التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ
١٠
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١١
قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٢
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
١٣
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ
١٤
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
١٥
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٦
ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ
١٧
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١٨
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قد تقدم: أن المسلمين عند نزول السورة كانوا مبتلين في داخل جماعتهم بالمنافقين وآخرين سماعين لهم ولما يلقيه إليهم أعداء الإِسلام من النزعات والوساوس لتقليب الأمور عليهم وإفساد دعوتهم, ومبتلين في خارج جمعهم بثوران الدنيا عليهم وانتهاض المشركين واليهود والنصارى لإِبطال دعوتهم وإخماد نارهم وإطفاء نورهم بأى وسيلة أمكنت من لسان أو يد. وأن غرض السورة دعوتهم إلى توحيد الكلمة وإلى الصبر والثبات ليصلح بذلك أمرهم وينقطع ما نشأ من الفساد في داخل جوهم, وما يطرأ ويهجم عليهم منه من خارجه.
وقد كانت الآيات السابقة أعني قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} إلى قوله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد}, تعريضاً للمنافقين والزائغين قلباً ودعوة للمسلمين إلى التثبت فيما فهموه من معارف الدين, والتسليم والإِيمان فيما اشتبه لهم ولم يفتهموه من كنهه وحقيقته بالتنبيه على أن شر ما يفسد أمر الدين ويجر المسلمين إلى الفتنة واختلال نظام السعادة هو اتباع المتشابهات وابتغاء التأويل فيتحول بذلك الهداية الدينية إلى الغي والضلال ويتبدل به الاجتماع افتراقاً, والشمل شتاتاً.
ثم وقع التعرض في هذه الآيات لحال الكفار والمشركين وأنهم سيغلبون وليسوا بمعجزين لله سبحانه ولا ناجحين في عتوهم بالتنبيه على أن الذي أوجب ضلالهم والالتباس عليهم هو ما زُيِّن لهم من مشتهيات الدنيا فزعموا بما رزقوا من مالها وولدها أن ذلك مغن لهم من الله سبحانه شيئاً وقد أخطأوا في زعمهم فالله سبحانه هو الغالب في أمره؛ ولو كان المال والأولاد وما أشبهها مغنية من الله شيئاً لأغنت آل فرعون ومن قبلهم من الأمم الظالمة أولي الشوكة والقدرة لكنها لم تغن عنهم شيئاً وأخذهم الله بذنوبهم, فكذلك هؤلاء سيغلبون ويؤخذون, فمن الواجب على المؤمنين أن يتقوا الله في هذه المشتهيات حتى ينالوا بذلك سعادة الدنيا وثواب الآخرة ورضوان ربهم سبحانه.
فالآيات كما تعطيه مضامينها متعرضة لحال الكفار كما أن الآيات التالية لهذه الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب من اليهود والنصارى على ما سيأتي.
قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً}, أغنى عنه ماله من فلان أي أعطاه الغنى ورفع حاجته فلا حاجة به إليه, والإِنسان في بادىء تكونه وشعوره يرى نفسه محتاجة إلى الخارج منه, وهذا أول علمه الفطري إلى احتياجه إلى الصانع المدبر, ثم إنه لما توسط في الأسباب وأحس بحوائجه بدء بإحساس الحاجة إلى كماله البدني النباتي وهو الغذاء والولد, ثم عرفت له نفسه سائر الكمالات الحيوانية, وهي التي يزينها له الخيال من زخارف الدنيا من زينة الملبس والمسكن والمنكح وغير ذلك, وعندئذٍ يتبدل طلب الغذاء إلى طلب المال الذي يظنه مفتاحاً لحل جميع مشكلات الحياة لأن العادة الغالبة تجري على ذلك فيظن أن سعادة حياته في المال والولد بعد ما كان يظن أن ضامن سعادته هو الغذاء والولد, ثم انكباب نفسه على مشتهياته, وقصر همه على الأسباب يوجب أن يقف قلبه عند الأسباب, ويعطي لها الاستقلال, وحينئذٍ ينسى ربه, ويتشبث بذيل المال والولد, وفي هذا الجهل هلاكه فإنه يستر به آيات ربه ويكفر بها, وقد التبس عليه الأمر فإن ربه {هو الله لا إله إلاَّ هو الحي القيوم} لا يستغني عنه شيء بحال ولا يغني عنه شيء بحال.
وبهذا البيان يظهر وجه تقديم الأموال على الأولاد في الآية, فإن الركون إلى المال - وقد عرفت أن الأصل فيه الغذاء -أقدم عند الإِنسان من الركون إلى الأولاد وأعرف منه وإن كان حب الولد ربما غلب عند الإِنسان على حب المال.
وفي الآية إيجاز شبيه دفع الدخل, والتقدير: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا وزعموا أن أموالهم وأولادهم تغنيهم من الله, وقد أخطأوا فلا غنى من الله سبحانه في وقت ولا في شيء, على ما تدل عليه الآية التالية.
قوله تعالى: {وأولئك هم وقود النار}, الوقود بفتح الواو ما توقد به النار وتشتعل، والآية جارية مجرى قوله تعالى:
{ فاتّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } [البقرة: 24]، وقوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } [الأنبياء: 98]، وقد مرّ بعض الكلام في معنى ذلك في سورة البقرة.
والإِتيان بالجملة الاسمية, والابتداء باسم الإِشارة, وكونه دالاً على البعد وتوسيط ضمير الفصل, وإضافة الوقود إلى النار دون أن يقال وقود, كل ذلك يؤكد ظهور الكلام في الحصر, ولازمه كون المكذبين من الكفار هم الأصل في عذاب النار وإيقاد جهنّم, وأن غيرهم إنما يحترقون بنارهم؛ ويتأيد بذلك ما سيأتي بيانه في قوله تعالى:
{ ليميز الله الخبيث من الطيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعض } [الأنفال: 37] الآية.
قوله تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم} إلى آخر الآية: الدأب على ما ذكروه هو السير المستمر، قال تعالى:
{ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } [إبراهيم: 33]، ومنه تسمية العادة دأباً لأنه سير مستمر, وهذا المعنى هو المراد في الآية.
وقوله: {كدأب}, متعلق بمقدر يدل عليه قوله في الآية السابقة: {لن تغني عنهم}, ويفسر الدأب قوله: {كذبوا بآياتنا}, وهو في موضع الحال؛ وتقدير الكلام كما مرّت إليه الإِشارة: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا واستمروا عليها دائبين فزعموا أن في أموالهم وأولادهم غنى لهم من الله كدأب آل فرعون ومن قبلهم وقد كذبوا بآياتنا.
وقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم}، ظاهر الباء أنها تفيد السببية, يقال: أخذته بذنبه أي بسبب ذنبه لكن مقتضى المحاذاة التي بين الآيتين؛ وقياسه حال هؤلاء الذين كفروا في دأبهم على آل فرعون والذين من قبلهم في دأبهم أن يكون البناء للآلة, فإنه ذكر في الذين كفروا أنهم وقود النار تشتعل عليهم أنفسهم ويعذبون بها فكذلك آل فرعون ومن قبلهم إنما أخذوا بذنوبهم وكان العذاب الذي حل بساحتهم هو عين الذنوب التي أذنبوها, وكان مكرهم هو الحائق بهم, وظلمهم عائداً إليهم, قال تعالى:
{ ولا يحيق المكر السيء إلاَّ بأهله } [فاطر: 43]، وقال تعالى: { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]. ومن هنا يتبيّن معنى كونه شديد العقاب, فإن عقابه تعالى لا يقصد الإِنسان ولا يتوجه إليه من جهة دون جهة, وفي محل دون محل, وعلى شرط دون شرط, كما أن عقاب غيره كذلك فإن الشر الذي يوجهه إلى الإِنسان مثله مثلاً إنما يتوجه إليه من بعض الجهات دون بعض كفوق وتحت, وفي بعض الأماكن دون بعض, فيدفع بالفرار والتوقي والالتجاء مثلاً, وهذا بخلاف عقابه تعالى فإنه يأخذ الإِنسان بعمله وذنبه وهو مع الإِنسان في باطنه وظاهره من غير أن ينفك عنه, ويجعل الإِنسان وقوداً لنار أحاط به سرداقها, ولا ينفعه فرار ولا قرار, ولا يوجد منه مناص ولا خلاص, فهو شديد العقاب.
وفي قوله تعالى: {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله}، التفات من الغيبة إلى الحضور أولاً, ثم من الحضور إلى الغيبة ثانياً, أما قوله: {كذبوا بآياتنا} ففيه تنشيط لذهن السامع وتقريب للخبر إلى الصدق, فإنه بمنزلة أن يقول القائل: إن فلاناً بذيء فحاش سيء المحاضرة, وقد ابتليت به فيجب الاجتناب عن معاشرته؛ فجملة: وقد ابتليت به تصحيح للخبر وإثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية ونحو من الشهادة.
فالمعنى - والله أعلم - أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر وتكذيب الآيات, ولا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين شاهدين وقد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم.
وأما قوله: {فأخذهم الله}, فهو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الأصل في الكلام وهو أسلوب الغيبة, وفيه مع ذلك إرجاع الحكم إلى مقام الأُلوهية القائمة بجميع شؤون العالم والمهيمنة على كل ما دقّ وجل, ولذلك كرر لفظ الجلالة ثانياً في قوله: {والله شديد العقاب}, ولم يقل: وهو شديد العقاب للدلالة على أن كفرهم وتكذيبهم هذا منازعة ومحاربة مع من له جلال الأُلوهية ويهون عليه أخذ المذنب بذنبه, وهو شديد العقاب لأنه الله جل اسمه.
