التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٧
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ
٨
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٩
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب}، عبر تعالى بالإِنزال دون التنزيل لأن المقصود بيان بعض أوصاف مجموع الكتاب النازل وخواصه، وهو أنه مشتمل على آيات محكمة وأُخر متشابهة ترجع إلى المحكمات وتبيّن بها، فالكتاب مأخوذ بهذا النظر أمراً واحداً من غير نظر إلى تعدد وتكثر، فناسب استعمال الإِنزال دون التنزيل.
قوله تعالى: {منه آيات محكمات هُنَّ أُم الكِتاب وَأُخر مُتشابهات}، مادة حكم تفيد معنى كون الشيء بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعضه أو يخل أمره عليه، ومنه الإِحكام والتحكيم، والحكم بمعنى القضاء، والحكمة بمعنى المعرفة التامّة والعلم الجازم النافع, والحكمة بفتح الحاء لزمام الفرس, ففي الجميع شيء من معنى المنع والإِتقان، وربما قيل: إن المادة تدل على معنى المنع مع إصلاح.
والمراد ها هُنا من إحكام المحكمات إتقان هذه الآيات من حيث عدم وجود التشابه فيها كالمتشابهات, فإنه تعالى وإن وصف كتابه بإحكام الآيات في قوله:
{ كتاب أُحكمت آياته ثُمَّ فُصِّلت من لَدُن حكيم خبير } [هود: 1]، لكن اشتمال الآية على ذكر التفصيل بعد الإِحكام دليل على أن المراد بالإِحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول وهي كونه واحداً لم يطرأ عليه التجزؤ والتبعض بعد بتكثر الآيات, فهو إتقانه قبل وجود التبعض, فهذا الإِحكام وصف لتمام الكتاب, بخلاف وصف الإِحكام والإِتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر من جهة امتناعها عن التشابه في المراد.
وبعبارة أُخرى لما كان قوله: {منه آيات مُحكمات هُنَّ أُمُّ الكِتاب وأُخَرُ مُتشابهات} مشتملاً على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي المحكم والمتشابه علمنا به أن المراد بالإِحكام غير الإِحكام الذي وصف به جميع الكتاب في قوله
{ كتاب أُحْكمت آياته } [هود: 1] الآية, وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وصف به جميع الكتاب في قوله: { كتاباً متشابهاً مثاني } } [الزمر: 23]. وقد وصف المحكمات بأنها أُم الكتاب, والأُم بحسب أصل معناه ما يرجع إليه الشيء, وليس إلاَّ أن الآيات المتشابهة ترجع إليها, فالبعض من الكتاب وهي المتشابهات ترجع إلى بعض آخر وهي المحكمات، ومن هنا يظهر: أن الإِضافة في قوله: {أُمُّ الكِتاب}, ليست لامية كقولنا: أُم الأطفال, بل هي بمعنى من, كقولنا: نساء القوم وقدماء الفقهاء ونحو ذلك, فالكتاب يشتمل على آيات هي أُم آيات أُخر, وفي إفراد كلمة الام من غير جمع دلالة على كون المحكمات غير مختلفة في أنفسها بل هي متفقة مؤتلفة.
وقد قوبلت المحكمات في الآية بقوله: {وأُخَرُ متشابهات}, والتشابه توافق أشياء مختلفة واتحادها في بعض الأوصاف والكيفيات, وقد وصف الله سبحانه جميع القرآن بهذا الوصف حيث قال:
{ كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } [الزمر: 23] الآية، والمراد به لا محالة كون آيات الكتاب ذات نسق واحد من حيث جزالة النظم, وإتقان الأسلوب, وبيان الحقائق والحكم, والهداية إلى صريح الحق كما تدل عليه القيود المأخوذة في الآية, فهذا التشابه وصف لجميع الكتاب, وأما التشابه المذكور في هذه الآية, أعني قوله: {وأُخر متشابهات}، فمقابلته لقوله: {منه آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكِتاب}, وذكر اتباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل, كل ذلك يدل على أن المراد بالتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعين هي معناها وتبينها بياناً, فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة, والآية المحكمة محكمة بنفسها, كما أن قوله: { الرَّحمن على العرش استوى } [طه: 5]، يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه, فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]، استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك والإِحاطة على الخلق دون التمكن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسم المستحيل على الله سبحانه, وكذا قوله تعالى: { إلى ربها ناظرة } [القيامة: 23]، إذا ارجع إلى مثل قوله: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [الأنعام: 103]، علم به أن المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسي، وكذا إذا عرضت الآية المنسوخة على الآية الناسخة تبيّن أن المراد بها حكم محدود بحد الحكم الناسخ وهكذا.
فهذا ما يتحصل من معنى المحكم والمتشابه, ويتلقاه الفهم الساذج من مجموع قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكِتاب وأُخرٍ مُتشابهات}, فإن الآية محكمة بلا شك ولو فرض جميع القرآن غيرها متشابهاً.
ولو كانت هذه الآية متشابهة عادت جميع آيات القرآن متشابهة وفسد التقسيم الذي يدل عليه قوله: {منه آيات} إلخ.. وبطل العلاج الذي يدل عليه قوله: {هُنَّ أُم الْكِتاب}, ولم يصدق قوله:
{ كتاب فُصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً } [فصلت: 3]، ولم يتم الاحتجاج الذي يشتمل عليه قوله: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن نور وهدى وتبيان وبيان ومبين وذكر ونحو ذلك.
على أن كل من يرعى نظره في آيات القرآن من أوله إلى آخره لا يشك في أن ليس بينها آية لها مدلول وهي لا تنطق بمعناها وتضل في مرادها, بل ما من آية إلاَّ وفيها دلالة على المدلول: إما مدلول واحد لا يرتاب فيه العارف بالكلام, أو مداليل يلتبس بعضها ببعض, وهذه المعاني الملتبسة لا تخلو عن حق المراد بالضرورة وإلاَّ بطلت الدلالة كما عرفت, وهذا المعنى الواحد الذي هو حق المراد لا محالة لا يكون أجنبياً عن الأصول المسلمة في القرآن كوجود الصانع وتوحيده وبعثة الأنبياء وتشريع الأحكام والمعاد ونحو ذلك, بل هو موافق لها وهي تستلزمه وتنتجه وتعين المراد الحق من بين المداليل المتعددة المحتملة, فالقرآن بعضه يبين بعضاً, وبعضه أصل يرجع إليه البعض الآخر.
ثم أن هذا الناظر إذا عثر بعد هذه النظرة على قوله تعالى: {منه آيات محكمات هُنَّ أُم الكتاب وأُخر متشابهات}, لم يشك في أن المراد بالمحكمات هي الآيات المتضمنة للأصول المسلمة من القرآن وبالمتشابهات الآيات التي تتعيّن وتتضح معانيها بتلك الأصول.
فإن قلت: رجوع الفروع إلى الأصول مما لا ريب فيه فيما كان هناك أصول متعرقة وفروع متفرقة سواء فيه المعارف القرآنية وغيرها, لكن ذلك لا يستوجب حصول التشابه, فما وجه ذلك؟.
قلت: وجهه أحد أمرين, فإن المعارف التي يلقيها القرآن على قسمين: فمنها معارف عالية خارجة عن حكم الحس والمادة, والأفهام العادية لا تلبث دون أن تتردد فيها بين الحكم الجسماني الحسي وبين غيره كقوله تعالى:
{ إن ربك لبالمرصاد } [الفجر: 14] وقوله تعالى: { وجاء ربك } [الفجر: 22]. فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الاحكام معانٍ هي من أوصاف الأجسام وخواصها, وتزول بالرجوع إلى الأصول التي تشتمل على نفي حكم المادة والجسم عن المورد, وهذا مما يطرد في جميع المعارف والأبحاث غير المادية والغائبة عن الحواس, ولا يختص بالقرآن الكريم بل يوجد في غيره من الكتب السماوية بما تشتمل عليه من المعارف العاليه من غير تحريف, ويوجد أيضاً في المباحث الإِلهية من الفلسفة, وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان آخر في قوله تعالى: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } [الرعد: 17] الآية، وقوله: { إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلّكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } } [الزخرف: 3ـ4]. ومنها ما يتعلق بالنواميس الاجتماعية والأحكام الفرعية, واشتمال هذا القسم من المعارف على الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى تغير المصالح المقتضية للتشريعات ونحوها من جهة, ونزول القرآن نجوماً من جهة أُخرى يوجب ظهور التشابه في آياتها, ويرتفع التشابه بإرجاع المتشابه إلى المحكم, والمنسوخ إلى الناسخ.
قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}، الزيغ هو الميل عن الاستقامة, ويلزمه اضطراب القلب وقلقه بقرينة ما يقابله في ذيل الآية من قوله: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}, فإن الآية تصف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه, وأن منهم من هو زائغ القلب ومائله ومضطربه فهو يتبع المتشابه ابتغاءً للفتنة والتأويل, ومنهم من هو راسخ العلم مستقر القلب يأخذ بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه, ويسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد الهداية.
ومن هنا يظهر: أن المراد باتباع المتشابه اتباعه عملاً لا إيماناً, وان هذا الاتباع المذموم اتباع للمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم, إذ على هذا التقدير يصير الاتباع اتباعاً للمحكم ولا ذم فيه.
والمراد بابتغاء الفتنة طلب إضلال الناس, فإن الفتنة تقارب الإِضلال في المعنى, يقول تعالى: يريدون باتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله سبحانه, وأمراً آخر هو أعظم من ذلك, وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينتسخ بذلك دين الله من أصله.
والتأويل من الأول وهو الرجوع, فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه, وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه.
وقد ذكر الله سبحانه لفظ التأويل في موارد من كلامه فقال سبحانه:
{ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلاَّ تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق } [الأعراف: 52ـ53]، أي بالحق فيما أخبروا به وأنبأوا أن الله هو مولاهم الحق, وأن ما يدعون من دونه هو الباطل, وأن النبوة حق, وأن الدين حق, وأن الله يبعث من في القبور, وبالجملة كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة وأخبارها.
ومن هنا ما قيل: إن التأويل في الآية هو الخارج الذي يطابقه الخبر الصادق كالأمور المشهودة يوم القيامة التي هي مطابقات (اسم مفعول) أخبار الأنبياء والرسل والكتب.
ويرده: ان التأويل على هذا يختص بالآيات المخبرة عن الصفات وبعض الأفعال وعن ما سيقع يوم القيامة, وأما الآيات المتضمنة لتشريع الأحكام فإنها لاشتمالها على الإِنشاء لا مطابق لها في الخارج عنها, وكذا ما دلَّ منها على ما يحكم به صريح العقل كعدة من أحكام الأخلاق فإن تأويلها معها, وكذا ما دلَّ على قصص الأنبياء والأُمم الماضية فإن تأويلها على هذا المعنى يتقدمها من غير أن يتأخر إلى يوم القيامة, مع أن ظاهر الآية يضيف التأويل إلى الكتاب كلّه لا إلى قسم خاص من آياته.
ومثلها قوله تعالى:
{ وما كان هذا القرآن أن يفترى } [يونس: 37] إلى أن قال: { أم يقولون افتراه } [يونس: 38] إلى أن قال: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } [يونس: 39]، والآيات كما ترى تضيف التأويل إلى مجموع الكتاب.
ولذلك ذكر بعضهم: أن التأويل هو الأمر العيني الخارجي الذي يعتمد عليه الكلام, وهو في مورد الاخبار المخبر به الواقع في الخارج, إما سابقاً كقصص الأنبياء والأُمم الماضية, وإما لاحقاً كما في الآيات المخبرة عن صفات الله وأسمائه ومواعيده وكل ما سيظهر يوم القيامة, وفي مورد الإِنشاء كآيات الاحكام المصالح المتحققة في الخارج كما في قوله تعالى:
{ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً } [الإسراء: 35]، فإن تأويل إيفاء الكيل وإقامه الوزن هو المصلحة المترتبة عليهما في المجتمع وهو استقامة أمر الاجتماع الإِنساني.
وفيه أولاً: أن ظاهر هذه الآية: أن التأويل أمر خارجي وأثر عيني مترتب على فعلهم الخارجي الذي هو إيفاء الكيل وإقامة الوزن لا الأمر التشريعي الذي يتضمنه قوله:
{ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا } [الإسراء: 35] الآية، فالتأويل أمر خارجي هو مرجع ومآل لأمر خارجي آخر فتوصيف آيات الكتاب بكونها ذات تأويل من جهة حكايتها عن معان خارجية (كما في الإِخبار) أو تعلقها بأفعال أو أُمور خارجية {كما في الإِنشاء} لها تأويل, فالوصف وصف بحال متعلق الشيء لا بحال نفس الشيء.
وثانياً: أن التأويل وإن كان هو المرجع الذي يرجع ويؤول إليه الشيء لكنه رجوع خاص لا كل رجوع, فإن المرؤوس يرجع إلى رئيسه وليس بتأويلٍ له, والعدد يرجع إلى الواحد وليس بتأويل له, فلا محالة هو مرجع بنحو خاص لا مطلقاً. يدل على ذلك قوله تعالى: في قصة موسى والخضر عليهما السلام:
{ سأُنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً } [الكهف: 78]، وقوله تعالى: { ذلك تأويل ما لم تَسطِع عليه صبرا } } [الكهف: 82]، والذي نبأه لموسى صور وعناوين لما فعله عليه السلام في موارد ثلث كان موسى عليه السلام قد غفل عن تلك الصور والعناوين, وتلقى بدلها صوراً وعناوين أُخرى أوجبت اعتراضه بها عليه, فالموارد الثلاث هي قوله تعالى: { حتَّى إذا ركبا في السفينة خرقها } [الكهف: 71]، وقوله تعالى: { حتَّى إذا لقيا غلاماً فقتله } [الكهف: 74]، وقوله تعالى: { حتَّى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه } } [الكهف: 77]. والذي تلقاه موسى عليه السلام من صور هذه القضايا وعناوينها قوله: { أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً } [الكهف: 71]، وقوله: { أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً } [الكهف: 74] ،وقوله: { لو شئت لاتَّخذت عليه أجراً } } [الكهف: 77]. والذي نبأ به الخضر من التأويل قوله: { أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } [الكهف: 79ـ82]، ثم أجاب عن جميع ما اعترض عليه موسى عليه السلام جملة بقوله: { وما فعلته عن أمري } [الكهف: 82]، فالذي أُريد من التأويل في هذه الآيات كما ترى هو رجوع الشيء إلى صورته وعنوانه نظير رجوع الضرب إلى التأديب ورجوع القصد إلى العلاج, لا نظير رجوع قولنا: جاء زيد إلى مجيء زيد في الخارج.
