التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
٧٩
وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
٨٠
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
وقوع الآيات عقيب الآيات المرتبطة بأمر عيسى عليه السلام يفيد أنها بمنزلة الفصل الثاني من الاحتجاج على براءة ساحة المسيح مما يعتقده في حقه أهل الكتاب من النصارى، والكلام بمنزلة قولنا: إنه ليس كما تزعمون، فلا هو رب ولا أنه ادعى لنفسه الربوبية: أما الأول: فلأنه مخلوق بشري حملته أُمه ووضعته وربته في المهد غير أنه لا أب له كآدم عليهما السلام فمثله عند الله كمثل آدم، وأما الثاني: فلأنه كان نبياً أُوتي الكتاب والحكم والنبوة؛ والنبي الذي هذا شأنه لا يعدو طور العبودية ولا يتعرى عن زي الرقية، فكيف يتأتى أن يقول للناس اتخذوني رباً وكونوا عباداً لي من دون الله، أو يجوز ذلك في حق غيره من عباد الله من ملك أو نبي، فيعطي لعبد من عباد الله ما ليس له بحق، أو ينفي عن نبي من الأنبياء ما أثبت الله في حقه من الرسالة فيأخذ منه ما هو له من الحق.
قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله}، البشر مرادف للإِنسان، ويطلق على الواحد والكثير فالإِنسان الواحد بشر كما أن الجماعة منه بشر.
وقوله: {ما كان لبشر}، اللام للملك أي لا يملك ذلك أي ليس له بحق كقوله تعالى:
{ ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } [النور: 16] وقوله: { وما كان لنبي أن يغل } [آل عمران: 161]. وقوله تعالى: {أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة}، اسم كان إلاَّ أنه توطئة لما يتبعه من قوله: {ثم يقول للناس}، وذكر هذه التوطئة مع صحة المعنى بدونها ظاهراً يفيد وجهاً آخر لمعنى قوله: {ما كان لبشر}، فإنه لو قيل: ما كان لبشر أن يقول للناس، كان معناه أنه لم يشرع له هذا الحق وإن أمكن أن يقول ذلك فسقاً وعتواً، ولكنه إذا قيل: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول} كان معناه أن إيتاء الله له العلم والفقه بما عنده وتربيته له بتربية ربانية لا يدعه أن يعدو طور العبودية، ولا يوسع له أن يتصرف فيما لا يملكه، ولا يحق له كما يحكيه تعالى عن عيسى عليه السلام في قوله: { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } } [المائدة: 116]. ومن هنا تظهر النكتة في قوله: {أن يؤتيه الله} "الخ" دون أن يقال: ما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول "الخ" فإن العبارة الثانية تفيد معنى أصل التشريع كما تقدم بخلاف قوله: {أن يؤتيه الله} "الخ" فإنه يفيد أن ذلك غير ممكن البتة، أي أن التربية الربانية والهداية الإِلهية لا تتخلف عن مقصدها كما قال تعالى: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء} (يعني قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) { فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]. فمحصل المعنى أنه لا يسع لبشر أن يجمع بين هذه النعم الإِلهية وبين دعوة الناس إلى عبادة نفسه بأن يؤتى الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله، فالآية بحسب السياق بوجه كقوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون } [النساء: 172] إلى أن قال: { وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً } [النساء: 173]، فإن المستفاد من الآية: أن المسيح وكذا الملائكة المقربون أجل شأناً وأرفع قدراً أن يستنكفوا عن عبادة الله، فإن الاستنكاف عن عبادته يستوجب أليم العذاب، وحاشا أن يعذب الله كرام أنبيائه ومقربي ملائكته.
فإن قلت: الإِتيان بثم الدالة على التراخي في قوله: {ثم يقول للناس}، ينافي الجمع الذي ذكرته.
قلت: ما ذكرناه من معنى الجمع محصل المعنى، وكما يصح اعتبار الاجتماع والمعية بين المتحدين زماناً كذلك يصح اعتباره بين المترتبين والمتتاليين فهو نوع من الجمع.
وأما قوله: {كونوا عباداً لي من دون الله}، فالعباد كالعبيد جمع عبد، والفرق بينهما أن العباد يغلب استعماله فيما إذا نسب إلى الله سبحانه، يقال: عباد الله، ولا يقال غالباً: عباد الناس بل عبيد الناس، وتقييد قوله: عباداً لي بقوله: من دون الله تقييد قهري، فإن الله سبحانه لا يقبل من العبادة إلاَّ ما هو خالص لوجهه الكريم كما قال تعالى:
{ ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياًء ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } [الزمر: 3]، فرد عبادة من يعبد مع عبادته غيره حتى بعنوان التقرب والتوسل والاستشفاع.
على أن حقيقة العبادة لا تتحقق إلاَّ مع إعطاء استقلال ما للمعبود حتى في صورة الإِشراك، فإن الشريك من حيث إنه شريك مساهم ذو استقلال ما، والله سبحانه له الربوبية المطلقة فلا يتم ربوبيته ولا تستقيم عبادته إلاَّ مع نفي الاستقلال عن كل شيء من كل جهة، فعبادة غير الله عبادة له من دون الله وإن عبد الله معه.
قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، الرباني منسوب إلى الرب، زيد عليه الألف والنون للدلالة على التفخيم كما يقال لحياني لكثير اللحية ونحو ذلك، فمعنى الرباني شديد الاختصاص بالرب وكثير الاشتغال بعبوديته وعبادته، والباء في قوله: {بما كنتم}، للسببية، وما مصدرية، والكلام بتقدير القول والمعنى، ولكن يقول: كونوا ربانيين بسبب تعليمكم الكتاب للناس ودراستكم إياه فيما بينكم.
والدراسة أخص من التعليم فإنه يستعمل غالباً فيما يتعلم عن الكتاب بقراءته، قال الراغب: درس الدار بقي أثرها، وبقاء الأثر يقتضي انمحائه في نفسه، فلذلك فسر الدروس بالانمحاء، وكذا درس الكتاب، ودرست العلم، تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة، عبر عن إدامة القراءة بالحفظ، قال تعالى: {ودرسوا ما فيه}، وقال: {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون وما آتيناهم من كتب يدرسونها} انتهى.
ومحصل الكلام أن البشر الذي هذا شأنه إنما يدعوكم إلى التلبس بالإِيمان واليقين بما في الكتاب الذي تعلمونه وتدرسونه من أصول المعارف الإِلهية، والاتصاف والتحقق بالملكات والأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها، والعمل بالصالحات التي تدعون الناس إليها حتى تنقطعوا بذلك إلى ربكم، وتكونوا به علماء ربانيين.
وقوله: {بما كنتم}، حيث اشتمل على الماضي الدال على التحقق لا يخلو عن دلالة ما على أن الكلام في الآية مسوق للتعريض بالنصارى من أهل الكتاب في قولهم: إن عيسى أخبرهم بأنه ابنه وكلمته على الخلاف في تفسير النبوة، وذلك أن بني إسرائيل هم الذين كان في أيديهم كتاب سماوي يعلمونه ويدرسونه وقد اختلفوا فيه اختلافاً يصاحب التغيير والتحريف، وما بعث عيسى عليه السلام إلاَّ ليبين لهم بعض ما اختلفوا فيه، وليحل بعض الذي حرم عليهم، وبالجملة ليدعوهم إلى القيام بالواجب من وظائف التعليم والتدريس وهو أن يكونوا ربانيين في تعليمهم ودراستهم كتاب الله سبحانه.
والآية وإن لم تأب الانطباق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوجه فقد كانت لدعوته أيضاً مساس بأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون ويدرسون كتاب الله، لكن عيسى عليه السلام أسبق انطباقاً عليه، وكانت رسالته خاصة ببني إسرائيل بخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما سائر الأنبياء العظام من أولي العزم والكتاب: كنوح وإبراهيم وموسى فمضمون الآية لا ينطبق عليهم وهو ظاهر.
قوله تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} عطف على قوله يقول، على القراءة المشهورة التي هي نصب يأمركم، وهذا كما كان طائفة من أهل الكتاب كالصابئين يعبدون الملائكة ويسندون ذلك إلى الدعوة الدينية، وكعرب الجاهلية حيث كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، وهم يدعون أنهم على دين إبراهيم عليه السلام، هذا في اتخاذ الملائكة أرباباً.
وأما اتخاذ النبيين أرباباً فكقول اليهود: عزير ابن الله على ما حكاه القرآن ولم يجوز لهم موسى عليه السلام ذلك، ولا وقع في التوراة إلاَّ توحيد الرب، ولو جوز لهم ذلك لكان أمراً به حاشاه من ذلك.
وقد اختلفت الآيتان: أعني قوله: {ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله}، وقوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} من جهتين في سياقهما: الأولى: أن المأمور في الأولى (ثم يقول للناس) الناس، وفي الثانية هم المخاطبون بالآية، والثانية: أن المأمور به في الأولى، العبودية له وفي الثانية الاتخاذ أرباباً.
أما الأولى فحيث كان الكلام مسوقاً للتعريض بالنصارى في عبادتهم لعيسى، وقولهم بألوهيته صريحاً مسندين ذلك إلى دعوته، كان ذلك نسبة منهم إليه أنه قال: كونوا عباداً لي بخلاف اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً بالمعنى الذي قيل في غير عيسى فإنه يضاد الأُلوهية بلازمه لا بصريحه فلذلك قيل: أرباباً، ولم يقل: آلهة.
وأما الثانية فالوجه فيه أن التعبيرين كليهما (كونوا عباداً لي - يأمركم أن تتخذوا) أمر لو تعلق بأحد تعلق بهؤلاء الذين يخاطبون بهذه الآيات من أهل الكتاب والعرب لكن التعبير لما وقع في الآية الأولى بالقول، والقول يقضي بالمشافهة ولم يكن الحاضرون في زمن نزول الآية حاضرين إذ ذاك لا جرم قيل: ثم يقول للناس، ولم يقل: ثم يقول لكم؛ وهذا بخلاف لفظ الأمر المستعمل في الآية الثانية، فإنه لا يستلزم شفاهاً بل يتم مع الغيبة فإن الأمر المتعلق بالأسلاف متعلق بالأخلاف مع حفظ الوحدة القومية، وأما القول فهو لإِفادته بحسب الانصراف إسماع الصوت يقضي بالمشافهة والحضور إلاَّ أن يعني به مجرد معنى التفهيم.
وعلى هذا، فالأصل في سياق هذه الآيات، الحضور وخطاب الجمع؛ كما جرى عليه قوله تعالى: {أو يأمركم}، إِلى آخر الآية.
قوله تعالى: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، ظاهر الخطاب أنه متعلق بجميع المنتحلين بالنبوة من أهل الكتاب أو المدعين للانتساب إلى الأنبياء كما كانت عرب الجاهلية تزعم أنهم حنفاء، والكلام موضوع على الفرض والتقدير، فالمعنى أنكم على تقدير إجابتكم هذا البشر الذي أوتي الكتاب والحكم والنبوة تكونون مسلمين لله متحلين بحلية الإِسلام مصبوغين بصبغته، فكيف يمكنه أن يأمركم بالكفر ويضلكم عن السبيل الذي هداكم إليه بإذن الله سبحانه.
ومن هنا يظهر: أن المراد بالإِسلام هو دين التوحيد الذي هو دين الله عند جميع الأنبياء على ما يدل عليه أيضاً احتفاف الآيات بهذا المعنى من الإِسلام، أعني قوله تعالى من قبل:
{ إن الدين عند الله الإِسلام } [آل عمران: 19]، وقوله تعالى من بعد: {أفغير دين الله يبغون} إلى أن قال: { ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } } [آل عمران: 85]. وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بقوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله} إلى آخر الآيتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بناءً على ما روي في سبب النزول وحاصله: أن أبا رافع القرظي ورجلاً من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتريد أن نعبدك يا محمد؟ فأنزل الله: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله} إلى آخر الآيتين الحديث، ثم ايده بقوله في آخرهما: {بعد إذ أنتم مسلمون} فإن الإِسلام هو الدين الذي جاء به محمد.
وفيه أنه خلط بين الإِسلام في عرف القرآن وهو دين التوحيد الذي بعث به جميع الأنبياء وبين الإِسلام بالاصطلاح الحادث بين المسلمين بعد عصر النزول؛ وقد تقدم الكلام فيه.
(خاتمة فيها فصول)
1- ما هي قصة عيسى وأُمه في القرآن؟
كانت أُم المسيح مريم بنت عمران حملت بها أمها فنذرت أن تجعل ما في بطنها إذا وضعته محرراً يخدم المسجد وهي تزعم أن ما في بطنها ذكراً فلما وضعتها وبان لها أنها أنثى حزنت وتحسرت ثم سمتها مريم أي الخادمة، وقد كان توفي أبوها عمران قبل ولادتها، فأتت بها المسجد تسلمها للكهنة وفيهم زكريا فتشاجروا في كفالتها ثم اصطلحوا على القرعة وساهموا فخرج لزكريا فكفلها حتى إذا أدركت ضرب لها من دونهم حجاباً فكانت تعبد الله سبحانه فيها، لا يدخل عليها إلاَّ زكريا{كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله، والله يرزق من يشاء بغير حساب} وقد كانت عليها السلام صديقة، وكانت معصومة بعصمة الله، طاهرة مصطفاة محدثة، حدثها الملائكة: بأن الله اصطفاها وطهرها وكانت من القانتين ومن آيات الله للعالمين.
ثم إن الله تعالى أرسل إليها الروح وهي محتجبة فتمثل لها بشراً سوياً، وذكر لها أنه رسول من ربها ليهب لها بإذن الله ولداً من غير أب، وبشرها بما سيظهر من ولدها من المعجزات الباهرة، وأخبرها أن الله سيؤديه بروح القدس، ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، ورسولاً إلى بني إسرائيل ذا الآيات البيّنات، وأنبأها بشأنه وقصته ثم نفخ الروح فيها فحملت بها حمل المرأة بولدها.
{ { فَحَملته فانتبذت به مكاناً قصياً * فأجآءها المخاض إلى جذغ النخلة قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً * فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً * فكلي واشربي وقري عيناً فإمّا ترينَّ من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرَّحمن صوماً فلن أُكلم اليوم إنسياً * فأتت به قومها تحمله } [مريم: 22ـ27] وكان حمله ووضعه وكلامه وسائر شؤون وجوده من سنخ ما عند سائر الأفراد من الإِنسان.
فلما رآها قومها - والحال هذه - ثاروا عليها بالطعنة واللوم بما يشهد به حال امرأة حملت ووضعت من غير بعل،
{ قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً * يا أُخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغياً * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً * وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً * والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أُبعث حياً } [مريم: 27ـ33]، فكان هذا الكلام منه عليه السلام كبراعة الاستهلال بالنسبة إلى ما سينهض على البغي والظلم وإحياء شريعة موسى عليه السلام وتقويمه، وتجديد ما اندرس من معارفه، وبيان ما اختلفوا فيه من آياته.
ثم نشأ عيسى عليه السلام وشب وكان هو وأُمه على العادة الجارية في الحياة البشرية يأكلان ويشربان وفيهما ما في سائر الناس من عوارض الوجود إلى آخر ما عاشا.
ثم إن عيسى عليه السلام أوتي الرسالة إلى بني إسرائيل فانبعث يدعوهم إلى دين التوحيد، ويقول: إني قد جئتكم بآية من ربكم إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وابرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك لآية لكم، إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه.
وكان يدعوهم إلى شريعته الجديدة وهو تصديق شريعة موسى عليه السلام إلاَّ أنه نسخ بعض ما حرم في التوراة تشديداً على اليهود، وكان يقول: {إني قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه}، وكان يقول: {يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}.
وأنجز عليه السلام ما ذكره لهم من المعجزات كخلق الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإِخبار عن المغيبات بإذن الله.
