التفاسير

< >
عرض

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ
٦١
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦٢
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ
٦٣
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم}, الفاء للتفريع, وهو تفريع المباهلة على التعليم الإِلهي بالبيان البالغ في أمر عيسى ابن مريم عليهما السلام مع ما أكده في ختمه بقوله: الحق من ربك فلا تكن من الممترين. والضمير في قوله: فيه راجع إلى عيسى أو إلى الحق المذكور في الآية السابقة.
وقد كان البيان السابق منه تعالى مع كونه بياناً إلهياً لا يرتاب فيه مشتملاً على البرهان الساطع الذي يدل عليه قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} الآية, فالعلم الحاصل فيه علم من جهة البرهان أيضاً, ولذلك كان يشمل أثره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من كل سامع فلو فرض تردد من نفس السامع المحاج من جهة كون البيان وحياً إلهياً لم يجز الارتياب فيه من جهة كونه برهاناً يناله العقل السليم, ولعله لذلك قيل: من بعد ما جاءك من العلم ولم يقل: من بعد ما بيناه لهم.
وها هُنا نكتة أُخرى وهي أن في تذكيره صلى الله عليه وآله وسلم بالعلم تطييباً لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن الله, وأن ربه ناصره وغير خاذله البتة.
قوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم}، المتكلم مع الغير في قوله: ندع, غيره في قوله: أبناءنا ونساءنا وأنفسنا, فإنه في الأول مجموع المتخاصمين من جانب الإِسلام والنصرانية, وفي الثاني وما يلحق به من جانب الإِسلام, ولذا كان الكلام في معنى قولنا: ندع الأبناء والنساء والأنفس فندعو نحن أبناءنا و نساءنا وأنفسنا وتدعون أنتم أبنائكم ونساءكم وأنفسكم, ففي الكلام إيجاز لطيف.
والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين رسول الله وبين رجال النصارى لكن عممت الدعوة للأبناء والنساء ليكون أدل على اطمئنان الداعي بصدق دعواه وكونه على الحق لما أودعه الله سبحانه في قلب الإِنسان من محبتهم والشفقة عليهم فتراه يقيهم بنفسه, ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم, وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذبّ عنهم, ولذلك بعينه قدم الأبناء على النساء لأن محبة الإِنسان بالنسبة إليهم أشد وأدوم.
ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين: أن المراد بقوله: ندع أبناءنا وأبناءكم "الخ" ندع نحن أبناءكم ونساءكم وأنفسكم, وتدعوا أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا, وذلك لإِبطاله ما ذكرناه من وجه تشريك الأبناء والنساء في المباهلة.
وفي تفصيل التعداد دلالة أخرى على اعتماد الداعي وركونه إلى الحق, كأنه يقول: ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة الله على الكاذبين حتى يشمل اللعن والعذاب الأبناء والنساء والأنفس فينقطع بذلك دابر المعاندين, وينبت أصل المبطلين.
وبذلك يظهر أن الكلام لا يتوقف في صدقه على كثرة الأبناء ولا على كثرة النساء ولا على كثرة الأنفس فإن المقصود الأخير أن يهلك أحد الطرفين بمن عنده من صغير وكبير, وذكور وإناث, وقد أطبق المفسرون واتفقت الرواية وأيده التاريخ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حضر للمباهلة ولم يحضر معه إلاَّ علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام فلم يحضر لها إلاَّ نفسان وابنان وامرأة واحدة وقد امتثل أمر الله سبحانه فيها.
على أن المراد من لفظ الآية أمر, والمصداق الذي ينطبق عليه الحكم بحسب الخارج أمر آخر, وقد كثر في القرآن الحكم أو الوعد والوعيد للجماعة؛ ومصداقه بحسب شأن النزول واحد كقوله تعالى:
{ الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم } [المجادلة: 2] الآية، وقوله تعالى: { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } [المجادلة: 3]، وقوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } [آل عمران: 181]، وقوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وردت بلفظ الجمع ومصداقها بحسب شأن النزول مفرد.
قوله تعالى: {ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}، الابتهال من البهلة بالفتح والضم وهي اللعنة؛ هذا أصله ثم كثر استعماله في الدعاء, والمسألة إذا كان مع إصرار وإلحاح.
وقوله: {فنجعل لعنة الله}، كالبيان للابتهال, وقد قيل: فنجعل, ولم يقل: فنسأل إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة حيث يمتاز بها الحق من الباطل على طريق التوقف والابتناء.
وقوله: الكاذبين مسوق سوق العهد دون الاستغراق أو الجنس إذ ليس المراد جعل اللعنة على كل كاذب أو على جنس الكاذب بل على الكاذبين الواقعين في أحد طرفي المحاجة الواقعة بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين النصارى حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله لا إله غيره وإن عيسى عبده ورسوله" , وقالوا: إن عيسى هو الله أو إنه ابن الله أو إن الله ثالث ثلاثة.
وعلى هذا فمن الواضح أن لو كانت الدعوى والمباهلة عليها بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين النصارى أعني كون أحد الطرفين مفرداً والطرف الآخر جمعاً كان من الواجب التعبير عنه بلفظ يقبل الانطباق على المفرد والجمع معاً كقولنا: فنجعل لعنة الله على من كان كاذباً, فالكلام يدل على تحقق كاذبين بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجة والمباهلة على أي حال: إما في جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإما في جانب النصارى, وهذا يعطى أن يكون الحاضرون للمباهلة شركاء في الدعوى فإن الكذب لا يكون إلاَّ في دعوى فلمن حضر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وهم علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام شركة في الدعوى, والدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا من أفضل المناقب التي خص الله به أهل بيت نبيه عليهم السلام, كما خصهم باسم الأنفس والنساء والأبناء لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم من بين رجال الأمة ونسائهم وأبنائهم.