ويقرب من ذلك: ما ورد من لفظ التأويل في عدة مواضع من قصة يوسف عليه السلام كقوله تعالى:
{ إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } [يوسف: 4]، وقوله تعالى: { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً } [يوسف: 100]، فرجوع ما رآه من الرؤيا إلى سجود أبويه وإخوته له وإن كان رجوعاً لكنه من قبيل رجوع المثال إلى الممثل, وكذا قوله تعالى: { وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات * يا أُيّها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين* وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد امة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيُّها الصديق أفتنا } [يوسف: 43ـ46] إلى أن قال: { قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلاَّ قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلاَّ قليلاً مما تحصنون } [يوسف: 47ـ48]. وكذا قوله تعالى: { ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً * وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } [يوسف: 36]، إلى أن قال: { يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } [يوسف: 41]. وكذا قوله تعالى: { ويعلمك من تأويل الأحاديث } [يوسف: 6]، وقوله تعالى: { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } [يوسف: 21]، وقوله تعالى: { وعلمتني من تأويل الأحاديث } [يوسف :101]، فقد استعمل التأويل في جميع هذه الموارد من قصة يوسف عليه السلام فيما يرجع إليه الرؤيا من الحوادث, وهو الذي كان يراه النائم فيما يناسبه من الصورة والمثال, فنسبة التأويل إلى ذي التأويل نسبة المعنى إلى صورته التي يظهر بها, والحقيقة المتمثلة إلى مثالها الذي تتمثل به, كما كان الأمر يجري هذا المجرى فيما أوردناه من الآيات في قصة موسى والخضر عليهما السلام؛ وكذا في قوله تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم } [الإسراء: 35] إلى قوله: { وأحسن تأويلاً } [الإسراء: 35] الآية.
والتدبر في آيات القيامة يعطي أن المراد هو ذلك أيضاً في لفظة التأويل في قوله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} الآية, وقوله تعالى: {هل ينظرون إلاَّ تأويله يوم يأتي تأويله} الآية, فإن أمثال قوله تعالى
{ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } [ق: 22]، تدل على أن مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب وأنبأ به الأنبياء يوم القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسية التي نعهدها في الدنيا كما أن نفس وقوعها والنظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه, وسيجيء مزيد بيان له, فرجوع أخبار الكتاب والنبوّة إلى مضامينها الظاهرة يوم القيامة ليس من قبيل رجوع الإِخبار عن الأمور المستقبلة إلى تحقق مضامينها في المستقبل.
فقد تبيّن بما مرّ: أولاً: أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة.
وثانياً: أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل, فللآية المحكمة تأويل, كما أن للمتشابهة تأويلاً.
وثالثا: أن التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للألفاظ بل هو من الأمور الخارجية العينية, واتّصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف بحال المتعلق, وأما إطلاق التأويل وإرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ, فاستعمال مولد نشأ بعد نزول القرآن لا دليل أصلاً على كونه هو المراد من قوله تعالى: {وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاَّ الله} الآية، كما لا دليل على أكثر المعاني المذكورة للتأويل مما سننقله عن قريب.
قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله}، ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما تشابه, لقربه كما هو الظاهر أيضاً في قوله: {وابتغاء تأويله}, وقد عرفت أن ذلك لا يستلزم كون التأويل مقصوراً على الآيات المتشابهة. ومن الممكن أيضاً رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله: {ما تشابه منه}.
وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصوراً عليه سبحانه, وأما قوله: {والرّاسخون في العلم}, فظاهر الكلام أن الواو للاستئناف بمعنى كونه طرفاً للترديد الذي يدل عليه قوله في صدر الآية: {فأما الذين في قلوبهم زيغ}, والمعنى: أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتّبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه: آمنا به كل من عند ربنا, وإنما اختلفا لاختلافهم من جهه زيغ القلب ورسوخ العلم.
على أنه لو كان الواو للعطف, وكان المراد بالعطف تشريك الراسخين في العلم بالتأويل كان منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أفضلهم وكيف يتصور أن ينزل القرآن على قلبه وهو لا يدري ما أُريد به, ومن دأب القرآن إذا ذكر الأمة أو وصف أمر جماعة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرده بالذكر أولاً ويميزه بالشخص تشريفاً له وتعظيماً لأمره ثم يذكرهم جميعاً كقوله تعالى:
{ آمن الرَّسول بما أُنزل إليه من ربِّه والمؤمنون } [البقرة: 285]، وقوله تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } [التوبة: 26]، وقوله تعالى: { لكن الرَّسول والذين آمنوا معه } [التوبة: 88]، وقوله تعالى: { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]، وقوله تعالى: { لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } [التحريم: 8] إلى غير ذلك، فلو كان المراد بقوله: {والراسخون في العلم}, إنهم عالمون بالتأويل - ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم قطعاً - كان حق الكلام كما عرفت أن يقال: وما يعلم تأويله إلاَّ الله ورسوله والراسخون في العلم, هذا وإن أمكن أن يقال: إن قوله في صدر الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} "الخ" يدل على كون النبي عالماً بالكتاب فلا حاجة إلى ذكره ثانياً.
فالظاهر أن العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى, ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه كما في قوله تعالى:
{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاَّ من ارتضى من رسول } [الجن: 26]، ولا ينافيه أيضاً: كون المستثنى الراسخين في العلم بعينهم, إذ لا منافاة بين أن تدل هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم, وهو الوقوف عند الشبهة والإِيمان والتسليم في مقابل الزائغين قلباً وبين أن تدل آيات أُخر على أنهم أو بعضاً منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته على ما سيجيء بيانه.
قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}, الرسوخ هو أشد الثبات, ووقوع الراسخين في العلم في مقابلة الذين في قلوبهم زيغ ثم توصيفهم بأنهم يقولون آمنا به كل من عند ربنا يدل على تمام تعريفهم, وهو أن لهم علماً بالله وبآياته لا يدخله ريب وشك, فما حصل لهم من العلم بالمحكمات ثابت لا يتزلزل, وهم يؤمنون به ويتبعونه أي يعلمون به وإذا وردت عليهم آية متشابهة لم يوجب تشابهها اضطراب قلوبهم فيما عندهم من العلم الراسخ بل آمنوا بها وتوقفوا عن اتباعها عملاً.
وفي قولهم: آمنا به كل من عند ربنا ذكر الدليل والنتيجة معاً فإن كون المحكم والمتشابه جميعاً من عند الله تعالى يوجب الإِيمان بالكل: محكمه ومتشابهه, ووضوح المراد في المحكم يوجب اتّباعه عملاً, والتوقف في المتشابه من غير رده لأنه من عند الله ولا يجوز اتّباع ما ينافي المحكم من معانيه المتشابهة لسطوع البيان في المحكم فيجب أن يتبع من معانيه المحتملة ما يوافق معنى المحكم, وهذا بعينه إرجاع المتشابه إلى المحكم فقوله: {كل من عند ربنا} بمنزلة الدليل على الأمرين جميعاً, أعني: الإِيمان والعمل في المحكم, والإِيمان فقط في المتشابه والرجوع في العمل إلى المحكم.
قوله تعالى: {وما يذكر إِلاَّ أولوا الألباب}، التذكر هو الانتقال إلى دليل الشيء لاستنتاجه, ولما كان قولهم: كل من عند ربنا كما مرّ استدلالاً منهم وانتقالاً لما يدل على فعلهم سمّاه الله تعالى تذكراً ومدحهم به.
والألباب جمع لب وهو العقل الزكي الخالص من الشوائب, وقد مدحهم الله تعالى مدحاً جميلاً في موارد من كلامه, وعرَّفهم بأنهم أهل الإِيمان بالله والإِنابة إليه واتّباع أحسن القول, ثم وصفهم بأنهم على ذكر من ربهم دائماً فأعقب ذلك أنهم أهل التذكر أي الانتقال إلى المعارف الحقّة بالدليل وأهل الحكمة والمعرفة, قال تعالى:
{ والذين اجتنبوا الطَّاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشّر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأُولئك هم أُولوا الألباب } [الزمر: 17ـ18]، وقال تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } [آل عمران: 190ـ191]، وهذا الذكر الدائم وما يتبعه من التذلل والخضوع هو الإِنابة الموجبة لتذكرهم بآيات الله وانتقالهم إلى المعارف الحقّة كما قال تعالى: { وما يتذكر إلاَّ من ينيب } [غافر: 13]، وقد قال: { وما يذَّكر إلاَّ أُولوا الألباب } } [آل عمران: 7]. قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهَّاب}، وهذا من آثار رسوخهم في العلم فإنهم لما علموا بمقام ربهم, وعقلوا عن الله سبحانه أيقنوا أن الملك لله وحده, وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً فمن الجائز أن يزيغ قلوبهم بعد رسوخ العلم فالتجأوا إلى ربهم, وسألوه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم, وأن يهب لهم من لدنه رحمة تبقي لهم هذه النعمة, ويعينهم على السير في صراط الهداية, والسلوك في مراتب القرب.
وأما سؤال أن يهبهم رحمة بعد سؤال أن لا يزيغ قلوبهم فلأن عدم إزاغه القلب لا يستلزم بقاء الرسوخ في العلم فمن الجائز أن لا يزاغ قلوبهم وينتزع عنها العلم فتبقى سدى مهملة لا سعداء بالعلم ولا أشقياء بالإِزاغة بل في حال الجهل والاستضعاف, وهم في حاجة مبرمة إلى ما هم عليه من العلم, ومع ذلك لا تقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف بل هم سائروا طريق يحتاجون فيه إلى أنواع من الرحمة لا يعلمها ولا يحصيها إلاَّ الله سبحانه, وهم مستشعرون بحاجتهم هذه, والدليل عليه قولهم بعد: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}.
فقولهم: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}، استعاذة من نزول الزيغ إلى قلوبهم وإزاحته العلم الراسخ الذي فيها, وقولهم: {وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} استمطار لسحاب الرحمة حتى تدوم بها حياة قلوبهم, وتنكير الرحمة, وتوصيفها بكونها من لدنه إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرحمة, وأنها كيف ينبغي أن تكون, غير أنهم يعلمون أنه لولا رحمة من ربهم ولولا كونها من لدنه لم يتم لهم أمر.
وفي الاستعاذة من الزيغ إلى الله محضاً, واستيهاب الرحمة من لدنه محضاً دلالة على أنهم يرون تمام الملك لله محضاً من غير توجه إلى أمر الأسباب.
قوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد}، هذا منهم بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة, وذلك لعلمهم بأن إقامة نظام الخلقة ودعوة الدين وكدح الإِنسان في مسير وجوده كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى يوم القيامة الذي لا يغني فيه ولا ينصر أحد إلاَّ بالرحمة كما قال تعالى:
{ إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون * إلاَّ من رحم الله } [الدخان: 40ـ42]، ولذلك سألوا رحمة من ربهم وفوضوا تعيينها وتشخيصها إليه لينفعهم في أمرهم.
وقد وصفوا هذا اليوم بأنه لا ريب فيه ليتجه بذلك كمال اهتمامهم بالسؤال والدعاء, وعللوا هذا التوصيف أيضاً بقولهم: إن الله لا يخلف الميعاد لأن شأنهم الرسوخ في العلم, ولا يرسخ العلم بشيء ولا يستقر تصديق إلاَّ مع العلم بعلته المنتجة, وعلة عدم ارتيابهم في تحقق هذا اليوم هو ميعاد الله سبحانه به فذكروه.
ونظير هذا الوجه جار في تعليلهم قولهم {وهب لنا من لدنك رحمة}, بقولهم: {إنك أنت الوهاب}, فكونه تعالى وهاباً يعلل به سؤالهم الرحمة, وإتيانهم بلفظة أنت وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر يعلل به قولهم: من لدنك, الدال على الاختصاص, وكذا يجري مثل الوجه في قولهم {ربنا لا تزغ قلوبنا} حيث عقبوه بما يجري مجرى العلة بالنسبة إليه, وهو قولهم {بعد إذ هديتنا}, وقد مر آنفاً أن قولهم: آمنا به, من حيث تعقيبه بقولهم: {كل من عند ربنا} من هذا القبيل أيضاً.
فهؤلاء رجال آمنوا بربهم وثبتوا عليه فهداهم الله سبحانه, وكمل عقولهم فلا يقولون إلاَّ عن علم, ولا يفعلون إلاَّ عن علم فسماهم الله تعالى راسخين في العلم, وكنى عنهم بأولي الألباب, وأنت إذا تدبرت ما عرف الله به أولي الألباب وجدته منطبقاً على ما ذكره من شانهم في هذه الآيات, قال تعالى:
{ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أُولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أُولوا الألباب } [الزمر: 17ـ18.] فوصفهم بالإِيمان, واتباع أحسن القول, والإِنابة إلى الله سبحانه, وقد وصف بهذه الأوصاف الراسخين في العلم في هذه الآيات.
وأما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: {إن الله لا يخلف الميعاد} فلأن هذا الميعاد لا يختص بهم بل يعمهم وغيرهم فكان الأولى تبديل قولهم: ربنا, إلى لفظة الجلالة لأن حكم الأُلوهية عام شامل لكل شيء.
كلام تفصيلي في المحكم المتشابه والتأويل
هذا الذي أوردناه من الكلام في معنى المحكم والمتشابه والتأويل فيما مرّ, هو الذي يتحصل من تدبر كلامه سبحانه, ويستفاد من المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام, سيجيء في البحث الروائي.
لكن القوم اختلفوا في المقام, وقد شاع الخلاف واشتد الانحراف بينهم, وينسحب ذيل النزاع والمشاجرة إلى الصدر الأول من مفسري الصحابة والتابعين, وقلما يوجد في ما نقل الينا من كلامهم ما يقرب مما مرّ من البيان فضلاً عن أن ينطبق عليه تمام الانطباق.
