التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ
١٤٩
بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ
١٥٠
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ
١٥١
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
١٥٥
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أُحد, وفيها حثُ وترغيب للمؤمنين أن لا يطيعوا غير ربهم, فإنه هو مولاهم وناصرهم؛ وإشهاد لهم على صدق وعده, وإن الهزيمة والخذلان لم يكن يوم أحد إلا من قبل أنفسهم, وتعديهم حدود ما أمرهم الله به ودعاهم رسوله إليه, وأن الله سبحانه مع ذلك عفا عن جرائمهم لأنه غفور حليم.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} إلى آخر الآيتين لا يبعد أن يستفاد من السياق أن الكفار كانوا أيام نزول الآيات بعد غزوة أُحد يلقون إلى المؤمنين - في صورة النصح - ما يثبطهم عن القتال, ويلقي التنازع والتفرقة وتشتت الكلمة واختلافها بينهم, وربما أيده ما في آخر هذه الآيات من قوله:
{ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } [آل عمران: 173] إلى أن قال: { ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 175]. وربما قيل: إن الآية إشارة إلى قول اليهود والمنافقين يوم أُحد: "إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى عشائركم" وليس بشيء.
ثم لما بين أن إطاعتهم للذين كفروا والميل إلى ولايتهم يهديهم إلى الخسران الذي هو رجوعهم على أعقابهم كافرين أضرب عنه بقوله: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين}.
قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله} "الخ" وعد جميل للمؤمنين بأنهم سينصرون بالرعب, ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكره فيما حباه الله تعالى وخصه به من بين الأنبياء على ما رواه الفريقان.
وقوله: {بما أشركوا}, معناه: اتخذوا له ما ليس معه برهان شريكاً, ومما يكرره القرآن أن ليس لإثبات الشريك لله سلطان, ومن إثبات الشريك نفي الصانع وإسناد التأثير والتدبير إلى غيره كالدهر والمادة.
قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم} إلى آخر الآية، الحس - بالفتح -: القتل على وجه الاستئصال.
ولقد اتفقت الروايات وضبطه التاريخ في قصة غزوة أُحد, أن المؤمنين غلبوهم وظهروا عليهم في أول الأمر ووضعوا فيهم السيوف وشرعوا في نهب أموالهم حتى إذا خلى الرماة مكانهم في المكمن حمل خالد بن الوليد فيمن معه على عبد الله بن جبير ومن بقي معه من الرماة فقتلوهم, وحملوا على المؤمنين من ورائهم, وتراجع المشركون عن هزيمتهم ووضعوا السيوف في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتلوا منهم سبعين ثم هزموهم أشد هزيمة.
فقوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده}, تثبيت صدق وعده بالنصر بشرط التقوى والصبر؛ وقوله: {إذ تحسونهم بإذنه}, يقبل الانطباق على ما رزقهم في أول الأمر من الظهور على عدوهم يوم أُحد, وقوله: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}, ينطبق على ما صنعه الرماة حيث تنازعوا فيما بينهم في ترك مراكزهم واللحوق بمن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنيل الغنيمة ففشلوا وتنازعوا في الأمر وعصوا أمر النبي بأن لا يتركوا مراكزهم على أي حال, وعلى هذا فلا بد من تفسير الفشل بضعف الرأي, وأما كونه بمعنى الجبن فلا ينطبق عليهم, إذ لم يكن ذلك منهم جبناً بل طمعاً في الغنيمة, ولو كان الفشل بمعنى الجبن كان منطبقاً على حال جميع القوم ويكون على هذا "ثم" في قوله: {ثم صرفكم}, مفيدة للتراخي الرتبي دون الزماني.
ويدل لفظ التنازع على أن الكل لم يكونوا مجمعين على الفشل والمعصية, بل كان بعضهم يصر على الإطاعة والبقاء على الائتمار, ولذا قال تعالى بعده: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}.
قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم}، أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل والتنازع والمعصية, وبالجملة بعد وقوع الاختلاف بينكم ليمتحنكم ويختبر إيمانكم وصبركم في الله, إذ الاختلاف في القلوب هو أقوى العوامل المقتضية لبسط الابتلاء ليتميز المؤمن من المنافق, والمؤمن الراسخ في إيمانه الثابت على عزيمته من المتلون السريع الزوال, ومع ذلك فإن الله سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال: {ولقد عفا عنكم}.