فإن قلت: قد مرّ أن القرآن يكثر إطلاق لفظ الجمع في مورد المفرد وأن إطلاق النساء في الآية مع كون من حضرت منهن للمباهلة منحصرة في فاطمة عليها السلام فما المانع من تصحيح استعمال لفظ الكاذبين بهذا النحو؟.
قلت: إن بين المقامين فارقاً وهو أن إطلاق الآيات لفظ الجمع في مورد المفرد, إنما هو لكون الحقيقة التي تبينها أمراً جائز التحقق من كثيرين يقضي ذلك بلحوقهم بمورد الآية في الحكم, وأما فيما لا يجوز ذلك لكون مورد الآية مما لا يتعداه الحكم, ولا يشمل غيره الوصف فلا ريب في عدم جوازه نظير قوله تعالى:
{ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتّق الله } [الأحزاب: 37]، وقوله تعالى: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103]، وقوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} إلى أن قال: { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين } [الأحزاب: 50]. وأمر المباهلة في الآية مما لا يتعدى مورده, وهو مباهلة النبي مع النصارى, فلو لم يتحقق في المورد مدّعون بوصف الجمع في كلا الطرفين لم يستقم قوله: الكاذبين بصيغة الجمع البتة.
فإن قلت: كما أن النصارى الوافدين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحاب دعوى وهي أن المسيح هو الله أو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة من غير فرق بينهم أصلاً ولا بين نسائهم وبين رجالهم في ذلك كذلك الدعوى التي كانت في جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي أن الله لا إله إلاَّ هو وأن عيسى ابن مريم عبده ورسوله كان القائمون بها جميع المؤمنين من غير اختصاص فيه بأحد من بينهم حتى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يكون لمن أحضره فضل على غيره غير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحضر من أحضر منهم على سبيل الأنموذج لما اشتملت عليه الآية من الأبناء والنساء والأنفس, على أن الدعوى غير الدعوة وقد ذكرت أنهم شركاء في الدعوة.
قلت: لو كان إتيانه بمن أتى به على سبيل الانموذج لكان من اللازم أن يحضر على الأقل رجلين ونسوة وأبناءً ثلاثة فليس الإِتيان بمن أتى به إلاَّ للانحصار وهو المصحح لصدق الامتثال, بمعنى أنه لم يجد من يمتثل في الإِتيان به أمره تعالى إلاَّ من أتى به وهو رجل وامرأة وابنان.
وإنك لو تأملت القصة وجدت أن وفد نجران من النصارى إنما وفدوا على المدينة ليعارضوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحاجوه في أمر عيسى ابن مريم, فإن دعوى أنه عبد الله ورسوله إنما كانت قائمة به مستندة إلى الوحي الذي كان يدعيه لنفسه, وأما الذين اتبعوه من المؤمنين فما كان للنصارى بهم شغل, ولا لهم في لقائهم هوى, كما يدل على ذلك قوله تعالى في صدر الآية: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل}، وكذا قوله تعالى - قبل عدة آيات -: {فإن حاجُّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن}.
ومن هنا يظهر: أن إتيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن أتى به للمباهلة لم يكن إتياناً بنحو الانموذج إذ لا نصيب للمؤمنين من حيث مجرد إيمانهم في هذه المحاجة والمباهلة حتى يعرضوا للَّعن والعذاب المتردد بينهم وبين خصمهم, وإنما أتى صلى الله عليه وآله وسلم بمن أتى به من جهة أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان طرف المحاجة والمداعاة فكان من حقه أن يعرض نفسه للبلاء المترقب على تقدير الكذب فلولا أن الدعوى كانت قائمة بمن أتى به منهم كقيامها بنفسه الشريفة لم يكن لإِتيانه بهم وجه, فإتيانه بهم من جهة انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء والنساء والأنفس بهم لا من جهة الإِتيان بالانموذج فقد صح أن الدعوى كانت قائمة بهم كما كانت قائمة به.
ثم إن النصارى إنما قصدوه صلى الله عليه وآله وسلم لا لمجرد أنه كان يرى أن عيسى ابن مريم عليه السلام عبد الله ورسوله ويعتقد ذلك, بل لأنه كان يدعيه ويدعوهم إليه, فالدعوة هي السبب العمدة التي بعثهم على الوفود والمحاجة فحضوره وحضور من حضر معه للمباهلة لمكان الدعوى والدعوة معاً فقد كانوا شركائه في الدعوة الدينية كما شاركوه في الدعوى كما ذكرناه.
فإن قلت: هب إن إتيانه بهم لكونهم منه, وانحصار هذا الوصف بهم لكن الظاهر - كما تعطيه العادة الجارية - أن إحضار الإِنسان أحباءه وأفلاذ كبده من النساء والصبيان في المخاطر والمهاول دليل على وثوقه بالسلامة والعافية والوقاية فلا يدل إتيانه صلى الله عليه وآله وسلم بهم على أزيد من ذلك, وأما كونهم شركاء في الدعوة فهو بمعزل عن أن يدل عليه فعله.
قلت: نعم صدر الآية لا يدل على أزيد مما ذكر لكنك قد عرفت أن ذيلها أعني قوله: {على الكاذبين}, يدل على تحقق كاذبين في أحد طرفي المحاجة والمباهلة البتة, ولا يتم ذلك إلاَّ بأن يكون في كل واحد من الطرفين جماعة صاحبة دعوى إما صادقة أو كاذبة فالذين أتى بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشاركون معه في الدعوى وفي الدعوة كما تقدم فقد ثبت أن الحاضرين كانوا بأجمعهم صاحبي دعوى ودعوة معه صلى الله عليه وآله وسلم وشركاء في ذلك.
فإن قلت: لازم ما ذكرته كونهم شركاء في النبوة.
قلت: كلاّ فقد تبيّن فيما أسلفناه من مباحث النبوة أن الدعوة والتبليغ ليسا بعين النبوة والبعثة وإن كانا من شؤونها ولوازمها, ومن المناصب والمقامات الإِلهية التي يتقلدها, وكذا تبيّن مما تقدم من مبحث الإِمامة أيضاً أنهما ليسا بعين الإِمامة وإن كانا من لوازمها بوجه.
