونعم أجر العاملين} الفاحشة ما تتضمن الفحش والقبيح من الأفعال, وشاع استعماله في الزنا, فالمراد بالظلم بقرينة المقابلة سائر المعاصي الكبيرة والصغيرة, أو خصوص الصغائر على تقدير أن يراد بالفاحشة المنكر من المعاصي وهي الكبائر, وفي قوله: {ذكروا الله} الخ دلالة على أن الملاك في الاستغفار أن يدعو إليه ذكر الله تعالى دون مجرد التلفظ باعتياد ونحوه, وقوله: {ومن يغفر الذنوب إلاَّ الله} تشويق وإيقاظ لقريحة اللواذ والالتجاء في الإِنسان.
وقوله: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} إنما قيد به الاستغفار لأنه يورث في النفس هيئة لا ينفع معه ذكر مقام الرب تعالى وهي الاستهانة بأمر الله, وعدم المبالاة بهتك حرماته, والاستكبار عليه تعالى, ولا تبقى معه عبودية ولا ينفع معه ذكر, ولذلك بعينه قيده بقوله: {وهم يعلمون} وهذه قرينة على كون الظلم في صدر الآية يشمل الصغائر أيضاً, وذلك أن الإصرار على الذنب يستوجب الاستهانة بأمر الله والتحقير لمقامه سواء كان الذنب المذكور من الصغائر أو الكبائر, فقوله: {ما فعلوا}, أعم من الكبيرة, والمراد بما فعلوا هو الذي ذكر في صدر الآية, وإذ ليست الصغيرة فاحشة, فهو ظلم النفس لا محالة.
وقوله: {أُولئك جزاؤهم مغفرة}، بيان لأجرهم الجزيل, وما ذكره تعالى في هذه الآية هو عين ما أمر بالمسارعة إليه في قوله: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة} الخ ومن ذلك يعلم أن الأمر إنما كان بالمسارعة إلى الانفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس و الاستغفار.
قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا}، السنن جمع سنة وهي الطريقة المسلوكة في المجتمع, والأمر بالسير في الأرض لمكان الاعتبار بآثار الماضين من الامم الغابرة, والملوك والفراعنة الطاغية حيث لم ينفعهم شواهق قصورهم, ولا ذخائر كنوزهم, ولا عروشهم ولا جموعهم, وقد جعلهم الله أحاديث يعتبر بها المعتبرون, ويتفكه بها المغفلون.
وأما حفظ آثارهم وكلاءة تماثيلهم والجهد في الكشف عن عظمتهم ومجدهم الظاهر الدنيوي الذي في أيامهم فمما لا يعتني به القرآن, فإنما هي الوثنية التي لا تزال تظهر كل حين في لباس؛ وسنبحث إن شاء الله في هذا المعنى في بحث مستقل نحلل فيه معنى الوثنية.
قوله تعالى: {هذا بيان للناس} الآية التقسيم باعتبار التأثير, فهو بلاغ وإبانة لبعض, وهدى وموعظة لآخرين.
(بحث روائي)
في المجمع في قوله تعالى:{جنة عرضها السماوات والأرض},
"عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل: إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض, فأين تكون النار؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم :سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل؟"
أقول: ورواه السيوطي في الدر المنثور عن التنوخي في كتاب جاء به من هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن هذه الآية: فأجاب عنها بذلك, ورواه أيضاً بطريق آخر عن أبي هريرة: أن رجلاً سأله عن ذلك فأجاب بذلك.
وما فسر كلامه صلى الله عليه وآله وسلم بأن المراد كون النار في علم الله تعالى - كما أن الليل عند مجيء النهار في علم الله تعالى - فإن اريد أن النار لا يعزب عن علمه تعالى, فمن المعلوم أن هذا الجواب لا يدفع الإشكال, فإن السؤال إنما هو عن مكان النار لا عن علم الله تعالى بها؛ وإن اريد أن من الممكن أن يكون هناك مكان آخر وراء السماوات والأرض تكون النار متمكنة فيها, فهو وإن لم يكن مستبعداً في نفسه لكن مقايسة الجنة والنار بالنهار والليل حينئذٍ لا تكون في محلها؛ فإن الليل لا يخرج عن حيطة السماوات والأرض عند مجيء النهار, فالحق أنه تفسير غير مرضي.
وأظن أن الرواية ناظرة إلى معنى آخر وتوضيحه: أن الآخرة بنعيمها وجحيمها وإن كانت مشابهة للدنيا ولذائذها وآلامها, وكذلك الإنسان الحال فيها, وإن كان هو الانسان الذي في الدنيا بعينه على ما هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة, غير أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا, فإنما الآخرة دار أبدية وبقاء, والدنيا دار زوال وفناء, ولذلك كان الانسان يأكل ويشرب وينكح ويتمتع في الجنة فلا يعرضه ما يعرض هذه الأفعال في الدنيا, وكذلك الانسان يحترق بنار الجحيم, ويقاسي الآلام والمصائب في مأكله ومشربه ومسكنه وقرينه في النار, ولا يطرأ عليه ما يطرأ عليه معها وهو في الدنيا, ويعمر عمر الأبد, ولا يؤثر فيه ذلك كهولة أو شيباً أو هرماً وهكذا, وليس إلا: أن العوارض والطوارئ المذكورة من لوازم النظام الدنيوي دون مطلق النظام الأعم منه ومن النظام الاخروي؛ فالدنيا دار التزاحم والتمانع دون الآخرة.