قوله تعالى: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} الإصعاد هو الذهاب والإبعاد في الأرض بخلاف الصعود, فهو الارتقاء إلى مكان عال, يقال: أصعد في جانب البر أي ذهب فيه بعيداً, وصعد في السلم أي ارتقى, وقيل: إن الإصعاد ربما استعمل بمعنى الصعود.
والظرف متعلق بمقدر أي اذكروا إذ تصعدون, أو بقوله: {صرفكم}, أو بقوله: {ليبتليكم},- على ما قيل - وقوله: {ولا تلوون}, من اللي بمعنى الالتفات والميل قال في المجمع: ولا يستعمل إلا في النفي لا يقال: لويت على كذا, انتهى.
وقوله: {والرسول يدعوكم في أُخراكم}، الاخرى مقابل الاولى, وكون الرسول يدعو وهو في اخراهم, يدل على أنهم تفرقوا عنه صلى الله عليه وآله وسلم وهم سواد ممتد على طوائف اولاهم مبتعدون عنه صلى الله عليه وآله وسلم واخراهم بقرب منه, وهو يدعوهم من غير أن يلتفت اليه لا اولاهم ولا اخراهم فتركوه - صلى الله عليه وآله وسلم - بين جموع المشركين وهم يصعدون فراراً من القتل.
نعم قوله تعالى قبيل هذا: {وسيجزي الله الشاكرين} - وقد مر تفسيره - يدل على أن منهم من لم يتزلزل في عزيمته, ولم ينهزم لا في أول الانهزام, ولا بعد شيوع خبر قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما يدل عليه قوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم} الآية.
ومما يدل عليه قوله: {ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أُخراكم}، أن خبر قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما انتشر بينهم بعد انهزامهم وإصعادهم.
قوله تعالى: {فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} الخ. أي جازاكم غماً بغم ليصرفكم عن الحزن على كذا, وهذا الغم الذي اثيبوا به كيفما كان هو نعمة منه تعالى بدليل قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم}, فإن الله تعالى ذم في كتابه هذا الحزن كما قال:
{ لكيلا تأسوا على ما فاتكم } [الحديد: 23]، فهذا الغم الذي يصرفهم عن ذاك الحزن المذموم نعمة وموهبة, فيكون هو الغم الطارئ عليهم من جهة الندامة على ما وقع منهم, والتحسر على ما فاتهم من النصر بسبب الفشل, ويكون حينئذ الغم الثاني في قوله: بغم, الغم الآتي من قبل الحزن المذكور, والباء للبدلية, والمعنى: جازاكم غماً بالندامة والحسرة على فوت النصر بدل غم بالحزن على ما فاتكم وما أصابكم.
ومن الجائز أن يكون قوله: أثابكم مضمناً معنى الإبدال فيكون المعنى: فأبدلكم غم الحزن من غم الندامة والحسرة مثيباً لكم, فينعكس المعنى في الغمين بالنسبة إلى المعنى السابق.
وعلى كل من المعنيين يكون قوله: فأثابكم, تفريعاً على قوله: {ولقد عفا عنكم}, ويتصل به ما بعده أعني قوله: {ثم أنزل عليكم}, أحسن اتصال, والترتيب: أنه عفا عنكم فأثابكم غماً بغم ليصونكم عن الحزن الذي لا يرتضيه لكم ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة نعاساً.
وها هنا وجه آخر يساعده ظهور السياق في تفريع قوله: فأثابكم, على ما يتصل به بمعنى أن يكون الغم هو ما يتضمنه قوله: {إذ تصعدون}, والمراد بقوله: {بغم}, هو ما أدى إليه التنازع والمعصية وهو إشراف المشركين عليهم من ورائهم, والباء للسببية وهذا معنى حسن, وعلى هذا يكون المراد بقوله: {لكيلا تحزنوا} "الخ": نبين لكم حقيقة الأمر لئلا تحزنوا, كما في قوله تعالى:
{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاَّ في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } [الحديد: 22ـ23] الآية.
فهذا ما يستقيم به نظم الآية واتساق الجمل المتعاقبة, وللمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله: فأثابكم, ومن حيث معنى الغم الأول والثاني ومعنى الباء ومعنى قوله: {لكيلا}, ليست من الاستقامة على شيء ولا جدوى في نقلها والبحث عنها.
وعلى ما احتملناه من أحد معنيين يكون المراد مما فات في قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} هو الغلبة والغنيمة, ومما أصاب ما أصاب القوم من القتل والجرح.
قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم} الأمنة بالتحريك الأمن, والنعاس ما يتقدم النوم من الفتور وهو نوم خفيف, ونعاساً بدل من أمنة للملازمة عادة, وربما احتمل أن يكون أمنة جمع آمن كطالب وطلبة, وهو حينئذ حال من ضمير عليكم, ونعاساً مفعول قوله: أنزل, والغشيان: الإحاطة.
والآية تدل على أن هذا النعاس النازل إنما غشي طائفة من القوم, ولم يعم الجميع بدليل قوله: {طائفة منكم}, وهؤلاء هم الذين رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الانهزام والإصعاد لما ندموا وتحسروا, وحاشا أن يعفو الله عنهم عفو رحمة, وهم في حال الفرار عن الزحف, وهو من كبائر المعاصي والآثام, وقد قال: {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين}, وحاشا أن تشمل عنايته تعالى على مقترف الفحشاء والمنكر حين يقترف من قبل أن يتوب وقد عنى في حقهم حين أثابهم غماً بغم لكيلا يحزنوا فيتقذر قلوبهم بما لا يرتضيه الله سبحانه على ما مر بيانه.
فهؤلاء بعض القوم وهم النادمون على ما فعلوا الراجعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحتفون به, وكأن ذلك إنما كان حين فارق صلى الله عليه وآله وسلم جموع المشركين وعاد إلى الشعب, وإن كان عودهم إليه تدريجياً بعد العلم بأنه لم يقتل.
وأما البعض الآخر من القوم فهم الذين يذكرهم الله بقوله: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم}.
قوله تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} هذه طائفة اخرى من المؤمنين ونعني بكونهم من المؤمنين أنهم غير المنافقين الذين ذكرهم الله أخيراً بقوله: {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} الآية. وهم الذين فارقوا جماعة المؤمنين في أول الأمر قبل القتال وانخذلوا, فهؤلاء المنافقون لهم شأن آخر سينبئ الله بذلك.
وهؤلاء الطائفة الثانية الموصوفون بأنهم قد أهمتهم أنفسهم لم يكرمهم الله بما أكرم به الطائفة الاولى من العفو وإثابة الغم ثم الأمنة والنعاس, بل وكلهم إلى أنفسهم فأهمتهم أنفسهم ونسوا كل شيء دونها.
وقد ذكر الله تعالى من أوصافهم وصفين اثنين وإن كان أحدهما من لوازم الآخر وفروعه, فذكر أنهم أهمتهم أنفسهم؛ وليس معناه أنهم يريدون سعادة أنفسهم بمعناها الحقيقي, فإن المؤمنين أيضاً لا يريدون إلا سعادة أنفسهم, فالانسان بل كل ذي همامة وإرادة لا يريد إلا نفسه البتة, بل المراد: أن ليس لهم همٌ إلا حفظ حياتهم الدنيا وعدم الوقوع في شبكة القتل, فهم لا يريدون بدين أو غيره إلا إمتاع أنفسهم في الدنيا, وإنما ينتحلون بالدين ظناً منهم أنه عامل غير مغلوب, وأن الله لا يرضى بظهور أعدائه عليه, وإن كانت الأسباب الظاهرية لهم, فهؤلاء يستدرون الدين ما در لهم, وإن انقلب الأمر ولم يسعدهم الجد انقلبوا على أعقابهم القهقرى.
قوله تعالى: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} إلى قوله: {لله} أي ظنوا بالله أمراً ليس بحق بل هو من ظنون الجاهلية, فهم يصفونه بوصف ليس بحق بل من الأوصاف التي كان يصفه بها أهل الجاهلية, وهذا الظن أياً ما كان هو شيء يناسبه ويلازمه قولهم: هل لنا من الأمر من شيء, ويكشف عنه ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم به, وهو قوله: {قل إن الأمر كله لله} فظاهر هذا الجواب أنهم كانوا يظنون, أن بعض الأمر لهم, ولذا لما غلبوا وفشا فيهم القتل تشككوا, فقالوا: هل لنا من الأمر من شيء.
وبذلك يظهر أن الأمر الذي كانوا يرونه لأنفسهم هو الظهور والغلبة, وإنما كانوا يظنونه لأنفسهم من جهة إسلامهم, فهم قد كانوا يظنون أن الدين الحق لا يغلب ولا يغلب المتدين به لما أن على الله أن ينصره من غير قيد وشرط وقد وعدهم به.
