التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٩
فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
٢٠
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٢١
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٢
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٣
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٤
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٥
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب وهم آخر الفرق الثلاث التي تقدم أنها عرضة للكلام في هذه السورة, وأهمهم بحسب قصد الكلام أهل الكتاب من اليهود والنصارى, ففيهم وفي أمرهم نزل معظم السور وإليهم يعود.
قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإِسلام}, قد مر معنى الإِسلام بحسب اللغة وكأن هذا المعنى هو المراد ها هُنا بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغياً بينهم فيكون المعنى: إن الدين عند الله سبحانه واحد لا اختلاف فيه لم يأمر عباده إلاَّ به, ولم يبين لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلاَّ إياه, ولم ينصب الآيات الدالة إلاَّ له وهو الإِسلام الذي هو التسليم للحق الذي هو حق الاعتقاد وحق العمل, وبعبارة أخرى هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والأحكام, وهو وإن اختلف كما وكيفاً في شرائع أنبيائه ورسله على ما يحكيه الله سبحانه في كتابه غير أنه ليس في الحقيقة إلاَّ أمراً واحداً, وإنما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي, والتفاضل بينها بالدرجات, ويجمع الجميع أنها تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما يريده من عباده على لسان رسله.
فهذا هو الدين الذي أراده الله من عباده وبينه لهم, ولازمه أن يأخذ الإِنسان بما تبين له من معارفه حق التبين, ويقف عند الشبهات وقوف التسليم من غير تصرف فيها من عند نفسه, وأما اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الدين مع نزول الكتاب الإِلهي عليهم, وبيانه تعالى لما هو عنده دين, وهو الإِسلام له, فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر وكون الدين واحداً بل كانوا عالمين بذلك, وإنما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر وذلك كفر منهم بآيات الله المبينة لهم حق الأمر وحقيقته لا بالله فإنهم يعترفون به, ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب, يحاسبه سريعاً في دنياه وآخرته: أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحياة عنه, وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار.
والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين: {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين}.
ومما تقدم يظهر أولاً: أن المراد بكون الدين عند الله وحضوره لديه سبحانه هو الحضور التشريعي بمعنى كونه شرعاً واحداً لا يختلف إلاَّ بالدرجات, وبحسب استعدادات الأمم المختلفة دون كونه واحداً بحسب التكوين بمعنى كونه واحداً مودعاً في الفطرة الإِنسانية على وتيرة واحدة.
وثانياً: أن المراد بالآيات هو آيات الوحي, والبيانات الإِلهية التي ألقاها إلى أنبيائه دون الآيات التكوينية الدالة على الوحدانية وما يزاملها من المعارف الإِلهية.
والآية تشتمل على تهديد أهل الكتاب بما يستدل عليه بالبغي وهو الانتقام, كما يشتمل قوله تعالى في الآيات السابقة: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنّم} الآية, على تهديد المشركين والكفار, ولعلَّ هذا هو السبب في أنه جمع أهل الكتاب والمشركين معاً في الآية التالية في الخطاب بقوله: {قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} "إلخ"، وفيه إشعار بالتهديد أيضاً.
قوله تعالى: {فإن حاجُّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن}؛ الضمير في حاجوك راجع إلى أهل الكتاب وهو ظاهر والمراد به محاجتهم في أمر الاختلاف بأن يقولوا: إن اختلافنا ليس لبغي منا بعد البيان, بل إنما هو شيء ساقنا إليه عقولنا وأفهامنا واجتهادنا في تحصيل العلم بحقائق الدين من غير أن ندع التسليم لجانب الحق سبحانه, وأن ما تراه وتدعو إليه يا محمد من هذا القبيل, أو يقولوا ما يشابه ذلك, والدليل على ذلك قوله: فقل: {أسلمت وجهي لله}, وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم}، فإن الجملتين حجة سيقت لقطع خصامهم وحجاجهم لا إعراض عن المحاجة معهم.