قوله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون}, إلى آخر الآية, الحشر هو إخراج الجماعة عن مقرهم بالإِزعاج, ولا يستعمل في الواحد, قال تعالى:
{ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً } [الكهف: 74]، والمهاد هو الفراش, وظاهر السياق أن المراد بالذين كفروا هم المشركون كما أنه ظاهر الآية السابقة: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم} "الخ" دون اليهود, وهذا هو الأنسب لاتصال الآيتين حيث تذكر هذه الآية الغلبة عليهم وحشرهم إلى جهنّم وقد أشارت الآية السابقة إلى تقويم و تعززهم بالأموال والأولاد.
قوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا}؛ ظاهر السياق أن يكون الخطاب للذين كفروا, والكلام من تتمة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ستغلبون وتحشرون "الخ"، ومن الممكن أن يكون خطاباً للمؤمنين بدعوتهم إلى الاعتبار والتفكر بما منّ الله عليهم يوم بدر حيث أيّدهم بنصره تأييداً عجيباً بالتصرف في إبصار العيون, وعلى هذا يكون الكلام مشتملاً على نوع من الالتفات بتوسعة خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {قل للذين} بتوجيهه إليه وإلى من معه من المؤمنين؛ لكن السياق - كما عرفت - للأول أنسب.
والآية - بما تشتمل عليه من قصة التقاء الفئتين ونصره تعالى للفئة المقاتلة في سبيل الله - وإن لم تتعرض بتشخيص القصة وتسمية الوقعة غير أنها قابلة الانطباق على وقعة بدر, والسورة نازلة بعدها بل وبعد أُحد.
على أن الآية ظاهرة في أن هذه القصة كانت معهودة عند المخاطبين بهذه الخصوصية وهم على ذكر منها حيث يقول: قد كان لكم آية "الخ" ولم يقص تعالى قصة يذكر فيها التصرف في أبصار المقاتلين غير قصة بدر, والذي ذكره في قصة بدر في سورة الأنفال من قوله تعالى:
{ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور } [الأنفال: 44]، وإن كان هو التقليل دون التكثير لكن لا يبعد أن يكون قد قلل فيها المؤمنين في أعين المشركين ليجترؤا عليهم ولا يتولوا عن المقارعة, ثم كثرهم في أعينهم بعد التلاقي والاختلاط لينهزموا بذلك.
وكيف كان فالمعتمد ما كان في ذكرهم من التكثير في العيون فعلى تقدير أن يكون الخطاب في الآية متوجهاً إلى المشركين لا تنطبق الآية على غير وقعة بدر, على أن قراءة ترونهم بالتاء أيضاً تؤيد ما ذكرناه.
فمحصل معنى الآية: أنكم أيُّها المشركون لو كنتم من أولي الأبصار والبصائر لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق وأن الله يؤيد بنصره من يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد ما رأيتموه يوم بدر فقد كان المؤمنون مقاتلين في سبيل الله سبحانه, وقد كانوا فئة قليلة مستذلين لا يبلغون ثلث الفئة الكافرة, ولا يقاسون بهم قوة, كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ليس لهم إلاَّ ستة أدرع وثمانية سيوف وفرسان, وكان جيش المشركين قريباً من ألف مقاتل لهم من العدة والقوة والخيل والجمال والهيئة ما لا يقدر بقدر, فنصر الله المؤمنين على قلتهم وذلتهم على أعدائهم وكثّرهم في أعينهم فكانوا يرونهم مثليهم رأي العين, وأيدهم الملائكة فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به من أموال وأولاد ولم يغنم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من الله شيئاً.
وقد ذكر الله سبحانه دأب آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيب آيات الله وأخذهم بذنوبهم في سورة الأنفال عند ذكر القصة مرتين ما ذكره ها هُنا بعينه.
وفي موعظتهم بتذكير وقعة بدر إيماء إلى أن المراد بالغلبة في الآيات السابقة الغلبة بالقتل والإِبادة, ففي آياته تهديد بالقتال.
قوله تعالى: {فئة تقاتل في سبيل الله وأُخرى كافرة}, لم يقل وأُخرى في سبيل الشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى, وأن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الإِيمان بالله والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى.
والظاهر من السياق أن الضميرين في قوله يرونهم مثليهم راجعان إلى قوله: فئة تقاتل, أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلي المؤمنين فهم يرونهم ستمائة وستة وعشرين, ولقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً, وأما احتمال اختلاف الضميرين مرجعاً بأن يكون المعنى: يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين فبعيد عن اللفظ, وهو ظاهر.
وربما احتمل أن يكون الضميران راجعين إلى الفئة الكافرة, ويكون المعنى: يرى الكافرون أنفسهم مضاعفة مثلي عددهم (يرون الألف ألفين) ولازمه تقليلهم المؤمنين في النسبة فكانوا يرونهم سدس أنفسهم عدداً مع كونهم ثلثاً لهم في النسبة وذلك ليطابق ما ذكره في هذه الآية قوله تعالى في قصة بدر:
{ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم } [الأنفال: 44]، فإن الآية تنافي الآية.
وأُجيب بأن ذلك يؤدي إلى اللبس غير اللائق بأبلغ الكلام بل كان من اللازم على هذا أن يقال: يرون أنفسهم مثليهم أو ما يؤدي ذلك. وأما التنافي بين الآيتين فإنما يتحقق مع اتحاد الموقف والمقام, ولا دليل على ذلك لإِمكان أن يقلل الله سبحانه كلاً من الطائفتين في عين صاحبتها في بدء التلاقي لتشد بذلك قلوبهم وتزيد جرأتهم حتى إذا نشبت المقارعة وحمي الوطيس رأى الكافرون المؤمنين مثلي عددهم فانهزموا بذلك وولوا الأدبار، وهذا نظير قوله تعالى في وصف يوم القيامة:
{ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } [الرحمن: 39]، مع قوله: { وقفوهم إنهم مسؤولون } [الصافات: 24]، وليس إلاَّ أن الموقف غير الموقف.
وفي شأن الضميرين أعني في قوله: يرونهم مثليهم, احتمالات أُخر ذكروها غير أن الجميع تشترك في كونها خلاف ظاهر اللفظ, ولذلك تركنا ذكرها, والله العالم.
قوله تعالى: {والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار}، التأييد من الأيد وهو القوة, والمراد بالأبصار قيل: هو العيون الظاهرية لكون الآية مشتملة على التصرف في رؤية العيون, وقيل: هو البصائر لأن العبرة إنما تكون بالبصيرة القلبية دون البصر الظاهري, والأمر هيّن, فإن الله سبحانه في كلامه يعدّ من لا يعتبر بالعبر والمثلات أعمى, ويذكر أن العين يجب أن تبصر وتميّز الحق من الباطل وفي ذلك دعوى أن الحق الذي يدعو إليه ظاهر متجسد محسوس يجب أن يبصره البصر الظاهر, وأن البصيرة والبصر في مورد المعارف الإِلهية واحد (بنوع من الاستعارة) لنهاية ظهورها ووضوحها, والآيات في ذلك كثيرة جداً, ومن أحسنها دلالة على ما ذكرنا قوله تعالى:
{ فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } [الحج: 46]، أي أن الأبصار إنما هي في القلوب دون الرؤوس, وقوله تعالى: { ولهم أعين لا يبصرون بها } [الأعراف: 179]، والآية في مقام التعجيب، وقوله تعالى: { وجعل على بصره غشاوة } [الجاثية: 23]، إلى غير ذلك من الآيات, فالمراد بالأبصار فيما نحن فيه هو العيون الظاهرية بدعوى أنها هي التي تعتبر وتفهم فهو من الاستعارة بالكناية, والنكتة فيه ظهور المعنى كأنه بالغ حد الحس, ويزيد في لطفه أن المورد يتضمن التصرف في رؤية العين الظاهرة.
وظاهر قوله: {إن في ذلك} "إلخ" أنه تتمة لكلامه تعالى الذي يخاطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس تتمة لقول النبي المدلول عليه بقوله: {قل للذين كفروا} "إلخ"؛ والدليل عليه الكاف في قوله: ذلك, فإنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم, وفي هذا العدول إلى الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إيماءً إلى قلة فهمهم وعمى قلوبهم أن يعتبروا بأمثال هذه العبر.
قوله تعالى: {زُيِّن لِلْنَّاس حُبُّ الشهوات من النساء} "إلخ"؛ الآية وما يتلوها بمنزلة البيان وشرح حقيقة الحال لما تقدم من قوله تعالى آنفاً: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} "إلخ" إذ يظهر منه أنهم يعتقدون الاستغناء بالأموال والأولاد من الله سبحانه فالآية تبين أن سبب ذلك أنهم انكبوا على حب هذه المشتهيات وانقطعوا إليها عن ما يهمهم من أمر الآخرة, وقد اشتبه عليهم الأمر فإن ذلك متاع الحياة الدنيا, ليس لها إلاَّ انها مقدمة لنيل ما عند الله من حسن المآب مع أنهم غير مبدعين في هذا الحب والاشتهاء ولا مبتكرون بل مسخرون بالتسخير الإِلهي بتغريز أصل هذا الحب فيهم ليتم لهم الحياة الأرضية فلولا ذلك لم يستقم أمر النوع الإِنساني في حياته وبقائه بحسب ما قدره الله سبحانه من أمرهم حيث قال:
{ ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاع إلى حين } } [البقرة: 36]. وإنما قدر لهم ذلك ليتخذوها وسيلة إلى الدار الآخرة ويأخذوا من متاع هذه ما يتمتعون به في تلك لا لينظروا إلى ما في الدنيا من زخرفها وزينتها بعين الاستقلال وينسوا بها ما وراءها, ويأخذوا الطريق مكان المقصد في عين أنهم سائرون إلى ربهم, قال تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملاً وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً } } [الكهف: 7ـ8]. إلاَّ أن هؤلاء المغفلين أخذوا هذه الوسائل الظاهرة الإِلهية التي هي مقدمات وذرائع إلى رضوان الله سبحانه أموراً مستقلة في نفسها محبوبة لذاتها وزعموا أنها تغني عنهم من الله شيئاً فصارت نقمة عليهم بعدما كانت نعمةً ووبالاً بعدما كانت مثوبة مقربة. قال تعالى: {إنّما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس} إلى أن قال: { ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم } [يونس: 28] إلى أن قال: { وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } [يونس: 30]، تشير الآيات إلى أمر الحياة وزينتها بيده تعالى لا ولي لها دونه, لكن الإِنسان باغتراره بظاهرها يظن أن أمرها إليه, وأنه قادر على تدبيرها وتنظيمها فيتخذ لنفسه فيها شركاء - كالأصنام وما بمعناها من المال والولد وغيرهما, إن الله سيوقفه على زلته فيذهب هذه الزينة, ويزيل الروابط التي بينه وبين شركائه, وعند ذلك يضل عن الإِنسان ما افتراه على الله من شريك في التأثير ويظهر له معنى ما علمه في الدنيا وحقيقته, ورد إلى الله مولاه الحق.