والسبب العمدة في ذلك الخلط بين البحث عن المحكم والمتشابه وبين البحث عن معنى التأويل, فأوجب ذلك اختلالاً عجيباً في عقد المسألة وكيفية البحث والنتيجة المأخوذة منه, ونحن نورد تفصيل القول في كل واحد من أطراف هذه الأبحاث وما قيل فيها وما هو المختار من الحق مع تمييز مورد البحث بما تيسر في ضمن فصول:
1- المحكم والمتشابه
الإِحكام والتشابه من الألفاظ المبينة المفاهيم في اللغة, وقد وصف بهما الكتاب كما في قوله تعالى:
{ كتاب أُحكمت آياته } [هود: 1]، وقوله تعالى: { كتاباً متشابهاً مثاني } [الزمر: 23]، ولم يتصف بهما إلاَّ جملة الكتاب من جهة إتقانه في نظمه وبيانه ومن جهة تشابه نظمه وبيانه في البلوغ إلى غاية الإِتقان والإِحكام.
لكن قوله تعالى: {وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وأُخر متشابهات} الآية، لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات والمتشابهات علمنا أن المراد بالإِحكام والتشابه ها هُنا غير ما يتصف به تمام الكتاب, وكان من الحري البحث عن معناهما وتشخيص مصداقهما من الآيات, وفيه أقوال ربما تجاوزت العشرة:
أحدها: أن المحكمات هو قوله تعالى:
{ قل تعالوا أَتلُ ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً } [الأنعام: 151] إلى آخر الآيات الثلاث، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود, وهي الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل {ألم - وألر - وحم}، وذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل, فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة وعمرها فاشتبه عليهم الأمر. نسب إلى ابن عباس من الصحابة.
وفيه: أنه قول من غير دليل, ولو سلم فلا دليل على انحصارهما فيهما, على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم ولا متشابه مع أن ظاهر الآية يدفعه.
لكن الحق أن النسبة في غير محلها, والذي نقل عن ابن عباس أنه قال: ان الآيات الثلاث من المحكمات, لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث, ففي الدر المنثور أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ابن مردويه عن عبد الله بن قيس سمعت ابن عباس يقول في قوله: {منه آيات محكمات} قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات: قل تعالوا, والآيتان بعدها.
ويؤيد ذلك ما رواه عنه أيضاً في قوله: {آيات محكمات}, قال: من ها هُنا: قل تعالوا إلى. آخر ثلاث آيات, ومن ها هُنا: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلاَّ إيّاه} إلى آخر ثلاث آيات. فالروايتان تشهدان أنه إنما ذكر هذه الآيات مثالاً لسائر المحكمات لا أنه قصرها فيها.
وثانيها: عكس الأول وهو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور والمتشابهات غيرها. نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في قوله تعالى: {هن أُم الكتاب} أنهن فواتح السور منها يستخرج القرآن: {ألم ذلك الكتاب} منها استخرجت البقرة, و {ألم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم}, منها استخرجت آل عمران. وعن سعيد بن جبير مثله في معنى قوله: {هُنَّ أُم الكتاب}, قال: أصل الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب، انتهى.
ويدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها ألفاظ الحروف بعناية أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف منها الكلمات والجمل, كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور.
وفيه: مضافاً إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلاً أعني تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية, فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذٍ من المتشابه, وقد ذم الله سبحانه اتباع المتشابه, وعده من زيغ القلب, مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات كقوله تعالى:
{ واتبعوا النور الذي أنزل معه } [الأعراف: 157]، وغيره من الآيات.
وثالثها: أن المتشابه هو ما يسمى مجملاً والمحكم هو المبين.
وفيه: أن ما بيّن من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين. بيان ذلك: أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض فلا تنفصل الجهة المرادة عن غيرها, ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبيناً فيتبع, فهذا حال المجمل مع مبينه, فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم دون نفس المحكم, وكان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم والتفاهم فلم يقدم على مثله أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ولم يكن اتباع المتشابه أمراً يلحقه الذم ويوجب زيغ القلب.
رابعها: أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لأنها يؤمن بها ولا يعمل بها, والمحكمات هي الآيات الناسخة لأنها يؤمن بها ويعمل بها, ونسب إلى ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة, ولذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل القرآن.
وفيه: أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات المنسوخة فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل جار في كثير من الآيات غير المنسوخة كآيات الصفات والأفعال, على أن لازم هذا القول وجود الواسطة بين المحكم والمتشابه.
وفيما نقل عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المحكم والمتشابه أعم مما ينطبق على الناسخ والمنسوخ, وأنه إنما ذكرهما من باب المثال ففي الدر المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به, والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به, انتهى.
خامسها: أن المحكمات ما كان دليله واضحاً لائحاً كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة, والمتشابهات ما يحتاج في معرفته إلى تأمل وتدبر.
وفيه: أنه إن كان المراد من كون الدليل واضحاً لائحاً أو محتاجاً إلى التأمل والتدبر كون مضمون الآية ذا دليل عقلي قريب من البداهة أو بديهي وعدم كونه كذلك كان لازمه كون آيات الأحكام والفرائض ونحوها من المتشابه لفقدانها الدليل العقلي اللائح الواضح, وحينئذٍ يكون اتباعها مذموماً مع أنها واجبة الاتباع, وإن كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب وعدم كونه كذلك فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة, وكيف لا؟ وهو كتاب مشابه مثاني, ونور, ومبين, ولازمه كون الجميع محكماً وارتفاع المتشابه المقابل له من الكتاب وهو خلف الفرض وخلاف النص.
سادسها: أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي, والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ونحوه.
وفيه: أن الإِحكام والتشابه وصفان لآية الكتاب من حيث إنها آية أي دالة على معرفة من المعارف الإِلهية, والذي تدل عليه آية من آيات الكتاب ليس بعادم للسبيل, ولا ممتنع الفهم إما بنفسه أو بضميمة غيره, وكيف يمكن أن يكون هناك أمر مراد من لفظ الآية ولا يمكن نيله من جهة اللفظ؟ مع أنه وصف كتابه بأنه هدى, وأنه نور, وأنه مبين, وأنه في معرض فهم الكافرين فضلاً عن المؤمنين حيث قال:
{ تنزيل من الرَّحمن الرَّحيم * كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون * بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } [فصلت: 2ـ4]، وقال تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، فما تعرضت له آية من آيات الكتاب ليس بممتنع الفهم, ولا الوقوف عليه مستحيل, وما لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت قيام الساعة وسائر ما في الغيب المكنون لم يتعرض لبيانه آية من الآيات بلفظها حتى تسمى متشابهاً.
على أن في هذا القول خلطاً بين معنى المتشابه وتأويل الآية كما مرّ.
سابعها: أن المحكمات آيات الأحكام والمتشابهات غيرها مما يصرف بعضها بعضاً, نسب هذا القول إلى مجاهد وغيره.
وفيه: أن المراد بالصرف الذي ذكره إن كان مطلق ما يعين على تشخيص المراد باللفظ حتى يشمل مثل التخصيص بالمخصص, والتقييد بالمقيد وسائر القرائن المقامية كانت آيات الأحكام أيضاً كغيرها متشابهات, وإن كان خصوص ما لا إبهام في دلالته على المراد ولا كثرة في محتملاته حتى يتعين المراد به بنفسه, ويتعين المراد بغيره بواسطته كان لازم كون ما سوى آيات الأحكام متشابهة أن لا يحصل العلم بشيء من معارف القرآن غير الأحكام لأن المفروض عدم وجود آية محكمة فيها ترجع إليها المتشابهات منها, ويتبين بذلك معانيها.
ثامنها: أن المحكم من الآيات ما لا يحتمل من التأويل إلاَّ وجهاً واحداً, والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهاً كثيرة, ونسب إلى الشافعي, وكأن المراد به أن المحكم ما لا ظهور له إلاَّ في معنى واحد كالنص والظَّاهر القوي في ظهوره والمتشابه خلافه.
وفيه: أنه لا يزيد على تبديل اللفظ باللفظ شيئاً, فقد بدّل لفظ المحكم بما ليس له إلاَّ معنى واحد, والمتشابه بما يحتمل معاني كثيرة, على أنه أخذ التأويل بمعنى التفسير أي المعنى المراد باللفظ وقد عرفت أنه خطأ, ولو كان التأويل هو التفسير بعينه لم يكن لاختصاص علمه بالله, أو بالله وبالراسخين في العلم وجه فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً, والمؤمن والكافر والراسخون في العلم وأهل الزيغ في ذلك سواء.
تاسعها: أن المحكم ما احكم وفصل فيه خبر الأنبياء مع أُممهم, والمتشابه ما اشتبهت ألفاظه من قصصهم بالتكرير في سور متعددة, ولازم هذا القول اختصاص التقسيم بآيات القصص.
وفيه: أنه لا دليل على هذا التخصيص أصلاً على أن الذي ذكره تعالى من خواص المحكم والمتشابه وهو ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل في اتباع المتشابه دون المحكم لا ينطبق عليه, فإن هذه الخاصة توجد في غير آيات القصص كما توجد فيها, وتوجد في القصة الواحدة كقصة جعل الخلافة في الأرض كما توجد في القصص المتكررة.
عاشرها: أن المتشابه ما يحتاج إلى بيان والمحكم خلافه, وهذا الوجه منسوب إلى الإِمام أحمد.
وفيه: أن آيات الأحكام محتاجة إلى بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنها من المحكمات قطعاً لما تقدم بيانه مراراً, وكذا الآيات المنسوخة من المتشابه كما تقدم مع عدم احتياجها إلى بيان لكونها نظائر لسائر آيات الأحكام.
الحادي عشر: أن المحكم ما يؤمن به ويعمل به والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به, ونسب إلى ابن تيمية, ولعلَّ المراد به: أن الأخبار متشابهات والإِنشاءات محكمات كما استظهره بعضهم وإلاَّ لم يكن قولاً برأسه لصحة انطباقه على عدة من الأقوال المتقدمة.
وفيه: أن لازمه كون غير آيات الأحكام متشابهات, ولازمه أن لا يمكن حصول العلم بشيء من المعارف الإِلهية في غير الأحكام إذ لا يتحقق فيها عمل مع عدم وجود محكم فيها يرجع إليه ما تشابه منها, ومن جهة أخرى: الآيات المنسوخة إنشاءات وليست بمحكمات قطعاً.
والظاهر أن مراده من الإِيمان والعمل بالمحكم والإِيمان من غير عمل بالمتشابه ما يدل عليه لفظ الآية: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه * والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} إلاَّ أن الأمرين أعني الإِيمان والعمل معاً في المحكم والإِيمان فقط في المتشابه لما كانا وظيفتين لكل من آمن بالكتاب كان عليه أن يشخص المحكم والمتشابه قبلاً حتى يؤدي وظيفته, وعلى هذا فلا يكفي معرفة المحكم والمتشابه بهما في تشخيص مصداقهما وهو ظاهر.
الثاني عشر: أن المتشابهات هي آيات الصفات خاصة أعم من صفات الله سبحانه: كالعليم والقدير, والحكيم, والخبير, وصفات أنبيائه كقوله تعالى في عيسى بن مريم عليهما السلام:
{ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } } [النساء: 171], وما يشبه ذلك, نسب إلى ابن تيمية.
وفيه: أنه مع تسليم كون آيات الصفات من المتشابهات لا دليل على انحصارها فيها.
والذي يظهر من بعض كلامه المنقول على طوله: أنه يأخذ المحكم والمتشابه بمعناهما اللغوي وهو ما أُحكمت دلالته وما تشابهت احتمالاته والمعنيان نسبيان فربما اشتبهت دلالة آية على قوم كالعامة وعلمها آخرون بالبحث وهم العلماء, وهذا المعنى في آيات الصفات أظهر فإنها بحيث تشتبه مراداتها لغالب الناس لكون أفهامهم قاصرة عن الارتقاء إلى ما وراء الحس, فيحسبون ما أثبته الله تعالى لنفسه من العلم والقدرة والسمع والبصر والرضا والغضب واليد والعين وغير ذلك أموراً جسمانية, أو معاني ليست بالحق, وتقوم بذلك الفتن, وتظهر البدع, وتنشأ المذاهب, فهذا معنى المحكم والمتشابه, وكلاهما مما يمكن أن يحصل به العلم, والذي لا يمكن نيله والعلم به هو تأويل المتشابهات بمعنى حقيقة المعاني التي تدل عليها أمثال آيات الصفات, فهب أنّا علمنا معنى قوله: {إن الله على كل شيء قدير} و {إن الله بكل شيء عليم}, ونحو ذلك, لكنا لا ندري حقيقة علمه وقدرته وسائر صفاته وكيفية أفعاله الخاصة به؛ فهذا هو تأويل المتشابهات الذي لا يعلمها إلاَّ الله تعالى, انتهى ملخصاً, وسيأتي ما يتعلق بكلامه من البحث عندما نتكلم في التأويل إن شاء الله.
الثالث عشر: أن المحكم ما للعقل إليه سبيل والمتشابه بخلافه.
وفيه: أنه قول من غير دليل, والآيات القرآنية وإن انقسمت إلى ما للعقل إليه سبيل وما ليس للعقل إليه سبيل, لكن ذلك لا يوجب كون المراد بالمحكم والمتشابه فبهذه الآية استيفاء هذا التقسيم, وشيء مما ذكر فيها من نعوت المحكم والمتشابه لا ينطبق عليه انطباقاً صحيحاً, على أنه منقوض بآيات الأحكام فإنها محكمة ولا سبيل للعقل إليها.
الرابع عشر: أن المحكم ما أُريد به ظاهره والمتشابه ما أُريد به خلاف ظاهره, وهذا قول شائع عند المتأخرين من أرباب البحث, وعليه يبتني اصطلاحهم في التأويل: أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام, وكأنه أيضاً مراد من قال: إن المحكم ما تأويله تنزيله, والمتشابه ما لا يدرك إلاَّ بالتأويل.