ومعناها مع حفظ ارتباطها بما قبلها: {إن الدين عند الله الإِسلام}, لا يختلف فيه كتب الله ولا يرتاب فيه سليم العقل, ويتفرع عليه أن لا حجة عليك في إسلامك وأنت مسلم, فإن حاجوك في أمر الدين فقل: {أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} فهذا هو الدين ولا حجة بعد الدين في أمر الدين ثم سلهم: {أأسلموا} فإن أسلموا فقد اهتدوا وليقبلوا ما أنزل الله عليك وعلى من قبلك ولا حجة عليهم ولا مخاصمة بعد ذلك بينكم, وإن تولوا فلا تخاصمهم ولا تحاجهم فلا ينبغي الخصام في أمر ضروري, وهو أن الدين هو التسليم لله سبحانه, وما عليك إلاَّ البلاغ.
وقد أشرك سبحانه في الآية بين أهل الكتاب والأميين بقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم}, لكون الدين مشتركاً بينهم وإن اختلفوا في التوحيد والتشريك.
وقد علّق الإِسلام على الوجه - وهو ما يستقبلك من الشيء أو الوجه بالمعنى الأخص لكون إسلام الوجه, لاشتماله على معظم الحواس والمشاعر إسلاماً لجميع البدن - ليدل على معنى الإِقبال والخضوع لأمر الرب تعالى, وعطف قوله: ومن اتبعن حفظاً لمقام التبعية وتشريفاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم}, إلى آخر الآية, المراد بالأميين المشركين سموا بذلك لتسمية من وضع في مقابلهم بأهل الكتاب, وكذا كان أهل الكتاب يسمونهم كما حكاه تعالى من قوله:
{ ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، والأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ.
وفي قوله تعالى: {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد}، دلالة:
أولاً: على النهي عن المراء والإِلحاح في المحاجة فإن المحاجة مع من ينكر الضروري لا تكون إلاَّ مراءً ولجاجاً في البحث.
وثانياً: على أن الحكم في حق الناس والأمر مطلقاً إلى الله سبحانه, وليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال تعالى:
{ ليس لك من الأمر شيء } [آل عمران: 128]، وقال تعالى: { لست عليهم بمصيطر } [الغاشية: 22]. وثالثاً: على تهديد أهل الكتاب والمشركين فإن ختم الكلام بقوله: {والله بصير بالعباد}, بعد قوله: {فإنما عليك البلاغ}, لا يخلو من ذلك, ويدل على ذلك ما وقع من التهديد في نظير الآية, وهو قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله } [البقرة: 136] إلى أن قال { ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } } [البقرة: 137]، تذكر الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الإِسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم بما يسلي به النبي ويطيب نفسه, فالآية أعني قوله: {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ}, كناية عن الأمر بتخلية ما بينهم وبين ربهم, وإرجاع أمرهم إليه, وهو بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم ويسأله لسان استعدادهم.
ومن هنا يظهر: أن ما ذكره بعض المفسرين, أن في الآية دليلاً على حرية الاعتقاد في أمر الدين, وأن لا إكراه فيه, ليس بوجيه, فإن الآية كما عرفت مسوقه لغير ذلك.
وفي قوله: {بصير بالعباد}، حيث أخذ عنوان العبودية ولم يقل: بصير بهم أو بصير بالناس ونحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماضٍ عليهم فإنهم عباده ومربوبون له أسلموا أو تولوا.
قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله}، إلى آخر الآية, الكلام في الآية وإن كان مسوقاً سوق الاستئناف لكنه مع ذلك لا يخلو عن إشعار وبيان للتهديد الذي يشعر به آخر الآية السابقة فإن مضمونها منطبق على أهل الكتاب وخاصة اليهود.
وقوله: يكفرون, ويقتلون, في موضعين للاستمرار ويدلان على كون الكفر بآيات الله وهو الكفر بعد البيان بغياً, وقتل الأنبياء وهو قتل من غير حق, وقتل الذين يدعون إلى القسط والعدل وينهون عن الظلم والبغي دأباً وعادة جارية فيما بينهم كما يشتمل عليه تاريخ اليهود, فقد قتلوا جمعاً كثيراً وجماً غفيراً من أنبيائهم وعبادهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وكذا النصارى جروا مجراهم.
وقوله: {فبشرهم بعذاب أليم}, تصريح بشمول الغضب ونزول السخط, وليس هو العذاب الأخروي فحسب بدليل قوله تعالى عقيب الآية: {أُولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} "إلخ" فهم مبشرون بالعذاب الدنيوي والأخروي معاً, أما الأُخروي فأليم عذاب النار, وأما الدنيوي فهو ما لقوه من التقتيل والإِجلاء وذهاب الأموال والأنفس, وما سخط الله عليهم بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة على ما تصرح به آيات الكتاب العزيز.