ولم يزل يدعوهم إلى توحيد الله وشريعته الجديدة حتى أيس من إيمانهم لما شاهد من عتو القوم وعنادهم واستكبار الكهنة والأحبار عن ذلك فانتخب من الشرذمة التي آمنت به الحواريين أنصاراً له إلى الله.
ثم إن اليهود ثاروا عليه يريدون قتله فتوفاه الله ورفعه إليه، وشبه لليهود: فمن زاعم أنهم قتلوه، ومن زاعم أنهم صلبوه:
{ ولكن شبّه لهم } [النساء: 157]، فهذه جمل ما قصه القرآن في عيسى ابن مريم وأُمه.
2- منزلة عيسى عند الله وموقفه في نفسه:
كان عليه السلام عبداً لله وكان نبياً، وكان رسولاً إلى بني إسرائيل، وكان واحداً من الخمسة أولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الإِنجيل، وكان سمّاه الله بالمسيح عيسى وكان كلمة لله وروحاً منه، وكان إماماً, وكان من شهداء الأعمال، وكان مبشراً برسول الله، وكان وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، وكان من المصطفين، وكان من المجتبين وكان من الصالحين، وكان مباركاً أينما كان، وكان زكياً وكان آية للناس ورحمة من الله وبراً بوالدته وكان مسلماً عليه وكان ممن علمه الله الكتاب والحكمة، فهذه اثنتان وعشرون خصلة من مقامات الولاية هي جمل ما وصف الله به هذا النبي المكرم ورفع بها قدره، وهي على قسمين: اكتسابية كالعبودية والقرب والصلاح، واختصاصية، وقد شرحنا كلاً منها في الموضع المناسب له من هذا الكتاب بما نطيق فهمه فليرجع فيها إلى مظانها منه.
3- ما الذي قاله عيسى عليه السلام؟ وما الذي قيل فيه؟
ذكر القرآن أن عيسى عيه السلام كان عبداً رسولاً، وأنه لم يدع لنفسه ما نسبوه إليه، ولا تكلم معهم إلاَّ بالرسالة؛ كما قال تعالى:
{ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علاَّم الغيوب * ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيزالحكيم * قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 116ـ119]. وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها، ويتضمن من بارع الأدب على مجامعه يفصح عمّا كان يراه عيسى المسيح عليه السلام من موقفه نفسه تلقاء ربوبية ربه، وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه بالنسبة إلى ربه عبداً لا شأن له إلاَّ الامتثال لا يرد إلاَّ عن أمر، ولا يصدر إلاَّ عن أمر، ولم يؤمر إلاَّ بالدعوة إلىعبادة الله وحده ولم يقل لهم إلاَّ ما أمر به: أن اعبدوا الله ربي وربكم.
ولم يكن له من الناس إلاَّ تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب، وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك؛ غفر أو عذب.
فإن قلت: فما معنى ما تقدم في الكلام على الشفاعة: أن عيسى عليه السلام من الشفعاء يوم القيامة يشفع فيشفع؟.
قلت: القرآن صريح أو كالصريح في ذلك، قال تعالى:
{ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، وقد قال تعالى فيه: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } [النساء: 159] وقال تعالى: { وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل } [المائدة: 110]، وقد تقدم إشباع الكلام في معنى الشفاعة، وهذا غير التفدية التي يقول بها النصارى، وهي إبطال الجزاء بالفدية والعوض فإنها تبطل السلطنة المطلقة الإِلهية على ما سيجيء من بيانه، والآية إنما تنفي ذلك، وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة لأمرها لا إثباتاً ولا نفياً فإنها لو كانت بصدد إثباتها - على منافاته للمقام - لكان حق الكلام أن يقال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، ولو كانت بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس وجه، وهذا إجمال ما سيأتي في تفسير الآيات تفصيله إن شاء الله تعالى.
وأما ما قاله الناس في عيسى عليه السلام فإنهم وإن تشتتوا في مذاهبهم بعده، واختلفوا في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث كليات ما اختلفوا فيه، وجزئيات المذاهب والآراء كثيرة جداً.
لكن القرآن إنما يهتم بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وأُمه لمساسه بأساس التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما يدعو إليه القرآن الكريم والدين الفطري القويم، وأما بعض الجزئيات كمسألة التحريف ومسألة التفدية فلم يهتم به ذاك الاهتمام.
والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبه إليهم ما في قوله تعالى:
{ وقالت النصارى المسيح ابن الله } [التوبة: 30]، وما في معناه، كقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرَّحمن ولداً سبحانه } [الأنبياء: 26]، وما في قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 72]، وما في قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]، وما في قوله تعالى: { ولا تقولوا ثلاثة } [النساء: 171]. وهذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذوات مضامين ومعان متفاوتة، ولذلك ربما حملت على اختلاف المذاهب في ذلك كمذهب الملكانية القائلين بالبنوة الحقيقية، والنسطورية القائلين بأن النزول والنبوة من قبيل إشراق النور على جسم شفاف كالبلور، واليعقوبية القائلين بأنه من الانقلاب، وقد انقلب الإِله سبحانه لحماً ودماً.
لكن الظاهر أن القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة، وإنما يهتم بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعاً وهي البنوة، وأن المسيح من سنخ الإِله سبحانه، وما يتفرع عليه من حديث التثليث وإن اختلفوا في تفسيرها اختلافاً كثيراً، وتعرقوا في المشاجرة والنزاع، والدليل على ذلك وحدة الاحتجاج الوارد عليهم في القرآن لساناً.
بيان ذلك: أن التوراة والأناجيل الحاضرة جميعاً تصرح بتوحيد الإِله تعالى، من جانب والإِنجيل يصرح بالبنوة من جانب آخر، وصرح بأن الابن هو الأب لا غير.
ولم يحملوا البنوة الموجودة فيه على التشريف والتبريك مع ما في موارد منه من التصريح بذلك كقوله: "وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم، وباركوا على لاعنيكم، وأحسنوا إلى من أبغضكم، وصلوا على من يطردكم ويعسفكم كيما تكونوا بين أبيكم الذي في السماوات لأنه المشرق شمسه علىالأخيار والأشرار والممطر على الصديقين والظالمين، وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟ أليس العشارون يفعلون كذلك؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل لكم؟ أليس كذلك يفعل الوثنيون كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي فهو كامل".
وقوله أيضاً: "فليضيء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات".
وقوله أيضاً: "لا تصنعوا جميع مراحمكم قدام الناس كي يروكم، فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات".
وقوله أيضاً في الصلاة: "وهكذا تصلون أنتم يا أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك"إلخ".
وقوله أيضاً: "فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم".
وقوله: "وكونوا رحماء مثل أبيكم الرحيم".
وقوله لمريم المجدلية: "امضي إلى اخوتي وقولي لهم: إني صاعد إلى أبي الذي هو أبوكم وإلهي الذي هو إلهكم".
فهذه وأمثالها من فقرات الأناجيل تطلق لفظ الأب على الله تعالى وتقدس بالنسبة إلى عيسى وغيره جميعاً كما ترى بعناية التشريف ونحوه.
وإن كان ما في بعض الموارد منها يعطي أن هذه البنوّة والأبوّة نوع من الاستكمال المؤدي إلى الاتحاد كقوله: "تكلم اليسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء فقال: يا أبه قد حضرت الساعة فمجد ابنك ليمجدك ابنك" ثم ذكر دعائه لرسله من تلامذته ثم قال: "ولست أسأل في هؤلاء فقط بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحداً، كما أنك يا أبت ثابت في وأنا أيضاً فيك ليكونوا أيضاً فينا واحداً ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن واحد أنا فيهم وأنت فيَّ ويكونوا كاملين لواحد لكي يعلم العالم أنك أرسلتني وأنني أحببتهم كما أحببتني".
لكن وقع فيها أقاويل يتأبى ظواهرها عن تأويلها إلى التشريف ونحوه كقوله: "قال له توما: يا سيد ما نعلم أين تذهب؟ وكيف نقدر أن نعرف الطريق؟ قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة لا يأتي أحد إلى أبي إلاَّ بي لو كنتم تعرفونني لعرفتم أبي أيضاً ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه أيضاً، قا له فيلبس: يا سيد أرنا الأب وحسبنا، قال له يسوع: أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني يا فيلبس؟ من رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت: أرنا الأب؟ أما تؤمن أني في أبي وأبي فيَّ، وهذا الكلام الذي أقوله لكم ليس هو من ذاتي وحدي بل أبي الحال فيَّ، هو يفعل هذه الأفعال آمنوا بي، أنا في أبي وأبي فيَّ".
وقوله: "لكني خرجت من الله وجئت ولم آت من عندي بل هو أرسلني".
وقوله: "أنا وأبي واحد نحن".
وقوله لتلامذته: "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن وروح القدس".
وقوله: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، والله كان الكلمة منذ البدء كان هذا عند الله كل به كان وبغيره ولم يكن شيء مما كان به كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس".
فهذه الكلمات وما يماثلها مما وقع في الإِنجيل هي التي دعت النصارى إلى القول بالتثليث في الوحدة.
والمراد به حفظ "أن المسيح ابن الله" مع التحفظ على التوحيد الذي نص عليه المسيح في تعليمه كما في قوله: "إن أول كل الوصايا: اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد هو".
ومحصل ما قالوا به (وإن كان لا يرجع إلى محصل معقول): إن الذات جوهر واحد له أقانيم ثلاث، والمراد بالأقنوم هو الصفة التي هي نحو ظهور الشيء وبروزه وتجليه لغيره وليست الصفة غير الموصوف، والأقانيم الثلاث هي: أقنوم الوجود وأقنوم العلم، وهو الكلمة، وأقنوم الحياة وهو الروح.
وهذه الأقانيم الثلاث هي: الأب والابن والروح القدس: والأول أقنوم الوجود، والثاني أقنوم العلم والكلمة، والثالث أقنوم الحياة، فالابن وهو الكلمة، وأقنوم العلم نزل من عند أبيه أُقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس وهو أُقنوم الحياة التي بها يستنير الأشياء.
ثم اختلفوا في تفسير هذا الاجمال اختلافاً عظيماً أوجب تشتتهم وانشعابهم شعباً ومذاهب كثيرة تجاوز السبعين، وسيأتيك نبأها على قدر ما يلائم حال هذا الكتاب.
إذا تأمّلت ما قدمناه عرفت: أن ما يحكيه القرآن عنهم، أو ينسبه إليهم بقوله: {وقالت النصارى المسيح ابن الله} الآية، وقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} الآية، وقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} الآية، وقوله: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا} الآية، كل ذلك يرجع إلى معنى واحد (وهو تثليث الوحدة) هو المشترك بين جميع المذاهب المستحدثة في النصرانية، وهو الذي قدمناه في معنى تثليث الوحدة.
وإنما اقتصر فيه على هذا المعنى المشترك لأن الذي يرد على أقوالهم في خصوص المسيح عليه السلام على كثرتها وتشتتها مما يحتج به القرآن أمر واحد يرد على وتيرة واحدة كما سيتضح.
4- احتجاج القرآن على مذهب التثليث:
يرد القرآن في الاحتجاج، ويرد قول المثلثة من طريقين:
أحدهما: الطريق العام، وهو بيان استحالة الابن عليه تعالى في نفسه أي سواء كان عيسى هو الابن أو غيره.
الثاني: الطريق الخاص، وهو بيان أن عيسى ابن مريم ليس ابناً إلهاً بل عبد مخلوق.
أما الطَّريق الأول فتوضيحه أن حقيقة البنوة والتولد هو أن يجزأ واحد من هذه الموجودات الحية المادية كالإِنسان والحيوان بل النبات أيضاً شيئاً من مادة نفسه، ثم يجعله بالتربية التدريجية فرداً آخر من نوعه مماثلاً لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على المجزى منه كالحيوان يفصل من نفسه النطفة، والنبات يفصل من نفسه اللقاح ثم يأخذ في تربيته تدريجاً حتى يصيره حيواناً أو نباتاً آخر مماثلاً لنفسه، ومن المعلوم أن الله سبحانه يمتنع عليه ذلك:
أما أولاً: فلاستلزامه الجسمية المادية، والله سبحانه منزه من المادة ولوازمها الافتقارية كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك.
وأما ثانياً: فلأن الله سبحانه لإِطلاق أُلوهيته وربوبيته له القيومية المطلقة على ما سواه فكل شيء سواه مفتقر الوجود إليه قائم الوجود به فكيف يمكن فرض شيء غيره يماثله في النوعية يستقل عنه بنفسه، ويكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له من غير افتقار إليه.
وأما ثالثاً: فلأن جواز الإِيلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه تعالى، وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة وهو خلف بل ما يقع بإرادته ومشيئته تعالى إنما يقع من غير مهلة وتدريج.
وهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى:
{ وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون * بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 116ـ117]، وعلى ما قربناه فقوله: سبحانه برهان، وقوله: {له ما في السماوات والأرض كل له قانتون} برهان آخر، وقوله: {بديع السماوات والأرض إذا قضى} "الخ" برهان ثالث.
ويمكن أن يجعل قوله: بديع السماوات والأرض من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها، ويستفاد منه أن خلقه تعالى على غير مثال سابق فلا يمكن منه الإِيلاد لأنه خلق على مثال نفسه لأن مفروضهم العينية فيكون هذه الفقرة وحدها برهاناً آخر.
ولو فرض قولهم: اتخذ الله ولداً، كلاماً ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه التوسع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شيء عن شيء يماثله في الحقيقة من غير تجزٍ مادي أو تدريج زماني (وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم: المسيح ابن الله بعد تنقيحه) ليتخلص بذلك عن إشكال الجسمية والمادية والتدريج، بقي إشكال المماثلة.
توضيحه أن إثبات الابن والأب إثبات للعدد بالضرورة، وهو إثبات للكثرة الحقيقية وإنما فرضت الوحدة النوعية بين الأب والابن، كالأب والابن من الإِنسان هما واحد في الحقيقة الإِنسانية، وكثير من حيث إنهما فردان من الإِنسان، وعلى هذا فلو فرض وحدة الإِله كان كل ما سواه ومن جملتها الابن غيراً له مملوكاً مفتقراً إليه فلا يكون الابن المفروض إلهاً مثله، ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه بل مستقل مثله بطل التوحيد في الإِله عز اسمه.
وهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى:
{ ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولدٌ له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً } [النساء: 171]. وأما الطريق الثاني وهو بيان أن شخص عيسى ابن مريم عليه السلام ليس ابناً لله مشاركاً له في الحقيقة الإِلهية فلما كان فيه من البشرية ولوازمها.
وتوضيحه أن المسيح عليه السلام حملت به مريم، وربته جنيناً في رحمها، ثم وضعته وضع المرأة ولدها، ثم ربته كما يتربى الولد في حضانة أمه، ثم أخذ في النشوء وقطع مراحل الحياة والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة، وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حياته؛ يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإِنسان: من جوع وشبع، وسرور ومساءة، ولذة وألم، وأكل وشرب، ونوم ويقظة، وتعب وراحة، وغير ذلك.
فهذا ما شوهد من حال المسيح عليه السلام حين مكثه بين الناس، ولا يرتاب ذو عقل أن من كان هذا شأنه فهو إنسان كسائر الأناسي من نوعه، وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه، وأما صدور الخوارق وتحقق المعجزات بيده كإحياء الأموات وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص، وكذا تحقق الخوارق من الآيات في وجوده كتكونه من غير أب فإنما هي أمور خارقة للعادة المألوفة والسنة الجارية في الطبيعة فإنها نادرة الوجود لا مستحيلته، فهذا آدم تذكر الكتب السماوية أنه خلق من تراب ولا أب له، وهؤلاء أنبياء الله كصالح وإبراهيم وموسى عليهم السلام جرت بأيديهم آيات معجزة كثيرة مذكورة في مسفورات الوحي من غير أن تقتضي فيهم أُلوهية، ولا خروجاً عن طور الإِنسانية.