وفيه: أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم والمتشابه فإن المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده ومدلوله, وليس المراد بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزاً عن المحكم بأن له تأويلاً, بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية من محكمها ومتشابهها كما مرّ بيانه. على أنه ليس في القرآن آية أُريد فيها ما يخالف ظاهرها, وما يوهم ذلك من الآيات إنما أُريد بها معان يعطيها لها آيات أُخر محكمة, والقرآن يفسر بعضه بعضاً, ومن المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن - متصلة أو منفصلة - للفظ ليس بخارج عن ظهوره وبالخصوص في كلام نص متكلمه على أن ديدنه أن يتكلم بما يتصل بعضه ببعض, ويشهد بعضه على بعض ويرتفع كل اختلاف وتناف مترائي بالتدبر فيه, قال تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } } [النساء: 82]. الخامس عشر: ما عن الاصم: أن المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه وكأن المراد بالإِجماع والاختلاف كون مدلول الآية بحيث يختلف فيه الأنظار أو لا يختلف.
وفيه: أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابهاً وينافيه التقسيم الذي في الآية إذ ما من آية من آي الكتاب إلاَّ وفيه اختلاف ما: إما لفظاً أو معنى أو في كونها ذات ظهور أو غيرها, حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه مستدلاً بقوله تعالى:
{ كتاباً متشابهاً } [الزمر: 23], غفلة عن أن هذا الاستدلال منه يبتني على كون ما استدل به آية محكمة وهو يناقض قوله, وذهب آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له.
السادس عشر: أن المتشابه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره سواء كان الإِشكال من جهة اللفظ أو من جهة المعنى ذكره الراغب.
قال في مفردات القرآن: والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره, إما من حيث اللفظ, أو من حيث المعنى, فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبىء ظاهره عن مراده, وحقيقة ذلك: أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإِطلاق, ومتشابه على الإِطلاق, ومحكم من وجه متشابه من وجه.
فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط, ومتشابه من جهة المعنى فقط, ومتشابه من جهتهما. والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة, وذلك إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون, وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين, والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب, وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وضرب لبسط الكلام نحو ليس كمثله شيء لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع, وضرب لنظم الكلام نحو: {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً} تقديره الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً, وقوله: {ولولا رجال مؤمنون} إلى قوله: {لو تزيلوا}.
والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة, فإن تلك الصفات لا تتصور لنا, إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه, أو لم يكن من جنس ما لم نحسه.
والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعاً خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو: {اقتلوا المشركين}, والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو: {فانكحوا ما طاب لكم}, والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو: {اتقوا الله حق تقاته}, والرابع: من جهة المكان أو الأمور التي نزلت فيها نحو: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها}, وقوله: {إنما النسىء زيادة في الكفر}, فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية, والخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح.
وهذه الجملة إذا تصورت علم: أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه ألم, وقول قتادة: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ, وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة, وخروج دابة الأرض, وكيفية الدابة ونحو ذلك. وضرب للإِنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة, والأحكام الغلقة, وضرب متردد بين الأمرين, يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم, وهو الضرب المشار إليه بقوله عليه السلام في علي رضي الله عنه: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل, وقوله لابن عباس مثل ذلك, انتهى كلامه وهو أعم الأقوال في معنى المتشابه جمع فيها بين عدة من الأقوال المتقدمة.
وفيه: أولاً: أن تعميمه المتشابه لموارد الشبهات اللفظية كغرابة اللفظ وإغلاق التركيب والعموم والخصوص ونحوها لا يساعد عليه ظاهر الآية, فإن الآية جعلت المحكمات مرجعاً يرجع إليه المتشابهات, ومن المعلوم أن غرابة اللفظ وأمثالها لا تنحل عقدتها من جهة دلالة المحكمات, بل لها مرجع آخر ترجع إليه وتتضح به.
وأيضاً: الآية تصف المتشابهات بأنها من شأنها أن تتبع لابتغاء الفتنة, ومن المعلوم: أن اتباع العام من غير رجوع إلى مخصصه, والمطلق من غير رجوع إلى مقيده وأخذ اللفظ الغريب مع الإِعراض عمّا يفسره في اللغة مخالف لطريقة أهل اللسان لا تجوزه قريحتهم فلا يكون بالطبع موجباً لإِثارة الفتنة لعدم مساعدة اللسان عليه.
وثانياً: أن تقسيمه المتشابه بما يمكن فهمه لعامة الناس وما لا يمكن فهمه لأحد, وما يمكن فهمه لبعض دون بعض ظاهر في أنه يرى اختصاص التأويل بالمتشابه, وقد عرفت خلافه.
هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه وتمييز مواردهما, وقد عرفت ما فيها, وعرفت أيضاً أن الذي يظهر من الآية على ظهورها وسطوع نورها خلاف ذلك كله, وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه: أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث يعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد ونحو ذلك بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة لا ريب فيه تبيّن حال المتشابهة.
ومن المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلاَّ مع كون ما يتبع من المعنى مألوفاً مأنوساً عند الأفهام العامية تسرع الأذهان الساذجة إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام الضعيفة الإِدراك والتعقل.
وأنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرف فيها الفرق الإِسلاميه عن الحق القويم بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان في المعارف أو في الأحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه, والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه.
ففرقة تتمسك من القرآن بآيات للتجسيم, وأُخرى للجبر, وأُخرى للتفويض, وأُخرى لعثرة الأنبياء, وأُخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات, وأُخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات, إلى غير ذلك, كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه.
وطائفة ذكرت: أن الأحكام الدينية إنما شرّعت لتكون طريقاً إلى الوصول فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعيناً لمن ركبه فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتّفق وتيسر, وأُخرى قالت: إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال, ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل.
وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإِسلامية قائمة ومقامة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يشذ منها شاذ ثم لم تزل بعد ارتحاله صلى الله عليه وآله وسلم تنقص وتسقط حكماً فحكماً, يوماً فيوماً, بيد الحكومات الإِسلامية, ولم يبطل حكم أو حد إلاَّ واعتذر المبطلون: أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس, وما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم, حتى آل الأمر إلى ما يقال: إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح الدنيا بإجرائها, والدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية ولا تهضمها بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم وأجرائها, وإلى ما يقال: إن التلبس بالأعمال الدينية لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكره والإِرادة الصالحتين, والقلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية, والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهر بأمثال الوضوء والغسل والصلاة والصوم.
إذا تأملت في هذه وأمثالها - وهي لا تحصى كثرة - وتدبرت في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} الآية، لم تشك في صحة ما ذكرناه, وقضيت بأن هذه الفتن والمحن التي غادرت الإِسلام والمسلمين لم تستقر قرارها إلا من طريق اتباع المتشابه, وابتغاء تأويل القرآن.
وهذا - والله أعلم - هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب, وإصراره البالغ على النهي عن اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل والإِلحاد في آيات الله والقول فيها بغير علم واتباع خطوات الشيطان, فإن من دأب القرآن أنه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين, فتنهدم به بنيته, كالتشديد الواقع في تولي الكفار, ومودة ذوي القربى, وقرار أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ومعاملة الربا, واتحاد الكلمة في الدين وغير ذلك.
ولا يغسل رين الزيغ من القلوب, ولا يسد طريق ابتغاء الفتنة الذين منشأهما الركون إلى الدنيا والإِخلاد إلى الأرض واتباع الهوى إلاَّ ذكر يوم الحساب, كما قال تعالى:
{ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } [ص: 26]، ولذلك ترى الراسخين في العلم المتأبين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد}.
2 ـ ما معنى كون المحكمات أُم الكتاب؟
ذكر جماعة: أن كون الآيات المحكمة أُم الكتاب كونها أصلاً في الكتاب عليه تبتنى قواعد الدين وأركانها فيؤمن بها ويعمل بها, وليس الدين إلاَّ مجموعاً من الاعتقاد والعمل, وأما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها وتشابه مدلولها لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيماناً.
وأنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم: أن هذا لازم بعض الأقوال المتقدمة, وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابهاً لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه وفهمه, أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية.
وقال آخرون: إن معنى أُمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها, وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع, فظاهر بعضهم: أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الإِيمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة, وهذا القول لا يغاير القول الأول كثير مغائرة, وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات, رافعة لتشابهها.
والحق هو المعنى الثالث، فإن معنى الأمومة الذي يدل عليه قوله: {هُنَّ أُمُّ الكتاب}, يتضمن عناية زائدة وهو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الأُم في القول الأول, فإن في هذه اللفظة أعني لفظة الأُم عناية بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعض, فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على المحكمات, ولازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات.
على أن المتشابه إنما كان متشابهاً لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل, فإن التأويل كما مرّ يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه, والقرآن يفسر بعضه بعضاً, فللمتشابه مفسر وليس إلاَّ المحكم, مثال ذلك قوله تعالى:
{ إلى ربها ناظرة } } [القيامة: 23]ٍ فإنها آية متشابهة, وبإرجاعها إلى قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]، وقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } } [الأنعام: 103]، يتبيّن: أن المراد بها نظرة ورؤية من غير نسخ رؤية البصر الحسي, وقد قال تعالى: { ما كذَّب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى } [النجم: 11ـ12] إلى أن قال: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } [النجم: 18]، فأثبت للقلب رؤية تخصه, وليس هو الفكر فإن الفكر إنما يتعلق بالتصديق والمركب الذهني والرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني, فيتبيّن بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسية المادية ولا بالعقلية الذهنية, والأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات.
3 - ما معنى التأويل؟
فسر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام, وإذ كان المراد من بعض الآيات معلوماً بالضرورة كان المراد بالتأويل على هذا من قوله تعالى: {وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاَّ الله}, هو المعنى المراد بالآية المتشابهة, فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابهة على هذا القول لغير الله سبحانه أو لغيره وغير الراسخين في العلم.
وقالت طائفة أُخرى: إن المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ, وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقه ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإِرجاع أو المرجع.
وكيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الأول هو الذي كان شائعاً بين قدماء المفسرين, سواء فيه من كان يقول: إن التأويل لا يعلمه إلاَّ الله, ومن كان يقول: إن الرَّاسخين في العلم أيضاً يعلمونه كما نقل عن ابن عباس: أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله.
وذهب طائفة أُخرى: إلى أن التأويل معنى من معاني الآية لا يعلمه إلاَّ الله تعالى, أو لا يعلمه إلاَّ الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ, فيرجع الأمر إلى أن للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض, منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام, ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلاَّ الله سبحانه أو هو تعالى والراسخون في العلم.
وقد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ فإن من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليست في عرض واحد وإلاَّ لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد وهو غير جائز على ما بين في محله, فهي لا محالة معان مترتبة في الطول: فقيل: إنها لوازم معنى اللفظ إلاَّ أنها لوازم مترتبة بحيث يكون للفظ معنى مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا, وقيل: إنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره, فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ وإرادة لباطنه بعين إرادته نفسه كما أنك إذا قلت: اسقني فلا تطلب بذاك إلاَّ السقي وهو بعينه طلب للإِرواء, وطلب لرفع الحاجة الوجودية, وطلب للكمال الوجودي وليس هناك أربعة أوامر ومطالب, بل الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الأمور التي بعضها في باطن بعض والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها.
وها هُنا قول رابع: وهو أن التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام؛ فإن كان الكلام حكماً إنشائياً كالأمر والنهي فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله وتشريعه, فتأويل قوله: أقيموا الصلاة مثلاً هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر, وإن كان الكلام خبرياً فإن كان إخباراً عن الحوادث الماضية كان تأويله نفس الحادثة الواقعة في ظرف الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الأنبياء والأمم الماضية فتأويلها نفس القضايا الواقعة في الماضي, وإن كان إخباراً عن الحوادث والأمور الحالية والمستقبلة فهو على قسمين: فإما أن يكون المخبر به من الأمور التي تناله الحواس أو تدركه العقول كان أيضاً تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة كقوله تعالى:
{ وفيكم سماعون لهم } [التوبة: 47]، وقوله تعالى: { غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } [الروم: 2ـ4]، وإن كان من الأمور المستقبلة الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالأمور المربوطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات والجمع والسؤال والحساب وتطائر الكتب, أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان وإدراك العقول كحقيقة صفاته وأفعاله تعالى فتأويلها أيضاً نفس حقائقها الخارجية.
والفرق بين هذا القسم أعني الآيات المبينة لحال صفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة ونحوها وبين الأقسام الأُخر أن الأقسام الأُخر يمكن حصول العلم بتأويلها بخلاف هذا القسم, فإنه لا يعلم حقيقة تأويله إلاَّ الله تعالى, نعم يمكن أن يناله الراسخون في العلم بتعليم الله تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم, وأما حقيقة الأمر الذي هو حق التأويل فهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه.
فهذا هو الذي يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل, وهي أربعة.
وها هُنا أقوال أُخر ذكروها هي في الحقيقة من شعب القول الأول وإن تحاشى القائلون بها عن قبوله.
فمن جملتها أن التفسير أعم من التأويل, وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل, وأكثر ما يستعمل التأويل في الكتب الإِلهية, ويستعمل التفسير فيها وفي غيرها.
ومن جملتها: أن التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلاَّ وجهاً واحداً والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطاً.
ومن جملتها: أن التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ والتأويل ترجيح أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها, وهو قريب من سابقه.
ومن جملتها: أن التفسير بيان دليل المراد والتأويل بيان حقيقة المراد, مثاله قوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: رصد يرصد إذا راقب, وتأويله التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عنه.
ومن جملتها: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ والتأويل بيان المعنى المشكل.
ومن جملتها: أن التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية.
ومن جملتها: أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع, والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر. فهذه سبعة أقوال هي في الحقيقة من شعب القول الأول الذي نقلناه, يرد عليها ما يرد عليه, وكيف كان, فلا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة وما يتشعب منها.
أما إجمالاً: فلأنك قد عرفت: أن المراد بتأويل الآية ليس مفهوماً من المفاهيم تدل عليه الآية سواء كان مخالفاً لظاهرها أو موافقاً، بل هو من قبيل الأمور الخارجية، ولا كل أمر خارجي حتى يكون المصداق الخارجي للخبر تأويلاً له، بل أمر خارجي مخصوص نسبته إلى الكلام نسبة الممثل إلى المثل (بفتحتين) والباطن إلى الظاهر.