قوله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلاَّ الله}؛ هذا إشارة إلى ما تقدم من قصص عيسى عليه السلام؛ والكلام مشتمل على قصر القلب أي ما قصصناه هو الحق دون ما تدعيه النصارى من أمر عيسىعليه السلام.
وفي الإِتيان بإن واللام وضمير الفصل تأكيد بالغ لتطييب نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتشجيعه في أمر المباهلة بإيقاظ صفة يقينه وبصيرته ووثوقه بالوحي الذي أنزله الله سبحانه إليه, ويتعقبه التأكيد الثاني بإيراد الحقيقة بلازمها وهو قوله: {وما من إله إلاَّ الله}, فإن هذه الجملة لازمة كون القصص المذكور حقاً.
قوله تعالى: {وإن الله لهو العزيز الحكيم}, معطوف على أول الآية؛ وهو بما فيه من التأكيد البالغ تطييب آخر وتشجيع لنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله لا يعجز عن نصرة الحق وتأييده, ولا أنه يغفل أو يلهو عن ذلك بإهمال أو جهل فإنه هو العزيز (فلا يعجز عمّا أراده) الحكيم (فلا يجهل ولا يهمل) لا ما عملته أوهام خصماء الحق من إله غير الله سبحانه.
ومن هنا يظهر وجه الإِتيان بالاسمين: {العزيز الحكيم}, وأن الكلام مسوق لقصر القلب أو الإِفراد.
قوله تعالى: {فإن الله عليم بالمفسدين}؛ لما كان الغرض من المحاجة, وكذا المباهلة بحسب الحقيقة هو إظهار الحق لم يكن يعقل التولي عن الطريق لمريد الغرض والمقصد فلو كانوا أرادوا بذلك إظهار الحق وهم يعلمون أن الله سبحانه ولي الحق لا يرضى بزهوقه ودحوضه لم يتولوا عنها فإن تولوا فإنما هو لكونهم لا يريدون بالمحاجة ظهور الحق بل الغلبة الظاهرية والاحتفاظ على ما في أيديهم من حاضر الوضع, والسنة التي استحكمت عليه عادتهم, فهم إنما يريدون ما تزينه لهم أهوائهم وهوساتهم من شكل الحياة, لا الحياة الصالحة التي تنطبق على الحق والسعادة, فهم لا يريدون إصلاحاً بل إفساد الدنيا بإفساد الحياة السعيدة فإن تولوا فإنما هو لأنهم مفسدون.
ومن هنا يظهر: أن الجزاء وضع فيه السبب مكان المسبب أعني الإِفساد مكان عدم إرادة ظهور الحق.
وقد ضمن الجزاء وصف العلم حيث قيل: {فإن الله عليم}, ثم أكد بأن ليدل على أن هذه الصفة متحققة في نفوسهم ناشبة في قلوبهم فيشعر بأنهم سيتولون عن المباهلة لا محالة, وقد فعلوا وصدّقوا قول الله بفعلهم.
(بحث روائي)
في تفسير القمي عن الصادق عليه السلام: أن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وكان سيدهم الأهتم والعاقب والسيد, وحضرت صلواتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلُّوا, فقال أصحاب رسول الله: يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: دعوهم فلما فرغوا دنوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إلى ما تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله, وأني رسول الله, وأن عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث, قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قل لهم: ما تقولون في آدم: أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ فسألهم النبي, فقالوا نعم. قال: فمن أبوه؟ فبهتوا فأنزل الله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} الآية, وقوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} إلى قوله: {فنجعل لعنة الله على الكاذبين}, فقال رسول الله: فباهلوني فإن كنت صادقاً أنزلت اللعنة عليكم, وإن كنت كاذباً أُنزلت عليَّ, فقالوا: أنصفت فتواعدوا للمباهلة, فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤسائهم السيد والعاقب والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبياً, وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله فإنه لا يقدم إلى أهل بيته إلاَّ وهو صادق, فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام, فقال النصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم هذا ابن عمه ووصيه وختنه علي بن أبي طالب عليه السلام, وهذه ابنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين عليها السلام, ففرقوا فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجزية وانصرفوا.
وفي العيون بإسناده عن الريان بن الصلت عن الرضا عليه السلام في حديثه مع المأمون والعلماء في الفرق بين العترة والأمة, وفضل العترة على الأمة, وفيه قالت العلماء: هل فسر الله الاصطفاء في كتابه؟ فقال الرضا عليه السلام: فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً, وذكر المواضع من القرآن, وقال فيها: وأما الثالثة حين ميز الله الطاهرين من خلقه, وأمر نبيه بالمباهلة بهم في آية الابتهال فقال عز وجل: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم}, قالت العلماء: عنى به نفسه, قال أبو الحسن: غلطتم إنما عنى به علي بن أبي طالب عليه السلام؛ ومما يدل على ذلك قول النبي: لينتهين بنوا وليعة أو لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي يعني علي بن أبي طالب عليه السلام, وعنى بالأبناء الحسن والحسين, وعنى بالنساء فاطمة, فهذه خصوصية لا يتقدمهم فيها أحد, وفضل لا يلحقهم فيه بشر, وشرف لا يسبقهم إليه خلق إذ جعل نفس علي كنفسه؛ الحديث.
وعنه بإسناده إلى موسى بن جعفر عليهما السلام في حديث له مع الرشيد, قال الرشيد له: كيف قلتم إنا ذرية النبي, والنبي لم يعقب, وإنما العقب للذكر لا للأنثى, وأنتم ولد البنت ولا يكون له عقب؟ فقلت أسأله بحق القرابة والقبر ومن فيه إلاَّ ما أعفاني عن هذه المسألة, فقال: تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم, كذا أُنهي إليَّ, ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله, وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء لا ألف ولا واو إلاَّ تأويله عندكم, واحتججتم بقوله عز وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}, وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.