وهذا التزين أعني: ظهور الدنيا للإِنسان بزينة الاستقلال وجمال الغاية والمقصد لا يستند إلى الله سبحانه فإن الرب العليم الحكيم أمنع ساحة من أن يدبر خلقه بتدبير لا يبلغ به غايته الصالحة, وقد قال تعالى:
{ إن الله بالغ أمره } [الطلاق: 3]، وقال تعالى: { والله غالب على أمره } [يوسف: 21]، بل إن استند فإنما يستند إلى الشيطان قال تعالى: { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، وقال تعالى: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } } [الأنفال: 48]. نعم لله سبحانه الإِذن في ذلك ليتم أمر الفتنة, وتستقيم التربية كما قال تعالى: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } [العنكبوت: 2ـ4]، وعلى هذا الإِذن يمكن أن يحمل قوله تعالى: { كذلك زينا لكل أُمة عملهم } [الأنعام: 108]، وإن أمكن أيضاً أن يحمل على ما مرّ من معنى التزيين المنسوب إليه تعالى في قوله سبحانه: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً } } [الكهف: 71]. وبالجملة التزيين تزيينان: تزيين للتوسل بالدنيا إلى الآخرة وابتغاء مرضاته في مواقف الحياة المتنوعة بالأعمال المختلفة المتعلقة بالمال والجاه والأولاد والنفوس, وهو سلوك إلهي حسن, نسبه الله تعالى إلى نفسه كما مرّ من قوله: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها الآيات, وكقوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]. وتزيين لجلب القلوب وإيقافها على الزينة وإلهائها عن ذكر الله وهو تصرف شيطاني مذموم نسبه الله سبحانه إلى الشيطان, وحذر عباده عنه كما مرّ من قوله تعالى: {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} الآية، وقوله تعالى فيما يحكيه من قول الشيطان: { قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين } [الحجر: 39]، وقوله تعالى: { زين لهم سوء أعمالهم } [التوبة: 37], إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا القسم ربما نسب إليه تعالى من حيث أن الشيطان وكل سبب من أسباب الخير أو الشر إنما يعمل ما يعمل ويتصرف في ملكه ما يتصرف بإذنه لينفذ ما أراده وشاءه, وينتظم بذلك أمر الصنع والإِيجاد, ويفوز الفائزون بحسن إرادتهم واختيارهم, ويمتاز المجرمون.
وبما مرّ من البيان يظهر أن المراد من فاعل التزيين المبهم في قوله: {زين للناس حب الشهوات} "إلخ" ليس هو الله سبحانه فإن التزيين المذكور وإن كان له نسبة إليه تعالى سواء كان تزييناً صالحاً لأن يدعو إلى عبادته تعالى وهو المنسوب إليه بالاستقامة أو تزييناً ملهياً عن ذكره تعالى وهو المنسوب إليه بالإِذن, لكن لاشتمال الآية على ما لا ينسب إليه مستقيماً كما يجيء بيانه كان الأليق بأدب القرآن أن ينسب إلى غيره تعالى كالشيطان أو النفس.
ومن هنا يظهر صحه ما ذكره بعض المفسرين: أن فاعل زين هو الشيطان لأن حب الشهوات أمر مذموم, وكذا حب كثرة المال مذموم, وقد خص تعالى بنفسه ما ذكره في آخر الآية وفي ما يتلوها.
ويظهر به فساد ما ذكره بعضهم: أن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشىء فيها ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال وإنما يسند إليه ما هو قبيل الوسوسة التي تزين للإِنسان عملاً قبيحاً.
قال: ولذلك لم يسند إليه القرآن إلاَّ تزيين الأعمال, قال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم}, وقال: {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون}, وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلاَّ إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له, قال عز وجل: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} وقال: {كذلك زينا لكل أُمةٍ عملهم} فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع, انتهى.
وجه الفساد: أنه وإن أصاب في قوله: إن الحقائق وطبائع الأشياء لا تسند إلاَّ إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له لكنه أخطأ في قوله: إن الكلام في طبيعة البشر وما ينشأ منها بحسب الطبع, وذلك أن السورة كما علمت في مقام بيان أن الله سبحانه هو القيوم على خلقه في جميع ما هم عليه من الخلق والتدبير والإِيمان والكفر والإِطاعة والعصيان, خلق الخلق وهداهم إلى سعادتهم, وأن الذين نافقوا في دينه من المنافقين أو كفروا بأياته من الكافرين أو بغوا بالاختلاف في كتابه من أهل الكتاب, وبالجملة الذين أطاعوا الشيطان واتبعوا الهوى ليسوا بمعجزين لله غالبين عليه مفسدين لقيمومته بل الجميع راجع إلى قدره وتدبيره أمر خلقه في تحكيم ناموس الأسباب لتقوم بذلك سنّة الامتحان, فهو الخالق للطبائع وقواها وميولها وأفعالها لتسلك بها إلى جوار ربها جوار القرب والكرامة, وهو الذي أذن لإِبليس ولم يمنعه من الوسوسة والنزعة ولم يمنع الإِنسان من اتباعه باتباع الهوى ليتم أمر الامتحان وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء, وإنما بين ذلك في هذه السورة ليتسلى بذلك نفوس المؤمنين, ويطيب بذلك قلوبهم بما هم عليه عند نزول السورة من العسرة والشدة والابتلاء من الداخل بنفاق المنافقين وجهالة الذين في قلوبهم مرض بإفساد الأمور وتقليبها عليهم, والتقصير في طاعة الله ورسوله, ومن الخارج بالدعوة الشاقة الدينية, ووثوب الكفار من العرب عليهم من جانب, وأهل الكتاب واليهود منهم خاصة من جانب آخر, وتهديد الكفار كالروم والعجم بالقوة والعدة من جانب آخر, وهؤلاء الكافرون ومن يحذو حذوهم اشتبه عليهم الأمر في الركون إلى الدنيا وزخارفها حيث أخذوها غاية وهي مقدمة والغاية أمامها.
فالسورة كما ترى تبحث عن طبائع الأمم لكن بنحو وسيع يشمل جهات خلقهم وتكوينهم وجميع ما يتعقب ذلك في مسير حياتهم من الخصائل وأعمال السعادة والشقاوة والطاعة والمعصية فتبين أن ذلك كله تحت قيمومته تعالى لا يقهر في قدرته, ولا يغلب في أمره لا في الدنيا ولا في الآخرة, أما في الدنيا فإنما هو إذن وامتحان, وأما في الآخرة فإنما هو الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وكذلك الآيات أعني قوله: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم}, إلى تمام تسع آيات في مقام بيان أن الكفار وإن كذبوا ايات ربهم وبدلوا نعم الله التي أنعمها عليهم ليتوسلوا بها إلى رضوانه وجنته فركنوا واعتمدوا عليها واستغنوا بها عن ربهم, ونسوا مقامه ليسوا بمعجزين ولا غالبين فسيأخذهم الله بنفس أعمالهم, ويؤيد عباده المؤمنين عليهم وسيحشرهم إلى جهنَّم وبئس المهاد, وهم مع ذلك غالطون في الركون إلى ما ليس إلاَّ متاعاً في الحياة الدنيا وعند الله حسن المآب, فالآيات أيضاً تبحث عن طبيعة الكفار لكن بنحو وسيع يشمل الصالح والطالح من أعمالهم.
على أن الآية التي ذكرها هذا القائل مستشهداً بها على أن الحقائق لا تسند إلاَّ إلى الله وإنما يسند إلى الشيطان الأعمال أعني قوله تعالى: {كذلك زيّنا لكل أُمّةٍ عملهم} يدل بما حف عليه من القرائن على خلاف ذلك ويؤيد ما ذكرناه وهو قوله تعالى:
{ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أُمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]، وهو ظاهر.
وكذا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن التزيين على قسمين محمود ومذموم والأعمال نوعان حسنة وسيئة, وإنما يسند إلى الله سبحانه ما هو منها محمود ممدوح حسن, والباقي للشيطان.
وهو وإن كان حقاً من وجه ولكنه إنما يصح في النسبة المستقيمة التي يعبّر عنه بالفعل ونحوه فالله سبحانه لا يفعل إلاَّ الجميل, ولا يأمر بالسوء والفحشاء, وأما النسبة غير المستقيمة وبالواسطة التي يعبر عنه بالإِذن ونحوه فلا مانع عنها, ولولا ذلك لم يستقم ربوبيته لكل شيء, وخلقه لكل شيء, وملكه لكل شيء, وانتفاء الشريك عنه على الإِطلاق, والقرآن مشحون من هذه النسبة كقوله تعالى:
{ يضل من يشاء } [فاطر: 8]، وقوله: { أزاغ الله قلوبهم } [الصف: 5]، وقوله: { الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم } [البقرة: 15]، وقوله: { أمرنا مترفيها ففسقوا } [الإسراء: 16], إلى غير ذلك من الآيات، ولم ينشأ خطأهم هذا إلاَّ من جهة ما قصروا في البحث عن روابط الأشياء وآثارها وأفعالها فحسبوا كل واحد من هذه الأمور الموجودة أمراً مستقل الوجود منقطع الذات عمّا يحتف به من مجموعة الأشياء وقبيل المصنوعات وما يتقدم عليها وما يتأخر عنها.