وفي قوله تعالى: {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين}، دلالة أولاً: على حبط عمل من قتل رجلا من جهة أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر. وثانياً: على عدم شمول الشفاعة له يوم القيامة لقوله: {وما لهم من ناصرين}.
قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} إلى آخر الآية، يومىء إلى تسجيل البغي على أهل الكتاب حسب ما نسبه الله تعالى إليهم, وأنهم يبغون باتخاذ الخلاف وإيجاد اختلاف الكلمة في الدين, فإنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب, كتاب الله بينهم لم يسلموا له وتولوا وأعرضوا عنه, وليس ذلك إلاَّ باغترارهم بقولهم لن تمسنا "الخ" وبما افتروه على الله في دينهم.
والمراد بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب أهل الكتاب وإنما لم يقل: أوتوا الكتاب, وقيل: أوتوا نصيباً من الكتاب ليدل على أن الذي في أيديهم من الكتاب ليس إلاَّ نصيباً منه دون جميعه لأن تحريفهم له وتغييرهم وتصرفهم في كتاب الله أذهب كثيراً من أجزائه, كما يومىء إليه قوله في آخر الآية التالية: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}, وكيف كان, فالمراد - والله أعلم - أنهم يتولون عن حكم كتاب الله اعتزازاً بما قالوا واغتراراً بما وضعوه من عند أنفسهم واستغناءً به عن الكتاب.
قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار} "إلخ" معناه واضح, واغترارهم بفريتهم التي افترتها أنفسهم مع أن الإِنسان لا ينخدع عن نفسه مع العلم بأنها خدعة باطلة, إنما هو لكون المغرورين غير المفترين؛ وعلى هذا فنسبة الافتراء الذي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين لكونهم أمة واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض.
وإما لأن الاغترار بغرور النفس والغرور بالفرية الباطلة مع العلم بكونها فرية باطلة وذكر المغرور أنه هو الذي افترى ما يغتر به من الفرية ليس من أهل الكتاب ومن اليهود خاصة ببعيد, وقد حكى الله عنهم مثله, بل ما هو أعجب من ذلك حيث قال تعالى:
{ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 76ـ77]. على أن الإِنسان يجري في أعماله وأفعاله على ما تحصل عنده من الأحوال أو الملكات النفسانية, والصور التي زينتها ونمقتها له نفسه دون الذي حصل له العلم به كما أن المعتاد باستعمال المضرات كالبنج والدخان وأكل التراب ونحوها يستعملها وهو يعلم أنها مضرة, وأن استعمال المضر مما لا ينبغي, إلاَّ أن الهيئة الحاصلة في نفسه ملذة له جاذبة إياه إلى الاستعمال لا تدع له مجالاً للتفكر والاجتناب, ونظائر ذلك كثيرة.
فهم لاستحكام الكبر والبغي وحب الشهوات في أنفسهم يجرون على طبق ما تدعوهم إليه فريتهم فكانت فريتهم هي الغارة لهم في دينهم, وهم مع ذلك كرروا ذكر ما افتروه على الله سبحانه ولم يزالوا يكررونه ويلقنونه أنفسهم حتى أذعنوا به, أي اطمأنوا وركنوا إليه بالتلقين الذي يؤثر أثر العلم كما بينه علماء النفس فصارت الفرية الباطلة بالتكرار والتلقين تغرهم في دينهم, وتمنعهم عن التسليم لله والخضوع للحق الذي أنزله في كتابه.
قوله تعالى: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} إلى آخر الآية؛ مدخول كيف مقدر يدل عليه الكلام مثل يصنعون ونحوه, وفي الآية إيعاد لهؤلاء الذين تولوا إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم وهم معرضون غير أنه لما أُريد بيان أنهم غير معجزين لله سبحانه أخذ في الكلام من حالهم يوم القيامة وهم مستسلمون يومئذٍ ما يضاهي حالهم في الدنيا عند الدعوة إلى حكم كتاب الله وهم غير مسلمين له مستكبرون عنه, ولهذا أخذ بالمحاذاة بين الكلامين, وعبر عمّا يجري عليهم يوم القيامة بمثل قوله: {إذا جمعناهم ليومٍ لا ريب فيه} "إلخ" دون أن يقال: إذا أحييناهم أو بعثناهم أو ما يماثل ذلك.