فقلت: تأذن لي في الجواب؟ فقال: هات, قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم: {ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس}, من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس له أب. فقلت: إنما ألحقه بذراري الأنبياء من طريق مريم, وكذلك ألحقنا الله تعالى بذراري النبي من أمنا فاطمة, أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال: هات, قلت: قول الله عز وجل: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}, ولم يدّع أحد أنه أدخل النبي تحت الكساء عند المباهلة مع النصارى إلاَّ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام, فكان تأويل قوله: أبناءنا الحسن والحسين, ونساءنا فاطمة, وأنفسنا علي بن أبي طالب عليهم السلام.
وفي سؤالات المأمون عن الرضا عليه السلام: قال المأمون: ما الدليل على خلافة جدك علي بن أبي طالب؟ قال: آية أنفسنا قال: لولا نساءنا قال لولا أبناءنا.
أقول: قوله: آية أنفسنا يريد أن الله جعل نفس علي كنفس نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقوله: لولا نساءنا معناه: أن كلمة نساءنا في الآية دليل على أن المراد بالأنفس الرجال, فلا فضيلة فيه حينئذٍ, وقوله: لولا أبناءنا معناه أن وجود أبناءنا فيها يدل على خلافه فإن المراد بالأنفس لو كان هو الرجال لم يكن مورد لذكر الأبناء.
وفي تفسير العياشي بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام, قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن فضائله فذكر بعضها ثم قالوا له: زدنا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه حبران من أحبار النصارى من أهل نجران فتكلما في أمر عيسى, فأنزل الله هذه الآية: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم}, إلى آخر الآية, فدخل رسول الله فأخذ بيد علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام, ثم خرج ورفع كفه إلى السماء, وفرج بين أصابعه, ودعاهم إلى المباهلة, قال: وقال أبو جعفر عليهما السلام: وكذلك المباهلة يشبك يده في يده يرفعهما إلى السماء, فلما رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: والله لئن كان نبياً لنهلكن وإن كان غير نبي كفانا قومه, فكفا وانصرفا.
أقول: وهذا المعنى أو ما يقرب منه مروي في روايات أُخر من طرق الشيعة وفي جميعها أن الذين أتى بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمباهلة هم علي وفاطمة والحسنان (ع), فقد رواه الشيخ في أماليه بإسناده عن عامر بن سعد عن أبيه؛ ورواه أيضاً فيه بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق عليه السلام, ورواه فيه أيضاً بإسناده عن سالم بن أبي الجعد يرفعه إلى أبي ذر رضوان الله عليه, ورواه أيضاً فيه بإسناده عن ربيعة بن ناجد عن علي عليه السلام, ورواه المفيد في كتاب الاختصاص بإسناده عن محمد بن الزبرقان عن موسى بن جعفر عليهما السلام, ورواه أيضاً فيه عن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جده, ورواه العياشي في تفسيره عن محمد بن سعيد الأردني عن موسى بن محمد بن الرضا عن أخيه, ورواه أيضاً عن أبي جعفر الأحول عن الصادق عليه السلام, ورواه أيضاً فيه في رواية أُخرى عن الأحول عنه عليه السلام, وعن المنذر عن علي عليه السلام, ورواه أيضاً فيه بإسناده عن عامر بن سعد, ورواه الفرات في تفسيره معنعناً عن أبي جعفر وعن أبي رافع والشعبي وعلي عليه السلام وشهر بن حوشب, ورواه في روضة الواعظين وفي إعلام الورى, وفي الخرائج وغيرها.
وفي تفسير الثعلبي عن مجاهد والكلبي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر, فلما تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل, ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم؛ والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم, ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكن فإن أبيتم إلاَّ إلف دينكم, والإِقامة على ما أنتم عليه, فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا رسول الله وقد غدا محتضناً بالحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه, وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا, فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا, ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة, فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك, وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا, قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا, يكن لكم ما للمسلمين, وعليكم ما عليهم فأبوا, قال: فإني أناجزكم, فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا, ولا تخيفنا, ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر, وألف في رجب, وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك.
وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير, ولاضطرم عليهم الوادي ناراً, ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا.
أقول: وروى القصة قريباً منه في كتاب المغازي عن ابن إسحق, ورواه أيضاً المالكي في الفصول المهمة عن المفسرين قريباً منه, ورواه الحموي عن ابن جريح قريباً منه.
وقوله: ألف في صفر, المراد به المحرم وهو أول السنة عند العرب وقد كان يسمى صفراً في الجاهلية فيقال صفر الأول وصفر الثاني وقد كانت العرب تنسئ في الصفر الأول, ثم أقر الإِسلام الحرمة في الصفر الأول فسمي لذلك بشهر الله المحرم ثم اشتهر بالمحرم.
وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب, قال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه, لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم, سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول حين خلفه في بعض مغازيه, فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاَّ أنه لا نبي بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله, ويحبه الله ورسوله, قال: فتطاولنا لها, فقال: ادعوا لي علياً فأُتي به أرمد العين فبصق في عينيه. ودفع الراية إليه ففتح الله على يده. ولما نزلت هذه الآية: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل}, دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي.
أقول: ورواه الترمذي في صحيحه, ورواه أبو المؤيد الموفق بن أحمد في كتاب فضائل علي, ورواه أيضاً أبو نعيم في الحلية عن عامر بن سعد عن أبيه, ورواه الحمويني في كتاب فرائد السمطين.
وفي حلية الأولياء لأبي نعيم بإسناده عن عامر بن أبي وقاص عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي.