ولزم ذلك أن يضعوا الحوادث التي هي نتائج تفاعل الأسباب والعلل على ما فطرها الله عليه في مسير السببية متقطعة متفرقة غير متصلة ولا مرتبطة فكانت كل حادثة حدثت عن أسبابها وكل فعل فعله فاعله منقطع الوجود عن غيره مملوكاً لصاحبه ليس لغير سببه المتصل به فيه نصيب ولا في حدوثه حظ, فأجرام تدور, وبحر تسري, وفلك تجري, وأرض تقل, ونبات ينبت, وحيوان يدبّ, وإنسان يعيش ويكدح لا التئام روحي معنوي يجمعها ولا وحدة جسمية من المادة وقوتها توحدها.
ثم تعقب ذلك أن يظنوا نظير هذا الانفصال والتلاشي بين عناوين الأعمال وصور الأفعال من خير وشر, وسعادة وشقاء, وهدى وضلال, وطاعة ومعصية وإحسان وإساءة, وعدل وظلم, وغير ذلك فكانت غير مرتبطة الوجود ولا متشابكة التحقق.
وقد ذهلوا عن أن هذا العالم بما يشتمل عليه من أعيان الموجودات وأنواع المخلوقات مرتبط الأجزاء متلائم الأبعاض, يتبدل جزء منه إلى جزء, ويتحول بعضه إلى بعض, فيوماً إنسان, ويوماً نبات, ويوماً جماد, ويوماً جمع, ويوماً فرق, وحياة البعض بعينها ممات الآخر, وكون الجديد منه فساد للقديم بعينه.
وكذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة أي وضع فرض لواحدة منها مؤثر في أوضاع ما يقارنها وما يتقدمها إلى أقدم العهود المفروضة للعالم الطبيعي كالسلسلة التي تنجر بجر الحلقة منها جميع الحلقات وهي السلسلة فأدنى تغير مفروض في ذرة من ذرات هذا العالم يوجب تغير الحال في الجميع وإن عزب عن علمنا وإدراكنا أو خفي عن إحساسنا فعدم العلم لا يستلزم عدم الوجود, فهذا مما بينت في الأبحاث العلمية منذ القديم, وأوضحته الأبحاث الطبيعية والرياضية اليوم أتم إيضاًح, ولقد كان القرآن ينبئنا بذلك أحسن الإِنباء قبل أن نأخذ في هذه الأبحاث من فلسفيها وطبيعيها ورياضيها بالنقل عن كتب الآخرين ثم بالاستقلال في البحث, وذلك بما يذكر من اتصال التدبير في الآيات السماوية والأرضية, وارتباط ما بينها, ونفع بعضها في بعض, واشتراك الجميع في إقامة غرض الخلقة, ونفوذ القدر في جميعها والسلوك إلى المعاد, وأن إلى ربك المنتهى.
وكذلك أوصاف الأفعال وعناوين الأعمال مرتبطة الأطراف كارتباط الأمور المتقابلة المتعاندة, فلولا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر كما نشاهده من أمر الصنع والإِيجاد أن تكوّن شيء ما يحتاج إلى فساد آخر, وسبق أمر يتوقف على لحوق آخر.
ولو لم يتحقق أحد الطرفين من أوصاف الأعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره المطلوبة منه في الاجتماع الإِنساني الطبيعي, ولا في الاجتماع الإِلهي الذي هو الدين الحق, فإن الإِطاعة مثلاً حسنة لأن المعصية سيئة, والحسنة موجبة للثواب, لأن السيئة موجبة للعقاب, والثواب لذيذ للعامل لأن العقاب مؤلم له, واللذة سعادة مرغوب فيها, لأن الألم شقاوة مهروب عنها, والسعادة هي التي يتوجه وجوده بحسب الخلقة إليها والشقاوة هي التي يتوجه عنها, ولولا هذه الحركة الوجودية لبطل الوجود.
فالإِطاعة ثم الحسنة ثم الثواب ثم اللذة ثم السعادة هي بحيال المعصية, فالعقاب فالألم فالشقاء وإنما يظهر كل منها بخفاء ما يقابله ويحيى بموته, وكيف يمكن أن تقع دعوة إلى شيء من غير تحذير عما يخالفه؟ وكيف يمكن أن يكون خلافه ممكناً دون أن يكون واقعاً بما يدعو إليه من الأغراض والميول؟.
فقد تبيّن مما ذكرناه: أن الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم على الفساد كما يشتمل على الصلاح, وعلى المعصية كما يشتمل على الطاعة على ما قدره الله في نظام صنعه وخلقه, غير أن الكون والفساد في غير الأعمال وأوصافها ينسبان إلى الله سبحانه, لأن الخلق والأمر له لا شريك له. وقبيل السعادة من الأعمال تنسب إليه بالهداية نسبة مستقيمة وقبيل الشقاوة منها كوسوسة الشيطان وتسليط الهوى على الإِنسان وتأمير الظالمين على الناس ونحو ذلك ينسب إليه تعالى بالإِضلال والإِخزاء والخذلان ونحوها نسبة غير مستقيمة, وهي التي يعبر عنها بالإِذن فيقال: إنه تعالى أذن للشيطان أن ينزغ بالوسوسة والتسويل, ولم يمنع الإِنسان أن يتبع الهوى, ولم يضرب بين الظالم وما يريده من الظلم بحجاب لأن السعادة والشقاوة مبنيتان على الاختيار؛ فمن سعد فباختياره, ومن شقي فباختياره, ولولا ذلك لم تتم الحجة؛ ولم تجر سنة الاختيار والامتحان.
ولم يمنع هؤلاء الباحثين عن الاسترسال في هذه المباحث إلاَّ استيحاشهم من وخيم نتائجها بزعمهم؛ فأما المجبرة منهم فزعموا أن لو قالوا بارتباط الأشياء وضرورة تأثير الأسباب واعترفوا بذلك لزمهم الإِيجاب في جانب الصانع تعالى وسلب قدرته المطلقة على التصرف في مصنوعاته.
وأما غيرهم فزعموا أن لو أذعنوا بذلك في مرحلة الأعمال وأسندوها إلى إرادته وقدره تعالى لزمهم القول بالإِيجاب والإِجبار في جانب المصنوع وهو الإِنسان, وببطلان الاختيار يبطل الثواب والعقاب, والتكليف والتشريع.
مع أنهم كان يسعهم أن يستأنسوا من غير استيحاش بكلامه تعالى حيث يقول:
{ والله غالب على أمره } [يوسف: 21]، ويقول: { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54] ويقول: { لله ما في السماوات والأرض } [لقمان: 26]، على أنها وما يماثلها آيات تعطي البرهان في ذلك؛ وقد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على قوله تعالى: { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً } [البقرة: 26]. ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات}, فنقول: الظاهر أن فاعل زين غيره تعالى وهو الشيطان أو النفس: أما أولاً فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه؛ والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى.
وأما ثانياً: فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإِنسان إلى هذه الأمور فكان الأنسب في التعبير أن يقال: زين للإِنسان أو لبني آدم ونحوها, كقوله تعالى:
{ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } [التين: 4ـ5]، وقوله تعالى: { ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر } } [الإسراء: 70] الآية، وأما لفظ الناس فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شىء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص ودناءة الفكر نحو قوله: { فأبى أكثر الناس إلاَّ كفوراً } [الإسراء: 89]، وقوله: { يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى } [الحجرات: 13] وغير ذلك.
وأما ثالثاً: فلأن الأمور التي عدها تعالى بياناً لهذه الشهوات لا تناسب التزيين الفطري إذ كان الأنسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي معنى مطلق الزوجية, ولفظ البنين بالأولاد, ولفظ القناطير المقنطرة بالأموال, فإن الحب الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو موجود في الرجال بالنسبة إلى النساء, وكذا هو مغروز في الإِنسان بالنسبة إلى مطلق الأولاد ومطلق الأموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة؛ ولذلك اضطر القائل بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول: إن المراد حب مطلق الزوجية ومطلق الأولاد ومطلق الأموال وإنما ذكرت النساء والبنين والقناطير لكونها أقوى الأفراد وأعرفها ثم تكلف في بيان ذلك بما لا موجب له.
وأما رابعاً: فلأن كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله تعالى في آخر الآية: {ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أأنبئكم بخير من ذلكم}, فإن ظاهره أنّه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله من الجنان والأزواج والرضوان؛ ولا معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة, فإن في ذلك مناقضة ظاهرة وإبطالاً للأمرين معاً كالذي يريد الشبع ويمتنع عن الأكل.
فإن قلت: الآية أعني قوله: {زين للناس حب الشهوات} "إلخ" بحسب الملخص من معناها مساوقة لقوله تعالى:
{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } [الأعراف: 32]، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضاً هو الله سبحانه.
قلت: بين الآيتين فرق من حيث المقام: فإن المقام فيما نحن فيه: مقام ذم هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عمّا لهم عند الله, وحثّهم على الإِعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه بخلاف تلك الآية فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإِنسان وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة, ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد. وعدت هذه الزينة رزقاً طيباً.
وإن قلت: إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات, ومن المعلوم أن تزيين الحب للإِنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه أمر طبيعي وخاصة ذاتية له فيأول معنى تزيين الحب للنَّاس إلى جعل الحب مؤثراً في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم, ولا ينسب الخلق إلاَّ إلى الله سبحانه فهو الفاعل في قوله: زيّن.