وهذه الطريقة هي المسلوكة في قوله تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاَّ إله واحد } [المائدة: 73] إلى أن قال: { ما المسيح ابن مريم إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأُمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } [المائدة: 75]، وقد خص أكل الطعام من بين جميع الأفعال بالذكر لكونه من أحسنها دلالة على المادية واستلزاماً للحاجة والفاقة المنافية للأُلوهية، فمن المعلوم أن من يجوع ويظمأ بطبعه ثم يشبع بأكلة أو يرتوي بشربة ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلاَّ غيره، وما معنى أُلوهية من هذا شأنه؟ فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في رفعها إلى الخارج من نفسه فهو ناقص في نفسه مدبر بغيره، وليس بإله غني بذاته بل هو مخلوق مدبر بربوبية من ينتهي إليه تدبيره.
وإلى هذا يمكن أن يرجع قوله تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأُمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير } [المائدة: 17]. وكذا قوله تعالى في ذيل الآية المنقولة سابقاً (آية 75) خطاباً للنصارى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم } [المائدة: 76]. فإن الملاك في هذا النوع من الاحتجاجات هو أن الذي شوهد من أمر المسيح أنه كان يعيش على الناموس الجاري في حياة الإِنسان متصفاً بجميع صفاته وأفعاله وأحواله النوعية كالأكل والشرب وسائر الاحتياجات الإِنسانية، والخواص البشرية ولم يكن هذا التلبس والاتصاف بحسب ظاهر الحس أو تسويل الخيال فحسب، بل كان على الحقيقة، وكان المسيح عليه السلام إنساناً ذا هذه الأوصاف والأحوال والأفعال، والأناجيل مشحونة بتسميته نفسه إنساناً وابن الإِنسان، مملوءة بالقصص الناطقة بأكله وشربه ونومه ومشيه ومسافرته وتعبه وتكلمه ونحو ذلك بحيث لا يقبل شيء منها صرفاً ولا تأويلاً، ومع تسليم هذه الأمور يجري على المسيح ما يجري على غيره فهو لا يملك من غيره شيئاً كغيره، ويمكن أن يهلك كغيره.
وكذا حديث عبادته ودعائه بحيث لا يرتاب في أن ما كان يأتيه من عبادة فإنما للتقرب من الله والخضوع لقدس ساحته لا لتعليم الناس أو لأغراض أُخر تشابه ذلك.
وإلى حديث العبادة والاحتجاج به يومئ قوله تعالى:
{ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً } [النساء: 172]، فعبادة المسيح أول دليل على أنه ليس بإله، وأن الأُلوهية لغيره لا نصيب له فيها، فأي معنى لنصب الشيء نفسه في مقام العبودية والمملوكية لنفسه؟ وكون الشيء قائماً بنفسه من عين الجهة التي بها يقوم نفسه والأمر ظاهر، وكذا عبادة الملائكة كاشفة عن أنها ليست ببنات الله سبحانه ولا أن روح القدس إله بعد ما كانوا بأجمعهم عابدين لله طائعين له كما قال تعالى: { وقالوا اتخذ الرَّحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } [الأنبياء: 26ـ28]. على أن الأناجيل مشحونة بأن الروح طائع لله ورسله مؤتمر للأمر محكوم بالحكم ولا معنى لأمر الشيء نفسه ولا لطاعته لذاته، ولا لانقياده وائتماره لمخلوق نفسه.
ونظير عبادة المسيح لله سبحانه في الدلالة على المغايرة دعوته الناس إلى عبادة الله كما يشير إليه قوله تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم * وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } [المائدة: 72]، وسبيل الآية واحتجاجها ظاهر.
والأناجيل أيضاً مشحونة في دعوته إلى الله سبحانه، وهي وإن لم تشتمل على هذا اللفظ الجامع {اعبدوا لله ربي وربكم} لكنها مشتملة على الدعوة إلى عبادة الله، وعلى اعترافه بأنه ربه الذي بيده زمام أمره، وعلى اعترافه بأنه رب الناس، ولا تتضمن دعوته إلى عبادة نفسه صريحاً ولا مرة مع ما فيها من قوله: "أنا وأبي واحد نحن"، فمن الواجب أن يحمل على تقدير صحته على أن المراد: أن اطاعتي إطاعة الله كما قال تعالى في كتابه الكريم:
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } [النساء: 80]. 5- المسيح من الشفعاء عند الله وليس بفاد:
زعمت النصارى: أن المسيح فداهم بدمه الكريم، ولذلك لقبوه بالفادي، قالوا: إن آدم لما عصى الله بالأكل من الشجرة المنهية في الجنة أخطأ بذلك ولزمته الخطيئة، وكذلك لزمت ذريته من بعده ما توالدوا وتناسلوا، وجزاء الخطيئة العقاب في الآخرة والهلاك الأبدي الذي لا مخلص منه، وقد كان الله سبحانه رحيماً عادلاً.
فبدا إذ ذاك اشكال عويص لا انحلال له، وهو أنه لو عاقب آدم وذريته بخطيئتهم كان ذلك منافياً لرحمته التي لها خلقهم، ولو غفر لهم كان ذلك منافياً لعدله فإن مقتضى العدل أن يعاقب المجرم الخاطئ بجرمه وخطيئته، كما أن مقتضاه أن يثاب المحسن المطيع بإحسانه وإساءته.
ولم تزل هذه العويصة على حالها حتى حلها ببركة المسيح، وذلك بأن حل المسيح (وهو ابن الله، وهو الله نفسه) رحم واحدة من ذرية آدم وهي مريم البتول وتولد منها كما يتولد إنسان فكان بذلك إنساناً كاملاً لأنه ابن إنسان، وإلهاً كاملاً لأنه ابن الله، وابن الله هو الله (تعالى) معصوماً عن جميع الذنوب والخطايا.
وبعد أن عاش بين الناس برهة يسيرة من الزمان يعاشرهم ويخالطهم، ويأكل ويشرب معهم، ويكلمهم ويستأنس بهم، ويمشي فيهم تسخر لأعدائه ليقتلوه شر قتلة، وهي قتلة الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الإِلهي فاحتمل اللعن والصلب بما فيه من الزجر والأذى والعذاب ففدى الناس بنفسه ليخلصوا بذلك من عقاب الآخرة وهلاك السرمد وهو كفارة لخطايا المؤمنين به بل لخطايا كل العالم هذا ما قالوه.
وقد جعلت النصارى هذه الكلمة أعني مسألة الصلب والفداء أساس دعوتهم فلا يبدأون إلاَّ بها، ولا يختمون إلاَّ عليها، كما أن القرآن يجعل أساس الدعوة الإِسلامية هو التوحيد كما قال الله مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم:
{ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [يوسف: 108]، مع أن المسيح (على ما يصرح به الأناجيل، وقد تقدم نقله). كان يجعل أول الوصايا هو التوحيد ومحبة الله سبحانه.
وقد ناقشهم غيرهم من المسلمين وسائر الباحثين فيما يشتمل عليه قولهم هذا من وجوه الفساد والبطلان, وألفت فيها كتب ورسائل وملئت بها صحف وطوامير ببيان منافاتها لضرورة العقل, ومناقضتها لكتب العهدين. والذي يهمنا ويوافق الغرض الموضوع له هذا الكتاب بيان جهات منافاته لأصول تعليم القرآن وختمه ببيان الفرق بين ما يثبته القرآن من الشفاعة وما يثبتونه من الفداء.
على أن القرآن يذكر صراحة أنه إنما يخاطب الناس ويكلمهم ببيان ما يقرب من أُفق عقولهم, ويمكن بياناته من فقههم وفهمهم, وهو الأمر الذي به يميز الإِنسان الحق من الباطل فينقاد لهذا ويأبى ذاك, ويفرق بين الخير والشر والنافع والضار فيأخذ بهذا ويترك ذاك, والذي ذكرناه من اعتبار القرآن في بياناته حكم العقل السليم مما لا غبار عليه عند من راجع الكتاب العزيز.
فأما ما ذكروه ففيه أولاً: أنهم ذكروا معصية آدم عليه السلام بالأكل من الشجرة المنهية, والقرآن يدفع ذلك من جهتين:
الأولى: أن النهي هناك كان نهياً إرشادياً يقصد به صلاح المنهي ووجه الرشد في أمره لا إعمال المولوية, والأمر الذي هو من هذا القبيل لا يترتب على امتثاله ولا تركه ثواب ولا عقاب مولوي كأوامر المشير ونواهيه لمن يستشيره, وأوامر الطبيب ونواهيه للمريض بل إنما يترتب على امتثال التكليف الإِرشادي الرشد المنظور لمصلحة المكلف, وعلى مخالفته الوقوع في مفسدة المخالفة وضرر الفعل بما أنه فعل, وبالجملة لم يلحق بآدم عليه السلام إلاَّ أنه أخرج من الجنة وفاته راحة القرب وسرور الرضا, وأما العقاب الأخروي فلا لأنه لم يعص معصية مولوية حتى يستتبع عقاباً.
والثانية: أنه عليه السلام كان نبياً والقرآن ينزه ساحة الأنبياء عليهم السلام ويبرئ نفوسهم الشريفة عن اقتراف المعاصي, والفسق عن أمر الله سبحانه, والبرهان العقلي أيضاً يؤيد ذلك.
وثانياً: قولهم: إن الخطيئة لزمت آدم فإن القرآن يدفعه بقوله:
{ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } [طه: 122] وقوله: { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]. والاعتبار العقلي يؤيد ذلك, بل يبينه فإن الخطيئة وتبعة الذنب إنما هو أمر محذور مخوف منه, يعتبره العقل أو المولى لازماً للمخالفة والتمرد ليستحكم بذلك أمر التكليف فلولا العقاب والثواب لم يستقم أمر المولوية ولم يمتثل أمر ولا نهي, وكما أن من شؤون المولوية بسط العقاب على المجرمين في جرائمهم كالثواب على المطيعين في طاعاتهم كذلك من شؤون المولوية إطلاق التصرف في دائرة مولويته فللمولى أن يغمض عن خطيئة المخطئين ومعصية العاصين بالعفو والمغفرة فإنه نوع تصرف وحكومة, كما أن له أن يؤاخذ بها وهي نوع حكومة, وحسن العفو والمغفرة عن الموالي وأولي القوة والسطوة في الجملة مما لا ريب فيه, والعقلاء من الإِنسان يستعملونه إلى هذا الحين فكون كل خطيئة صادرة من الإِنسان لازمة للإِنسان مما لا وجه له البتة وإلاَّ لم يكن لأصل العفو والمغفرة تحقق, لأن المغفرة والعفو إنما يكون لإِمحاء الخطيئة وإبطال أثر الذنب, ومع فرض أن الخطيئة لازمة غير منفكة لا يبقى موضوع للعفو والمغفرة, مع أن الوحي الإِلهي مملوء بحديث العفو والمغفرة, وكتب العهدين كذلك حتى أن هذا الكلام المنقول منهم لا يخلو عنه, وبالجملة دعوى كون ذنب من الذنوب أو خطيئة من الخطايا لازمة غير قابلة في نفسه للمغفرة والإِمحاء حتى بالتوبة والإِنابة والرجوع والندم مما لا يقبله عقل سليم ولا طبع مستقيم.
وثالثاً: أن قولهم: إن خطيئة آدم كما لزمته كذلك لزمت ذريته إلى يوم القيامة يستلزم أن يشمل تبعة الذنب الصادر من واحد غيره أيضاً ممن لم يذنب في المعاصي المولوية. وبعبارة أُخرى أن يصدر فعل عن واحد ويعم عصيانه وتبعته غير فاعله, كما يشمل فاعله؛ وهذا غير أن يأتي قوم بالمعصية ويرضى به آخرون من أخلافهم, فتحسب المعصية على الجميع وبالجملة هو تحمل الوزر من غير صدور الذنب والقرآن يرد ذلك كما في قوله:
{ أَلاَّ تزر وازرة وزر أُخرى * وأن ليس للإِنسان إلاَّ ما سعى } [النجم: 38ـ39]، والعقل يساعده عليه لقبح مؤاخذة من لم يذنب بذنب لم يصدر عنه.
ورابعاً: أن كلامهم مبني على كون تبعة جميع الخطايا والذنوب هو الهلاك الأبدي من غير فرق بينها, ولازمه أن لا يختلف الخطايا والذنوب من حيث الصغر والكبر بل يكون جميعها كبائر موبقات, والذي يراه القرآن الكريم في تعليمه أن الخطايا والمعاصي مختلفة: فمنها كبائر, ومنها صغائر, ومنها ما تناله المغفرة, ومنها ما لا تناله إلاَّ بالتوبة كالشرك, قال تعالى:
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31]، وقال تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 116]، فجعل تعالى من المحرمات المنهي عنها وهي الخطايا والذنوب ما هي كبائر, وما هي سيئات أي صغائر بقرينة المقابلة؛ وجعل تعالى من الذنوب ما لا يقبل المغفرة, ومنها ما يقبلها فالذنوب على أي حال مختلفة, وليس كل ذنب بموجب للخلود في النار والهلاك الأبدي.
على أن العقل يأبى عن نضد جميع الذنوب ونظمها في سلك واحد فاللطم غير القتل والنظر المريب غير الزنا, وهكذا, والعقلاء من الإِنسان في جميع الأدوار لم يضعوا كل ذنب وخطأ موضع غيره, ويرون للمعاصي المختلفة تبعات ومؤاخذات مختلفة فكيف يصح إجراء الجميع مجرى واحداً مع هذا الاختلاف الفاحش بينها, وإذا فرض اختلافها لم يصح إلاَّ جعل العقاب الخالد والهلاك الأبدي لبعضها كالشرك بالله؛ كما يقول القرآن الكريم. ومن المعلوم أن مخالفة نهي ما في الأكل من الشجرة ليس يحل محل الكفر بالله العظيم وما يشابه ذلك فلا وجه لجعل عقابه وتبعته هو العذاب المؤبد.
وخامساً: ما ذكروه من وقوع الإِشكال, وحدوث التزاحم بين صفة الرحمة وصفة العدل ثم الاحتيال إلى رفعه بنزول المسيح وصعوده بالوجه الذي ذكروه. والمتأمل في هذا الكلام وما يستتبعه من اللوازم يجد أنهم يرون أن الله تعالى وتقدَّس موجود خالق ينسب وينتهي إليه هذا العالم المخلوق بجميع أجزائه, غير أنه إنما يفعل بإرادة وعلم في نفسه, وإرادته في تحققها تتوقف إلى ترجيح علمي كما أن الإِنسان إنما يريد شيئاً إذا رجحه بعلمه, فهناك مصالح ومفاسد يطبق الله أفعاله عليها فيفعلها, وربما أخطأ في التطبيق فندم على الفعل، وربما فكر في أمر ولم يهتد إلى طريق صلاحه, وربما جهل أمراً, وبالجملة هو تعالى في أوصافه وأفعاله كالإِنسان إنما يفعل ما يفعل بالتفكر والتروي ويروم فيه تطبيق فعله على المصلحة فهو محكوم بحكم المصالح ومقهور بعملها فيه من الخارج, ويمكن له الاهتداء إلى الصلاح ويمكن له الضلال والاشتباه والغفلة فربما يعلم وربما يجهل, وربما يغلب وربما يغلب عليه فقدرته محدودة كعلمه, وإذا جاز عليه هذا الذي ذكر جاز عليه سائر ما يطرأ الفاعل المتفكر المريد في فعله من سرور وحزن وحمد وندم وابتهاج وانفعال وغير ذلك, والذي هذا شأنه يكون موجوداً مادياً جسمانياً واقعاً تحت ناموس الحركة والتغير والاستكمال, والذي هو كذلك ممكن مخلوق بل إنسان مصنوع, وليس بالواجب تعالى, الخالق لكل شيء.