وفيه بإسناده عن الشعبي عن جابر قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الإِسلام فقالا: أسلمنا يا محمد فقال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإِسلام فقالا: فهات إلينا, قال: حب الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير, قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه إلى أن يفداه بالغداة فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ بيد علي والحسن والحسين وفاطمة فأرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرّا له, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
"والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر عليهم الوادي ناراً" قال جابر: فيهم نزلت: ندع أبناءنا وأبناءكم, قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله وعلي, وأبناءنا الحسن والحسين, ونساءنا فاطمة.
أقول: ورواه ابن المغازلي في مناقبه بإسناده عن الشعبي عن جابر, ورواه أيضاً الحمويني في فرائد السمطين بإسناده عنه, ورواه المالكي في الفصول المهمة مرسلاً عنه, ورواه أيضاً عن أبي داود الطيالسي عن شعبة الشعبي مرسلاً, ورواه في الدر المنثور عن الحاكم وصححه وعن ابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل عن جابر.
وفي الدر المنثور أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم منهم السيد وهو الكبير, والعاقب وهو الذي يكون بعده وصاحب رأيهم ثم ساق القصة نحواً مما مرّ.
وفيه أيضاً أخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: بسم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب, أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية من الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية, وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب والسلام, فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً, فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرأه, فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل؟ ليس لي في النبوة رأي, لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه, وجهدت لك, فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قالوا مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة, وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألهم وسألوه فلم نزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال في عيسى صبح الغد, فأنزل الله هذه الآية: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} إلى قوله: {فنجعل لعنة الله على الكاذبين}, فأبوا أن يقروا بذلك, فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة, وله يومئذٍ عدة نسوة, فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمراً مقبلاً إن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعنّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلاَّ هلك فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه, فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً, فقالا له: أنت وذلك, فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك, قال: وما هو؟ قال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز, فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلاعنهم, وصالحهم على الجزية.
وفيه أخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر اليشكري, قال: لما نزلت هذه الآية: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} الآية, أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين, ودعا اليهود ليلاعنهم, فقال شاب من اليهود: ويحكم إليس عهدتم الأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا! فانتهوا.
أقول: والرواية تؤيد أن يكون الضمير في قوله تعالى: {فمن حاجك فيه}, راجعاً إلى الحق في قوله: {الحق من ربك}, فيتم بذلك حكم المباهلة لغير خصوص عيسى ابن مريم عليه السلام, وتكون حينئذٍ هذه قصة أُخرى واقعة بعد قصة دعوة وفد نجران إلى المباهلة على ما تقصه الأخبار الكثيرة المتظافرة المنقولة أكثرها فيما تقدم.
وقال ابن طاوس في كتاب سعد السعود: رأيت في كتاب تفسير ما نزل من القرآن في النبي وأهل بيته تأليف محمد بن العباس بن مروان: أنه روى خبر المباهلة من أحد وخمسين طريقاً عمّن سمّاه من الصحابة وغيرهم, وعد منهم الحسن بن علي عليهما السلام وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وبكر بن سمال وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس وأبا رافع مولى النبي وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب وأنس بن مالك.
وروى ذلك في المناقب عن عدة من الرواة والمفسرين وكذا السيوطي في الدر المنثور.
ومن عجيب الكلام ما ذكره بعض المفسرين حيث قال: إن الروايات متفقة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اختار للمباهلة علياً وفاطمة وولديهما, ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة, وكلمة أنفسنا على علي فقط, ومصادر هذه الروايات الشيعة, ومقصدهم منها معروف؛ وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة, ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية, فإن كلمة نساءنا لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ولا يفهم هذا من لغتهم. وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي, ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساءهم وأولادهم, وكل ما يفهم من الآية أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوا المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالاً ونساءً وأطفالاً, ويجمع المؤمنين رجالاً ونساءً وأطفالاً, ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى.
وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه, وثقته بما يقول, كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون, وزلزالهم فيما يعتقدون, وكونهم على غير بينة ولا يقين, وأنى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟ وأي جرأة على الله واستهزاءً بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟
قال: أما كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى عليه السلام فحسبنا في بيانه قوله تعالى: من بعد ما جاءك من العلم, فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلاَّ اليقين, وفي قوله: ندع أبناءنا وأبناءكم "الخ" وجهان:
أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبناءنا, ونحن ندعو أبنائكم؛ وهكذا الباقي.
وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمون ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا؛ وأنتم كذلك.
ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس, وإنما الإِشكال فيه على قول الشيعة, ومن شايعهم على القول بالتخصيص, انتهى.
أقول: وهذا الكلام - وأحسب أن الناظر فيه يكاد يتهمنا في نسبته إلى مثله, واللبيب لا يرضى بإيداعه وأمثاله في الزبر العلمية - إنما أوردناه على وهنه وسقوطه ليعلم أن النزعة والعصبية إلى أين يورد صاحبه من سقوط الفهم ورداءة النظر فيهدم كل ما بنى عليه ويبني كل ما هدمه ولا يبالي, ولأن الشر يجب أن يعلم ليجتنب عنه.
والكلام في مقامين: أحدهما: دلالة الآية على أفضلية علي عليه السلام, وهو بحث كلامي خارج عن الغرض الموضوع له هذا الكتاب؛ وهو النظر في معاني الآيات القرآنية.
وثانيهما: البحث عمّا ذكره هذا القائل من حيث تعلقه بمدلول آية المباهلة, والروايات الواردة في ما جرى بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين وفد نجران؛ وهذا بحث تفسيري داخل في غرضنا.