قلت: لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره, فإن الزينة هي الأمر المطلوب الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإِنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها, فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي المرأة, وبالجملة فيأول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدي إلى التوله فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى:
{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً } [مريم: 59]، ويؤيد هذا المعنى ما سيأتي من الكلام في العد الواقع في قوله: من النساء والبنين والقناطير, على أن لفظ الشهوات ربما لم يخل عن الدلالة بالشغف والولوع وإن كان بمعنى المشتهيات.
قوله تعالى: {من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} "إلخ"، النساء جمع لا واحد له من لفظه, والبنين جمع ابن وهو ذكور الأولاد بواسطة أو بلا واسطة, والقناطير جمع قنطار وهو ملأ مسك ذهباً أو هو المسك المملوء, والمقنطرة اسم مفعول مشتق من القنطار وهو جامد, وهذا من دأبهم يعتبرون في الجوامد شيئاً من النسب يكسب بها معنى مصدرياً ثم يشتقون منه المشتقات كالباقل والتامر والعطار لبائع البقل والتمر والعطر, وفائدة توصيف الشيء بالوصف المأخوذ من لفظه تثبيت معناه له, والتلميح إلى أنه واجد لمعنى لفظه غير فاقده كما يقال: دنانير مدنرة ودواوين مدونة, ويقال: حجاب محجوب وستر مستور, والخيل: هو الأفراس, والمسومة مأخوذة من سامت الإِبل سوماً بمعنى ذهبت لترعى فهي سائمة, أو من سمت الإِبل في المرعى وأسمتها وسوّمتها بمعنى أعلمتها. فالخيل المسوّمة إما المرسلة للرعي أو المعلمة, والأنعام جمع نعم بفتحتين وهو الإِبل والبقر والغنم, والبهائم أعم منه ويطلق على غير الوحش والطير والحشرات, والحرث هو الزرع وفيه معنى الكسب وهو تربية النبات أو النبات المربى للانتفاع به في المعاش.
وبناء التعداد في الآية ليس على تكثر حب الشهوات بحسب تكثر المشتهيات أعني متعلقات الشهوة بمعنى أن الإِنسان بحسب طبعه يميل إلى الأزواج والأولاد والمال حتى يتكلف في توجيه التعبيرات الواقعة في الآية كالتعبير عن الإِنسان بالناس والتعبير عن الأولاد بخصوص البنين, والتعبيرعن المال بالقناطير المقنطرة" إلخ" بما تكلف به جمع من المفسرين.
بل على كون الناس أصنافاً في الشغف والولوع بمشتهيات الدنيا فمن شهواني لا همّ له إلاَّ التعشق بالنساء وغرامهن والتقرب إليهن والإِنس بصحبتهن, ويستصحب ذلك أذناباً من وجوه الفساد ومعاصي الله سبحانه, كاتخاذ المعازف والأغاني وشرب المسكرات وأمور أُخر غيرهما, وهذا مما يختص بالرجال عادة, ولا يوجد في النساء إلاَّ في غاية الشذوذ, ومن محب للبنين والتكاثر والتقوي بهم كما يوجد غالباً في أهل البدو, ويختص أيضاً بالبنين دون البنات, ومن مغرم بالمال أكبر همّه أن يقنطر القناطير, ويملأ المخازن من وجوه النقد, وظهور هذا الجنون أيضاً في جمع المال إنما هو في وجوه النقد من الذهب والفضة أو ما يتقوّم بهما دون أمثال الأثاث إلاَّ أن يراد لأجلهما بوجه, ويوجد غالباً في الحاضر دون البادي, أو أن المختار عنده اتخاذ الخيل المسوّمة كالمغرمين بالفروسة وأمثالهم أو اتخاذ الماشية من الأنعام, أو يستحب الحرث, وربما يجتمع البعض من هذه الثلاثة الأخيرة مع البعض وربما تفترق.
وهذه أقسام الشهوات التي ينسل الناس إليها صنفاً صنفاً بالتعلق بواحد منها وجعله أصلاً في اقتناء مزايا الحياة, وجعل غيره فرعاً مقصوداً بالقصد الثاني, وقلما يوجد (أو لا يوجد أصلاً) في الناس من ساوى بين جميعها, وقصد الجميع قصداً أولاً معتدلاً.
وأما مثل الجاه والمقام والصدارة ونحوها فهي جميعاً أمور وهمية بالحقيقة إنما تتعلق الرغبة إليها بالقصد الثاني لا يعد الالتذاذ بها التذاذاً شهوياً, على أن الآية ليست في مقام حصر الشهوات.
ومن هنا يتأيد ما تقدمت الإِشارة إليه من أن المراد بحب الشهوات التوغل والانغمار في حبها (وهو المنسوب إلى الشيطان) دون أصل الحب المودع في الفطرة (وهو المنسوب إلى الله سبحانه).
قوله تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا}, أي هذه الشهوات أمور يتمتع بها لإِقامة هذه الحياة التي هي أقرب الحياتين منكم (وهما الحياة الدنيا والحياة الأخرى), والحياة الدنيا وكذا المتاع الذي يتمتع به, لها أمر فانٍ داثر ليس لها عاقبة باقية صالحة, وصلاح العقبى وحسن المآب إنما هو عند الله سبحانه وهو قوله تعالى: {والله عنده حسن المآب}.
قوله تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتّقوا عند ربهم جنات} إلى آخر الآية؛ الآية مسوقة لبيان قوله: {والله عنده حسن المآب} وقد وضع فيها محل هذه الشهوات الفانية الباطلة أمور هي خير للإِنسان لكونها باقية وحسنة حقيقة من غير بطلان, وهي أمور مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الإِنسان من خواصها وآثارها غير أنها خالية عن القبح والفساد غير صارفة للإِنسان عمّا هو خير منها, وهي الجنة ومطهرات الأزواج ورضوان الله تعالى.
وقد اختصت الأزواج بالذكر مع كون ذكر الجنة كالمشتمل عليها لكون الوقاع أعظم اللذائذ الجسمية عند الإِنسان, ولذلك أيضاً قدم ذكر النساء في قوله: {من النساء والبنين والقناطير المقنطرة} "إلخ".
وأما الرضوان بكسر الراء وضمها فهو الرضا, وهو أن يلائم الأمر الواقع نفس صاحبه من غير أن يمتنع منه ويدافعه, ويقابله السخط.
وقد تكرر في القرآن ذكر رضى الله سبحانه, وهو منه تعالى كما يتصور بالنسبة إلى فعل عباده في باب الطاعة كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب الطاعة كالأوصاف والأحوال وغير ذلك, إلاَّ أن جل الموارد التي ذكر فيها أو كلها من قبيل الرضا بالطاعة, ولذلك ربما قوبل بينه وبين رضا العبد فرضاه عن عبده لطاعته, ورضى العبد عنه لجزائه الحسن أو لحكمه كقوله تعالى:
{ رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المجادلة: 22]، وقوله تعالى: { يا أيَّتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } [الفجر: 27ـ28]، وقوله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات } [التوبة: 100] الآية.
وذكر الرضوان ها هُنا أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحياة الدنيا يدل على أنه نفسه من مشتهيات الإِنسان أو يستلزم أمراً هو كذلك؛ ولذلك عنى بذكره في مقابل الجنات والأزواج في هذه الآية, وكذا في مقابل الفضل والمغفرة والرحمة في قوله:
{ فضلاً من ربهم ورضواناً } [المائدة: 2]، وقوله: { ومغفرة من الله ورضوان } [الحديد: 20]، وقوله: { برحمة منه ورضوان } [التوبة: 21]. ولعلّ الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية هو التدبر في المعنى الذي ذكرناه وفي قوله تعالى: {رضي الله عنهم} الآية وقوله: {راضية مرضية} الآية حيث علق رضاه بأنفسهم, والرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم فيعود المعنى إلى أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيأول إلى معنى قوله: { لهم ما يشاؤون فيها } [ق:35]، ففي رضوان الله عن الإِنسان المشيئة المطلقة للإِنسان.
ومن هنا يظهر: أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في الآية السابقة, أن الإِنسان يحسب أنه لو اقتناها وخاصة القناطير المقنطرة من بينها أفادته إطلاق المشية وأعطته سعة القدرة فله ما يشاء, وعنده ما يريد. وقد اشتبه عليه الأمر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شيء.
قوله تعالى: {والله بصير بالعباد}. لما تحصل من هذه الآية والتي قبلها: أن الله أعد للإِنسان في كلتا الدارين (الدنيا والآخرة) نعماً يتنعم بها ومآرب أخرى مما تلتذ به نفسه كالأزواج, وما يؤكل ويشرب, والملك ونحوها, وهي متشابهة في الدارين غير أن ما في الدنيا مشترك بين الكافر والمؤمن مبذول لهما معاً وما في الآخرة مختص بالمؤمن لا يشاركه فيها الكفار كان المقام مظنة سؤال الفرق في ذلك, وبلفظ آخر سؤال وجه المصلحة في اختصاص المؤمن بنعم الآخرة أجاب عنه بقوله: {والله بصير بالعباد}, ومعناه: أن هذا الفرق الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر ليس مبنياً على العبث والجزاف تعالى عن ذلك, بل إن في الفريقين أمراً هو المستدعي لهذا الفرق والله بصير بهم يرى ما فيهم من الفرق وهو التقوى في المؤمن دون الكافر, وقد وصف هذا التقوى وعرفه بما يلحق بهذه الآية من قوله: {الذين قالوا ربنا}, إلى آخر الآيتين وملخصه: أنهم يظهرون فاقتهم إلى ربهم وعدم استغنائهم عنه, ويصدقون ذلك بالعمل الصالح ولكن الكافر يستغني عن ربه بشهوات الدنيا وينسى آخرته وعاقبة أمره.