والمعنى - والله أعلم - أنهم يتولون ويعرضون إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم اغتراراً بما افتروه في دينهم واستكباراً عن الحق فكيف يصنعون إذا جمعناهم ليومٍ لا ريب فيه, وهو يوم القضاء الفصل, والحكم الحق ووفيت كل نفس ما كسبت والحكم حكم عدل وهم لا يظلمون, وإذا كان كذلك كان الواجب عليهم أن لا يتولوا ويعرضوا مظهرين بذلك أنهم معجزون لله غالبون على أمره فإن القدرة كلها لله وما هي إلاَّ أيام مهلةٍ وفتنةٍ.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم قال: سألته عن قوله: {إن الدين عند الله الإِسلام}, فقال: الذي فيه الإِيمان.
وعن ابن شهراشوب عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإِسلام} الآية قال: التسليم لعلي بن أبي طالب بالولاية.
أقول: وهو من الجري؛ ولعلّ ذلك هو المراد أيضاً من الرواية السابقة.
وعنه أيضاً عن علي عليه السلام قال: لأنسبن الإِسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي, ولا ينسبها أحد بعدي: الإِسلام هو التسليم, والتسليم هو اليقين, واليقين هو التصديق, والتصديق هو الإِقرار, والإِقرار هو الأداء, والأداء هو العمل, المؤمن أخذ دينه عن ربه, إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله, وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره.
أيها الناس! دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر, وإن الحسنة في غيره لا تقبل.
أقول: قوله عليه السلام: لأنسبن الإِسلام نسبة, المراد بالنسبة التعريف, كما سميت سورة التوحيد في الأخبار بنسبة الرب, والذي عرف به تعريف باللازم في غير الأول, أعني قوله: الإِسلام هو التسليم فإنه تعريف لفظي عرف فيه اللفظ بلفظ آخر أوضح منه, ويمكن أن يراد بالإِسلام المعنى الاصطلاحي له وهو هذا الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم إشارةً إلى قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإِسلام}, وبالتسليم الخضوع والانقياد ذاتاً وفعلاً فيعود الجميع إلى التعريف باللازم.
والمعنى: أن هذا الدين المسمّى بالإِسلام يستتبع خضوع الإِنسان لله سبحانه ذاتاً وفعلاً, ووضعه نفسه وأعماله تحت أمره وإرادته وهو التسليم, والتسليم لله يستتبع أو يلزم اليقين بالله وارتفاع الريب فيه, واليقين يستتبع التصديق وإظهار صدق الدين, والتصديق يستتبع الإِقرار وهو الإِذعان بقراره وكونه ثابتاً لا يتزلزل في مقره ولا يزول عن مكانه, وإقراره يستتبع أدائه, وأدائه يستتبع العمل.
وقوله عليه السلام: وإن الحسنة في غيره لا تقبل, المراد بعدم القبول عدم الثواب بإزائه في الآخرة, أو عدم الأثر الجميل المحمود عند الله في الدنيا بسعادة الحياة وفي الآخرة بنعيم الجنة, فلا ينافي ما ورد أن الكفار يؤجرون في مقابل حسناتهم بشيء من حسنات الدنيا, قال تعالى:
{ فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره } [الزلزلة: 7]. وفي المجمع عن أبي عبيدة الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف أو نهى عن منكر, ثم قرأ: {الذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس}, ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً في ساعة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف, ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً آخر النهار من ذلك اليوم وهو الذي ذكره الله.
أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت المدراس على جماعه من يهود فدعاهم إلى الله, فقال له النعمان بن عمرو وحرث بن زيد على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملّة إبراهيم ودينه, قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً, فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} إلى قوله: {وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون}.
أقول: وروى بعضهم: أن قوله تعالى: {ألم تر}, نزل في قصة الرجم وسيجيء ذكرها في ذيل الكلام على قوله تعالى:
{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } [المائدة: 15] الآية, والروايتان من الآحاد وليستا بتلك القوة.