وقد عرفت ما تدل عليه الآية, وأن الذي نقلناه من الأخبار المتكثرة المتظافرة هو الذي يطابق مدلول الآية, وبالتأمل في ذلك يتضح وجوه الفساد في هذه الحجة المختلقة والنظر الواهي الذي لا يرجع إلى محصل, وهاك تفصيلها:
منها: أن قوله: ومصادر هذه الروايات الشيعة - إلى قوله: وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة, بعد قوله: إن الروايات متفقة, ليت شعري أي روايات يعني بهذا القول؟ أمراده هذه الروايات المتظافرة التي أجمعت على نقلها وعدم طرحها المحدثون, وليست بالواحدة والاثنتين والثلاث أطبق على نقلها وتلقيها بالقبول أهل الحديث, وأثبتها أرباب الجوامع في جوامعهم, ومنهم مسلم في صحيحه, والترمذي في صحيحه, وأيدها أهل التاريخ.
ثم أطبق المفسرون على إيرادها وإيداعها في تفاسيرهم من غير اعتراض أو ارتياب, وفيهم جمع من أهل الحديث والتاريخ كالطبري وأبي الفداء بن كثير والسيوطي وغيرهم.
ثم من الذي يعنيه من الشيعة المصادر لهذه الروايات؟ أيريد بهم الذين تنتهي إليهم سلاسل الإِسناد في الروايات؟ أعني سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة؟ أو التابعين الذين نقلوا عنهم بالأخذ والرواية كأبي صالح والكلبي والسدي والشعبي وغيرهم, وأنهم تشيعوا لنقلهم ما لا يرتضيه بهواه فهؤلاء وأمثالهم ونظرائهم هم الوسائط في نقل السنة, ومع رفضهم لا تبقى سنة مذكورة ولا سيرة مأثورة, وكيف يسع لمسلم أو باحث حتى ممن لا ينتحل بالإِسلام أن يبطل السنة ثم يروم أن يطلع على تفاصيل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تعليم وتشريع والقرآن ناطق بحجية قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته, وناطق ببقاء الدين على حياته, ولو جاز بطلان السنة من رأس لم يبق للقرآن أثر ولا لإِنزاله ثمر.
أو أنه يريد أن الشيعة دسوا هذه الأحاديث في جوامع الحديث وكتب التاريخ, فيعود محذور سقوط السنة, وبطلان الشريعة بل يكون البلوى أعم والفساد أتم.
ومنها: قوله: ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة, وكلمة أنفسنا على علي فقط, مراده به أنهم يقولون بأن كلمة نساءنا أطلقت وأُريدت بها فاطمة, وكذا المراد بكلمة أنفسنا علي فقط, وكأنه فهمه مما يشتمل عليه بعض الروايات السابقة: قال جابر: نساءنا فاطمة وأنفسنا علي, الخبر, وقد أساء الفهم فليس المراد في الآية بلفظ نساءنا فاطمة, وبلفظ أنفسنا علي بل المراد أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذ لم يأت في مقام الامتثال إلاَّ بها وبه كشف ذلك أنها هي المصداق الفرد لنساءنا, وأنه هو المصداق الوحيد لأنفسنا وأنهما مصداق أبناءنا, وكان المراد بالأبناء والنساء والأنفس في الآية هو الأهل فهم أهل بيت رسول الله وخاصته كما ورد في بعض الروايات بعد ذكر إتيانه صلى الله عليه وآله وسلم بهم أنه قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فإن معنى الجملة: أني لم أجد من أدعوه غير هؤلاء.
ويدل على ما ذكرناه من المراد ما وقع في بعض الروايات: أنفسنا وأنفسكم رسول الله وعلي, فإن اللفظ صريح في أن المقصود بيان المصداق دون معنى اللفظ.
ومنها: قوله: ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة نساءنا لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ولا يفهم هذا من لغتهم, وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي, هذا المعنى العجيب الذي توهمه هو الذي أوجب أن يطرح هذه الروايات على رواتها ثم يطعن على رواتها وكل من تلقاها بالقبول, ويرميهم بما ذكره وقد كان من الواجب عليه أن يتنبه لموقفه من تفسير الكتاب, ويذكر هؤلاء الجم الغفير من أئمة البلاغة وأساتيذ البيان, وقد أوردوها في تفسيرهم وسائر مؤلفاتهم من غير أي تردد أو اعتراض.
فهذا صاحب الكشاف - وهو الذي ربما خطأ أئمة القراءة في قراءتهم - يقول في ذيل تفسير الآية: وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام, وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عله وآله وسلم لأنه لم يروِ أحد من موافق ولا مخالف: أنهم أجابوا إلى ذلك, انتهى.
فكيف خفي على هؤلاء العظماء أبطال البلاغة وفرسان الأدب أن هذه الأخبار على كثرتها وتكررها في جوامع الحديث تنسب إلى القرآن أنه يغلط في بيانه فيطلق النساء (وهو جمع) في مورد نفس واحدة؟
لا وعمري، وإنما التبس الأمر على هذا القائل واشتبه عنده المفهوم بالمصداق فتوهم: أن الله عزّ اسمه لو قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} "إلخ, وصح أن المحاجين عند نزول الآية وفد نجران وهم أربعة عشر رجلا على ما في بعض الروايات ليس عندهم نساء ولا أبناء؛ وصح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى مباهلتهم وليس معه إلاَّ علي وفاطمة والحسنان كان لازم ذلك أن معنى من حاج وفد نجران, ومعنى نساءنا المرأة الواحدة, ومعنى أنفسنا النفس الواحدة, وبقي نساءكم وأبناءكم لا معنى لهما إذ لم يكن مع الوفد نساء ولا أبناء.
وكان عليه أن يضيف إلى ذلك لزوم استعمال الأبناء وهو جمع في التثنية وهو أشنع من استعمال الجمع في المفرد فإن استعمال الجمع في المفرد ربما وجد في كلام المولدين وإن لم يوجد في العربية الأصيلة إلاَّ في التكلم لغرض التعظيم لكن استعمال الجمع في المثنى مما لا مجوز له أصلاً.
فهذا هو الذي دعاه إلى طرح الروايات ورميها بالوضع, وليس الأمر كما توهمه.