وأنت بالرجوع إلى كتب العهدين تجد صدق جميع ما نسبناه إليهم في الواجب تعالى من جسميته واتصافه بجميع أوصاف الجسمانيات وخاصة الإِنسان.
والقرآن في جميع هذه المعاني المذكورة ينزه الله تعالى عن هذه الأوهام الخرافية؛ كما يقول تعالى:
{ سبحان الله عمّا يصفون } [الصافات: 159]، والبراهين العقلية القاطعة قائمة على أنه تعالى ذات مستجمع لجميع صفات الكمال فله الوجود من غير شائبة عدم، والقدرة المطلقة من غير عجز، والعلم المطلق من غير طروّ جهل، والحياة المطلقة من غير إمكان موت وفناء، وإذا كان كذلك لم يجز عليه تغير حال في وجوده أو علمه أو قدرته أو حياته.
وإذا كان كذلك لم يكن جسماً ولا جسمانياً لأن الأجسام والجسمانيات محاط التغيرات والتحولات, ومحال الإِمكانات والافتقارات والاحتياجات, وإذا لم يكن جسماً ولا جسمانياً لم يطرأ عليه الحالات المختلفة والطوارئ المتنوعة: من غفلة وسهو وغلط وندم وتحير وتأثر وانفعال وهوان وصغر ومغلوبية ونحوها, وقد استوفينا البحث البرهاني المتعلق بهذه المعاني في هذا الكتاب في موارد يناسبها؛ يجدها المراجع إذا راجع.
وعلى الناقد المتبصر والمتأمل المتدبر أن يقايس بين القولين: ما يقول به القرآن الكريم في إله العالم فيثبت له كل صفة كمال, وينزهه عن كل صفة نقص, وبالآخرة يعده أكبر وأعظم من أن يحكم فيه أفهامنا بما صحبته من عالم الحد والتقدير؛ وبين ما يثبته العهدان في الباري تعالى بما لا يوجد إلاَّ في أساطير يونان, وخرافات هند القديم والصين, وأُمورٍ كان الإِنسان الأولي يتوهمها فيتأثر مما قدمه إليه وهمه.
وسادساً: قولهم: إن الله أرسل ابنه المسيح وأمره أن يحل رحماً من الأرحام ليتولد إنساناً وهو إله, وهذا هو القول غير المعقول الذي انتهض لبيان بطلانه القرآن الكريم على ما أوضحناه في البيان السابق فلا نعيد.
ومن المعلوم أن العقل أيضاً لا يساعد عليه, فإنك إذا تأمّلت فيما يجب من الصفات أن يقال باتصاف الواجب تعالى بها كالثبات السرمدي, وعدم التغير, وعدم تحدد الوجود, والإِحاطة بكل شيء, والتنزه عن الزمان والمكان وما يتبعهما, وتأملت في تكون إنسان من حين كونه نطفة فجنيناً في رحم سواء اعتبرت في معناه تفسير الملكانيين لهذه الكلمة أو تفسير النسطوريين أو تفسير اليعقوبيين أو غيرهم, إذ لا نسبة بين ماله الجسمية وجميع أوصاف الجسمية وآثارها, وبين ما ليس فيه جسمية ولا شيء مما يتصف به من زمان أو مكان أو حركة أو غير ذلك, فكيف يمكن تعقل الإِتحاد بينهما بوجه.
وعدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما يذكره بولس وغيره من رؤسائهم القديسين من تقبيح الفلسفة والإِزراء بالأحكام العقلية, يقول بولس: "قد كتب لأهلكن حكمة الحكماء ولأخالفن فهم الفقهاء أين الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق؟ أوليس قد حمق الله حكمة هذا العالم؟" إلى أن قال: "وإذ اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة نكرز نحن المسيح مصلوب"، ونظائر هذه الكلمات كثيرة في كلامه وكلام غيره, وليست إلاَّ لسياسة النشر والإِذاعة والتبليغ والعظة, يوقن بذلك من أرعى نظره في هذه الرسائل والكتب وتعمق في طريق تكليمها الناس وإلقاء بياناتها إليهم.
ومما مرّ: يظهر ما في قولهم: إنه تعالى معصوم من الذنوب والخطايا, فإن الإِله الذي صوروه غير مصون عن الخطأ أصلاً, بمعنى الغلط في الإِدراك والغلط في الفعل, من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته.
وأما الذنب والمعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة والانقياد فهو غير متصور في حقه تعالى, فالعصمة أيضاً غير متصورة في حقه سبحانه.
وسابعاً: قولهم: إنه بعد أن صار إنساناً عاشر الناس معاشرة الإِنسان للإِنسان حتى تسخر لأعدائه فيه تجويز اتصاف الواجب بحقيقة من حقائق الممكنات حتى يكون إلهاً وإنساناً في عرض واحد, فكان من الجائز أن يصير الواجب شيئاً من مخلوقاته, أي يتصف بحقيقة كل نوع من هذه الأنواع الخارجية, فتارة يكون إنساناً من الأناسي, وتارة فرساً, وتارة طائراً, وتارة حشرة, وتارة غير ذلك, وتارة يكون أزيد من نوع واحد من الأنواع كالإِنسان والفرس والحشرة معاً.
وهكذا يجوز أن يصدر عنه أي فعل فرض من أفعال الموجودات لجواز أن يصير هو ذلك النوع فيفعل فعله المختص به, وكذا يجوز أن يصدر عنه أفعال متقابلة معاً كالعدل والظلم, وأن يتصف بصفات متقابلة كالعلم والجهل, والقدرة والعجز, والحياة والموت, والغنى والفقر, تعالى الملك الحق, وهذا غير المحذور المتقدم في الأمر السادس.
وثامناً: قولهم: إنه تحمل الصلب واللعن أيضاً لأن المصلوب ملعون, ماذا يريدون بقولهم: إنه تحمل اللعن؟ وماذا يراد بهذا اللعن؟ أهو هذا اللعن الذي يعرفه العرف واللغة, وهو الابعاد من الرحمة والكرامة أو غير ذلك, فإن كان هو الذي نعرفه, وتعرفه اللغة, فما معنى إبعاده تعالى نفسه من الرحمة؟ أو إبعاد غيره إيّاه من الرحمة؟ فهل الرحمة إلاَّ الفيض الوجودي وموهبة النعمة والاختصاص بمزايا الوجود؟ فيرجع هذا الإِبعاد واللعن بحسب المعنى إلى الفقر في المال أو الجاه أو نحو ذلك في الدنيا أو الآخرة أو كلتيهما, وحينئذٍ فما معنى لحوق اللعن بالله تعالى وتقدس بأي وجه تصوروه؟ مع أنه الغني بالذات الذي هو يسد باب الفقر عن كل شيء.
والتعليم القرآني على خلاف هذا التعليم العجيب بتمام معنى الكلمة, قال تعالى:
{ يا أيُّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني } [فاطر: 15]، والقرآن يسميه تعالى بأسماء ويصفه بصفات يستحيل معها عروض أي فقر وفاقة وحاجة ونقيصة وفقد وعدم وسوء وقبح وذل وهوان إلى ساحة قدسه وكبريائه.
فإن قيل: إن اتصافه بالهوان, وحمله اللعن بواسطة اتحاده بالإِنسان, وإلاَّ فهو تعالى في نفسه وحيال ذاته أجل من أن يعرضه ذلك.
قيل لهم: هل يوجب هذا الاتحاد حمله اللعن واتصافه بهذه الأمور الشاقة حقيقة ومن غير مجاز أولاً؟ فإن كان الأول لزم المحذور الذي ذكرناه, وإن كان الثاني عاد الإِشكال, أعني أن تولد المسيح لم يوجب انحلال إشكال تزاحم الرحمة والعدل, فإن تحمل غيره تعالى للمصائب وأقسام العذاب واللعن لا يتم أمر الفدية أي صيرورة الله فدية عن أفراد الإِنسان, وهو ظاهر.
وتاسعاً: قولهم: إن ذلك كفارة لخطايا المؤمنين بعيسى بل لخطايا كل العالم, يدل ذلك على أنهم لم يحصلوا حقيقة معنى الذنوب والخطايا وكيفية استتباعها للعقاب الأخروي وكيف يتحقق هذا العقاب؟ ولم يعرفوا حقيقة الارتباط بين هذه الذنوب والخطايا وبين التشريع. وما هو موقف التشريع من ذلك؟ على ما يتكفله البيان القرآني وتعليمه.
فقد بيّنا في المباحث السابقة في هذا الكتاب, ومن جملتها ما في تفسير قوله تعالى:
{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما } [البقرة: 26]، وفي ذيل قوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة } [البقرة: 213]، أن الأحكام والقوانين التي يقع فيها المخالفة والتمرد ثم الذنب والخطيئة إنما هي أمور وضعية اعتبارية أريد بوضعها واعتبارها أن يحفظ مصالح المجتمع الإِنساني بالعمل بها والرقوب لها, وأن العقاب المترتب على المعصية والمخالفة إنما هو تبعة سوء اعتبروه ووضعوه ليكون ذلك صارفاً للإِنسان المكلف عن اقتراف المعصية والتمرد عن الطاعة, هذا ما عند العقلاء البانين للمجتمع الإِنساني.
لكن التعليم القرآني يعطي في هذا المعنى ما هو أرقى من ذلك وأرق, ويؤيده البحث العقلي على ما مرّ, وهو أن الإِنسان بانقياده للشرع المنصوب له من جانب الله وعدم انقياده له تتهيأ في نفسه حقائق من الصفات الباطنة الحميدة الفاضلة أو الرذيلة الخسيسة الخبيثة, وهذه هي التي تهيئ للإِنسان نعمة أُخروية أو نقمة أُخروية اللتين ممثلهما الجنة والنار وحقيقتهما القرب والبعد من الله, فالحسنات أو الخطايا تتكي وتنتهي إلى أمور حقيقية لها نظام حقيقي غير اعتباري.
ومن البين أيضاً أن التشريع الإِلهي إنما هو تتمة للتكميل الإِلهي في الخلقة, وإنهاء الهداية التكوينية إلى غايتها وهدفها من الخلقة, وبعبارة أخرى, شأنه تعالى إيصال كل نوع إلى كمال وجوده وهدف ذاته, ومن كمال وجود الإِنسان النظام النوعي الصالح في الدنيا, والحياة الناعمة السعيدة في الآخرة, والطريق إلى ذلك الدين الذي يتكفل قوانين صالحة لإِصلاح الاجتماع وجهات من التقرب باسم العبادات يعمل بها الإِنسان فينتظم بذلك معاشه ويتهيأ في نفسه ويصلح في ذاته وعمله للكرامة الإِلهية في الدار الآخرة, كل ذلك من جهة النور المجعول في قلبه و الطهارة الحاصلة في نفسه هذا حق الأمر.
فللإِنسان قرب وبعد من الله سبحانه هما الملاكان في سعادته وشقاوته الدائمتين ولصلاح اجتماعه المدني في الدنيا, والدين هو العامل الوحيد في إيجاد هذا القرب والبعد, وجميع ذلك أمور حقيقية غير مبتنية على اللغو والجزاف.
وإذا فرضنا أن اقتراف معصية واحدة كالأكل من الشجرة المنهية من آدم أوجب له الهلاك الدائم ولا له فحسب بل ولجميع ذريته, ثم لم يكن هناك ما يعالج به الداء ويفرج به الهم إلاَّ فداء المسيح فما فائدة تشريع الدين قبل المسيح؟ وما فائدة تشريعه معه؟ وما فائدة تشريعه بعده؟!.
وذلك أنه لما فرض أن الهلاك الدائم والعقاب الأخروي محتوم من جهة صدور المعصية لا ينفع في صرفه عن الإِنسان لا عمل ولا توبة إلاَّ بنحو الفداء, لم يكن معنى لتشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل من عند الله سبحانه, ولم يزل الوعد والوعيد والإِنذار والتبشير خالية عن وجه الصحة فماذا كاد يصلحه هذا السعي بعد وجوب العذاب وحتم الفساد.
وإذا فرض هناك من تكمل بالعمل بالشرائع السابقة (وكم من الأنبياء والربانيين من الأمم السالفة كذلك, كالنبي المكرم إبراهيم وموسى عليهما السلام وغيرهما) وقد قضوا وماتوا قبل إدراك زمان الفداء فماذا ترى؟ أترى أنهم ختموا الحياة على الشقاء أو السعادة؟ وما الذي استقبلهم به الموت وعالم الآخرة؟ استقبلهم بالعقاب والهلاك أم بالثواب والحياة السعيدة؟.
مع أن المسيح يصرح بأنه إنما أرسل لتخليص المذنبين والمخطئين, وأما الصلحاء والأخيار فلا حاجة لهم إلى ذلك.
وبالجملة فلا يبقى لتشريع الشرائع الإِلهية وجعل النواميس الدينية قبل فداء المسيح غرض صحيح يصونه عن العبث واللغوية, ولا لهذا الفعل العجيب من الله (تعالى وتقدس) - محمل حق إلاَّ أن يقال: إنه تعالى كان يعلم أن لو لم يرفع محذور خطيئة آدم لم ينفعه شيء من هذه التشريعات قط, وإنما شرع هذه الشرائع على سبيل الاحتياط برجاء أن سيوفق يوماً لرفع المحذور ويجني ثمرة تشريعه بعد ذلك, ويبلغ غايته ويظفر بأمنيته إذ ذاك, فشرع ما شرع بكتمان الأمر عن الأنبياء والناس, وإخفاء أن ها هُنا محذوراً لو لم يرتفع خابت مساعي الأنبياء والمؤمنين كافة, وذهبت الشرائع سدى, وإظهار أن التشريع والدعوة على الجد والحقيقة.
فغر الناس وغر نفسه: أما غرور الناس فبإظهار أن العمل بالشرائع يضمن مغفرتهم وسعادتهم, وأما غرور نفسه فلأن التشريع بعد رفع المحذور بالفداء يعود لغواً لا أثر له في سعادة الناس, كما أنه من غير رفع المحذور كان لا أثر له, فهذا حال تشريع الدين قبل وصول أوان الفداء وتحققه!.
وأما في زمان الفداء وبعده فالأمر في صيرورة التشريع والدعوة الدينية والهداية الإِلهية لغواً أوضح وأبين, فما هي الفائدة في الإِيمان بالمعارف الحقة والإِتيان بالأعمال الصالحة بعد ارتفاع محذور الخطيئة, واستيجاب نزول المغفرة والرحمة على الناس مؤمنهم وكافرهم, وبرهم وفاجرهم, من غير فرق بين أتقى الأتقياء وأشقى الأشقياء في أنهما يشتركان في الهلاك المؤبد مع بقاء الخطيئة, وفي الرحمة اللازمة مع ارتفاعها بالفداء والمفروض أنه لا ينفع أي عمل صالح في رفعها لولا الفداء.
فإن قيل: إن الفداء إنما ينفع في حق من آمن بالمسيح فللدعوة ثمرة كما يصرح به المسيح في بشارته.
قيل: مضافاً إلى أنه مناقض لما تقدمت الإِشارة إليه من كلام يوحنا في رسالته, إنه هدم لجميع الأصول الماضية إذ لا يبقى من الناس - آدم فمن دونه - في حظيرة النجاة والخلاص إلاَّ شرذمة منهم, وهم المؤمنون بالمسيح والروح بل واحدة من طوائفهم المختلفة في الأصول وأما غيرهم فهم باقون على الهلاك الدائم, فليت شعري إلى ما يؤل أمر الأنبياء المكرمين قبل المسيح وأمر المؤمنين من أممهم؟ وبماذا يتصف الدعوة التي جاؤوا بها من كتاب وحكم, أبالصدق أم بالكذب؟ والأناجيل تصدق التوراة ودعوتها, وليس فيها دعوة إلى قصة الروح والفداء! وهل هي تصدق ما هو صادق أو تصدق الكاذب؟.