وهذا هو الظن بغير الحق, الذي هو ظن الجاهلية فإن وثنية الجاهلية كانت تعتقد أن الله تعالى خالق كل شيء وأن لكل صنف من أصناف الحوادث كالرزق والحياة والموت والعشق والحرب وغيرها, وكذا لكل نوع من الأنواع الكونية كالإنسان والأرض والبحار وغيرها رباً يدبر أمرها لا يغلب على إرادته, وكانوا يعبدون هؤلاء الأرباب ليدروا لهم الرزق, ويجلبوا لهم السعادة, ويقوهم من الشرور والبلايا, والله سبحانه كالملك العظيم يفوض كل صنف من أصناف رعيته وكل شطر من أشطار ملكه إلى وال تام الاختيار له أن يفعل ما يشاؤه في منطقة نفوذه وحوزة ولايته.
وإذا ظن الظان أن الدين الحق لا يصير مغلوباً في ظاهر تقدمه, والنبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو أول من يتحمله من ربه ويحمل أثقاله - لا يقهر في ظاهر دعوته, أو أنه لا يقتل أو لا يموت, فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية فاتخذ لله أنداداً, وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رباً وثنياً مفوضاً إليه أمر الغلبة والغنيمة, مع أن الله سبحانه واحد لا شريك له, إليه يرجع الأمر كله وليس لأحد من الأمر شيء, ولذلك لما قال تعالى فيما تقدم من الآيات: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين} قطع الكلام بالاعتراض فقال - يخاطب نبيه -: ليس لك من الأمر شيء لئلا يتوهم أن له صلى الله عليه وآله وسلم دخلاً في قطع أو كبت, والله سبحانه هو الذي وضع سنة الأسباب والمسببات, فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحق والباطل, والخير والشر, والهداية والضلالة, والعدل والظلم, ولا فرق فيه بين المؤمن والكافر, والمحبوب والمبغوض, ومحمد وأبي سفيان.
نعم لله سبحانه عناية خاصه بدينه وبأوليائه يجري نظام الكون بسببها جرياً ينجر إلى ظهور الدين وتمهد الأرض لأوليائه والعاقبة للمتقين.
وأمر النبوة والدعوة ليس بمستثنى من هذه السنة الجارية, ولذلك كلما توافقت الأسباب العادية على تقدم هذا الدين وظهور المؤمنين كبعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذلك, وحيث لم يتوافق الأسباب كتحقق نفاق أو معصية لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو فشل أو جزع كانت الغلبة والظهور للمشركين على المؤمنين, وكذلك الحال في أمر سائر الأنبياء مع الناس, فإن أعداء الأنبياء لكونهم أهل الدنيا, وقصرهم مساعيهم في عمارة الدنيا, وبسط القدرة, وتشديد القوة, وجمع الجموع, كانت الغلبة الظاهرية والظهور لهم على الأنبياء, فمن مقتول كزكريا, ومذبوح كيحيى, ومشرد كموسى إلى غير ذلك.
نعم إذا توقف ظهور الحق بحقانيته على انتقاض نظام العادة دون السنة الواقعية, وبعبارة اخرى: دار أمر الحق بين الحياة والموت, كان على الله سبحانه أن يقيم صلب الدين ولا يدعه تدحض حجته, وقد مر شطر من هذا البحث في القول على الإِعجاز في الجزء الأول من الكتاب, وفي الكلام على أحكام الأعمال في الجزء الثاني منه.
ولنرجع إلى ما كنا فيه: فقول هؤلاء الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: هل لنا من الأمر من شيء, تشكك في حقية الدين, وقد أدرجوا في هيكله روح الوثنية على ما مر بيانه, فأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم فقال: {قل إن الأمر كله لله}, وقد خاطب نبيه قبل ذلك بقوله: {ليس لك من الأمر شيء} فبين بذلك أن ملة الفطرة ودين التوحيد هو الذي لا يملك فيه الأمر إلا الله جل شأنه, وباقي الأشياء ومنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست بمؤثرة شيئاً بل هي في حيطة الأسباب والمسببات والسنة الإلهية التي تؤدي إلى جريان ناموس الابتلاء والامتحان.
قوله تعالى: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان} "الخ", وهذا توصيف لهم بما هو أشد من قولهم: {هل لنا من الأمر من شيء}, فإنه كان تشكيكاً في صورة السؤال, وهذا أعني قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هُنا ترجيح في هيئة الاستدلال, ولذلك أبدوا قولهم الأول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخفوا قولهم الثاني لاشتماله على ترجيح الكفر على الإسلام.
فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم فقال: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} فبين لهم:
أولاً: أن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونكم على الحق, وعدم كون الأمر لكم على ما تزعمون بل لان القضاء الإلهي وهو الذي لا مناص من نفوذه ومضيه, جرى على أن يضطجع هؤلاء المقتولون في هذه المضاجع, فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم, فلا مفر من الأجل المسمى الذي لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون.
وثانياً: أن سنة الله جرت على عموم الابتلاء والتمحيص وهي واقعة بهم وبكم لا محالة, فلم يكن بد من خروجكم ووقوع هذا القتال حتى يحل المقتولون محلهم وينالوا درجاتهم, وتحلوا أنتم محلكم فيتعين لكم أحد جانبي السعادة والشقاوة بامتحان ما في صدوركم من الأفكار, وتخليص ما في قلوبكم من الإيمان والشرك.
ومن عجيب ما ذكر في هذه الآية قول عدة من المفسرين أن المراد بهذه الطائفة التي تشرح الآية حالها هم المنافقون مع ظهور سياق الآيات في أنها تصف حال المؤمنين, وأما المنافقون أعني أصحاب عبد الله بن أُبي المنخذلين في أول الوقعة قبل وقوع القتال فإنما يتعرض لحالهم فيما سيأتي.
اللهم إلا أن يريدوا بالمنافقين الضعفاء الإيمان الذين يعود عقائدهم المتناقضة بحسب اللازم إلى إنكار الحق قلباً والاعتراف به لساناً, وهم الذين يسميهم الله بالذين في قلوبهم مرض قال تعالى:
{ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر ّهؤلاء دينهم } [الأنفال: 49]، وقال: { وفيكم سماعون لهم } [التوبة: 47]، أو يريدوا أن جميع المنافقين لم يرجعوا مع أصحاب عبد الله بن أبي إلى المدينة.
وأعجب منه قول بعض آخر أن هذه الطائفة كانوا مؤمنين, وأنهم كانوا يظنون أن أمر النصر والغلبة إليهم لكونهم على دين الله الحق لما رأوا من الفتح والظفر ونزول الملائكة يوم بدر فقولهم: هل لنا من الأمر من شيء, وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء "الخ" اعتراف منهم بأن الأمر إلى الله لا إليهم وإلا لم يستأصلهم القتل.
ويرد عليه عدم استقامة الجواب حينئذٍ وهو قوله تعالى: {قل إن الأمر كله لله}, وقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} "الخ", وقد أحس بعض هؤلاء بهذا الإشكال فأجاب عنه بما هو أردأ من أصل كلامه وقد عرفت ما هو الحق من المعنى.
قوله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} استزلال الشيطان إياهم إرادته وقوعهم في الزلة, ولم يرد ذلك منهم إلا بسبب بعض ما كسبوا في نفوسهم ومن أعمالهم, فإن السيئات يهدي بعضها إلى بعض فإنها مبنية على متابعة هوى النفس, وهوى النفس للشيء هوى لما يشاكله.
وأما احتمال كون الباء للآلة, وكون ما كسبوا عين توليهم يوم الالتقاء, فبعيد من ظاهر اللفظ, فإن ظاهر "ما كسبوا" تقدم الكسب على التولي والاستزلال.
وكيف كان, فظاهر الآية أن بعض ما قدموا من الذنوب والآثام مكّن الشيطان أن أغواهم بالتولي والفرار, ومن هنا يظهر أن احتمال كون الآية ناظرة إلى نداء الشيطان يوم أُحد بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما في بعض الروايات ليس بشيء إذ لا دلالة عليه من جهة اللفظ.
قوله تعالى: {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} هذا العفو هو عن الذين تولوا, المذكورين في صدر الآية, والآية مطلقة تشمل جميع من تولى يومئذٍ, فتعم الطائفتين جميعاً. أعني الطائفة التي غشيهم النعاس والطائفة التي أهمتهم أنفسهم, والطائفتان مختلفتان بالتكرم بإكرام الله وعدمه, ولكونهما مختلفتين لم يذكر مع هذا العفو الشامل لهما معاً جهات الإكرام التي اشتمل عليها العفو المتعلق بالطائفة الاولى على ما تقدم بيانه.
ومن هنا يظهر أن هذا العفو المذكور في هذه الآية غير العفو المذكور في قوله: {ولقد عفا عنكم}, ومن الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف اللحن ففرق واضح بين قوله تعالى: {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين}, ثم ذكر إثابتهم غماً بغم لكيلا يحزنوا, ثم إنزاله عليهم أمنة نعاساً, وبين قوله تعالى: {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم}, حيث ذكر العفو وسكت عن جميع ما أكرم الطائفة الاولى به, ثم ختم الكلام بذكر حلمه, وهو أن لا يعجل في العقوبة, والعفو الذي مع الحلم إغماض مع استبطان سخط.