وأما تفصيلاً فيرد على القول الأول: أن أقل ما يلزمه أن يكون بعض الآيات القرآنية لا ينال تأويلها أي تفسيرها أي المراد من مداليلها اللفظية عامّة الأفهام، وليس في القرآن آيات كذلك بل القرآن ناطق بأنه إنما أنزل قرآناً ليناله الأفهام، ولا مناص لصاحب هذا القول إلاَّ أن يختار أن الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطعة حيث لا ينال معانيها عامة الأفهام، ويرد عليه: أنه لا دليل عليه، ومجرد كون التأويل مشتملاً على معنى الرجوع وكون التفسير أيضاً غير خال عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو التفسير كما أن الأُم مرجع لأولادها وليست بتأويلٍ لهم، والرئيس مرجع للمرؤوس وليس بتأويلٍ له.
على أن ابتغاء الفتنة عد في الآية خاصة مستقلة للتشابه وهو يوجد في غير فواتح السور فإن أكثر الفتن المحدثة في الإِسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها.
وأما القول الثاني فيرد عليه: أن لازمه وجود آيات في القرآن أُريد بها معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدين بتنافيه مع المحكمات, ومرجعه إلى أن في القرآن اختلافاً بين الآيات لا يرتفع إلاَّ بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا يفهمها عامة الأفهام, وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بأن يقال: إنه أُريد بإحداهما أو بهما معاً غير ما يدل عليه الظاهر بل معنى تأويلي باصطلاحهم لا يعلمه إلاَّ الله سبحانه مثلاً لم تنجح حجة الآية, فإن انتفاء الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام ولو كان لغير الله أمر ممكن, ولا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر, إذ من الواضح أن كل كلام حتى القطعي الكذب واللغو يمكن إرجاعه إلى الصدق والحق بالتأويل والصرف عن ظاهره, فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام من يتعالى عن اختلاف الأحوال, وتناقض الآراء, والسهو والنسيان والخطأ والتكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية, فالآية بلسان احتجاجها صريح في أن القرآن معرض لعامة الأفهام, ومسرح للبحث والتأمل والتدبر, وليس فيه آية أُريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي, ولا أن فيه أحجية وتعمية.
وأما القول الثالث فيرد عليه: أن اشتمال الآيات القرآنية على معان مترتبة بعضها فوق بعض وبعضها تحت بعض مما لا ينكره إلاَّ من حرم نعمة التدبر, إلاَّ أنها جميعاً - وخاصة لو قلنا أنها لوازم المعنى - مداليل لفظية مختلفة من حيث الانفهام وذكاء السامع المتدبر وبلادته, وهذا لا يلائم قوله تعالى في وصف التأويل: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله}, فإن المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا يختلف فيها الأذهان من حيث التقوى وطهارة النفس بل من حيث الحدة وعدمها, وإن كانت التقوى وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة الإِلهية لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية كما هو ظاهر قوله: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله}.
وأما القول الرابع فيرد عليه: أنه وإن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر, فإنه وإن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد لجميع القرآن, وأن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة تأويلاً للكلام, وفي حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة.
توضيحه: أن المراد حينئذٍ من التأويل في قوله تعالى: {وابتغاء تأويله} الخ. إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله: {ولا يعلم تأويله إلاَّ الله} إلخ.. فإن كثيراً من تأويل القرآن وهو تأويلات القصص بل الأحكام أيضاً وآيات الأخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى وغير الرَّاسخين في العلم من الناس حتى الزائغون قلباً على قوله فإن الحوادث التي تدل عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم, وكذا الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور المشرعة.
وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله} الخ.. وأفاد أن غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلاً لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه, وهو يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة فإن الفتنة والضلال كما يوجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما كأن يقول القائل (وقد قيل) إن المراد من تشريع الأحكام إحياء الاجتماع الإِنساني بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح, فلو فرض أنَّ صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع, أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت وجب اتباعه وإلغاء الحكم الديني المشرع. وكأن يقول القائل (وقد قيل) إن المراد من كرامات الأنبياء المنقولة في القرآن أُمور عادية, وإنما نقل بألفاظ ظاهرها خلاف العادة لصلاح استمالة قلوب العامة لانجذاب نفوسهم وخضوع قلوبهم لما يتخيلونه خارقاً للعادة قاهراً لقوانين الطبيعة. ويوجد في المذاهب المنشعبة المحدثة في الإِسلام شيء كثير من هذه الأقاويل, وجميعها من التأويل في القرآن ابتغاءً للفتنة بلا شك, فلا وجه لقصر المتشابه على آيات الصفات وآيات القيامة.
إذا عرفت ما مرّ علمت: أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة, وأنه موجود لجميع الآيات القرآنية: محكمها ومتشابهها, وأنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ, وإنما قيدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب فهى كالأمثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع كما قال تعالى:
{ والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 2ـ4] وفي القرآن تصريحات وتلويحات بهذا المعنى.
على أنك قد عرفت فيما مرّ من البيان: أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي استعملها - وهي ستة عشر مورداً على ما عدت - إلاَّ في المعنى الذي ذكرناه.
4 - هل يعلم تأويل القرآن غير الله سبحانه؟
هذه المسألة أيضاً من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين, ومنشأه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} الآية، وأن الواو هل هو للعطف أو للاستئناف, فذهب بعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف وأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه من القرآن, وذهب معظم القدماء والحنفية من أهل السُنّة إلى أنه للاستئناف وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلاَّ الله وهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه. وقد استدلت الطائفة الأولى على مذهبها بوجوه كثيرة, وببعض الروايات. والطائفة الثانية بوجوه أُخر وعدة من الروايات الواردة في أن تأويل المتشابهات مما استأثر الله سبحانه بعلمه وتمادت كل طائفة في مناقضة صاحبتها والمعارضة مع حججها.
والذي ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام أن المسألة لم تخل عن الخلط والاشتباه من أول ما دارت بينهم ووقعت مورداً للبحث والتنقير, فاختلط رجوع المتشابه إلى المحكم. وبعبارة أخرى, المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبىء به ما عنونا به المسألة وقررنا عليه الخلاف وقول كل من الطرفين آنفاً.
ولذلك تركنا التعرض لنقل حجج الطرفين لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها بعد ابتنائها على الخلط. وأما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب فإن الروايات المثبتة, أعني الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإنها أخذت التأويل مرادفاً للمعنى المراد من لفظ المتشابه ولا تأويل في القرآن بهذا المعنى. كما روي من طرق أهل السُنّة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لابن عباس فقال:
"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" , وما روي من قول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله, ومن قوله: إن المحكمات هي الآيات الناسخة والمتشابهات هي المنسوخة فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلاً للآية المتشابهة وهو الذي أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس مورداً لنظر الآية.
وأما الروايات النافية أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات مثل ما روى: أن ابن عباس كان يقرأ: وما يعلم تأويله إلاَّ الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به وكذلك كان يقرأ أُبي بن كعب. وما روي أن ابن مسعود كان يقرأ: وإن تأويله إلاَّ عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به, فهذه لا تصلح لإِثبات شيء: أما أولاً: فلأن هذه القراءات لا حجية فيها. وأما ثانياً: فلأن غاية دلالتها أن الآية لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل وعدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على عدمه كما هو المدعى فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر.
ومثل ما في الدر المنثور عن الطبراني عن ابي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"لا أخاف على أُمتي إلاَّ ثلاث خصال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا, وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلاَّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلاَّ أُولوا الألباب, وأن يكثر علمهم فيضيعونه ولا يبالون به" . وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلاَّ على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم, ولا ينفع المستدل إلاَّ الثاني.
ومثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم والإِيمان بالمتشابه. وعدم دلالتها على النفي مما لا يرتاب فيه.
ومثل ما في تفسير الآلوسي عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العلماء, ومتشابه لا يعلمه إلاَّ الله, ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب. والحديث مع كونه مرفوعاً ومعارضاً بما نقل عنه من دعوة الرسول له وادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مرّ.
والذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى, وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك.
أما الجهة الثانية فلما مرّ في البيان السابق: أن الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه, وتفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على اتباع المحكم والإِيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه, فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم, والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلاَّ وجوه غير تامة تقدمت الإِشارة إليها, فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله} من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك. فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به.
لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره مثل العلم بالغيب. قال تعالى:
{ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاَّ الله } [النمل: 65]، وقال تعالى: { إنما الغيب لله } [يونس: 20]، وقال تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو } [الأنعام: 59]، فدل جميع ذلك على الحصر ثم قال تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاَّ من ارتضى من رسول } [الجن: 26]، فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول, ولذلك نظائر في القرآن.
وأما الجهه الأولى - وهي أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى في الجملة - فبيانه: أن الآيات كما عرفت تدل على أن تأويل الآية أمر خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل, فهو وإن لم يكن مدلولاً للآية بما لها من الدلالة لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعاً من الحكاية والحفظ, نظير قولك: (في الصيف ضيعتِ اللبن) لمن أراد أمراً قد فوت أسبابه من قبل, فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل وهو تضييع المرأة اللبن في الصيف لا ينطبق شيء منه على المورد, وهو مع ذلك ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله.
كذلك أمر التأويل فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإِلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصة من القصص القرآنية وإن لم تكن أمراً يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهي أو البيان أو الواقعة الكذائية إلاَّ أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشي منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإِشارة كما أن قول السيد لخادمه, اسقني ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الإِنسانية لكمالها, فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء, وهو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن, وهو يقتضي الغذاء اللازم, وهو يقتضي الري, وهو يقتضي الأمر بالسقي مثلاً؛ فتأويل قوله: اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الإِنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه, ولو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شيء آخر يباين الأول مثلاً لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الإِنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم إنما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم وهو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه, وتكرر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته, فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكيّة مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك؛ ولو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتى به من الفعل أو الترك.
فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكماً أو قصة أو حادثة يتغير بتغير التأويل لا محالة, ولذلك ترى أنه تعالى في قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله} الآية, لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاءً للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له وليس إلاَّ لأن التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه اتباعاً حقاً غير مذموم وتبدل الأمر الذي يدل عليه المحكم وهو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتبعوه.
فقد تبيّن: أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين.
وإذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى:
{ والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلّكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 2ـ4]، فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند الله أمراً أعلى وأحكم من أن يناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصل, لكنه تعالى, عنايةً بعباده جعله كتاباً مقرراً وألبسه لباس العربية لعلَّهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في أُم الكتاب, وأُم الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله: { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب } [الرعد: 39]، وبقوله: { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } } [البروج: 21ـ22] . ويدل على إجمال مضمون الآية أيضاً قوله تعالى: { كتاب أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [هود: 1]، فالإِحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل, والتفصيل هو جعله فصلاً فصلاً وآية آية وتنزيله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى:
{ وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً } [الإسراء: 106]، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلاً وأوحي نجوماً.
وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتاباً مؤلفاً مجموعاً بين الدفتين مثلاً, ثم فرق وانزل على النبي نجوماً ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرىء منا قطعات ثم يعلمه ويقرأه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه.
وذلك أن بين إنزال القرآن نجوماً على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقاً بيناً وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآيه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم, فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد, ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى:
{ فاعف عنهم واصفح } [المائدة: 13]، وقوله تعالى: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } [التوبة: 123]، وقوله تعالى: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } [المجادلة: 1]، وقوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } [التوبة: 103]، ونحو ذلك فيلغى سبب النزول وزمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فالمراد بالقرآن في قوله: {وقرآناً فرقناه} غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة.
وبالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال - وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم - وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه, وليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها, وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه. وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل, ويظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الأفهام العادية والنفوس غير المطهرة.
ثم إنه تعالى قال:
{ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلاَّ المطهرون } [الواقعة: 77ـ79]، ولا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير, ومن التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه وليس هذا المس إلاَّ نيل الفهم والعلم, ومن المعلوم أيضاً: أن الكتاب المكنون هذا هو أُم الكتاب المدلول عليه بقوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب}, وهو المذكور في قوله: {وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم}.
وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم, وليس ينزلها إلاَّ الله سبحانه, فإنه تعالى لم يذكرها إلاَّ كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى:
{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } [الأحزاب: 33]، وقوله تعالى: { ولكن يريد ليطهركم } [المائدة: 6]، وما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية إلاَّ منسوبة إلى الله أو بإذنه, وليست الطهارة إلاَّ زوال الرجس من القلب, وليس القلب من الإِنسان إلاَّ ما يدرك به ويريد به, فطهارة القلب طهارة نفس الإِنسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين, ويرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك ونوسان بين الحق والباطل, وثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمائل إلى اتباع الهوى ونقض ميثاق العلم, وهذا هو الرسوخ في العلم فإن الله سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلاَّ بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة, فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم,- هذا.
ولكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان, فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل, ولازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم, لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى الله وهو تعالى سبب غير مغلوب, لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم بالتأويل, فإن الآية لا تثبت ذلك, بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل حيث قال تعالى:
{ يقولون آمنا به كل من عند ربنا } [آل عمران: 7] الآية, وقد وصف الله تعالى رجالاً من أهل الكتاب برسوخ العلم ومدحهم بذلك, وشكرهم على الإِيمان والعمل الصالح في قوله: { لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أُنزل من قبلك } [النساء: 162] الآية، ولم يثبت مع ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب.
وكذلك إن الآية أعني قوله تعالى: {لا يمسه إلاَّ المطهرون}, لم تثبت للمطهرين إلاَّ مس الكتاب في الجملة, وأما أنهم يعلمون كل التأويل ولا يجهلون شيئاً منه, ولا في وقت, فهي ساكتة عن ذلك, ولو ثبت لثبت بدليل منفصل.