توضيح ذلك أن الكلام البليغ إنما يتبع فيه ما يقتضيه المقام من كشف ما يهم كشفه فربما كان المقام مقام التخاطب بين متخاطبين أو قبيلين ينكر أو يجهل كل منهما حال صاحبه فيوضع الكلام على ما يقتضيه الطبع والعادة فيؤتى في التعبير بما يناسب ذلك, فأحد القبيلين المتخاصمين إذا أراد أن يخبر صاحبه أن الخصومة والدفاع قائمة بجميع أشخاص قبيله من ذكور وإناث وصغير وكبير فإنما يقول: نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والظعائن والأولاد فيضع الكلام على ما تقتضيه الطبع والعادة فإن العادة تقتضي أن يكون للقبيل من الناس نساء وأولاد والغرض متعلق بأن يبين للخصم أنهم يد واحدة على من يخاصمهم ويخاصمونه, ولو قيل: نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والنساء وابنين لنا كان إخباراً بأمر زائد على مقتضى المقام محتاجاً إلى عناية زائدة وتعرفاً إلى الخصم لنكتة زائدة.
وأما عند المتعارفين والأصدقاء والأخلة, فربما يوضع الكلام على مقتضى الطبع والعادة فيقال في الدعوة للضيافة والاحتفال: سنقروكم بأنفسنا ونساءنا وأطفالنا, وربما يسترسل في التعرف فيقال: سنخدمكم بالرجال والبنت والسبطين الصبيين؛ ونحو ذلك.
فللطبع والعادة وظاهر الحال حكم, ولواقع الأمر وخارج العين حكم, وربما يختلفان, فمن بنى كلامه على حكاية ما يعلم من ظاهر حاله, ويقضي به الطبع والعادة فيه ثم بدا حقيقة حاله وواقع أمره على خلاف ما حكاه من ظاهر حاله لم يكن غالطاً في كلامه, ولا كاذباً في خبره, ولا لاغياً هازلاً في قوله.
والآية جارية على هذا المجرى فقوله: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} "الخ" أُريد به على ما تقدم: أدعهم إلى أن تحضر أنت وخاصتك من أهلك الذين يشاركونك في الدعوى والعلم, ويحضروا بخاصتهم من أهليهم, ثم وضع الكلام على ما يعطيه ظاهر الحال أن لرسول الله في أهله رجالاً ونساءً وأبناءً ولهم في أهليهم رجال ونساء وأبناء فهذا مقتضى ظاهر الحال, وحكم الطبع والعادة فيه وفيهم, أما واقع الأمر وحقيقته فهو أنه لم يكن له صلى الله عليه وآله وسلم من الرجال والنساء والبنين إلاَّ نفس وبنت وابنان, ولم يكن لهم إلاَّ رجال من غير نساء ولا أبناء, ولذلك لما أتاهم برجل وامرأة وولدين لم يجبهوه بالتلحين والتكذيب, ولا أنهم اعتذروا عن الحضور بأنك أمرت بإحضار النساء والأبناء وليس عندنا نساء ولا أبناء, ولا أن من قصت عليه القصة رماها بالوضع والتمويه.
ومن هنا يظهر فساد ما أورده بقوله: ثم وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساء ولا أبناء.
ومنها: قوله: وكل ما يفهم من الآية أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالاً ونساءً وأطفالاً, ويجمع هو المؤمنين رجالاً ونساءً وأطفالاً, ويبتهلون إلى الله بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى - إلى قوله -: وأنى لمن يؤمن بالله أن يرضى أن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟ وأي جرأة على الله واستهزاءً بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟.
وملخصه أن الآية تدعو الفريقين إلى الاجتماع بأنفسهم ونسائهم وذراريهم في صعيد واحد ثم الابتهال بالملاعنة, وينبغي أن يستبان ما هذا الاجتماع المدعو إليه؟.
أهو اجتماع الفريقين كافة أعني المؤمنين بأجمعهم وهم يومئذٍ عرب ربيعة ومضر جلهم أو كلهم من اليمن والحجاز والعراق وغيرها, والنصارى وهم أهل نجران من اليمن ونصارى الشام وسواحل البحر الأبيض وأهل الروم والإِفرنج والإِنجليز والنمسا وغيرهم.
وهؤلاء الجماهير في مشارق الأرض ومغاربها تربو نفوسهم بالرجال والنساء والذراري يومئذٍ على الملائين بعد الملائين, ولا يشك ذو لب أن من المتعذر اجتماعهم في صعيد واحد, فالأسباب العادية تأبى ذلك بجميع أركانها, ولازم ذلك أن يندب القرآن الناس إلى المحال, وينيط ظهور حجته, وتبين الحق الذي يدعيه على ما لا يكون البتة, وكان ذلك عذراً (ونعم العذر) للنصارى في عدم إجابتهم دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المباهلة, وكان ذلك أضر لدعواه منه لدعواهم.
أم هو اجتماع الحاضرين من الفريقين ومن في حكمهم أعني المؤمنين من أهل المدينة وما والاها, وأهل نجران ومن والاهم, وهذا وإن كان أقل وأخف شناعة من الوجه السابق لكنه من حيث استحالة التحقق وامتناع الوقوع كسابقه فمن الذي كان يسعه يومئذٍ أن يجمع أهل المدينة ونجران قاطبة حتى النساء والذراري منهم في صعيد للملاعنة, وهل هذه الدعوة إلاَّ تعليقاً بالمحال, واعترافاً بأن الحق متعذر الظهور.
أم هو اجتماع المتلبسين بالخصام والجدال من الفريقين أعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحاضرين عنده من المؤمنين, ووفد نجران من النصارى, ويرد عليه حينئذٍ ما أورده بقوله: "ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساءهم وأولادهم" وكان ذلك وقوعاً فيما ذكره من المحذور.
ومنها: قوله: أما كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى عليه السلام فحسبنا في بيانه قوله تعالى: من بعد ما جاءك من العلم فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلاَّ اليقين.