فإن قلت: إنما سوى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعاً.
قلت: معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق وإن صدق على الجميع مفهوم العفو على حد سواء, ولا دليل على كون العفو والمغفرة وما يشابههما في جميع الموارد سنخاً واحداً, وقد بينا وجه الاختلاف.
(معنى العفو والمغفرة في القرآن)
العفو على ما ذكره الراغب - وهو المعنى المتحصل من موارد استعمالاته - هو القصد لتناول الشيء؛ يقال: عفاه واعتفاه: أي قصده متناولاً ما عنده, وعفت الريح الدار قصدتها متناولة آثارها انتهى, وكأن قولهم: عفت الدار إذ بلت مبني على عناية لطيفة وهي أن الدار كأنها قصدت آثار نفسها وظواهر زينتها فأخذته فغابت عن أعين الناظرين, وبهذه العناية ينسب العفو إليه تعالى كأنه تعالى يعني بالعبد فيأخذ ما عنده من الذنب ويتركه بلا ذنب.
ومن هنا يظهر أن المغفرة - وهو الستر - متفرع عليه بحسب الاعتبار, فإن الشيء كالذنب مثلاً, يؤخذ ويتناول أولاً, ثم يستر عليه فلا يظهر ذنب المذنب لا عند نفسه ولا عند غيره؛ قال تعالى:
{ واعف عنا واغفر لنا } [البقرة: 286]، وقال: { وكان الله عفواً غفوراً } [النساء: 43]. وقد تبين بذلك أن العفو والمغفرة وإن كانا مختلفين متفرعاً أحدهما على الآخر بحسب العناية الذهنية لكنهما بحسب المصداق واحد, وأن معناهما ليس من المعاني المختصة به تعالى, بل يصح إطلاقهما على غيره تعالى بما لهما من المعنى, كما قال تعالى: { إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } [البقرة: 237]، وقال تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } [الجاثية: 14]، وقال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} الآية فأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفوا عنهم فلا يرتب الأثر على معصيتهم من المؤاخذة والعتاب والإعراض ونحو ذلك, وأن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم - وهو تعالى فاعله لا محالة - فيما يرجع إليه من آثار الذنب.
وقد تبين أيضاً: أن معنى العفو والمغفرة يمكن أن يتعلق بالآثار التكوينية والتشريعية والدنيوية والأخروية جميعاً, قال تعالى:
{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الشورى: 30]، والآية شاملة للآثار والعواقب الدنيوية قطعاً, ومثله قوله تعالى: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } [الشورى: 50]، على ظاهر معناه, وكذا قول آدم وزوجته فيما حكاه الله عنهما: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23]، بناء على أن ظلمهما كان معصية لنهي إرشادي لا مولوي.
والآيات الكثيرة القرآنية دالة على أن القرب والزلفى من الله, والتنعم بنعم الجنة يتوقف على سبق المغفرة الإلهية وإزالة رين الشرك والذنوب بتوبة ونحوها, كما قال تعالى:
{ كلاَّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } [المطفيين: 14]، وقال تعالى: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } } [التغابن: 11]. وبالجملة العفو والمغفرة من قبيل إزالة المانع ورفع المنافي المضاد, وقد عد الله سبحانه الإيمان والدار الآخرة حياة, وآثار الإيمان وأفعال أهل الآخرة وسيرهم الحيوي نوراً, كما قال: { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]، وقال تعالى: { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } [العنكبوت: 64]، فالشرك موت والمعاصي ظلمات, قال تعالى: { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب, ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } [النور: 40]، فالمغفرة إزالة الموت والظلمة, وإنما تكون بحياة وهو الإيمان, ونور وهو الرحمة الإلهية.
فالكافر لا حياة له ولا نور, والمؤمن المغفور له له حياة ونور, والمؤمن إذا كان معه سيئات حي لم يتم له نوره وإنما يتم بالمغفرة, قال تعالى:
{ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا } [التحريم: 8]. فظهر من جمع ما تقدم أن مصداق العفو والمغفرة إذا نسب إليه تعالى في الأمور التكوينية كان إزالة المانع بإيراد سبب يدفعه, وفي الأمور التشريعية إزالة السبب المانع عن الإرفاق ونحوه, وفي مورد السعادة والشقاوة إزالة المانع عن السعادة.