5 - ما هو السبب في اشتمال الكتاب على المتشابه؟
ومن الاعتراضات التي أوردت على القرآن الكريم الاعتراض باشتماله على المتشابهات وهو أنكم تدعون أن تكاليف الخلق إلى يوم القيامة فيه, وأنه قول فصل يميز بين الحق والباطل, ثم إنا نراه يتمسك به كل صاحب مذهب من المذاهب المختلفة بين المسلمين لإِثبات مذهبه, وليس ذلك إلاَّ لوقوع التشابه في آياته؛ أفليس أنه لو جعله جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى الغرض المطلوب, وأقطع لمادة الخلاف والزيغ.
وأجيب عنه بوجوه من الجواب بعضها ظاهر السخافة كالجواب بأن وجود المتشابهات يوجب صعوبة تحصيل الحق ومشقة البحث وذلك موجب لمزيد الأجر والثواب! وكالجواب بأنه لو لم يشتمل إلاَّ على صريح القول في مذهب لنفر ذلك سائر أرباب المذاهب فلم ينظروا فيه, لكنه لوجود التشابه فيه أطمعهم في النظر فيه وكان في ذلك رجاء أن يظفروا بالحق فيؤمنوا به! وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب الاستعانة بدلالة العقل, وفي ذلك خروج عن ظلمة التقليد ودخول في ضوء النظر والاجتهاد! وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب البحث عن طرق التأويلات المختلفة, وفي ذلك فائدة التضلع بالفنون المختلفة كعلم اللغة والصرف والنحو وأصول الفقه!
فهذه أجوبة سخيفة ظاهرة السخافة بأدنى نظر؛ والذي يستحق الإِيراد والبحث من الأجوبة وجوه ثلاثة:
الأول: أن اشتمال القرآن الكريم على المتشابهات لتمحيص القلوب في التصديق به, فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولاً واضحاً لا شبهة فيه عند أحد لما كان في الإِيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.
وفيه: أن الخضوع هو نوع انفعال وتأثر من الضعيف في مقابل القوي, والإِنسان إنما يخضع لما يدرك عظمته أو لما لا يدركه لعظمته وبهوره الإِدراك كقدرة الله غير المتناهية وعظمته غير المتناهية وسائر صفاته التي إذا واجهها العقل رجع القهقرى لعجزه عن الإِحاطة بها, وأما الأمور التي لا ينالها العقل لكنه يغتر ويغادر باعتقاد أنه يدركها فما معنى خضوعه لها؟ كالآيات المتشابهة التي يتشابه أمرها على العقل فيحسب أنه يعقلها وهو لا يعقل.
الثاني: أن اشتماله على المتشابه إنما هو لبعث العقل على البحث والتنقير, لئلا يموت بإهماله بإلقاء الواضحات التي لا يعمل فيها عامل الفكر، فإن العقل أعز القوى الإِنسانية التي يجب تربيتها بتربية الإِنسان.
وفيه: أن الله تعالى أمر الناس بإعمال العقل والفكر في الآيات الآفاقية والأنفسية إجمالاً في موارد من كلامه, وتفصيلاً في موارد أُخرى كخلق السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب والإِنسان واختلاف ألسنته وألوانه, وندب إلى التعقل والتفكر والسير في الأرض والنظر في أحوال الماضين, وحرض على العقل والفكر, ومدح العلم بأبلغ المدح وفي ذلك غنى عن البحث في أمور ليس إلاَّ مزالق للأقدام ومصارع للأفهام.
الثالث: أن الأنبياء بعثوا إلى الناس وفيهم العامة والخاصة, والذكي والبليد والعالم والجاهل؛ وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء, فالحري في أمثال هذه المعاني أن تلقى بحيث يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة فيها بالتسليم وتفويض الأمر إلى الله تعالى.
وفيه: أن الكتاب كما يشتمل على المتشابهات كذلك يشتمل على المحكمات التي تبيّن المتشابهات بالرجوع إليها, ولازم ذلك أن لا تتضمن المتشابهات أزيد مما يكشف عنها المحكمات, وعند ذلك يبقى السؤال (وهو أنه ما فائدة وجود المتشابهات في الكتاب ولا حاجة إليها مع وجود المحكمات؟) على حاله, ومنشأ الاشتباه أن المجيب أخذ المعاني نوعين متبائنين: معان يفهمها جميع المخاطبين من العامة والخاصة وهي مداليل المحكمات, ومعان سنخها بحيث لا يتلقاها إلاَّ الخاصة من المعارف العالية والحكم الدقيقة, فصار بذلك المتشابهات لا ترجع معانيها إلى المحكمات, وقد مرّ أن ذلك مخالف لمنطوق الآيات الدالة على أن القرآن يفسر بعضه بعضاً وغير ذلك.
والذي ينبغي أن يقال: إن وجود المتشابه في القرآن ضروري ناشىء عن وجود التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضاً بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مرّ.
ويتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني والتعليم الإِلهي والأمور التي بنيت عليها معارفه والغرض الأقصى من ذلك وهى أمور:
منها: أن الله سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلاً, هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية والأحكام والقوانين وسائر ما يتضمنه التعليم الإِلهي, وأن هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر يقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول إلاَّ نفوسٌ طهرهم الله وأزال عنهم الرجس, فإن لهم خاصة أن يمسوه. وهذا غاية ما يريده تعالى من الإِنسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شيء, ومفتاحه التطهير الإِلهي, وقد قال تعالى:
{ ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم } [المائدة: 6]، فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الإِلهي.
وهذا الكمال الإِنساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر بكمالها إلاَّ أفراد خاصة, وإن كانت الدعوة متعلقة بالجميع متوجهة إلى الكل, فتربية الناس بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة وبعض التطهير في آخرين, ويختلف ذلك باختلاف درجات الناس, كما أن الإِسلام يدعو إلى حق التقوى في العمل. قال تعالى:
{ اتّقوا الله حقّ تقاته } [آل عمران: 102]، ولكن لا يحصل كماله إلاَّ في أفراد وفيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل, كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم وأفهامهم, وهكذا جميع الكمالات الاجتماعية من حيث التربية والدعوة, يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم والصنعة والثروة والراحة وغيرها لكن لا ينالها إلاَّ البعض, ومن دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات.
وبالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه.
ومنها: أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإِنسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الإِنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم والعمل: أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدأ والمعاد وما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبط به من الواقعيات معرفة حقيقية. وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حياته الاجتماعية, ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان, ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه, وخلوص قلبه إلى المبدأ والمعاد, وإشرافه على عالم المعنى والطهارة, والتجنب عن قذارة الماديات وثقلها.
وأنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى:
{ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } [فاطر: 10]، وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم} الآية, وإلى قوله تعالى: { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } [المائدة: 105]، وقوله تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11]، وما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الإِلهي في تشريع الدين وهداية الإِنسان إليه, والسبيل الذي سلكه لذلك فافهم.
ويتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الإِسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها, والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة بالله وبآياته, فأدنى الإِخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإِسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة.
وهذه النتيجة - على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضاً: فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شؤون الدين الإِسلامي بين هذه الأمة وأمعنت النظر فيه: من أين شرع وفي أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف. وقد ذكرناك فيما مرّ: أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها, ولم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم.
ومنها: أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما أستطيع, فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة, وكيف لا؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب, ولا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم ويحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن والإِسلام!
وهذا المعنى هو الموجب لأن يبين الكتاب للإِنسان حقائق المعارف أولاً, وارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانياً, وبعبارة أخرى أن يفهمه: أنه موجود مخلوق لله تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها, وأنه سائر إلى معاده وميعاده سيراً اضطرارياً, وكادح إلى ربه كدحاً فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله, أيما إلى جنة, أيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف.
ثم يفهمه أن الأعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي؟ وما تؤديه إلى شقوة النار ما هي؟ أي يبين له الأحكام العبادية والقوانين الاجتماعية, وهذه طائفة أُخرى.
ثم يبين له: أن هذه الأحكام والقوانين مؤدية إلى السعادة أي يفهمه: أن هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الأولى, وأن تشريعها وجعلها للإِنسان إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الإِنسان في الدنيا والآخرة, وهذه طائفة ثالثة.
وظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة, والطائفة الأولى بمنزلة النتيجة, والطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية بالأولى, ودلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة ولا حاجة إلى إيرادها.
ومنها: أنه لما كانت عامه الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادة والطبيعة, وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكليات القواعد والقوانين يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني والكليات كان ذلك موجباً لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس والمحسوس اختلافاً شديداً ذا عرض عريض على مراتب مختلفة, وهذا أمر لا ينكره أحد.
ولا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسان إلاَّ من طريق معلوماته الذهنية التي تهيأت عنده في خلال حياته وعيشته, فإن كان مأنوساً بالحس فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحس كما يمثل لذة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء, وإن كان نائلاً للمعاني الكلية فبما نال وعلى قدر ما نال, وهذا ينال المعاني من البيان الحسي والعقلي معاً بخلاف المأنوس بالحس.
ثم إن الهداية الدينية لا تختص بطائفة دون طائفة من الناس بل تعم جميع الطوائف وتشمل عامة الطبقات, وهو ظاهر.
وهذا المعنى أعني اختلاف الأفهام وعموم أمر الهداية مع ما عرفت من وجود التأويل للقرآن هو الموجب أن يساق البيانات مساق الأمثال, وهو أن يتخذ ما يعرفه الإِنسان ويعهده ذهنه من المعاني فيبين به ما لا يعرفه لمناسبة ما بينهما نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلاَّ ما بينهما من المناسبة وزناً.
والآيات القرآنية المذكورة سابقاً كقوله تعالى:
{ إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 3ـ4]، وما يشابهه من الآيات وإن بينت هذا الأمر بطريق الإِشارة والكناية, لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بيّنه بما ضربه مثلاً في أمر الحق والباطل فقال تعالى: { أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } [الرعد: 17]، فبين أن حكم المثل جار في أفعاله تعالى كما هو جار في أقواله, ففعله تعالى كقوله الحق إنما قصد منهما الحق الذي يحويانه ويصاحب كلاً منهما أُمور غير مقصودة ولا نافعة يعلوهما ويربوهما لكنها ستزول وتبطل, ويبقى الحق الذي ينفع الناس, وإنما يزول ويزهق بحق آخر هو مثله, وهذا كالآية المتشابهة تتضمن من المعنى حقاً مقصوداً, ويصاحبه ويعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنى آخر باطل غير مقصود, لكنه سيزول بحق آخر يظهر الحق الأول على الباطل الذي كان يعلوه, ليحق الحق بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون, والكلام في انطباق هذا المثل على أفعاله الخارجية المتقررة في عالم الكون كالكلام في أقواله عز من قائل.
وبالجملة: المتحصل من الآية الشريفة: أن المعارف الحقة الإِلهية كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب, من غير تقييد بكمية ولا كيفية, ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق, وهذه الأقدار أمور ثابتة كل في محله كالحال في أصول المعارف والأحكام التشريعية, ومصالح الأحكام التي ذكرنا فيما مرّ أنها روابط تربط الأحكام بالمعارف الحقة. وهذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي, وهي في مسيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهوراً ثم يسرع في الزوال وذلك كالأحكام المنسوخة التي تنسخه النواسخ من الآيات, فإن المنسوخ مقتضى ظاهر طباعه أن يدوم لكن الحكم الناسخ يبطل دوامه ويضع مكانه حكماً آخر. هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها في وادي البيان اللفظي.
وأما المعارف الحقة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة فإنها بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدر بأقدارها, تتشكل بأشكال المرادات الكلامية بعد إطلاقها, وهذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلم بكلامه, إلاَّ أنها مع ذلك أمثال يمثل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدر, ثم إنها بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل, لأن الأذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات والمألوفات تتصرف في المعاني الملقاة إليها, وجلّ هذا التصرف إنما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الأصلية, ومصالح الأحكام وملاكاتها كما مرّ, وأما الأحكام والقوانين فلا تصرف فيها مع قطع النظر عن ملاكاتها فإنها مألوفة, ومن هنا يظهر أن المتشابهات إنما هي الآيات من حيث اشتمالها على الملاكات والمعارف, دون متن الأحكام والقوانين الدينية.
ومنها: أنه تحصل من البيان السابق: أن البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقة الإِلهية, لأن البيان نزل في هذه الآيات إلى سطح الأفهام العامة التي لا تدرك إلاَّ الحسيّات ولا تنال المعاني الكلية إلاَّ في قالب الجسمانيات, ولما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلية المجردة عن عوارض الأجسام والجسمانيات أحد محذورين: فإن الأفهام في تلقيها المعارف المرادة منها إن جمدت في مرتبة الحس والمحسوس انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثلة, وفيه بطلان الحقائق وفوت المرادات والمقاصد. وإن لم تجمد وانتقلت إلى المعاني المجردة بتجريد الأمثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة والنقيصة.
نظير ذلك أنا لو أُلقي إلينا المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السرى, أو تمثل لنا بقول صخر:

أهـم بأمر الحزم لا أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان

فإنا من جهة سبق عهد الذهن بالقصة أو الأمر الممثل له نجرد المثل عن الخصوصيات المكتنفة بالكلام كالصباح والقوم والسرى, ونفهم من ذلك أن المراد: أن حسن تأثير عمل وتحسين فعله إنما يظهر إذا فرغ منه وبدأ أثره, وأما هو ما دام الإِنسان مشتغلاً به محساً تعب فعله فلا يقدر قدره, ويظهر ذلك تجريد ما تمثل به من الشعر, وأما إذا لم نعهد الممثل وجمدنا على الشعر أو المثل خفي عنا الممثل وعاد المثل خبراً من الأخبار, ولو لم نجمد وانتقلنا إجمالاً إلى أنه مثل لم يمكنا تشخيص المقدار الذي يجب طرحه بالتجريد وما يجب حفظه للفهم وهو ظاهر.
ولا مخلص عن هذين المحذورين إلاَّ بتفريق المعاني الممثل لها إلى أمثالٍ مختلفة, وتقليبها في قوالب متنوعة حتى يفسر بعضها بعضاً, ويوضح بعضها أمر بعض, فيعلم بالتدافع الذي بينها أولاً: أن البيانات أمثال ولها في ما وراءها حقائق ممثلة, وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحس والمحسوس. وثانياً: بعد العلم بأنها أمثال: يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام, وما يجب حفظه منها للحصول على المرام, وإنما يحصل ذلك بأن هذا يتضمن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك, وذاك نفي بعض ما في هذا.
وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعددة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوعة أمر دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم, ولغة دون لغة, وليس ذلك إلاَّ لأن الإِنسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصة الواحدة أو المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصة أخرى مناسبة أو مثل آخر مناسب.
فقد تبيّن أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة, وأن يرفع التشابه الواقع في آية بالإِحكام الواقع في آية أخرى, واندفع بذلك الإِشكال باشتمال القرآن على المتشابهات لكونها مخلة لغرض الهداية والبيان.
وقد ظهر من جميع ما تقدم من الأبحاث على طولها أمور:
الأول: أن الآيات القرآنية تنقسم إلى قسمين: محكم ومتشابه, وذلك من جهة اشتمال الآية وحدها على مدلول متشابه وعدم اشتمالها.
الثاني: أن لجميع القرآن محكمه ومتشابهه تأويلاً. وأن التأويل ليس من قبيل المفاهيم اللفظية بل من الأمور الخارجية, نسبته إلى المعارف والمقاصد المبينة نسبة الممثل إلى المثال؛ وأن جميع المعارف القرآنية أمثال مضروبة للتأويل الذي عند الله.
الثالث: أن التأويل يمكن أن يعلمه المطهرون وهم راسخون في العلم.
الرابع: أن البيانات القرآنية أمثال مضروبة لمعارفها ومقاصدها, وهذا المعنى غير ما ذكرناه في الأمر الثاني من كون معارفه أمثالاً وقد أوضحناه فيما مرّ.
الخامس: أن من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات, كما أن من الواجب أن يشتمل على المحكمات.
السادس: أن المحكمات أُم الكتاب إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان.
السابع: أن الإِحكام والتشابه وصفان يقبلان الإِضافة والاختلاف بالجهات, بمعنى أن آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة, متشابهة من جهة أُخرى, فتكون محكمة بالإِضافة إلى آية ومتشابهة بالإِضافة إلى أُخرى. ولا مصداق للمتشابه على الإِطلاق في القرآن, ولا مانع من وجود محكم على الإِطلاق.
الثامن: أن من الواجب أن يفسر بعض القرآن بعضاً.
التاسع: أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى, مترتبة طولاً من غير أن تكون الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد, أو مثل عموم المجاز, ولا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد, بل هي معان مطابقية يدل على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام.
ولتوضيح ذلك نقول: قال الله تبارك وتعالى:
{ اتّقوا الله حق تقاته } [آل عمران: 102]، فأنبأ أن للتقوى الذي هو الانتهاء عمّا نهى الله عنه والائتمار بما أمر الله به مرتبة هي حق التقوى, ويعلم بذلك أن هناك من التقوى ما هو دون هذه المرتبة الحقة, فللتقوى الذي هو بوجه العمل الصالح مراتب ودرجات بعضها فوق بعض.
وقال أيضاً:
{ أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } [آل عمران: 162ـ163]، فبين أن العمل مطلقاً سواء كان صالحاً أو طالحاً درجات ومراتب, والدليل على أن المراد بها درجات العمل قوله: {والله بصير بما يعملون}, ونظير الآية قوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون } [الأحقاف: 19]، وقوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عمّا يعملون } [الأنعام: 132]. والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ وفيها ما يدلّ على أن درجات الجنة ودركات النار بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها.
ومن المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد قلبي يناسبه, وقد استدل تعالى على كفر اليهود وعلى فساد ضمير المشركين وعلى نفاق المنافقين من المسلمين وعلى إيمان عدة من الأنبياء والمؤمنين بأعمالهم وأفعالهم في آيات كثيرة جداً يطول ذكرها, فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من العلم ويدل عليه.
وبالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم ويحصله ويركزه في النفس كما قال تعالى:
{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } [العنكبوت: 69،] وقال تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [الحجر: 99]، وقال أيضاً: { ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوأى أن كذَّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن } [الروم: 10], وقال: { فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } [التوبة: 77]، والآيات في هذا المعنى أيضاً كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحاً كان أو طالحاً يولد من أقسام المعارف والجهالات (وهي العلوم المخالفة للحق) ما يناسبه.
وقال تعالى ـ وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح والعلم النافع ـ:
{ { إليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه } [فاطر: 10]، فبين أن شأن الكلم الطيب وهو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى الله تعالى ويقرب صاحبه منه, وشأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد. ومن المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك والريب وكمال توجه النفس إليه وعدم تقسم القلب فيه وفي غيره (وهو مطلق الشرك) فكلما كمل خلوصه من الشك والخطرات اشتد صعوده وارتفاعه.
ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك, فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود ووصف العمل بالرفع, والصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع, وهما أعني الصعود والارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو واقترابه منه, ومرتفع من جهة انفصاله من السفل وابتعاده منه, فالعمل يبعد الإِنسان ويفصله من الدنيا والإِخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التعلّق بزخارفها الشاغلة والتشتت والتفرق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية, وكلما زاد الرفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطيب, وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشكوك, ومن المعلوم أيضاً كما مرّ: أن العمل الصالح ذو مراتب ودرجات, فلكل درجة من العمل الصالح رفع الكلم الطيب وتوليد العلوم والمعارف الحقة الإلهية على ما يناسب حالها. والكلام في العمل الطالح ووضعه الإِنسان نظير الكلام في العمل الصالح ورفعه, وقد مرّ بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى:
{ اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]. فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل والعلم, ولازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب والدرجات غير ما يتلقاه أهل المرتبة والدرجة الأخرى التي فوق هذه أو تحتها, فقد تبيّن أن للقرآن معاني مختلفة مترتبة.
وقد ذكر الله سبحانه أصنافاً من عباده, وخص كل صنف بنوع من العلم والمعرفة, لا يوجد في الصنف الآخر, كالمخلصين وخص بهم العلم بأوصاف ربهم حق العلم, قال تعالى:
{ سبحان الله عمّا يصفون إلاَّ عباد الله المخلصين } } [الصافات: 159ـ160]، وخص بهم أشياء أُخر من المعرفة والعلم سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى, وكالموقنين وخص بهم مشاهدة ملكوت السماوات والأرض, قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، وكالمنيبين وخص بهم التذكر, قال تعالى: { وما يتذكر إلاَّ من ينيب } [غافر: 13]، وكالعالمين وخص بهم عقل أمثال القرآن, قال تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاَّ العالمون } [العنكبوت: 43]، وكأنهم أولوا الألباب والمتدبرون لقوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، ولقوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، مؤدى الآيات الثلاث يرجع إلى معنى واحد وهو العلم بمتشابه القرآن ورده إلى محكمه, وكالمطهرين خصهم الله بعلم تأويل الكتاب, قال تعالى: { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلاَّ المطهرون } [الواقعة: 77ـ79]، وكالأولياء وهم أهل الوله والمحبة لله وخص بهم أنهم لا يلتفتون إلى شيء إلاَّ الله سبحانه ولذلك لا يخافون شيئاً ولا يحزنون لشيء, قال تعالى: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [يونس: 62]، وكالمقربين والمجتبين والصديقين والصالحين والمؤمنين ولكل منهم خواص من العلم والإِدراك يختصون بها, سنبحث عنها في المحال المناسبة لها.
ونظير هذه المقامات الحسنة مقامات سوء في مقابلها, ولها خواص رديئة في باب العلم والمعرفة, ولها أصحاب كالكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين وغيرهم, ولهم أنصباء من سوء الفهم ورداءة الإِدراك لآيات الله ومعارفه الحقة, طوينا ذكرها إيثاراً للاختصار, وسنتعرض لها في خلال أبحاث هذا الكتاب إن شاء الله.
العاشر: أن للقرآن اتساعاً من حيث انطباقه على المصاديق وبيان حالها فالآيه منه لا يختص بمورد نزولها بل يجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ملاكاً كالأمثال التي لا تختص بمواردها الأُول, بل تتعداها إلى ما يناسبها, وهذا المعنى هو المسمى بجري القرآن, وقد مرّ بعض الكلام فيه في أوائل الكتاب.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المحكم والمتشابه قال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله.
أقول: وفيه تلويح إلى أن المتشابه مما يمكن العلم به.
وفيه أيضاً عنه عليه السلام: أن القرآن محكم ومتشابه: فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين, وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به, وهو قول الله عز وجل: {وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاَّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}. والراسخون في العلم هم آل محمد.
اقول: وسيجيء كلام في معنى قوله عليه السلام: والراسخون في العلم هم آل محمد.
وفيه أيضاً عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه قال: الناسخ الثابت المعمول به, والمنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه, والمتشابه ما اشتبه على جاهله. قال: وفي رواية: الناسخ الثابت, والمنسوخ ما مضى, والمحكم ما يعمل به, والمتشابه ما يشبه بعضه بعضاً.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث قال: فالمنسوخات من المتشابهات.
وفي العيون عن الرضا عليه السلام: من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال: إن في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها, ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا.
أقول: الأخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه, وهي تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق: أن التشابه يقبل الارتفاع, وأنه إنما يرتفع بتفسير المحكم له. وأما كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدّم ووجه تشابهها ما يظهر منها من استمرار الحكم وبقائه, ويفسره الناسخ ببيان أن استمراره مقطوع. وأمّا ما ذكره عليه السلام في خبر العيون: أن في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن, فقد وردت في هذا المعنى عنهم عليهم السلام روايات مستفيضة, والاعتبار يساعده فإن الأخبار لا تشتمل إلاَّ على ما اشتمل عليه القرآن الشريف, ولا تبين إلاَّ ما تعرض له وقد عرفت فيما مرّ: أن التشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ وهو كونه بحيث يقبل الانطباق على المقصود وعلى غيره, لا من أوصاف اللفظ من حيث دلالته على المعنى نظير الغرابة والإِجمال, ولا من أوصاف الأعم من اللفظ والمعنى.
وبعبارة أُخرى: إنما عرض التشابه لما عرض عليه من الآيات لكون بياناتها جارية مجرى الأمثال بالنسبة إلى المعارف الحقة الإِلهية, وهذا المعنى بعينه موجود في الأخبار ففيها متشابه ومحكم كما في القرآن, وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
"إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم"
]. وفي تفسير العياشي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام: أن رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام: هل تصف لنا ربنا نزداد له حباً ومعرفة؟ فغضب وخطب الناس, فقال فيما قال: عليك يا عبد الله بما دلّك عليه القرآن من صفته, وتقدمك فيه الرسول من معرفته, واستضىء من نور هدايته, فإنما هي نعمة وحكمة أُوتيتها, فخذ ما أُوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه, ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أمره, فكل علمه إلى الله, ولا تقدر عظمة الله, واعلم يا عبد الله: أن الراسخين في العلم الذين اغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الإِقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب, فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا, وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً, وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخاً فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين.
أقول: قوله عليه السلام: واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم "إلخ" ظاهر في أنه عليه السلام أخذ الواو في قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون}, للاستئناف دون العطف كما استظهرناه من الآية, ومقتضى ذلك أن ظهور الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله, لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم به, فلا ينافي وجود آخر يدل عليه كما تقدم بيانه وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت كما سيأتي. وقوله عليه السلام: الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب, خبر أن, والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة الراسخين في العلم بالاعتراف بالجهل فيما جهله فيكون منهم, وهذا دليل على تفسيره عليه السلام الراسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه ولم يتعد إلى ما جهله. والمراد بالغيوب المحجوبة بالسدد: المعاني المرادة بالمتشابهات المخفية عن الأفهام العامة ولذا أردفه بقوله ثانياً: فلزموا الإِقرار بجملة ما جهلوا تفسيره, ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله فافهم.
وفي الكافي عن الصَّادق عليه السلام: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله.
أقول: والرواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى: {والراسخون في العلم}, معطوفاً على المستثنى في قوله: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله}, لكن هذا الظهور يرتفع بما مرّ من البيان وما تقدم من الرواية, ولا يبعد كل البعد أن يكون المراد بالتأويل هو المعنى المراد بالمتشابه فإن هذا المعنى من التأويل المساوق لتفسير المتشابه كان شائعاً في الصدر الأول بين الناس.
وأما قوله عليه السلام: نحن الراسخون في العلم, وقد تقدم في رواية للعياشي عن الصادق عليه السلام قوله: والراسخون في العلم هم آل محمد؛ وهذه الجملة مروية في روايات أُخر أيضاً فجميع ذلك من باب الجري والانطباق كما يشهد بذلك ما تقدم ويأتي من الروايات.
وفي الكافي أيضاً عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام إلى أن قال: يا هشام أن الله حكى عن قومٍ صالحين: أنهم قالوا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب, علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها, إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله, ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها ويجد حقيقتها في قلبه, ولا يكون أحد كذلك إلاَّ من كان قوله لفعله مصدقاً, وسره لعلانيته موافقاً, لأن الله عزّ اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلاَّ بظاهر منه وناطق عنه.
أقول: قوله عليه السلام: لم يخف الله من لم يعقل عن الله, في معنى قوله تعالى: {إنّما يخشى الله من عباده العلماء}, وقوله عليه السلام: ومن لم يعقل عن الله "إلخ" أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم لأن الأمر ما لم يعقل حق التعقل لم ينسد طرق الاحتمالات فيه, ولم يزل القلب مضطرباً في الإِذعان به وإذا تمّ التعقل وعقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ما يخالفه من الهوى, فكان ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه, وكان ما يقوله هو الذي يفعله, وقوله: ولا يكون أحد كذلك "إلخ" بيان لعلامة الرسوخ في العلم.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة ووائلة بن أسقف وأبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال:
"من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه, ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم"
]. أقول: ويمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: أن الراسخين في العلم من لا يختلف في علمه.
أقول: وهو منطبق على الآية, فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله: {الذين في قلوبهم زيغ}, فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم وارتيابه.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أُم سلمه: أن رسول الله كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك. قلت: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟ قال: نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلاَّ وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فإن شاء أقامه, وإن شاء أزاغه, الحديث.