ومما يدل عليه أن الذي نجده في ظرف مشاهدتنا من الحوادث الواقعة, يغيب عنا إذا شاهدنا غيره ثانياً كحوادث الأمس وحوادث اليوم, والليل والنهار وغير ذلك, وأما الله سبحانه فلا يغيب عنه هذا الذي نشاهده أولاً ويغيب عنا ثانياً, ولا الذي نجده بعده ولا مزاحمة بينهما, فالليل والنهار وكذا الحوادث المقارنة لهما متزاحمات متمانعات بحسب نظام المادة والحركة وهي بعينها لا تتزاحم ولا تتمانع بحسب نظام آخر, ويستفاد ذلك من قوله تعالى:
{ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً } [الفرقان: 45ـ46]. وإذا أمكن ذلك في مثل الليل والنهار, وهما متزاحمان جاز في السماوات والأرض أن تسع ما يساويهما سعة, وتسع مع ذلك شيئاً آخر يساويه مقداراً كالجنة والنار مثلاً, لكن لا بحسب نظام هذه الدار بل بحسب نظام الآخرة, ولهذا نظائر في الأخبار كما ورد: أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار, وما ورد أن المؤمن يوسع له في قبره مد بصره.
فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل؟ لظهور أن لو كان المراد أن الله سبحانه لا يجهل الليل إذا علم بالنهار لم يرتبط بالسؤال, وكذا لو كان المراد أن الليل يبقى في الخارج مع مجيء النهار اعترض عليه السائل بأن الليل يبطل مع وجود النهار إذا قيسا إلى محل واحد من مناطق الأرض, وإن اعتبرا من حيث نفسهما فالليل بحسب الحقيقة ظل مخروط حادث من إنارة الشمس, وهو يدور حول الكرة الأرضية بحسب الحركة اليومية, فالليل والنهار سائران حول الأرض دائماً من غير بطلان ولا عينية.
وللرواية نظائر بين الروايات: كما ورد في تفسير قوله تعالى
{ ليميز الله الخبيث من الطيب } [الأنفال: 37]، من قوله عليه السلام: إذا غابت الشمس فأين يصير هذا الشعاع المنبسط على الأرض؟ الحديث, وسيجيء البحث عنها.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} الآية: أخرج البيهقي عن علي بن الحسين: إن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه فرفع رأسه إليها؛ فقالت: إن الله يقول: والكاظمين الغيظ؛ قال: قد كظمت غيظي؛ قالت: والعافين عن الناس؛ قال: قد عفا الله عنك؛ قالت: والله يحب المحسنين, قال: اذهبي فأنت حرة.
أقول: وهو مروي من طرق الشيعة أيضاً, وظاهر الرواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم يفسر الإحسان بما يزيد على هذه الصفات, وهو كذلك بحسب إطلاق مفهومه, غير أن الصفات المذكورة قبله من لوازم معناه, فمن الممكن أن يعرف بها الاحسان.
واعلم أن هناك روايات كثيرة جداً في حسن الخلق وسائر الأخلاق الفاضلة: كالإنفاق, والكظم, والعفو, ونحوها واردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام أخرنا إيرادها إلى محل آخر أنسب لها.
وفي المجالس عن عبد الرحمن بن غنم الدوسي أن قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة} "الخ" نزل في بهلول النباش, وكان ينبش القبور, فنبش قبر واحدة من بنات الأنصار, فأخرجها ونزع أكفانها - وكانت بيضاء جميلة - فسول له الشيطان, فزنى بها ثم ندم, فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرده, ثم اعتزل الناس وانقطع عنهم يتعبد ويتبتل في بعض جبال المدينة حتى قبل الله توبته ونزل فيه القرآن.
أقول: والرواية مفصلة نقلناها ملخصة, ولو صحت الرواية, لكانت سبباً آخر لنزول الآية, غير السبب الواحد الشامل لمجموع آيات القصة.
وفي تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا} الآية قال: الإصرار أن يذنب المذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإِصرار.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال اغوي بني آدم ما كانت أرواحهم في أجسادهم, فقال الله: وعزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني"
]. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: لا صغيرة مع الإصرار, ولا كبيرة مع الاستغفار.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في حديث قال: وفي كتاب الله نجاة من الردى, وبصيرة من العمى, وشفاء لما في الصدور فيما أمركم الله به من الاستغفار والتوبة قال الله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاَّ الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}, وقال: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}, فهذا ما أمر الله به من الاستغفار, واشترط معه التوبة والإِقلاع عمّا حرم الله فإنه يقول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}, وبهذه الآية يستدل أن الاستغفار لا يرفعه إلى الله إلا العمل الصالح والتوبة.
أقول: قد استفاد عليه السلام الإِقلاع وعدم العود بعد التوبة من نفي الإِصرار, وكذا احتياج التوبة والاستغفار إلى صالح العمل بعده من عموم الكلم الطيب في قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} الآية.
وفي المجالس عن الصادق عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية {الذين إذا فعلوا فاحشة}, صعد إبليس جبلاً بمكة يقال له ثور فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا له: يا سيدنا لم تدعونا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا فقال: لست لها؛ فقام آخر فقال مثل ذاك فقال: لست لها؛ فقال الوسواس الخناس: أنا لها قال: بماذا؟ قال أعدهم وامنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوها أنسيتهم الاستغفار, فقال: أنت لها؛ فوكله بها إلى يوم القيامة.
أقول: والرواية مروية من طرق أهل السنة أيضاً.