فإن قيل: إن الكتب السماوية السابقة فيما نعلم تبشر بالمسيح, وهذه منهم دعوة إجمالية إلى المسيح وإن لم تفصل القول في كيفية نزوله وفدائه, فلم يزل الله يبشر أنبيائه بظهور المسيح ليؤمنوا به ويطيبوا نفساً بما سيصنعه.
قيل: أولاً: إن القول به قبل موسى تخرص على الغيب, على أن البشارة لو فإنما هي بشارة بالخلاص وليست بدعوة إلى الإِيمان والتدين به.
وثانياً: إن ذلك لا يدفع محذور لغوية الدعوة في فروع الدين من الأخلاق والأفعال حتى من المسيح نفسه، والأناجيل مملوءة بذلك.
وثالثاً: إن محذور الخطيئة وانتقاض الغرض الإِلهي باقٍ على حاله, فإن الله تعالى إنما خلقهم ليرحمهم جميعاً ويبسط النعمة والسعادة على كافتهم وقد آل أمره إلى عقابهم والغضب عليهم وإهلاكهم للأبد إلاَّ شرذمة منهم.
فهذه نبذة من وجوه فساده عند العقل, ويؤيده ويجري عليه القرآن الكريم, قال تعالى:
{ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، فبين أن كل شيء مهدي إلى غايته وما يبتغيه بوجوده, والهداية تعم التكوينية والتشريعية, فالسنة الإِلهية جارية على بسط الهداية, ومنها هداية الإِنسان هداية دينية.
ثم قال تعالى وهو أول هداية دينية ألقاها إلى آدم ومن معه حين إهباطهم من الجنة:
{ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 38ـ39]، وما يشتمل عليه بمنزلة التلخيص لتفاصيل الشرائع إلى يوم القيامة ففيه تشريع ووعد ووعيد عليه من غير تردد وارتياب, وقد قال تعالى: { الحق أقول } [ص: 84]، وقال تعالى: { ما يبدل القول لديَّ وما أنا بظلام للعبيد } [ق: 29]، فبين أنه لا يتردد فيما جزم به من الأمر ولا ينقض ما أنفذه من الأمر فما يقضيه هو الذي يمضيه, وإنما يفعل ما قاله فلا ينحرف فعله عن المجرى الذي أراد عليه, لا من جهته نفسه بأن يريد شيئاً ثم يتردد في فعله, أو يريده ثم يبدو له فلا يفعله, ولا جهة غيره بأن يريد شيئاً ويقطع به ويعزم عليه, ثم يمنعه مانع من العقل أو يبدو إشكال يعترض عليه في طريق الفعل فكل ذلك من قهر القاهر, وغلبة المانع الخارجي, قال تعالى: { والله غالب على أمره } [يوسف: 21]، وقال تعالى: { إن الله بالغ أمره } [الطلاق: 3]، وقال تعالى حكاية عن موسى: { قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } [طه: 52]، وقال تعالى: { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } [غافر: 17]. تدل هذه الآيات وما يشابهها على أنه تعالى إنما خلق الخلق ولم يغفل عن أمره, ولم يجهل شيئاً مما سيظهر منه, ولم يندم على ما فعله, ثم شرع لهم الشرائع تشريعاً جدياً فاصلاً من غير هزل ولا خوف ولا رجاء, ثم إنه يجزي كل ذي عمل بعمله, إن خيراً فخير وإن شراً فشر من غير أن يغلبه تعالى غالب, أو يحكم عليه حاكم من شريك أو فدية أو خلة أو شفاعة من دون إذنه فكل ذلك ينافي ملكه المطلق لما سواه من خلقه.
وعاشراً: ما ذكروه من حديث الفداء وحقيقة الفداء أن يلزم الإِنسان أو ما يتعلق به من نفس أو مال أثر سيء من قتل أو فناء فيعوض بغيره أي شيء كان ليصان بذلك من لحوق ذلك الأثر به كما يفدى الإِنسان الأسير بنفس أو مال, وكما تفدى الجرائم والجنايات بالأموال, ويسمى البدل فدية وفداء, فالتفدية نوع معاملة ينتزع بها حق صاحب الحق وسلطنته عن المفدي عنه إلى الفداء فيستنقذ به المفدي عنه من أن يلحق به الشر.
ومن هنا يظهر أن الفداء غير معقول في ما يتعلق بالله سبحانه, فإن السلطنة الإِلهية - على خلاف السلطنة الوضعية الاعتبارية الإِنسانية - سلطنة حقيقية واقعية غير جائزة التبديل مستحيلة الصرف, فالأشياء بأعيانها وآثارها موجودة قائمة بالله سبحانه, وكيف يتصور تغيير الواقع عمّا هو عليه, فليس إلاَّ أمراً لا يمكن تعقله فضلاً عن أن يمكن وقوعه, وهذا بخلاف الملك والسلطنة والحق وأمثالها الدائرة بيننا معاشر أبناء الاجتماع, فإنها وأمثالها أمور وضعية اعتبارية زمامها بأيدينا, نحن المجتمعين نبطلها مرة, ونبدلها أخرى على حسب تغير مصالحنا في الحياة والمعاش.
وقد نفى الله سبحانه الفدية بالخصوص في قوله:
{ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار } وقد [الحديد: 15]، تقدم فيما مرّ أن من هذا القبيل قول المسيح فيما يحكيه الله تعالى عنه: { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [المائدة: 116] إلى أن قال: { ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } [المائدة: 117ـ119]، فإن قوله: {وكنت عليهم} "الخ"، في معنى أنه لم يكن لي شأن فيهم إلاَّ ما أنت وظفته عليَّ وعيّنته وهو تبليغ الرسالة, والشهادة على الأعمال ما دمت فيهم, وأما هلاكهم ونجاتهم وعذابهم ومغفرتهم فإنما ذلك إليك من غير أن يرتبط بي شيء من ذلك أو يكون لي شأن فيه فأملك لهم شيئاً منك أخرجهم به من عذابك أو تسلطك عليهم, وفي ذلك نفي الفداء إذ لو كان هناك فداء لم يصح تبريه من أعمالهم وإرجاع العذاب والمغفرة معاً إلى الله سبحانه بنفي ارتباطهما به أصلاً.
وفي معنى هذه الآيات قوله تعالى:
{ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، وكذا قوله تعالى: { يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } [البقرة: 254]، وقوله تعالى: { يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم } [غافر: 33]، فإن العدل في الآية الأولى والبيع في الآية الثانية والعصمة من الله في الآية الثالثة مما ينطبق عليه الفداء فنفيها نفي الفداء.
نعم أثبت القرآن الشريف في مورد المسيح, الشفاعة بدل ما يثبتونه من الفداء, والفرق بينهما أن الشفاعة كما تقدم البحث عنها في قوله تعالى:
{ واتقوا يوماً لا تجزي } [البقرة: 48]، نوع من ظهور قرب الشفيع ومكانته لدى المشفوع عنده من غير أن يملك الشفيع منه شيئاً أو يسلب عنه ملك أو سلطنة, أو يبطل حكمه الذي خالفه المجرم أو يبطل قانون المجازاة, بل إنما هو نوع دعاء واستدعاء من الشفيع لتصرف المشفوع عنده وهو الرب ما يجوز له من التصرف في ملكه, وهذا التصرف الجائز مع وجود الحق هو العفو الجائز للمولى مع كونه ذا حق أن يعذبه لمكان المعصية وقانون العقوبة.
فالشفيع يحضه ويستدعي منه أن يعمل بالعفو والمغفرة في مورد استحقاق العذاب للمعصية من غير أن يسلب من المولى ملك أو سلطان بخلاف الفداء, فإنه كما مرّ معاملة يتبدل به سلطنة من شيء إلى شيء آخر هو الفداء ويخرج المفدي عنه عن سلطان القابل الآخذ للفداء.
ويدل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى:
{ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، فإنه صريح في وقوع الشفاعة من المستثنى, والمسيح عليه السلام ممن كانوا يدعونهم من دون الله, وقد نص القرآن بأن الله علمه الكتاب والحكمة, وبأنه من الشهداء يوم القيامة, قال تعالى: { ويعلمه الكتاب والحكمة } [آل عمران: 48]، وقال تعالى حكاية عنه: { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم } [المائدة: 117]، وقال تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } [النساء: 159]. فالآيات كما ترى تدل على كون المسيح عليه السلام من الشفعاء, وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: { واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً } [البقرة: 48]. 6 - من أين نشأت هذه الآراء؟
القرآن ينفي أن يكون المسيح عليه السلام هو الملقي لهذه الآراء والعقائد إليهم والمروج لها فيما بينهم, بل إنهم تعبّدوا لرؤسائهم في الدين وسلموا الأمر إليهم وهم نقلوا إليهم عقائد الماضين من الوثنيين كما قال تعالى:
{ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون* اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاَّ هو سبحانه عمّا يشركون } [التوبة: 30ـ31] الآيات.
وهؤلاء الكافرون الذين يشير تعالى إليهم بقوله: {يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل}، ليسوا هم عرب الجاهلية في وثنيتهم حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله فإن قولهم بأن لله ابناً أقدم تاريخاً من تماسهم مع العرب واختلاطهم بهم وخاصة قول اليهود بذلك مع أن ظاهر قوله: من قبل, أنهم سابقون فيه على اليهود والنصارى, على أن اتخاذ الأصنام في الجاهلية مما نقل إليهم من غيرهم ولم يكونوا بمبتكرين في ذلك.
على أن الوثنية من الروم واليونان ومصر وسورية والهند كانوا أقرب إلى أهل الكتاب القاطنين بفلسطين وحواليه, وانتقال العقائد والمزاعم الدينية إليهم منهم أسهل, والأسباب بذلك أوفق.
فليس المراد بالذين كفروا الذين ضاهاهم أهل الكتاب في القول بالبنوة إلاَّ قدماء وثنية الهند والصين ووثنية الغرب من الروم واليونان وشمال إفريقيا, كما أن التاريخ يحكي عنهم نظائر هذه المزاعم الموجودة في أهل الكتاب من اليهود والنصارى من البنوة والأبوة والتثليث وحديث الصلب والفداء وغير ذلك, وهذا من الحقائق التاريخية التي ينبه عليها القرآن الشريف.
ونظير الآيات السابقة في الدلالة على هذه الحقيقة قوله تعالى:
{ قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل } [المائدة: 77]، فإن الآية تبيّن أن غلوهم في الدين بغير الحق إنما طرأ عليهم بالتقليد واتباع أهواء قوم ضالين من قبلهم.
وليس المراد بهؤلاء القوم أحبارهم ورهبانهم, فإن الكلام مطلق غير مقيد ولم يقل: قوم منكم, وأضلوا كثيراً منكم, وليس المراد بهم عرب الجاهلية كما تقدم, على أنه وصف هؤلاء القوم بأنهم أضلوا كثيراً أي كانوا أئمة ضلال مقلدين متبعين (بصيغة المفعول فيهما) ولم يكن العرب يومئذٍ إلاَّ شرذمة مضطهدين أميين ليس عندهم من العلم والحضارة والتقدم ما يتبعهم به وفيه غيرهم من الأمم كفارس والروم والهند وغيرهم.
فليس المراد بهؤلاء القوم المذكورين إلاَّ وثنية الصين والهند والغرب كما تقدم.
7- ما هو الكتاب الذي ينتسب إليه أهل الكتاب وكيف هو؟:
الرواية وإن عدت المجوس من أهل الكتاب, ولازم ذلك أن يكون لهم كتاب خاص أو ينتموا إلى واحد من الكتب التي يذكرها القرآن ككتاب نوح, وصحف إبراهيم, وتوراة موسى, وإنجيل عيسى, وزبور داود, لكن القرآن لا يذكر شأنهم, ولا يذكر كتاباً لهم, والذي عندهم من "أوستا" لا ذكر منه فيه, وليس عندهم من سائر الكتب اسم.
وإنما يطلق القرآن "أهل الكتاب" فيما يطلق, ويريد بهم اليهود والنصارى لمكان الكتاب الذي أنزله الله عليهم.
والذي عند اليهود من الكتب المقدسة خمسة وثلاثون كتاباً, منها توراة موسى مشتملة على خمسة أسفار، ومنها كتب المؤرخين إثنا عشر كتاباً، ومنها كتاب أيوب, ومنها زبور داود, ومنها ثلاثة كتب لسليمان، ومنها كتب النبوات سبعة عشر كتاباً.
ولم يذكر القرآن من بينها إلاَّ توراة موسى وزبور داود عليهما السلام.
والذي عند النصارى من مقدسات الكتب, الأناجيل الأربعة: وهي إنجيل متى, وإنجيل مرقس, وإنجيل لوقا, وإنجيل يوحنا؛ ومنها كتاب أعمال الرسل، ومنها عدة من الرسائل، ومنها رؤيا يوحنا.
ولم يذكر القرآن شيئاً من هذه الكتب المقدسة المختصة بالنصارى إلاَّ أنه ذكر أن هناك كتاباً سماوياً أنزله الله على عيسى ابن مريم يسمى بالإِنجيل, وهو إنجيل واحد ليس بالأناجيل, والنصارى وإن كانوا لا يعرفونه ولا يعترفون به إلاَّ أن في كلمات رؤسائهم لقيطات تتضمن الاعتراف بأنه كان للمسيح كتاب اسمه إنجيل.
والقرآن مع ذلك لا يخلو من إشعار بأن بعضاً من التوراة الحقة موجود فيما عند اليهود, وكذا بعض من الإِنجيل الحق موجود في أيدي النصارى, قال تعالى:
{ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } [المائدة: 43]، وقال تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به } [المائدة: 14], والدلالة ظاهرة.
(بحث تاريخي)
1- قصة التوراة الحاضرة: بنو إسرائيل هم الأسباط من آل يعقوب كانوا يعيشون أولاً عيشة القبائل البدويين ثم أشخصهم الفراعنة إلى مصر وكانوا يعامل معهم معاملة الاسراء المملوكين حتى نجاهم الله بموسى من فرعون وعمله.
وكانوا في زمن موسى يسيرون مسير الحياة بالإِمام, وهو موسى وبعده يوشع عليهما السلام ثم كانوا برهة من الزمان يدبر أمرهم القضاة مثل إيهود وجدعون وغيرهما. وبعد ذلك يشرع فيهم عصر الملك وأول الملوك فيهم شاؤل وهو الذي يسميه القرآن الشريف بطالوت ثم داود ثم سليمان.
ثم انقسمت المملكة وانشعبت القدرة ومع ذلك ملك فيهم ملوك كثيرون كرحبعام وإبيام ويربعام ويهوشافاط ويهورام وغيرهم بضعة وثلاثون ملكاً.
ولم تزل تضعف القدرة بعد الانقسام حتى تغلبت عليهم ملوك بابل وتصرفوا في أورشليم وهو بيت المقدس, وذلك في حدود سنة ستمائة قبل المسيح, وملك بابل يومئذ بخت نصر (بنو كد نصر) ثم تمردت اليهود عن طاعته فأرسل إليهم عساكره فحاصروهم ثم فتحوا البلدة, ونهبوا خزائن الملك, وخزائن الهيكل (المسجد الأقصى) وجمعوا من أغنيائهم وأقويائهم وصناعهم ما يقرب من عشره آلاف نفساً, وساروا بهم إلى بابل, وما أبقوا في المحل إلاَّ الضعفاء والصعاليك, ونصب بخت نصر"صدقيا" وهو آخر ملوك بني إسرائيل ملكا عليهم, وعليه الطاعة لبخت نصر.
وكان الأمر على ذلك قريباً من عشر سنين حتى وجد صدقيا بعض القوة والشدة, واتصل بعض الاتصال بواحد من فراعنة مصر فاستكبر وتمرد عن طاعة بخت نصر.
فأغضب ذلك بخت نصر غضباً شديداً فساق إليهم الجيوش وحاصر بلادهم فتحصنوا عنه بالحصون, وتمادى بهم التحصن قريباً من سنة ونصف حتى ظهر فيهم القحط والوباء.