ومن ألطف ما يستفاد من الآيتين أعني قوله تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلك} إلى آخر الآية، وما في معناهما من الآيات كقوله تعالى:
{ قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } [الأعراف: 32]، الجواب عن إشكالٍ استوجهه كثير من الباحثين على ظواهر الآيات الواصفة لنعم الجنة.
أما الإِشكال فهو أن المتأمل في أطوار وجود هذه الموجودات المشهودة في هذا العالم لا يشك في أن الأفعال الصادرة منها وأعمالها التي يعملها إنما هي متفرعة على القوى والأدوات التي جهز بها كل واحد منها ليدفع بها عن وجوده ويحفظ بها بقاءه كما يحققه البحث عن الغايات الوجودية وأن الوجود لا يستند إلى اتفاق أو جزاف أو عبث.
فهو ذا الإِنسان مجهز في جميع بدنه بجهاز دقيق في غاية الدقة يتمشى به أمر تغذيه, وإنما يتغذى لتهيئة بدل ما يتحلل من أجزائه وإنما يفعل ذلك ليمد وجوده للبقاء, وأيضاً هو مجهز بجهاز التناسل على ما فيه من الأدوات والقوى الفعالة والمترتبة ليحفظ بقاء نوعه والأمر في وجود النبات والحيوان نظير الأمر في تجهيز الإِنسان.
ثم إن الخلقة احتالت في تسخيرها وخاصة في تسخير ذوات الشعور منها وهي الحيوان والإِنسان بإبداع لذائذ في أفعالها وإيداعها في القوى لتتسابق إلى الأفعال لأجل هذه اللذائذ وهي لا تشعر أن الخلقة تريد منها غايتها, وهي بقاء الوجود وتغرها بتطميعها باللذة التي تزينها لها فيحصل بذلك ما يريده الخلقة, ويلتذ الفاعل بهذه الزينة التي تغرها ويلعب بها, فلولا ما في الغذاء والنكاح مثلاً من اللذة لما قصدهما الإِنسان مثلاً لمجرد كونهما مقدمة للبقاء, وبطل بذلك غرض الخلقة لكن الله سبحانه أودع فيه لذة الغذاء ولذة النكاح, لا يستريح الإِنسان في طريق النيل إليهما دون أن يتحمل كل تعب وعناء ويقاسي كل مصيبة وبلاء, وهو في اقتناء هذه الشهوات مختال فخور بما ليس فيه إلاَّ الغرور, وأما الصنع والخلقة فينال بغيته ويبلغ أمنيته فإنه ما كان يريد بهذا التدبير إلاَّ بقاء وجود الفرد وقد حصل بالتغذي, وإلاَّ بقاء وجود النوع وقد حصل بالنكاح والفساد ولم يبق للإِنسان مثلاً فيما كان يريده إلاَّ الخيال.
وإذا كانت هذه اللذائذ الدنيوية مقصودة في الخلقة لأجل غرض محدود معجل فلا معنى لتحققها في ما لا تحقق هناك لذلك الغرض, فلذة الأكل والشرب وجميع اللذائذ الراجعة إلى التغذي مقصودة في الطبيعة لأجل حفظ البدن عن آفة التحلل وفساد التركيب وهو الموت, ولذة النكاح وجميع اللذائذ المرتبطة به وهي أمور جمة, إنما تقصدها الخلقة لأجل حفظ النوع من الفناء والاضمحلال, فلو فرض للإِنسان وجود لا يلحقه موت ولا فناء وحياة مأمونة من كل شر ومكروه فأي فائدة تترتب على وجود القوى البدنية التي تعمل لأجل تحصيل بقاء الشخص أو النوع؟ وأي ثمرة يثمرها تجهيزات البدن وأعضائه كالكلى والمثانة والطحال والكبد وغيرها وجميعها إنما أوجدت لأعمال تنفع في البقاء المعجل المحدود دون البقاء المخلد المؤبد؟ وأما الجواب فهو أن الله سبحانه إنما خلق ما خلق من لذائذ الدنيا والنعم التي تتعلق بها هذه اللذائذ زينة في الأرض ليقصدها الإِنسان فينجذب إلى الحياة ويتعلق بها كما قال:
{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } [الكهف: 7]، وقال: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } [الكهف: 46]، وقال: { تبتغون عرض الحياة الدنيا } [النساء: 94]، وقال - وهو أجمع للغرض -: { ولا تمدن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } [طه: 131]، وقال أيضاً: { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون } [القصص: 60]، إلى غير ذلك من الآيات, وجميعها تبيّن أن هذه النعم الموجودة في الدنيا, واللذائذ المتعلقة بها أمور مقصودة لأجل الحياة وأمتعة يتمتع بها لأجل الحياة هذه الحياة المحدودة التي لا تتعدى أياماً قلائل, فلولا الحياة لما كانت هي مقصودة ولا مخلوقة, وهذا هو حق الأمر!
لكن يجب أن يعلم أن وجود الإِنسان الباقي ليس إلاَّ هذا الوجود الذي يمكث ها هُنا برهة من الزمان بتحوله من طور إلى طور, وليس ذلك إلاَّ روحاً كائناً من بدن وعلى بدن هو مجموع هذه الأجزاء المأخوذة من هذه العناصر والقوى الفعالة فيها, ولو فرض ارتفاع هذه الأمور التي نعدها مقدمات مقصودة للبقاء لم يبق وجود ولا بقاء أعني أن فرض عدمها هو فرض عدم الإِنسان رأساً لا فرض عدم استمرار وجود الإِنسان فافهم ذلك.
فالإِنسان في الحقيقة هو الذي ينشعب أفراداً ويأكل ويشرب وينكح ويتصرف في كل شيء بالأخذ والإِعطاء ويحس ويتخيل ويعقل ويسر ويفرح ويبتهج وهكذا, كل ذلك ملائم لذاته الذي هو كالمجموع منها وبعضها مقدمة لبعضها, وهو السائر الدائر في مثل مسافة دورية.
فإذا نقله الله من دار الفناء إلى دار البقاء وكتب عليه الخلود والدوام إما بثواب دائم أو بعقاب دائم لم يكن ذلك بإبطال وجوده وإيجاد وجود باق بل بإثبات وجوده بعد ما كان متغيراً في معرض الزوال فهو لا محالة إما متنعم بنعم من سنخ نعم الدنيا لكنها باقية أو نقم ومصائب من سنخ نقم الدنيا ومصائبها. وكل ذلك منكوح أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مسكون أو قرين أو سرور أو نحو ذلك.
فالإِنسان هو الإِنسان وما يحتاج إليه ويستكمل به هو الذي كان يحتاج إليه ويستكمل به من مطالبه ومقاصده وإنما الفرق هو اختلاف الدارين بالبقاء وما يلحق به.
هذا هو الذي يظهر من كلامه سبحانه حيث يبين حقيقة البنية الإِنسانية فيقول:
{ ولقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } [المؤمنون: 12ـ16]، انظر إلى موضع قوله: {ولقد خلقنا}، والخلق هو الجمع والتركيب, وإلى موضع قوله: {ثم أنشأناه}, الدال على تبديل نحو الخلق والإِيجاد, وإلى موضع قوله: {ثم إنكم يوم القيامة}, والمخاطب به هو الذي أنشىء خلقاً آخر.
ويقول أيضاً:
{ قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } } [الأعراف: 25]، فيفيد أن حياة الإِنسان حياة أرضية مؤلفة من نعمها ومن نقمها. وتقدم بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة } } [البقرة: 213] الآية.
وقد قال تعالى في هذه النعم الأرضية: {ذلك متاع الحياة الدنيا} ثم قال:
{ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلاَّ متاع } } [الرعد: 26]، فجعل نفس الحياة الدنيا متاعاً في الآخرة يتمتع به, وهذا من أبدع البيان, وباب ينفتح به للمتدبر ألف باب, وفيه تصديق قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون"
]. وبالجملة الحياة الدنيا هي الوجود الدنيوي بما كسب من حسنة أو سيئة وهو الذي يتمتع به في الآخرة من حيث سعادته وشقائه أي ما يراه فوزاً وفلاحاً لنفسه وما يراه خيبة وخسراناً فيعطي سعادته بإعطاء لذائذه أو يحرم من نيلها وهما نعيم الجنة وعذاب النار.
وبعبارة أخرى واضحة, للإِنسان مثلاً سعادة بحسب الطبيعة وشقاء بحسبها في بقائه شخصاً ونوعاً وهما منوطتان بفعله الطبيعي من الأكل والشرب والنكاح وقد زينت له بلذائذ مقدمية وهذا بحسب الطبيعة, ثم إذا أخذ الإِنسان في الاستكمال وأخذ في الفعالية بالشعور والإِرادة صار نوعاً كماله هو الذي يختاره شعوره وإرادته فما لا يشعر به ولا يشاءه ليس كمالاً لهذا الموجود الشاعر المريد وإن كان كمالاً طبيعياً, وكذا العكس كما نرى أنّا لا نلتذ بما لا نشعر به وإن كان من سعادة الطبيعة كصحة البدن والمال والولد, ونلتذ بما نشعر به من اللذائذ وإن لم يطابق الخارج كالمريض المعتقد للصحه ونظائر ذلك, فهذه اللذائذ المقدمية تصير كمالاً حقيقياً لهذا الإِنسان وإن كانت كمالات مقدمية للطبيعة فإذا أبقى الله سبحانه هذا الإِنسان بقاءً مخلداً كانت سعادته هي التي يشاؤها من اللذائذ, وشقاءها هو الذي لا يشاؤه سواء كان بحسب الطبيعة مقدمة أو لم يكن؛ إذ من البديهي أن خير الشخص أو القوة الشاعرة المريدة هو فيما يعلم به ويشاؤه, وشره فيما يعلم به ولا يريده.