أقول: أما كون العلم فيها بمعنى اليقين فهو حق وأما كون الآية دالة على كون المؤمنين على يقين من أمر عيسى عليه السلام فليت شعري من أين له إثبات ذلك؟ والآية غير متعرضة بلفظها {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك} "الخ" إلاَّ لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ومقام التخاطب أيضاً لا يشمل غيره صلى الله عليه وآله وسلم من المؤمنين, فإن الوفد من النصارى ما كان لهم همّ إلاَّ المحاجة والخصام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ولم يكن لهم هوى في لقاء المؤمنين, ولا كلموهم بكلمة, ولا كلمهم المؤمنون بكلمة.
نعم لو دلت الآية على حصول العلم لأحد غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدل فيمن جيء به للمباهلة على ما استفدناه من قوله تعالى: {من الكاذبين}, فيما تقدم.
بل القرآن يدل على عدم عموم العلم واليقين لجميع المؤمنين حيث يقول تعالى:
{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلاَّ وهم مشركون } [يوسف: 106]، فوصفهم بالشرك وكيف يجتمع الشرك مع اليقين، ويقول تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً } [الأحزاب: 12]، ويقول تعالى: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم } [محمد: 20ـ21] إلى أن قال: { أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } [محمد: 23]، فاليقين لا يتحقق به إلاَّ بعض أولي البصيرة من متبعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم, قال تعالى: { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، وقال تعالى: { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } } [يوسف: 108]. ومنها: قوله: وفي قوله: {ندع أبناءنا وأبناءكم} "الخ" وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر "الخ" قد عرفت فساد وجهه الأول وعدم انطباقه على لفظ الآية إذ قد عرفت أن الغرض كان مستوفى حاصلاً لو قيل: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين, وإنما زيد عليه قوله: {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم}, ليدل على لزوم احضار كل من الفريقين عند المباهلة أعز الأشياء عنده وأحبها إليه وهو الأبناء والنساء والأنفس (الأهل والخاصة), وهذا إنما يتم لو كان معنى الآية: ندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وتدعون أنتم أبناءكم ونساءكم وأنفسكم, ثم نبتهل, وأما لو كان المعنى ندعو نحن أبنائكم ونساءكم وأنفسكم وتدعون أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ثم نبتهل بطل الغرض المذكور.
على أن هذا المعنى في نفسه مما لا يرتضيه الطبع السليم فما معنى تسليط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النصارى على أبنائه ونسائه, وسؤاله أن يسلطوه على ذراريهم ونسائهم ليتداعوا فيتم الحضور والمباهلة مع تأتي ذلك بدعوة كل فريق أهل نفسه لها؟.
على أن هذا المعنى يحتاج في فهمه من الآية إلى فهم معنى التسليط وما يشابهه - كما تقدم - منها, وأنى لنا فهمه؟ فالحق أن هذا الوجه ساقط, وأن الوجه الآخر وهو أن يكون المراد دعوة كل أهل نفسه هو المتعين.
ومنها: قوله: ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس, وإنما الإِشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص, يريد بالإِشكال ما أورد على الآية من لزوم دعوة الإِنسان نفسه, وهذا الإِشكال غير مرتبط بشيء من الوجهين أصلاً وإنما هو إشكال على القول بكون المراد بأنفسنا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يحكى عن بعض المناظرات المذهبية حيث ادعى أحد الخصمين أن المراد بأنفسنا, رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاورد عليه بلزوم دعوة الإِنسان نفسه وهو باطل تشير إليه الرواية الثانية المنقولة عن العيون فيما تقدم.
ومن هنا يظهر سقوط قوله: إنما الإِشكال فيه على قول الشيعة فإن قولهم على ما قدمنا: إن المراد بأنفسنا هو الرجال من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وهم بحسب المصداق رسول الله وعلي عليهما الصلاة السلام, ولا إشكال في دعوة بعضهم بعضاً.
فلا إشكال عليهم حتى على ما نسبه إليهم بزعمه: أن معنى أنفسنا علي فإنه لا إشكال في دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام.
وقال تلميذه في المنار بعد الإِشارة إلى الروايات: وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} الآية؛ قال: فجاء بأبي بكر وولده, وعمر وولده, وعثمان وولده. قال: والظاهر أن الكلام في جماعة المؤمنين.
ثم قال بعد نقل كلام أُستاذه المنقول سابقاً: وفي الآية ما ترى من الحكم بمشاركة النساء للرجال في الاجتماع للمباراة القومية والمناضلة الدينية, وهو مبني على اعتبار المرأة كالرجل حتى في الأمور العامة إلاَّ ما استثني منها إلى آخر ما أطنب به من الكلام.
أقول: أما ما ذكره من الرواية فهي رواية شاذة تخالف جميع روايات الآية على كثرتها واشتهارها وقد أعرض عن هذه الرواية المفسرون, وهي مع ذلك تشتمل على ما لا يطابق الواقع, وهو جعله لكل من المذكورين فيه ولداً. ولا ولد يومئذٍ لجميعهم البتة.
وكأنه يريد بقوله: والظاهر أن الكلام في جماعة المؤمنين, أن يستظهر من الرواية الدلالة على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحضر جميع المؤمنين وأولادهم فيكون قوله: فجاء بأبي بكر وولده "إلخ" كناية عن إحضاره عامة المؤمنين, وكأنه يريد به تأييد شيخه فيما ذكره من المعنى. وأنت ترى ما عليه الرواية من الشذوذ والإِعراض والمتن ثم في الدلالة على ما ذكره من المعنى.
وأما ما ذكره من دلالة الآية على مشاركة النساء الرجال في الحقوق العامة فلو تم ما ذكره دلَّ على مشاركة الأطفال أيضاً, وفي هذا وحده كفاية في بطلان ما ذكره.
وقد قدمنا الكلام في اشتراكهن معهم عند الكلام على آيات الطلاق في الجزء الثاني من الكتاب وسيأتي شطر في ما يناسبه من المورد من غير حاجة إلى مثل ما استفاده من الآية.