وأصر بخت نصر على المحاصرة حتى فتح الحصون, وذلك في سنة خمسمائة وست وثمانين قبل المسيح, وقتل نفوسهم, وخرب ديارهم وخربوا بيت الله, وأفنوا كل آية وعلامة دينية, وبدلوا هيكلهم تلاً من تراب, وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت الذي كانت تجعل فيه.
وبقي الأمر على هذا الحال خمسين سنة تقريباً وهم قاطنون ببابل وليس من كتابهم عين ولا أثر, ولا من مسجدهم وديارهم إلاَّ تلال ورياع.
ثم لما جلس كورش من ملوك فارس على سرير الملك, وكان من أمره مع البابليين ما كان, وفتح بابل ودخله أطلق أسراء بابل من بني إسرائيل, وكان عزرا المعروف من المقربين عنده فأمّره عليهم, وأجاز له أن يكتب لهم كتابهم التوراة, ويبني لهم الهيكل, ويعيدهم إلى سيرتهم الأولى وكان رجوع عزرا بهم إلى بيت المقدس سنة أربعمائة وسبعة وخمسين قبل المسيح, وبعد ذلك جمع عزرا كتب العهد العتيق وصححها, وهي التوراة الدائرة اليوم.
وأنت ترى بعد التدبر في القصة أن سند التوراة الدائرة اليوم مقطوعة غير متصلة بموسى عليه السلام إلاَّ بواحد (وهو عزرا), لا نعرفه أولاً, ولا نعرف كيفية اطلاعه وتعمقه ثانياً, ولا نعرف مقدار أمانته ثالثاً, ولا نعرف من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعاً, ولا ندري بالاستناد إلى أي مستند صحح الأغلاط الواقعة أو الدائرة خامساً.
وقد أعقبت هذه الحادثة المشؤومة أثراً مشؤوماً آخر وهو إنكار عدة من باحثي المؤرخين من الغربيين وجود موسى وما يتبعه, وقولهم: إنه شخص خيالي كما قيل نظيره في المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام, لكن ذلك لا يسع لمسلم فإن القرآن الشريف يصرح بوجوده عليه السلام وينص عليه.
2- قصة المسيح والإِنجيل:
اليهود مهتمون بتاريخ قوميتهم, وضبط الحوادث الظاهرة في الأعصار التي مرّت بهم, ومع ذلك فإنك لو تتبعت كتبهم ومسفوراتهم لم تعثر فيها على ذكر المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام: لا على كيفية ولادته, ولا على ظهوره ودعوته, ولا على سيرته والآيات التي أظهرها الله على يديه, ولا على خاتمة حياته من موت أو قتل أو صلب أو غير ذلك, فما هو السبب في ذلك؟ وما هو الذي أوجب خفاء أمره عليهم أو إخفائهم أمره؟.
والقرآن يذكر عنهم أنهم قذفوا مريم ورموها بالبهتان في ولادة عيسى, وأنهم ادعوا قتل عيسى, قال تعالى:
{ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلاَّ اتباع الظن وما قتلوه يقيناً } [النساء: 156ـ157]. فهل كانت دعواهم تلك مستندة إلى حديث دائر بينهم كانوا يذكرونه بين قصصهم القومية من غير أن يكون مودعاً في كتاب؟ وعند كل أُمة أحاديث دائرة من واقعيات وأساطير لا اعتبار بها ما لم تنته إلى مآخذ صحيحة قويمة.
أو أنهم سمعوا من النصارى الذكر المكرر من المسيح وولادته وظهوره ودعوته فأخذوا ذلك من أفواههم وباهتوا مريم, وادعوا قتل المسيح؟ لا طريق إلى استبانة شيء من ذلك غير أن القرآن - كما يظهر بالتدبر في الآية السابقة - لا ينسب إليهم صريحاً إلاَّ دعوى القتل دون الصلب, ويذكر أنهم على ريب من الأمر, وأن هناك اختلافاً!
وأما حقيقة ما عند النصارى من قصة المسيح وأمر الإِنجيل والبشارة فهي أن قصته عليه السلام وما يتعلق بها تنتهي عندهم إلى الكتب المقدسة عندهم, وهي الأناجيل الأربعة التي هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا, وكتاب أعمال الرسل للوقا, وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا, واعتبار الجميع ينتهي إلى اعتبار الأناجيل فلنشتغل بها:
أما إنجيل متى فهو أقدم الأناجيل في تصنيفه وانتشاره ذكر بعضهم أنه صنف سنة 38 الميلادية؛ وذكر آخرون أنه كتب ما بين سنة 50 إلى سنة 60 فهو مؤلف بعد المسيح.
والمحققون من قدمائهم ومتأخريهم على أنه كان أصله مكتوباً بالعبرانية ثم ترجم إلى اليونانية وغيرها, أما النسخة الأصلية العبرانية فمفقودة, وأما الترجمة فلا يدرى حالها, ولا يعرف مترجمها.
وأما إنجيل مرقس: فمرقس هذا كان تلميذاً لبطرس, ولم يكن من الحواريين وربما ذكروا أنه إنما كتب إنجيله بإشارة بطرس وأمره, وكان لا يرى إلهية المسيح، ولذلك ذكر بعضهم أنه إنما كتب إنجيله للعشائر وأهل القرى فعرف المسيح تعريف رسول إلهي مبلغ لشرائع الله، وكيف كان فقد كتب إنجيله سنة 61 ميلادية.
وأما إنجيل لوقا: فلوقا هذا لم يكن حوارياً ولا رأى المسيح وإنما تلقن النصرانية من بولس؛ وبولس كان يهودياً متعصباً على النصرانية يؤذي المؤمنين بالمسيح ويقلب الأمور عليهم, ثم اتفق مفاجأة أن ادعى أنه صرع, وفي حال الصرع لمسه المسيح ولامه وزجره عن الإِساءة إلى متبعيه, وأنه آمن بالمسيح وأرسله المسيح ليبشر بإنجيله.
وبولس هذا هو الذي شيّد أركان النصرانية الحاضرة على ما هي عليه فبنى التعليم على أن الإِيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل, وأباح لهم أكل الميتة ولحم الخنزير ونهى عن الختنة وكثير مما في التوراة مع أن الإِنجيل لم يأت إلاَّ مصدقاً لما بين يديه من التوراة, ولم يحلل إلاَّ أشياء معدودة, وبالجملة إنما جاء عيسى ليقوم شريعة التوراة ويرد إليها المنحرفين والفاسقين لا ليبطل العمل ويقصر السعادة على الإِيمان الخالي.
وقد كتب لوقا إنجيله بعد إنجيل مرقس. وذلك بعد موت بطرس وبولس, وقد صرح جمع بأن إنجيله ليس كتاباً إلهامياً كسائر الأناجيل كما يدل عليه ما وقع في مبتدأ إنجيله.
وأما إنجيل يوحنا: فقد ذكر كثير من النصارى أن يوحنا هذا هو يوحنا بن زبدي الصياد أحد التلاميذ الاثنى عشر (الحواريين) الذي كان يحبه المسيح حباً شديداً.
وذكروا أن "شيرينطوس" و "أبيسون" وجماعتهما لما كانوا يرون أن المسيح ليس إلاَّ إنساناً مخلوقاً لا يسبق وجوده وجود أُمه اجتمعت أساقفة آسيا وغيرهم في سنة 96 ميلادية عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب ما لم يكتبه الآخرون في أناجيلهم, ويبيّن بنوع خصوصي لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم.
وقد اختلفت كلماتهم في السنة التي ألّف فيها هذا الإِنجيل, فمن قائل أنها سنة 65, وقائل أنها سنة 96, وقائل أنها سنة 98.
وقال جمع منهم إنه ليس تأليف يوحنا التلميذ: فبعضهم على أنه تأليف طالب من طلبة المدرسة الإِسكندرية, وبعضهم على أن هذا الإِنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل إنما صنفه بعضهم في ابتداء القرن الثاني, ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس, وبعضهم على أن إنجيل يوحنا كان في الأصل عشرين باباً فألحقت كنيسة "أفاس" الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا، فهذه حال هذه الأناجيل الأربعة؛ وإذا أخذنا بالقدر المتيقن من هذه الطرق انتهت إلى سبعة رجال هم: متى, مرقس, لوقا, يوحنا, بطرس, بولس, يهوذا؛ ينتهي ركونهم كله إلى هذه الأناجيل الأربعة, وينتهي الأربعة إلى واحد هو أقدمها وأسبقها وهو إنجيل متى, وقد مرّ أنه ترجمة مفقودة الأصل لا يدرى من الذي ترجمه؟ وكيف كان أصله؟ وعلى ماذا كان يبني تعليمه؟ أبرسالة المسيح أم بأُلوهيته؟.
وهذا الإِنجيل الموجود يترجم أنه ظهر في بني إسرائيل رجل يدعى عيسى بن يوسف النجار وأقام الدعوة إلى الله, وكان يدعي أنه ابن الله مولود من غير أب بشري وأن أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل, وأنه أحيى الميت, وأبرأ الأكمه والأبرص, وشفى المجانين بإخراج الجن من أبدانهم, وأنه كان له اثنا عشر تلميذاً: أحدهم متى صاحب الإِنجيل بارك لهم وأرسلهم للدعوة وتبليغ الدين المسيحي "الخ".
فهذا ملخص ما تنتهي إليه الدعوة المسيحية على انبساطها على شرق الأرض وغربها, وهو لا يزيد على خبر واحد مجهول الاسم والرسم, مبهم العين والوصف.
وهذا الوهن العجيب في مبدأ القصة هو الذي أوجب لبعض أحرار الباحثين من أوروبا أن أدعى أن المسيح عيسى ابن مريم شخص خيالي صوره بعض النزعات الدينية على حكومات الوقت أولها, وتأيد ذلك بموضوع خرافي آخر يشبهه كل الشبه في جميع شؤون القصة, وهو موضوع "كرشنا" الذي تدعي وثنية الهند القديمة أنه ابن الله نزل عن لاهوته, وفدى الناس بنفسه صلباً ليخلصهم من الأوزار والخطايا كما يدعى في عيسى المسيح حذو النعل بالنعل (كما سيجيء ذكره).
وأوجب لآخرين من منتقدي الباحثين أن يذهبوا إلى أن هناك شخصين مسميين بالمسيح: المسيح غير المصلوب, والمسيح المصلوب, وبينهما من الزمان ما يزيد على خمسة قرون.
وأن التاريخ الميلادي الذي سنتنا هذه سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين منه لا ينطبق على واحد منهما بل المسيح الأول غير المصلوب يتقدم عليه بما يزيد على مائتين وخمسين سنة وقد عاش نحواً من ستين سنة, والمسيح الثاني المصلوب يتأخر عنه بما يزيد على مائتين وتسعين سنة, وقد عاش نحواً من ثلاث وثلاثين سنة.
على أن عدم انطباق التاريخ الميلادي على ميلاد المسيح في الجملة مما لم يسع للنصارى إنكاره وهو سكتة تاريخية.
على أن ها هُنا أموراً مريبة موهمة أخرى فقد ذكروا أنه كتب في القرنين الأولين من الميلاد أناجيل كثيرة أخرى ربما أنهوها إلى نيف ومائة من الأناجيل, والأناجيل الأربعة منها ثم حرمت الكنيسة جميع تلك الأناجيل إلاَّ الأناجيل الأربعة التي عرفت قانونية لموافقة متونها تعليم الكنيسة.
ومن جملة الأناجيل المتروكة إنجيل برنابا الذي ظهرت نسخة منها منذ سنين فترجمت إلى العربية والفارسية, وهو يوافق في عامة قصصه ما قصه القرآن في المسيح عيسى ابن مريم.
ومن العجيب أن المواد التاريخية المأثورة عن غير اليهود أيضاً ساكتة عن تفاصيل ما ينسبه الإِنجيل إلى الدعوة المسيحية من حديث البنوة والفداء وغيرهما, ذكر المؤرخ الأمريكي الشهير "هندريك ويلم وان لون" في تأليفه في تاريخ البشر كتاباً كتبه الطبيب "إسكو لابيوس كولتلوس" الرومي سنة 62 الميلادية إلى ابن أخيه "جلاديوس أنسا" وكان جندياً في عسكر الروم بفلسطين, يذكر فيه أنه عاد مريضاً برومية يسمى بولس فأعجبه كلامه وقد كان بولس كلمه بالدعوة المسيحية, وذكر له طرفاً من أخبار المسيح ودعوته.
ثم يذكر أنه ترك بولس ولم يره حتى سمع بعد حين أنه قتل في طريق "أوستى" ثم يسأل ابن أخيه أن يبحث عن أخبار هذا النبي الإِسرائيلي الذي كان يذكره بولس, وعن أخبار بولس نفسه, ويكتب إليه ما بلغه من ذلك.
فكتب إليه "جلاديوس أنسا" بعد ستة أسابيع من معسكر الروم بأورشليم: "أني سألت عدة من شيوخ البلد ومعمريهم عن عيسى المسيح فوجدتهم لا يحسنون مجاوبتي فيما أسألهم [هذا والسنة سنة 62 ميلادية وهم شيوخ!].
حتى لقيت بياع زيتون فسألته هل يعرفه؟ فأنعم لي في الجواب ثم دلني على رجل اسمه يوسف, وذكر أنه كان من أتباعه ومحبيه, وأنه خبير بقصصه بصير بأخباره يستطيع أن يجيبك فيما تسأله عنه.
فلقيت يوسف اليوم بعدما تفحصت أياماً فوجدته شيخاً هرماً وقد كان قديماً يصطاد السمك في بعض البحيرات من هذه الناحية.
كان الرجل على كبر سنه صحيح المشاعر جيد الحافظة وقص لي جميع الأخبار والقضايا الحادثة في ذلك الأوان, أوان الاغتشاش والفتنة.
ذكر أن فونتيوس فيلاطوس كان حاكماً على سامراء ويهوديه في عهد القيصر "تي بريوس".
فاتفق أن وقع أيام حكومته فتنة في أورشليم فسافر فونتيوس فيلاطوس إليه لإِخماد ما فيه من نار الفتنة وكانت الفتنة هي ما شاع يومئذٍ أن ابن نجار من أهل الناصرة يدعو الناس ويستنهضهم على الحكومة.
فلما تحققوا أمره تبين أن ابن النجار المتهم, شاب عاقل متين لم يرتكب ما يوجب عليه سياسة غير أن رؤساء المذهب من اليهود كانوا يخالفونه ويباغضونه بأشد ما يكون, وقد قالوا لفيلاطوس إن هذا الشاب الناصري يقول: لو أن يونانياً أو رومياً أو فلسطينياً عامل الناس وعاشرهم بالعدالة والشفقة كان عند الله كمن صرف عمره في مطالعة كتاب الله وتلاوة آياته.
وكأن هذه التعرضات والاقتراحات لم تؤثر في فيلاطوس أثرها لكنه لما سمع ازدحام الناس قبال المعبد وهم يريدون أن يقبضوا على عيسى وأصحابه ويقطعوهم إرباً إرباً رأى أن الأصلح أن يقبض هو على هذا الشاب النجار ويسجنه حتى لا يقتل بأيدي الناس في غوغائهم.
وكان فيلاطوس لم يتضح له سبب ما ينقمه الناس من عيسى كل الاتضاح, وكلما كلم الناس في أمره وسألهم واستوضحهم, علت أصواتهم وتنادوا: "هو كافر"هو ملحد"هو خائن" فلم ينته الأمر إلى طائل.
حتى استقر رأي فيلاطوس أن يكلم عيسى بنفسه فأشخصه وكلمه وسأله عمّا يقصده بما يبلغه من الدين, فأجابه عيسى أنه لا يهتم بأمر الحكومة والسياسة ولا له في ذلك غرض, وأنه يهتم بالحياة الروحانية أكثر مما يهتم بأمر الحياة الجسمانية, وأنه يعتقد أن الإِنسان يجب أن يحسن إلى الناس ويعبد الله الفرد الواحد وحده الذي هو في حكم الأب لجميع أرباب الحياة من المخلوقات.