فقد تحصل أن سعادة الإِنسان أن ينال في الآخرة ما كان يريده من لذائذ الحياة في الدنيا من الأكل والشرب والنكاح وما فوق ذلك وهو الجنة, وشقائه أن لا ينال ذلك وهو النار. قال تعالى:
{ لهم فيها ما يشاؤون } } [النحل: 31]. قوله تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار}, وصف للمتقين المدلول عليهم بقوله في الآية السابقة: {للذين اتقوا}، فوصفهم أنهم يقولون ربنا, وفيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية واسترحامٍ منه تعالى فيما يسألونه بقولهم: إننا آمنا, والجملة ليست في مقام الامتنان عليه تعالى, فإن المنّ منه تعالى بالإِيمان كما قال تعالى: { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإِيمان } [الحجرات: 17]، بل استنجاز لما وعد الله تعالى عباده أنه يغفر لمن آمن منهم, قال تعالى: { وآمنوا به يغفر لكم } [الأحقاف: 31]، ولذلك فرعوا عليه قولهم: فاغفر لنا ذنوبنا, بفاء التفريع. وفي تأكيد قولهم بـ "إن" دلالة على صدقهم وثباتهم في إيمانهم.
والمغفرة للذنوب لا يستلزم التخلص من العذاب بمعنى أن الوقاية من عذاب النار فضل من الله سبحانه بالنسبة إلى من آمن به وعبده من غير استحقاق من العبد يثبت له حقاً على الله سبحانه أن يجيره من عذاب النار, أو ينعمه بالجنة فإن الإِيمان والإِطاعة أيضاً من نعمه ولا يملك غيره تعالى منه شيئاً إلاَّ ما جعله على نفسه من حق, ومن الحق الذي جعل على نفسه لعباده أن يغفر لهم ويقيهم عذاب النار أن آمنوا به, قال تعالى:
{ وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } } [الأحقاف: 31]. وربما استفيد من بعض الآيات أن الوقاية من عذاب النار هو المغفرة والجنة كقوله تعالى: { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن } [الصف: 10ـ12]، فإن في الآيتين الأخيرتين تفصيل لما أجمل في الآية الأولى من قوله: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليم}, وهذا معنى دقيق سنشرحه في مورد يناسبه إن وفقنا له.
قوله تعالى: {الصابرين والصادقين}, إلى آخر الآية: وصفهم بخمس خصال لا يشذ منها تقوى من متق, فالصبر لسبقه على بقية الخصال وإطلاقه يشمل أقسام الصبر, وهي ثلاث: صبر على الطاعة, وصبر عن المعصية, وصبر عند المصيبة.
والصدق وإن كان بحسب تحليل حقيقته هو مطابقة ظاهر الإِنسان من قول وفعل لباطنه لكنه بهذا المعنى يشتمل جميع الفضائل الباقية كالصبر والقنوت وغيرهما وليس بمراد فالمراد به (والله أعلم) الصدق في القول فحسب.
والقنوت هو الخضوع لله سبحانه ويشمل العبادات وأقسام النسك, والإِنفاق هو بذل المال لمن يستحق البذل, والاستغفار بالأسحار يستلزم قيام آخر الليل والاستغفار فيه, والسنة تفسره بصلاة الليل والاستغفار في قنوت الوتر, وقد ذكر الله أنه سبيل الإِنسان إلى ربه كما في سورتي المزمل والدهر من قوله تعالى بعد ذكر قيام الليل والتهجد به:
{ إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً } } [الإنسان: 29]. قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إِلاَّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط}، أصل الشهادة هو المعاينة, أعني: تحمل العلم عن حضور وحس ثم استعمل في أدائها وإظهار الشاهد ما تحمله من العلم ثم صار كالمشترك بين التحمل والتأدية بعناية وحدة الغرض, فإن التحمل يكون غالباً لحفظ الحق والواقع من أن يبطل بنزاع أو تغلب أو نسيان أو خفاء فكانت الشهادة تحفظاً على الحق والواقع, فبهذه العناية كان التحمل والتأدية كلاهما شهادة, أي حفظاً وإقامة للحق, والقسط هو العدل.
ولما كانت الآيات السابقة أعني قوله: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً}, إلى قوله: {والمستغفرين بالأسحار}, تبين: أن الله سبحانه لا إله غيره ولا يغني عنه شيء, وأن ما يحسبه الإِنسان مغنياً عنه ويركن إليه في حياته ليس إلاَّ زينة وإلاَّ متاعاً خلقه الله ليتمتع به في سبيل ما هو خير منه ولا ينال إلاَّ بتقوى الله تعالى, وبعبارة أُخرى: هذه النعم التي يحن إليها الإِنسان مشتركة في الدنيا بين الكافر والمؤمن مختصة في الآخرة بالمؤمن أقام الشهادة في هذه الآية على أن هذا الذي بينته الآيات حق لا ينبغي أن يرتاب فيه.
فشهد (وهو الله عز اسمه) على أنه لا إله إلاَّ هو وإذ ليس هناك إله غيره فليس هناك أحد يغني منه شيئاً من مال أو ولد أو غير ذلك من زينة الحياة أو أي سبب من الأسباب إذ لو أغنى شيء من هذه منه شيئاً لكان إلهاً دونه أو معتمداً إلى إلهٍ دونه منتهياً إليه ولا إله غيره.
شهد بهذه الشهادة وهو قائم بالقسط في فعله, حاكم بالعدل في خلقه إذ دبّر أمر العالم بخلق الأسباب والمسببات وإلقاء الروابط بينها, وجعل الكل راجعاً إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب طبق عن طبق, ووضع في مسير هذا المقصد نعماً لينتفع منها الإِنسان في عاجله لآجله وفي طريقه لمقصده لا ليركن إليه ويستقر عنده فالله يشهد بذلك, وهو شاهد عدل.
ومن لطيف الأمر أن عدله يشهد على نفسه وعلى وحدته في ألوهيته, أي إن عدله ثابت بنفسه ومثبت لوحدانيته, بيان ذلك: أنا إنما نعتبر في الشاهد العدالة ليكون جارياً على مستوى طريق الحياة ملازماً لصراط الفطرة من غير أن يميل إلى إفراط أو تفريط فيضع الفعل في غير موضعه فتكون شهادته مأمونة عن الكذب والزور فملازمة الصدق والمجاراة مع صراط التكوين يوجب عدالة الإِنسان فنفس النظام الحاكم في العالم والجاري بين أجزائه الذي هو فعله سبحانه هو العدل محضاً.
ونحن في جميع الوقائع التي لا ترضى بها نفوسنا من الحوادث الكونية أو نجدها على خلاف ما نميل إليه ونطمع فيه ثم نعترض عليها ونناقش فيها إنما نذكر في الاعتراض عليه ما يظهر لنا من حكم عقولنا أو تميل إليه غرائزنا, وجميع ذلك مأخوذة من نظام الكون ثم نبحث عنها فيظهر سبب الحادثة فتسقط الشبهة أو نعجز عن الحصول على السبب فلا يقع في أيدينا إلاَّ الجهل بالسبب, أي عدم العلم دون العلم بالعدم, فنظام الكون (وهو فعل الله سبحانه) هو العدل فافهم ذلك.
ولو كان هناك إله يغني منه في شيء من الأمور لم يكن نظام التكوين عدلاً مطلقاً, بل كان فعل كل إله عدلاً بالنسبة إليه وفي دائرة قضائه وعمله!
وبالجملة فالله سبحانه يشهد, وهو شاهد عدل, على أنه لا إله إلاَّ هو يشهد لذلك بكلامه وهو قوله: {شهد الله أنه لا إله إلاَّ هو}, على ما هو ظاهر الآية الشريفة, فالآية في اشتمالها على شهادته تعالى للتوحيد نظيرة قوله تعالى:
{ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً } [النساء: 166]. والملائكة يشهدون بأنه لا إله إلاَّ هو, فإن الله يخبر في آيات مكية نازلة قبل هذه الآيات بأنهم عباد مكرمون لا يعصون ربهم ويعملون بأمره ويسبحونه وفي تسبيحهم شهادة أن لا إله غيره, قال تعالى: { بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } [الأنبياء: 26ـ26]، وقال تعالى: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } [الشورى: 51]. وأولوا العلم يشهدون أنه لا إله إلاَّ هو, يشاهدون من آياته الآفاقية والأنفسية وقد ملأت مشاعرهم ورسخت في عقولهم.
وقد ظهر مما تقدم أولاً: أن المراد بالشهادة شهادة القول على ما هو ظاهر الآية الشريفة دون شهادة الفعل وإن كانت صحيحة حقة في نفسها, فإن عالم الوجود يشهد على وحدانيته في الأُلوهية بالنظام الواحد المتصل الجاري فيه, وبكل جزء من أجزائه التي هي أعيان الموجودات.
وثانياً: أن قوله تعالى: {قائماً بالقسط}, حال من فاعل قوله: {شهد الله}, والعامل فيه شهد, وبعبارة أُخرى قيامه بالقسط ليس بمشهودٍ له لا له تعالى ولا للملائكة وأولي العلم بل الله سبحانه حال كونه قائماً بالقسط يشهد أن لا إله إلاَّ هو والملائكة وأولوا العلم يشهدون بالوحدانية كما هو ظاهر الآية حيث فرَّقت بين قوله: {لا إله إلاَّ هو}, وقوله: {قائماً بالقسط} بتوسيط قوله: {والملائكة وأولوا العلم}, ولو كان القيام بالقسط من أجزاء الشهادة لكان حق الكلام أن يقال: إنه لا إله إلاَّ هو قائماً بالقسط والملائكة, ومن ذلك يظهر ما فيما ذكره عدة من المفسرين في تفسير الآية من الجهتين جميعاً كما لا يخفى على من راجع ما ذكروه في المقام.