وكان فيلاطوس ذا خبرة في مذاهب الرواقيين وسائر فلاسفة اليونان, فكأنه لم ير في ما كلمه به عيسى موضع غمضة, ولا محل مؤاخذة, ولذلك عزم ثانياً أن يخلص هذا النبي السليم المتين من شر اليهود, وسوف في حكم قتله وإنجازه.
لكن اليهود لم يرضوا بذلك, ولم يتركوه على حاله بل أشاعوا عليه أنه فتن بأكاذيب عيسى وأقاويله وأن فيلاطوس يريد الخيانة على قيصر, وأخذوا يستشهدون عليه ويسجلون الطوامير على ذلك يريدون به عزله من الحكومة, وقد كان برز قبل ذلك فتن وانقلابات في فلسطين. والقوى المؤمنة القيصرية قليلة العدة لا تقوى على إسكات الناس فيها كل القوة.
وكان على الحكام وسائر المأمورين من ناحية قيصر أن لا يعاملوا الناس بما يجلب شكواهم وعدم رضاهم.
فلهذه الأسباب لم ير فيلاطوس بداً من أن يفدي هذا الشاب المسجون للأمن العام, ويجيب الناس فيما سألوه من قتله.
وأما عيسى فإنه لم يجزع من الموت بل استقبله على شهامة من نفسه, وقد عفى قبل موته عمّن تسبب إلى قتله من اليهود ثم قضى به على الصليب والناس يسخرون منه ويشتمونه ويسبونه.
قال (جلاديوس أنسا) هذا ما قص لي يوسف من قصة عيسى ودموعه تجري على خديه, وحين ودعني للمفارقة قدمت إليه شيئاً من المسكوك الذهبي لكنه أبى أن يأخذه, وقال لي يوجد ها هُنا من هو أفقر مني فأعطه إياه.
وسألته عن بولس رفيقك المعهود, فما كان يعرفه معرفة تامة, والقدر الذي تبيّن من أمره أنه كان رجلاً خياماً ثم ترك شغله واشتغل بالتبليغ لهذا المذهب الجديد مذهب الرب الرؤوف الرحيم الإِله الذي بينه وبين "يهوه" إله يهود الذي لا نزال نسمعه من علماء اليهود من الفرق ما هو أبعد مما بين السماء والأرض.
والظاهر أن بولس سافر أولاً إلى آسيا الصغرى, ثم إلى اليونان, وأنه كان يقول للعبيد والأرقاء أنهم جميعاً أبناء لأب يحبهم ويرأف بهم, وأن السعادة ليست تخص بعض الناس دون بعض بل تعم جميع الناس من فقير وغني بشرط أن يعاشروا على المواخاة, ويعيشوا على الطهارة والصداقة, انتهى ملخصاً.
هذه عامة فقرات هذا الكتاب مما يرتبط بما نحن فيه من البحث.
وبالتأمل في جمل مضامين هذا الكتاب يتحصل للمتأمل أن ظهور الدعوة المسيحية كيف كان في بني إسرائيل بعيد عيسى عليه السلام, وأنه لم يكن إلاَّ ظهور دعوة نبوية بالرسالة من عند الله لا ظهور دعوة إلهية بظهور اللاهوت ونزولها إليهم وتخليصهم بالفداء!
ثم إن عدة من تلامذة عيسى أو المنتسبين إليه كبولس وتلامذة تلامذتهم سافروا بعد وقعة الصلب إلى مختلف أقطار الأرض من الهند وإفريقية ورومية وغيرها, وبسطوا الدعوة المسيحية لكنهم لم يلبثوا دون أن اختلفوا في مسائل أصلية من التعليم كلاهوت المسيح, وكفاية الإِيمان بالمسيح عن العمل بشريعة موسى وكون دين الإِنجيل ديناً أصيلاً ناسخاً لدين موسى أو كونه تابعاً لشريعة التوراة مكملاً إياها فافترقوا عند ذلك فرقاً. والذي يجب الإِمعان فيه أن الأمم التي بسطت الدعوة المسيحية وظهرت فيها أول ظهورها كالروم والهند وغيرهما كانوا قبلها منتحلين بالوثنية الصابئة أو البرهمنية أو البوذائية, وفيها أصول من مذاق التصوف من جهة, والفلسفة البرهمنية من جهة, وفيها جميعاً شطر وافر من ظهور اللاهوت في مظهر الناسوت, على أن القول بتثليث الوحدة ونزول اللاهوت في لباس الناسوت وتحملها الصلب والعذاب فداءً, كان دائراً بين القدماء من وثنية الهند والصين ومصر وكلدان والآشور والفرس, وكذا قدماء وثنية الغرب كالرومان والاسكندناويين وغيرهم على ما يوجد في الكتب المؤلفة في الأديان والمذاهب القديمة.
ذكر "دوان" في كتابه "خرافات التوراة وما يماثلها في الأديان الأخرى" إذا رجعنا البصر إلى الهند نرى أن أعظم وأشهر عبادتهم اللاهوتية هو التثليث, ويسمون هذا التعليم بلغتهم "ترى مورتى" وهي عبارة مركبة من كلمتين بلغتهم السنسكريتية "ترى" ومعناها الثلاثة و "مورتى" ومعناها هيآت أو أقانيم, وهي "برهما, وفشنو, وسيفا" ثلاثة أقانيم متحدة لا ينفك عن الوحدة فهي إله واحد بزعمهم.
ثم ذكر: أن برهما عندهم هو الأب وفشنو هو الابن, وسيفا هو روح القدس.
ثم ذكر أنهم يدعون سيفا "كرشنا" الرب المخلص والروح العظيم الذي ولد منه "فشنو" الإِله الذي ظهر بالناسوت على الأرض ليخلص الناس, فهو أحد الأقانيم الثلاثة التي هي الإِله الواحد.
وذكر أيضاً: أنهم يرمزون للأقنوم الثالث بصورة حمامة كما يقوله النصارى.
وقال مستر "فابر" في كتابه "أصل الوثنية" كما نجد عند الهنود ثالوثاً مؤلفاً من "برهما" و "فشنو" و "سيفا" نجد عند البوذيين ثالوثاً فإنهم يقولون: إن "بوذه" إله له ثلاثة أقانيم, وكذلك بوذيو (جينست) يقولون: إن "جيفا" مثلث الأقانيم.
قال: والصينيون يعبدون بوذه ويسمونه "فو" ويقولون إنه ثلاثة أقانيم كما تقول الهنود.
وقال دوان في كتابه المتقدم ذكره: وكان قسيسوا هيكل منفيس بمصر يعبرون عن الثالوث المقدس للمبتدئين بتعلم الدين بقولهم: إن الأول خلق الثاني والثاني خلق الثالث, وبذلك تم الثالوث المقدس.
وسأل توليسو ملك مصر الكاهن تنيشوكي أن يخبره: هل كان قبله أحد أعظم منه؟ وهل يكون بعده أحد أعظم منه؟ فأجابه الكاهن: نعم يوجد من هو أعظم وهو الله قبل كل شيء ثم الكلمة ومعهما روح القدس, ولهذه الثلاثة طبيعة واحدة, وهم واحد بالذات وعنهم صدرت القوة الأبدية, فاذهب يا فاني يا صاحب الحياه القصيرة.
وقال بونويك في كتابه "عقائد قدماء المصريين" أغرب كلمة عمّ انتشارها في ديانة المصريين هي قولهم بلاهوت الكلمة, وأن كل شيء حصل بواسطتها, وأنها منبثقة من الله, وأنها هي الله, انتهى؛ وهذا عين العبارة التي يبتدي بها إنجيل يوحنا.
وقال "هيجين" في كتاب "الانكلوساكسون" كان الفرس يدعون متروساً الكلمة والوسيط ومخلص الفرس.
ونقل عن كتاب سكان أوروبة الأولين: أنه كان الوثنيون القدماء يقولون: إن الإِله مثلث الأقانيم.
ونقل عن اليونان والرومان والفنلنديين والإِسكندناويين قضية الثالوث السابق الذكر, وكذا القول بالكلمة عن الكلدانيين والآشوريين والفينيقيين.
وقال دوان في كتابه "خرافات التوراة وما يقابلها من الديانات الأخرى" (ص 181 - 182) ما ترجمته بالتلخيص:
"إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداءً عن الخطيئة قديم العهد جداً عند الهنود الوثنيين وغيرهم, وذكر شواهد على ذلك:
منها قوله: يعتقد الهنود أن كرشنا المولود البكر - الذي هو نفس الآلهة فشنو الذي لا ابتداء له ولا انتهاء على رأيهم - تحرك حنواً كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلص الإِنسان بتقديم ذبيحة عنه.
وذكر أن "مسترمور" قد صور كرشنا مصلوباً كما هو مصور في كتب الهنود مثقوب اليدين والرجلين, وعلى قميصه صورة قلب الإِنسان معلقاً, ووجدت له صورة مصلوباً وعلى رأسه إكليل من الذهب, والنصارى تقول: إن يسوع صلب وعلى رأسه إكليل من الشوك.
وقال "هوك" في ص 326 من المجلد الأول من رحلته: ويعتقد الهنود الوثنيون بتجسد بعض الآلهة, وتقديم ذبيحة فداء للناس من الخطيئة.
وقال "موريفورليمس" في ص 26 من كتابه (الهنود) ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الأصلية, ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم وتوسلاتهم التي يتوسلون بها بعد (الكياتري) وهو, إني مذنب ومرتكب الخطيئة, وطبيعتي شريرة, وحملتني أمي بالإِثم فخلصني يا ذا العين الحندقوقية يا مخلص الخاطئين من الآثام والذنوب.
وقال القس "جورج كوكس" في كتابه (الديانات القديمة) في سياق الكلام عن الهنود: ويصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتاً لأنه قدم شخصه ذبيحة.
ونقل "هيجين" عن "إندارا دا الكروزوبوس" وهو أول أوروبي دخل بلاد النيبال والتبت: أنه قال في الإِله "إندرا" الذي يعبدونه: انه سفك دمه بالصلب وثقب المسامير لكي يخلص البشر من ذنوبهم, وان صورة الصلب موجودة في كتبهم.
وفي كتاب "جورجيوس" الراهب صورة الإِله "إندرا" هذا مصلوباً, وهو بشكل صليب أضلاعه متساوية العرض متفاوتة الطول فالرأسي أقصرها - وفيه صورة وجهه - والسفلي أطولها, ولولا صورة الوجه لما خطر لمن يرى الصورة أنها تمثل شخصاً، هذا.
وأما ما يروى عن البوذيين في بوذا فهو أكثر انطباقاً على ما يرويه النصارى عن المسيح من جميع الوجوه حتى أنهم يسمونه المسيح, والمولود الوحيد, ومخلّص العالم, ويقولون إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت, وانه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم فلا يعاقبوا عليها, ويجعلهم وارثين لملكوت السماوات, بين ذلك كثير من علماء الغرب: منهم "بيل" في كتابه, و "هوك" في رحلته, و "موالر" في كتابه تاريخ الآداب السنسكريتية, وغيرهم.
فهذه نبذة أو أُنموذجة من عقيدة تلبس اللاهوت بالناسوت, وحديث الصلب والفداء في الديانات القديمة التي كانت الأمم متمسكين بها منكبين عليها يوم شرعت الديانة النصرانية تنبسط على الأرض, وأخذت الدعوة المسيحية تأخذ بمجامع القلوب في المناطق التي جال الدعاة المسيحيون فيها, فهل هذا إلاَّ أن الدعاة المسيحيين أخذوا أُصول المسيحية وأفرغوها في قالب الوثنية واستمالوا بذلك قلوب الناس في تقبل دعوتهم وهضم تعليمهم؟.
ويؤيد ذلك ما ترى في كلمات بولس وغيره من الطعن في حكمة الحكماء وفلسفتهم والإِزراء بطرق الاستدلالات العقلية, وأن الإِله الرب يرجح بلاهة الأبله على عقل العاقل.
وليس ذلك إلاَّ لأنهم قابلوا بتعليمهم مكاتب التعقل والاستدلال فرده أهله بأنه لا طريق إلى قبوله بل إلى تعقله الصحيح من جهة الاستدلال فوضعوا الأساس على المكاشفة والامتلاء بالروح المقدس فشاكلوا بذلك ما يصر به جهلة المتصوفة أن طريقتهم طور وراء طور العقل.
ثم إن الدعاة منهم ترهبوا وجالوا في البلاد (على ما يحكيه كتاب أعمال الرسل والتواريخ) وبسطوا الدعوة المسيحية واستقبلتهم في ذلك العامة في شتات البلاد, كان من سر موفقيتهم وخاصة في إمبراطورية الروم هي الضغطة الروحية التي عمّت البلاد من فشوّ الظلم والتعدي, وشمول أحكام الاسترقاق والاستعباد, والبون البعيد في حياة الطبقة الحاكمة والمحكومة والآمرة والمأمورة, والفصل الشاسع بين عيشة الاغنياء وأهل الإِتراف والفقراء والمساكين والأرقاء.
وقد كانت الدعاة تدعو إلى المواخاة والمحابة والتساوي والمعاشرة الجميلة بين الناس, ورفض الدنيا وعيشتها الكدرة الفانية, والإِقبال على الحياة الصافية السعيدة التي في ملكوت السماء, ولهذا بعينه ما كان يعني بحالهم الطبقة الحاكمة من الملوك والقياصرة كل العناية, ولا يقصدونهم بالأذى والسياسة والطرد.
فلم يزالوا يزيدون عدداً من غير تظاهر وتنافس وينمون قوة وشدة حتى حصل لهم جم غفير في إمبراطورية الروم وإفريقية والهند وغيرها من البلاد, ولم يزالوا كلما بنوا كنيسة وفتحوا بابها على وجوه الناس هدموا بذلك واحداً من بيوت الأوثان وأغلقوا بابه.
وكانوا لا يعتنون بمزاحمة رؤساء الوثنية في هدم أساسهم, ولا بملوك الوقت وحكامه في التعالي عن خضوعهم وفي مخالفة أحكامهم ودساتيرهم, وربما كان ذلك يؤديهم إلى الهلاك والقتل والحبس والعذاب فكان لا تزال تقتل طائفة وتسجن أخرى وتشرد ثالثة.
وكان الأمر على هذه الصفة إلى أوان ملك القيصر "كنستانتين" فآمن بالملّة المسيحية وأعلن بها فأخذ التنصر بالرسمية وبنيت الكنائس في الروم وما يتبع إمبراطوريته من الممالك, وذلك في النصف الأخير من القرن الرابع الميلادي.
تمركزت النصرانية يومئذٍ في كنيسة الروم وأخذت تبعث القسيسين إلى أكناف الأرض من البلاد التابعة يبنون الكنائس والديرات ومدارس يدرسون بها التعليم الإِنجيلي.
والذي يجب إلفات النظر إليه أنهم وضعوا البحث على أصول مسلمة إنجيلية فأخذوا التعاليم الإِنجيلية كمسألة الأب والابن والروح, ومسألة الصلب والفداء وغير ذلك أصولاً مسلمة وبنوا البحث والتنقير عليها.
وهذا أول ما ورد على أبحاثهم الدينية من الوهن والوهاء فإن استحكام البناء المبني وإن بلغ ما بلغ, واستقامته لا يغني عن وهن الأساس المبني عليه شيئاً, وما بنوا عليه من مسألة تثليث الوحدة والصلب والفداء أمر غير معقول.
وقد اعترف عدة من باحثيهم في التثليث بأنه أمر غير معقول لكنهم اعتذروا عنه بأنه من المسائل الدينية التي يجب أن تقبل تعبداً فكم في الأديان من مسألة تعبدية تحيلها العقول.
وهو من الظنون الفاسدة المتفرعة على أصلهم الفاسد, وكيف يتصور وقوع مسألة مستحيلة في دين حق؟ ونحن إنما نقبل الدين ونميز كونه دين حق بالعقل وكيف يمكن عند العقل أن تشتمل العقيدة الحقة على أمر يبطله العقل ويحيله؟ وهل هذا إلاَّ تناقض صريح؟.