ومن أردأ الإِشكال ما ذكره بعضهم: أن حمل الشهادة على الشهادة الكلامية كما مرّ يوجب الاستناد في أمر التوحيد إلى النقل دون العقل مع كونه حينئذٍ متوقفاً على صحة الوحي فإن صدق هذه الشهادة يتوقف على كون القرآن وحياً حقاً وهو متوقف عليه فيكون بياناً دورياً, ومن هنا ذكر بعضهم: أن المراد بالشهادة هنا معنى استعاري بدعوى أن دلالة جميع ما خلقه الله من خلق على ما فيها من وحدة الحاجة واتصال النظام على وحدة صانعها بمنزلة نطقه وإخباره تعالى بأنه واحد لا إله غيره وكذا عبادة ملائكته له وإطاعتهم لأمره, وكذا ما يشاهده أولوا العلم من أفراد الإِنسان من آيات وحدانيته بمنزلة شهادتهم على وحدانيته تعالى.
والجواب: أن فيه خلطاً ومغالطة, فإن النقل إنما لا يعتمد عليه فيما للعقل أو الحس إليه سبيل لكونه لا يفيد العلم فيما يجب فيه تحصيل العلم، أما لو فرض إفادته من العلم ما يفيد العقل مثلاً أو أقوى منه كان في الاعتبار مثل العقل أو أقوى منه كما أن المتواتر من الخبر أقوى أثراً وأجلى صدقاً من القضية التي أُقيم عليها برهان مؤلف من مقدمات عقلية نظرية وإن كانت يقينية وانتجت اليقين.
فإذا كان الشاهد المفروض يمتنع عليه الكذب والزور بصريح البرهان كانت شهادته تفيد ما يفيده البرهان من اليقين, والله سبحانه (وهو الله الذي لا سبيل للنقص والباطل إليه) لا يتصور في حقه الكذب فشهادته على وحدانية نفسه شهادة حق كما أن إخباره عن شهادة الملائكة وأولي العلم يثبت شهادتهم.
على أن من أثبت له شركاء كالأصنام وأربابها فإنما يثبتها بعنوان أنها شفعاء عند الله, ووسائط بينه وبين خلقه, كما حكى الله تعالى عنهم بقوله:
{ ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر: 3]، وكذا من اتخذ له شريكاً بالشرك الخفي من هوى أو رئيس مطاع أو مال أو ولد إنما يتخذه سبباً من الله غير أنه مستقل بالتأثير بعد حصوله له, وبالجملة ما اتخذ له من شريك فإنما يشاركه فيما يشاركه بتشريكه لا بنفسه، وإذا شهد الله على أنه لم يتخذ لنفسه شريكاً أبطل ذلك دعوى من يدعي له شريكاً، وجرى الكلام مجرى قوله: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } [يونس: 18]، فإنه إبطال لدعوى وجود الشريك بأن الله لا يعلم به في السماوات والأرض ولا يخفى عليه شيء, وبالحقيقة هو خبر مثل سائر الأخبار الصادرة عن مصدر الربوبية والعظمة كقوله: { سبحانه وتعالى عمّا يشركون } [يونس: 18]، ونحو ذلك, غير أنه لوحظ فيه انطباق معنى الشهادة عليه لكونه خبراً في مورد دعوى, والمخبر به قائم بالقسط فكان شهادة, فعبر بلفظ الشهادة تفنناً في الكلام, فيأول المعنى إلى أنه لو كان في الوجود أرباب من دون الله مؤثرون في الخلق والتدبير شركاء أو شفعاء في ذلك لعلمه الله وشهد به, لكنه يخبر أنه ليس يعلم لنفسه شريكاً فلا شريك له, ولعلم واعترف به الملائكة الكرام الذين هم الوسائط المجرون للأمر في الخلق والتدبير لكنهم يشهدون أن لا شريك له, ولعلم به وشهد أثره أولوا العلم لكنهم يشهدون بما شاهدوا من الآيات أن لا شريك له.
فالكلام نظير قولنا: لو كان في المملكة الفلانية ملك مؤثر في شؤون المملكة وإداره أمورها غير الملك الذي نعرفه لعلم به الملك وعرفه لأنه من المحال أن لا يحس بوجوده وهو يشاركه, ولعلم به القوى المجرية والعمال المتوسطون بين العرش والرعية وكيف يمكن أن لا يشعروا بوجوده وهم يحملون أوامره ويجرون أحكامه بين ما في أيديهم من الأحكام والأوامر؟ ولعلم به العقلاء من عامة أهل المملكة, وكيف لا وهم يطيعون أوامره وعهوده, ويعيشون في ملكه لكن الملك ينكر وجوده, وعمّال الدولة لا يعرفونه, وعقلاء الرعية لا يشاهدون ما يدل على وجوده؟ فليس.
قوله تعالى: {لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم}, الجملة كالمعترضة الدخيلة في الكلام لاستيفاء حق معترض يفوت لولا ذكره مع عدم كونه مقصوداً في الكلام أصالة, ومن أدب القرآن أن يظهر تعظيم الله جل شأنه في موارد يذكر أمره ذكراً يخطر منه بالبال ما لا يليق بساحة كبريائه كقوله تعالى:
{ قالوا اتخذ الله ولداًً سبحانه } [يونس: 68]، فقوله: سبحانه قصد به التعظيم في مقام يحكى فيه قولٌ لا يلائم حقه تعالى, ونظيره بوجه قوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } [المائدة: 64] الآية.
وبالجملة لما اشتمل أول الآية على شهادة الله والملائكة وأولي العلم - بنفي الشريك كان من حق الله سبحانه على من يحكي ويخبر عن هذه الشهادة أعني المتكلم (وهو في الآية هو الله سبحانه) وعلى من يسمع ذلك أن يوحد الله بنفي الشريك عنه فيقول: لا إله إلاَّ هو. نظير ذلك قوله تعالى في قصة الإِفك:
{ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم } [النور: 16]، فإن من حقه تعالى عليهم أن إذا سمعوا بهتاناً وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزهوا الله قبله فإنه تعالى أحق من يجب تنزيهه.
فموضع قوله: {لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم}, موضع الثناء عليه تعالى لاستيفاء حق تعظيمه, ولذا تمم بالاسمين العزيز الحكيم, ولو كان في محل النتيجة من الشهادة لكان حق الكلام أن يتمم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط, فهو تعالى حقيق بالتوحيد إذا ذكرت الشهادة المذكورة على وحدانيته لأنه المتفرد بالعزة التي يمنع جانبه أن يستذل بوجود شريك له في مقام الأُلوهية, والمتوحد بالحكمة التي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه, أو ينفذ في خلال تدبيره, وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده.
وقد تبيّن بما مرّ من البيان وجه تكرار كلمة التوحيد في الآية, وكذا وجه تتميمها بالاسمين: العزيز الحكيم, والله العالم.
(بحث روائي)
في المجمع: في قوله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون} الآية روى محمد بن إسحاق عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر, وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم وقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس فأنزل الله هذه الآية.
أقول: ورواه في الدر المنثور عن ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس, وروى ما يقرب منه القمي في تفسيره, وقد عرفت مما تقدم: أن سياق الآيات لا يلائم نزولها في حق اليهود كل الملاءمة, وأن الأنسب بسياقها أن تكون نازلة بعد غزوة أُحد, والله أعلم.
وفي الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة بلذة أكبر لهم من لذة النساء, وهو قوله: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} الآية, ثم قال: وإن أهل الجنة ما يتلذذون بشيء من الجنة أشهى عندهم من النكاح, لا طعام ولا شراب.
أقول: وقد استفيد ذلك من الترتيب المجعول في الآية للشهوات ثم تقديم النساء على باقي المشتهيات ثم جعل هذه الشهوات متاع الدنيا وشهوات الجنة خيراً منها.
ومراده عليه السلام من الحصر في كون النكاح أكبر لذائذ الناس إنما هو الحصر الإِضافي أي أن النكاح أكبر لذة بالنسبة إلى هذه الشهوات المتعلقة بجسم الإِنسان؛ وأما غيرها كالتذاذ الإِنسان بوجود نفسه أو التذاذ ولي من أولياء الله تعالى بقرب ربه ومشاهدة آياته الكبرى ولطائف رضوانه وإكرامه وغيرهما فذلك خارج عن مورد كلامه عليه السلام؛ وقد قامت البراهين العلمية على أن أعظم اللذائذ التذاذ الشيء بنعمة وجوده, وأُخرى على أن التذاذ الأشياء بوجود ربها أعظم من التذاذها بنفسها. وهناك روايات كثيرة دالة على أن التذاذ العبد بلذة الحضور والقرب منه تعالى أكبر عنده من كل لذة, وقد روي في الكافي عن الباقر عليه السلام: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إنه يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} وهو ذهاب العلماء, وسيجيء عدة من هذه الروايات في المواضع المناسبة لها من هذا الكتاب.
وفي المجمع في قوله تعالى: القناطير المقنطرة عن الباقر والصادق عليهما السلام القنطار ملؤ مسك ثور ذهباً.
وفي تفسير القمي قال عليه السلام: الخيل المسومة المرعية.
وفي الفقيه والخصال عن الصادق عليه السلام: من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة وهو قائم فواظب على ذلك حتى تمضي سنة كتبه الله عنده من المستغفرين بالأسحار, ووجبت له المغفرة من الله تعالى.
أقول: وهذا المعنى مروي في روايات أُخر عن أئمة أهل البيت, وهو من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وروي ما يقرب منه في الدر المنثور أيضاً عن ابن جرير عن جعفر بن محمد قال من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين, وقوله عليه السلام: ووجبت له المغفرة من الله, مستفاد من قوله تعالى حكاية عنهم: {فاغفر لنا ذنوبنا}, فإن في الحكاية لدعائهم من غير رد إمضاءً للإِستجابة.