نعم يمكن أن يشتمل الدين على ممكن يخرق العادة الجارية, والسنة الطبيعية القائمة, وأما المحال الذاتي فلا البتة.
وهذا الطريق المذكور من البحث هو الذي أوجب وقوع الخلاف والمشاجرة بين الباحثين المتفكرين منهم في أوائل انتشار صيت النصرانية وانكباب المحصلين على الأبحاث المذهبية في مدارس الروم والإِسكندرية وغيرهما.
فكانت الكنيسة تزيد كل يوم في مراقبتها لوحدة الكلمة وتهيئ مجمعاً مشكلاً عند ظهور كل قول حديث وبدعة جديدة من البطارقة والأساقفة لإِقناعهم بالمذهب العام وتكفيرهم ونفيهم وطردهم وقتلهم إذا لم يقنعوا.
وأول مجمع عقدوه مجمع نيقية لما قال أريوس: إن أقنوم الابن غير مساوٍ لأقنوم الأب, وإن القديم هو الله والمسيح مخلوق.
اجتمعت البطارقة والمطارنة؟ والأساقفة في قسطنطينية بمحضر من القيصر كنستانتين وكانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً, واتفقوا على هذه الكلمة "نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء, وصانع ما يرى وما لا يرى, وبالابن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد, بكر الخلائق كلها, وليس بمصنوع, إله حق من إله حق, من جوهر أبيه الذي بيده أُتقنت العوالم وكل شيء, الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء, وتجسد من روح القدس, وولد من مريم البتول, وصلب أيام فيلاطوس, ودفن ثم قام في اليوم الثالث, وصعد إلى السماء, وجلس عن يمين أبيه, وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء, ونؤمن بروح القدس الواحد, روح الحق الذي يخرج من أبيه, وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا, وبجماعة واحدة قدسية مسيحية - جاثليقية, وبقيام أبداننا, والحياة أبد الآبدين".
هذا هو المجمع الأول, وكم من مجمع بعد ذلك عقدوه للتبري عن المذاهب المستحدثة كمذهب النسطورية واليعقوبية والأليانية واليليارسية و المقدانوسية والسباليوسية والنوئتوسية والبولسية وغيرها.
ومع هذا كانت الكنيسة تقوم بالواجب من مراقبتها, ولا تتوانى ولا تهن في دعوتها, وتزيد كل يوم في قوتها وسيطرتها حتى وفقت لجلب سائر دول أوروبا إلى التنصر كفرنسا والإِنجليز والنمسا والبروس والإِسبان والبرتغال والبلجيك وهولندا وغيرهم إلاَّ الروس أواخر القرن الخامس الميلادي سنة 496.
ولم تزل تتقدم وترتقي الكنيسة من جانب, ومن جانب آخر كانت تهاجم الأمم الشمالية والعشائر البدوية على الروم, والحروب والفتن تضعف سلطنة القياصرة؛ وآل الأمر إلى أن أجمعت أهل الروم والأمم المتغلبة على إلقاء زمام أمور المملكة إلى الكنيسة, كما كانت زمام أمور الدين بيدها فاجتمعت السلطنة الروحانية والجسمانية لرئيس الكنيسة اليوم وهو "البابا جريجوار" وكان ذلك سنة 590 الميلادية.
وصارت كنيسة الروم لها الرئاسة المطلقة للعالم المسيحي غير أن الروم لما كانت انشعبت إمبراطوريته إلى الروم الغربي الذي عاصمتها روما, والروم الشرقي الذي عاصمتها قسطنطينية كانت قياصرة الروم الشرقي يعدون أنفسهم رؤساء دينيين لمملكتهم من غير أن يتبعوا كنيسة روما وهذا مبدأ انشعاب المسيحية إلى الكاثوليك, أتباع كنيسة روما والأورثوذكس, وهم غيرهم.
وكان الأمر على ذلك حتى إذا فتحت قسطنطينية بيد آل عثمان, وقتل القيصر "بالي أولوكوس" وهو آخر قياصرة الروم الشرقي وقسيس الكنيسة اليوم (قتل في كنيسة "أياصوفيا").
وادعى وراثة هذا المنصب الديني أعني رئاسة الكنيسة قياصرة روسيا لقرابة سببية كانت بينهم وبين قياصرة الروم, وكانت الروس تنصرت في القرن العاشر الميلادي فصارت ملوك روسيا قسيسي كنيسة أرضهم غير تابعة لكنيسة روما, وكان ذلك سنة 1454 الميلادية.
وبقي الأمر على هذا الحال نحواً من خمسة قرون حتى قتل "تزارنيكولا" وهو آخر قياصرة الروس قتل هو وجميع أهل بيته سنة 1918 الميلادية بيد الشيوعيين فعادت كنيسة روما تقريباً إلى حالها قبل الانشعاب.
لكن الكنيسة في أثر ما كانت تحاول رؤسائها السلطة على جميع جهات حياة الناس في القرون الوسطى التي كانت الكنيسة فيها في أوج ارتقائها وارتفاعها ثار عليها جماهير من المتدينين تخلصاً من القيود التي كانت تحملها عليهم الكنيسة.
فخرجت طائفة عن تبعية أحكام رؤساء الكنيسة والباباوات وطاعتهم مع البقاء على طاعة التعليم الإِنجيلي على ما يفهمه مجامعهم, ويقرره اتفاق علمائهم وقسيسيهم وهؤلاء هم الأورثوذكس.
وطائفة خرجت عن متابعة كنيسة روما أصلاً فليسوا بتابعين في التعليم الإِنجيلي لكنيسة روما ولا معتنين للأوامر الصادرة منها وهؤلاء هم البروتستانت.
فانشعب العالم المسيحي اليوم إلى ثلاث فرق: الكاثوليك وهي التابعة لكنيسة روما وتعليمها؛ والأورثوذكس وهي التابعة لتعليم الكنيسة دون نفسها؛ وقد حدثت شعبتهم بحدوث الانشعاب في الكنيسة وخاصة بعد انتقال كنيسة قسطنطينية إلى مسكو بروسيا (كما تقدم) والبروتستانت؛ وهي الخارجة عن تبعية الكنيسة وتعليمها جميعاً, وقد استقلت طريقتهم وتظاهرت في القرن الخامس عشر الميلادي.
هذا إجمال ما جرى عليه أمر الدعوة المسيحية في زمان يقرب من عشرين قرناً, والبصير بالغرض الموضوع له هذا الكتاب يعلم أن القصد من ذكر جمل تاريخهم:
أولاً: أن يكون الباحث على بصيرة من التحولات التاريخية في مذهبهم والمعاني التي يمكن أن تنتقل إلى عقائدهم الدينية بنحو التوارث أو السراية أو الانفعال بالامتزاج أو الإِلف والعادة من عقائد الوثنية والأفكار الموروثة منهم أو المأخوذة عنهم.
وثانياً: أن اقتدار الكنيسة وخاصة كنيسة روما بلغ بالتدريج في القرون الوسطى الميلادية إلى نهاية أوجه حتى كانت لهم سيطرة الدين والدنيا وانقادت لهم كراسي الملك بأوروبا فكان لهم عزل من شاءوا ونصب من شاءوا.
يروى أن البابا مرة أمر إمبراطور ألمانيا أن يقف ثلاثة أيام حافياً على باب قصره في فصل الشتاء لزلة صدرت منه يريد أن يغفرها له.
ورفس البابا مرة تاج الملك برجله حيث جاءه جاثياً يطلب المغفرة.
وقد كانوا وصفوا المسلمين لأتباعهم وصفاً لم يدعهم إلاَّ أن يروا دين الإِسلام دين الوثنية؛ يستفاد ذلك من الشعارات والأشعار التي نظموها في استنهاض النصارى وتهييجهم على المسلمين في الحروب الصليبية التي نشبت بينهم وبين المسلمين سنين متطاولة.
فإنهم كانوا يرون أن المسلمين يعبدون الأصنام, وأن لهم آلهة ثلاثة أسماؤها على الترتيب "ماهوم" ويسمى بافوميد وماهومند وهو أول الآلهة, وهو "محمد" وبعده "إيلين" وهو الثاني, وبعده "ترفاجان" وهو الثالث؛ وربما يظهر من بعض كلماتهم أن للمسلمين إلهين آخرين, وهما "مارتوان" و "جوبين" ولكنهما بعد الثلاثة المتقدمة رتبة, وكانوا يقولون: إن محمداً بنى دعوته على دعوى الأُلوهية, وربما قالوا: إنه كان اتخذ لنفسه صنماً من ذهب.
وفي أشعار ريشار التي قالها لاستنهاض الإِفرنج على المسلمين: "قوموا وقلبوا ماهومند وترفاجان وألقوهما في النار تقرباً من إلهكم".
وفي أشعار رولان في وصف "ماهوم" إله المسلمين: "إنه مصنوع تاماً من الذهب والفضة, ولو رأيته أيقنت أنه لا يمكن لصانع أن يصور في خياله أجمل منه ثم يصنعه, عظيمة جثته, جيدة صنعته, وفي سيمائه آثار الجلالة ظاهرة, ماهوم مصنوع من الذهب والفضة يكاد سنا برقه يذهب بالبصر, وقد أقعد على فيل هو من أحسن المصنوعات وأجودها, بطنه خال, وربما أحس الناظر من بطنه ضوءاً هو مرصعة بالأحجار الثمينة المتلألئة, يرى باطنه من ظاهره, ولا يوجد له في جودة الصنعة نظير.
ولما كانت آلهة المسلمين يوحون إليهم في مواقع الشدة, وقد انهزم المسلمون في بعض حروبهم, بعث قائد القوم واحداً في طلب إلههم الذي كان بمكة (يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم), يروي بعض من شاهد الواقعة: أن الإِله (يعني محمداً) جاءهم وقد أحاط به جم غفير من أتباعه وهم يضربون الطبول والعيدان والمزامير والبوقات المعمولة من فضة ويتغنون ويرقصون حتى أتوا به إلى المعسكر بسرور وترح ومرح, وقد كان خليفته منتظراً لقدومه, فلما رآه قام على ساقه, واشتغل بعبادته بخضوع وخشوع"؟
ويذكر "ريشار" أيضاً في وصف وحي الإِله (ماهوم) الذي سمعت وصفه فيقول: "إن السحرة سخروا واحداً من الجن وجعلوه في بطن ذلك الصنم, وكان ذلك الجني يرعد ويعربد أولاً ثم يأخذ في تكليم المسلمين وهم ينصتون له".
وأمثال هذه الطرف توجد كثيراً في كتبهم المؤلفة في سني الحروب الصليبية أو المتعرضة لشؤونها وإن كان ربما أبهتت القارئ وأدهشته تعجباً وحيرة, وكاد أن لا يصدق صحة النقل حين يحدث له أمور لم يشاهدها مسلم في يقظة ولا رآها في نومة أو نعسة.
وثالثاً: أن يتحقق الباحث المتدبر كيفية طرق التطور على الدعوة المسيحية في مسيرها خلال القرون الماضية حتى اليوم, فإن العقائد الوثنية وردت فيها بخفي دبيبها أولاً بالغلو في حق المسيح عليه السلام ثم تمكنت فأفرغت الدعوة في قالب التثليث: الأب والابن والروح, والقول بالصلب والفداء, واستلزم ذلك القول برفض العمل والاكتفاء بالاعتقاد.
وكان ذلك أولاً في صورة الدين وكان يعقد أزمتهم بالكنيسة بإتيان أشياء من صوم وصلاة وتعميد, لكن لم يزل الإِلحاد ينمو جسمه ويقوى روحه ويبرز الانشعابات حتى ظهرت البروتستانت, وقامت القوانين الرسمية مقام الهرج والمرج في السياسات مدونة على أساس الحرية في ما وراء القانون (الأحكام العملية المضمونة الإِجراء) فلم يزل التعليم الديني يضعف أثراً ويخيب سعياً حتى انثلمت تدريجاً أركان الأخلاق والفضائل الإِنسانية عقيب شيوع المادية التي استتبعتها الحرية التامة.
وظهرت الشيوعية والاشتراك بالبناء على فلسفة ماترياليسم ديالكتيك ورفض القول باللاهوت والأخلاق الفاضلة الثابتة والأعمال الدينية فانهدمت الإِنسانية المعنوية وورثتها الحيوانية المادية مؤلفة من سبعية وبهيمية, وانتهضت الدنيا تسير إليها سيراً حثيثاً.
وأما النهضات الدينية التي عمّت الدنيا أخيراً فليست إلاَّ ملاعب سياسية يلعب بها رجال السياسة للتوسل بها إلى غاياتهم وأمانيهم, فالسياسة الفنية اليوم تدق كل باب وتدب كل جحر وثقب.
ذكر الدكتور "جوزف شيتلر" أستاذ العلوم الدينية في كلية لوتران في شيكاغو: "أن النهضة الدينية الجديدة في أمريكا ليست إلاَّ تطبيق الدين على المجموعة من شؤون الحياة في المدنية الحديثة, وتثبيت أن المدنية الحاضرة لا تضاد الدين.
وان فيه خطر أن يعتقد عامة الناس أنهم متدينون بالدين الحق بما في أيديهم من نتائج المدنية الحاضرة حتى يستغنوا عن الالتحاق إلى النهضة الحقيقية الدينية لو ظهرت يوماً بينهم فلا يلتفتوا إليها".
وذكر الدكتور جورج فلوروفسكي أكبر مدافع [عن] أرثوذكس روسيا بأمريكا أن التعليمات الدينية بأمريكا ليست إلاَّ سلوة كاذبة للقلوب, لأنها لو كانت نهضة حية حقيقية دينية لكان من الواجب أن تتكئ على تعليمات عميقة واقعية.
فانظر من أين خرج وفد الدين وفي أين نزل. بدأت الدعوة باسم إحياء الدين (العقيدة) والأخلاق (الملكات الحسنة) والشريعة (الأعمال) واختتمت بإلغاء الجميع ووضع التمتع الحيواني موضعها.
وليس ذلك كله إلاَّ تطور الانحراف الأولي الواقع من بولس المدعو بالقديس, بولس الحواري وأعضاده فلو أنهم سموا هذه المدنية الحاضرة التي تعترف الدنيا بأنها تهدد الإِنسانية بالفناء "مدنية بولسية" كان أحق بالتصديق من قولهم: إن المسيح هو قائد الحضارة والمدنية الحاضرة وحامل لوائها.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} الآية إن عيسى لم يقل للناس: إني خلقتكم فكونوا عباداً لي من دون الله, ولكن قال لهم: كونوا ربانيين أي علماء.
أقول: وقد مرّ في البيان السابق ما يؤيده من القرائن, وقوله: لم يقل للناس: إني خلقتكم, بمنزلة الاحتجاج على عدم قوله ذلك, أي لو كان قال لهم ذلك لوجب أن يخبرهم بأنه خلقهم ولم يخبر ولم يفعل.
وفيه أيضاً في قوله تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً }الآية، قال: كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النصارى زعموا أن عيسى رب، واليهود قالوا: عزير ابن الله. فقال الله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً}.
أقول: وقد تقدم بيانه.
وفي الدر المنثور أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود, والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ودعاهم إلى الإِسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني, يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" ، فأنزل الله من قولهما: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب}، إلى قوله: {بعد إذ أنتم مسلمون}.
وفيه أيضاً: وأخرج عبد بن حميد عن الحسن, قال: بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ولكن أكرموا نبيكم, واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله. فأنزل الله: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} إلى قوله: {بعد إذ أنتم مسلمون}.
أقول: وقد روي في سبب النزول غير هذين السببين, والظاهر أن ذلك من الاستنباط النظري؛ وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك, ومن الممكن أن تجتمع عدة أسباب في نزول آية؛ والله أعلم.