أقول: وروي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدة من الصحابة كجابر ونواس بن شمعان وعبد الله بن عمر وأبي هريرة, والمشهور في هذا الباب ما في حديث نواس: قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرَّحمن. وقد روى اللفظة (فيما أظن) الشريف الرضي في المجازات النبوية.
وروي عن علي عليه السلام أنه قيل له: هل عندكم شيء من الوحي؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاَّ أن يعطي الله عبداً فهماً في كتابه.
أقول: وهو من غرر الأحاديث, وأقل ما يدلّ عليه: أن ما نقل من أعاجيب المعارف الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم.
وفي الكافي عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"يا أيُّها النَّاس إنّكم في دار هدنة, وأنتم على ظهر سفر, والسير بكم سريع, وقد رأيتم الليل والنهار, والشمس والقمر يبليان كل جديد, ويقربان كل بعيد, ويأتيان بكل موعود, فأعدوا الجهاز لبعد المجاز, قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ فقال: دار بلاغ وانقطاع, فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع, وماحل مصدق, ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة, ومن جعله خلفه ساقه إلى النار, وهو الدليل يدل على خير سبيل, وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل, وهو الفصل ليس بالهزل, وله ظهر وبطن, فظاهره حكم وباطنه علم, ظاهره أنيق وباطنه عميق, له تخوم وعلى تخومه تخوم, لا تحصى عجائبه, ولا تبلى غرائبه, فيه مصابيح الهدى, ومنار الحكمة, ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة, فليجل جال بصره, وليبلغ الصفة نظره, ينج من عطب, ويخلص من نشب, فإن التفكر حياة قلب البصير, كما يمشي المستنير في الظلمات, فعليكم بحسن التخلص, وقلّة التربص"
]. أقول: ورواه العياشي في تفسيره إلى قوله: فليجِل جال.
وفي الكافي وتفسير العياشي أيضاً عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"القرآن هدى من الضلالة, وتبيان من العمى, واستقالة من العثرة, ونور من الظلمة, وضياء من الأحداث, وعصمة من الهلكة, ورشد من الغواية, وبيان من الفتن, وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة, وفيه كمال دينكم, وما عدل أحد من القرآن إلاَّ إلى النار"
]. أقول: والروايات في هذا المساق كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من أهل بيته عليهم السلام.
وفي تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلاَّ ولها ظهر وبطن, وما فيه حرف إلاَّ وله حد, ولكل حد مطلع, ما يعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله, منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد, يجري كما يجري الشمس والقمر, كلما جاء منه شيء وقع, قال الله: {وما يعلم تأويله إلاَّ الله والراسخون في العلم}, نحن نعلمه.
أقول: الرواية المنقولة في ضمن الرواية هي ما روته الجماعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألفاظ مختلفة وإن كان المعنى واحداً كما في تفسير الصافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً" . وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "إن للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن"
]. وقوله عليه السلام منه ما مضى ومنه ما ياتي, ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل والتأويل فقوله: يجري كما يجري الشمس والقمر يجري فيهما معاً, فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلح عليه الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله: { يا أيُّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين } [التوبة: 119]، على كل طائفة من المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية, وهذا نوع من الانطباق, وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس, وانطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين, وهذا نوع آخر من الانطباق أدق من الأول, وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى, وهذا نوع آخر أدق من ما تقدمه, وكانطباقها عليهم في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية, وهذا نوع آخر أدق من الجميع.
ومن هنا يظهر أولاً: أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم, وقد صوّر الباحثون عن مقامات الإِيمان والولاية من معانيه ما هو أدق مما ذكرناه.
وثانياً: أن الظهر والبطن أمران نسبيان, فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس كما يظهر من الرواية التالية.
وفي تفسير العياشي عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من تفسير القرآن فأجابني, ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر, فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم! فقال: يا جابر إن للقرآن بطناً وللبطن بطن, وظهراً وللظهر ظهر, يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القران, إن الآية تكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل ينصرف على وجوه.
وفيه أيضاً عنه عليه السلام في حديث قال: ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء, ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات والأرض ولكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شر.
وفي المعاني عن حمران بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن ظهر القرآن وبطنه فقال: ظهره الذين نزل فيهم القرآن, وبطنه الذين عملوا بأعمالهم, يجري فيهم ما نزل في أولئك.
وفي تفسير الصافي عن علي عليه السلام: ما من آية إلاَّ ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع, فالظاهر التلاوة, والباطن الفهم, والحد هو أحكام الحلال والحرام, والمطلع هو مراد الله من العبد بها.
أقول: المراد بالتلاوة ظاهر مدلول اللفظ بدليل أنه عليه السلام عده من المعاني, فالمراد بالفهم في تفسيره الباطن ما هو في باطن الظاهر من المعنى, والمراد بقوله: هو أحكام الحلال والحرام ظاهر المعارف المتلقاة من القرآن في أوائل المراتب أو أواسطها في مقابل المطلع الذي هو المرتبة العليا أو الحد والمطلع نسبيان كما أن الظاهر والباطن نسبيان, كما عرفت فيما تقدم, فكل مرتبة عليا هي مطلع بالنسبة إلى السفلى.
والمطلع إما بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام اسم مكان من الاطلاع, أو بفتح الميم واللام وسكون الطاء اسم مكان من الطلوع, وهو مراد الله من العبد بها كما ذكره عليه السلام.
وقد وردت هذه الأمور الأربعة في النبوي المعروف هكذا: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع. وفي رواية: ولكل حد ومطلع.
ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ولكل حد مطلع على ما في إحدى الروايتين: أن لكل واحد من الظهر والبطن الذي هو حد مطلع يشرف عليه, هذا هو الظاهر, ويمكن أن يرجع إليه ما في الرواية الأخرى: ولكل حد ومطلع بأن يكون المعنى: ولكل منهما حد هو نفسه ومطلع وهو ما ينتهي إليه الحد فيشرف على التأويل, لكن هذا لا يلائم ظاهراً ما في رواية علي عليه السلام: ما من آية إلاَّ ولها أربعة معان "إلخ" إلاَّ أن يراد أن لها أربعة اعتبارات من المعنى وإن كان ربما انطبق بعضها على بعض.
وعلى هذا فالمتحصل من معاني الأمور الأربعة: أن الظهر هو المعنى الظاهر البادي من الآية؛ والباطن هو الذي تحت الظاهر سواء كان واحداً أو كثيراً, قريباً منه أو بعيداً بينهما واسطة؛ والحد هو نفس المعنى سواء كان ظهراً أو بطناً والمطلع هو المعنى الذي طلع منه الحد وهو بطنه متصلاً به فافهم.
وفي الحديث المروي من طرق الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"أنزل القرآن على سبعة أحرف"
]. أقول: والحديث, وإن كان مروياً باختلاف ما في لفظه, لكن معناها مروي مستفيضاً والروايات متقاربة معنى, روتها العامة والخاصة. وقد اختلف في معنى الحديث اختلافاً شديداً ربما أنهي إلى أربعين قولاً, والذي يهون الخطب أن في نفس الأخبار تفسيراً لهذه السبعة أحرف, وعليه التعويل.
ففي بعض الأخبار: نزل القرآن على سبعة أحرف أمر وزجر, وترغيب وترهيب, وجدل وقصص, ومثل, وفي بعضها: زجر وأمر, وحلال وحرام, ومحكم ومتشابه, وأمثال.
وعن علي عليه السلام أن الله أنزل القرآن على سبعة أقسام, كل منها كافٍ شافٍ, وهي أمر وزجر, وترغيب وترهيب, وجدل ومثل وقصص.
فالمتعين حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان وهي سبعة على وحدتها في الدعوة إلى الله وإلى صراطه المستقيم, ويمكن أن يستفاد من هذه الرواية حصر أصول المعارف الإِلهية في الأمثال فإن بقية السبعة لا تلائمها إلاَّ بنوع من العناية على ما لا يخفى.
(بحث آخر روائي)
في الصافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"
]. أقول: وهذا المعنى رواه الفريقان, وفي معناه أحاديث أُخر رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام.
وفي منية المريد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"
]. أقول: ورواه أبو داود في سننه.
وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"من قال في القرآن بغير علم جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار"
]. وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"
]. أقول: ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"أكثر ما أخاف على أُمتي من بعدي رجل يناول القرآن يضعه على غير مواضعه"
]. وفي تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ فهو أبعد من السماء.
وفيه عن يعقوب بن يزيد عن ياسر عن الرضا عليه السلام قال: الرأي في كتاب الله كفر.
أقول: وفي معناها روايات أُخر مروية في العيون والخصال وتفسير العياشي وغيرها.
قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من فسر القرآن برأيه, الرأي هو الاعتقاد عن اجتهاد وربما أطلق على القول عن الهوى والاستحسان وكيف كان لما ورد قوله: برأيه مع الإِضافة إلى الضمير علم منه أن ليس المراد به النهي عن الاجتهاد المطلق في تفسير القرآن حتى يكون بالملازمة أمراً بالاتباع والاقتصار بما ورد من الروايات في تفسير الآيات عن النبي وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم على ما يراه أهل الحديث, على أنه ينافي الآيات الكثيرة الدالة على كون القرآن عربياً مبيناً, والآمرة بالتدبر فيه, وكذا ينافي الروايات الكثيرة الآمرة بالرجوع إلى القرآن وعرض الأخبار عليه.
بل الإِضافة في قوله: برأيه تفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال بأن يستقل المفسر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي, فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس, فإن قطعة من الكلام من أي متكلم إذا ورد علينا لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي ونحكم بذلك: أنه أراد كذا كما نجري عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما, كل ذلك لكون بياننا مبنياً على ما نعلمه من اللغة ونعهده من مصاديق الكلمات حقيقة ومجازاً.
والبيان القرآني غير جار هذا المجرى على ما تقدم بيانه في الأبحاث السابقة بل هو كلام موصول بعضه ببعض في عين أنه مفصول ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض كما قاله علي عليه السلام فلا يكفي ما يتحصل من آية واحدة بإعمال القواعد المقررة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبر فيها كما يظهر من قوله تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، وقد مرّ بيانه في الكلام على الإِيجاز وغيره.
فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف, وبعبارة أُخرى إنما نهى عليه السلام عن تفهم كلامه على نحو ما يتفهم به كلام غيره, وإن كان هذا النحو من التفهم ربما صادف الواقع, والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية الأخرى:
"من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ فإن الحكم بالخطأ مع فرض الإِصابة ليس إلاَّ لكون الخطأ في الطريق" , وكذا قوله عليه السلام في حديث العياشي: إن أصاب لم يؤجر.
ويؤيده ما كان عليه الأمر في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القرآن لم يكن مؤلفاً بعد ولم يكن منه إلاَّ سوراً أو آيات متفرقة في أيدي الناس فكان في تفسير كل قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد.
والمحصل: أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره, ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه, وهذا الغير لا محالة إما هو الكتاب أو السنة, وكونه هي السنة ينافي القرآن ونفس السنة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الأخبار عليه, فلا يبقى للرجوع إليه والاستعداد منه في تفسير القرآن إلاَّ نفس القرآن.
ومن هنا يظهر حال ما فسروا به حديث التفسير بالرأي فقد تشتتوا في معناه على أقوال:
احدها: أن المراد به التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير, وهي خمسة عشر علماً على ما أنهاه السيوطي في الإِتقان: اللغة, والنحو, والتصريف, والاشتقاق, والمعاني, والبيان, والبديع, والقراءة, وأُصول الدين, وأُصول الفقه, وأسباب النزول وكذا القصص, والناسخ والمنسوخ, والفقه, والأحاديث المبينة لتفسير المجملات والمبهمات, وعلم الموهبة, ويعني بالأخير ما أشار إليه الحديث النبوي: من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم.
الثاني: أن المراد به تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله.
الثالث: التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلاً والتفسير تبعاً فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفاً.
الرَّابع: التفسير بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل.
الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى: وهذه الوجوه الخمسة نقلها ابن النقيب على ما ذكره السيوطي في الإِتقان, وهنا وجوه أُخر نتبعها بها.
السادس: أن المراد به هو القول في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين, ففيه تعرض لسخط الله تعالى.
السابع: القول في القرآن بما يعلم أن الحق غيره, نقلهما ابن الأنباري.
الثامن: أن المراد به القول في القرآن بغير علم وتثبّت, سواء علم أن الحق خلافه أم لا.
التاسع: هو الأخذ بظاهر القرآن بناءً على أنه لا ظهور له بل يتبع في مورد الآية النص الوارد عن المعصوم, وليس ذلك تفسيراً للآية بل اتباعاً للنص, ويكون التفسير على هذا من الشؤون الموقوفة على المعصوم.
العاشر: أنه الأخذ بظاهر القرآن بناءً على أن له ظهوراً لا نفهمه بل المتبع في تفسير الآية هو النص عن المعصوم.
فهذه وجوه عشرة, وربما أمكن إرجاع بعضها إلى بعض, وكيف كان فهي وجوه خالية عن الدليل, على أن بعضها ظاهر البطلان أو يظهر بطلانه بما تقدم في المباحث السابقة, فلا نطيل بالتكرار.
وبالجملة فالمتحصل من الروايات والآيات التي تؤيدها كقوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} الآية، وقوله تعالى:
{ الذين جعلوا القرآن عضين } [الحجر: 91]، وقوله تعالى: { إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة } } [فصلت: 40] الآية، وقوله تعالى: { يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه } [المائدة: 13]، وقوله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم } [الإسراء: 36], إلى غير ذلك, أن النهي في الروايات إنما هو متوجه إلى الطريق وهو أن يسلك في تفسير كلامه تعالى الطريق المسلوك في تفسير كلام غيره من المخلوقين.
وليس اختلاف كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الألفاظ وسرد الجمل وإعمال الصناعات اللفظية فإنما هو كلام عربي روعي فيه جميع ما يراعى في كلام عربي وقد قال تعالى:
{ وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبين لهم } [إبراهيم: 4]، وقال تعالى: { وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103]، وقال تعالى: { إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون } } [الزخرف: 3]. وإنما الاختلاف من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام.
توضيح ذلك: إنا من جهة تعلّق وجودنا بالطبيعة الجسمانية وقطوننا المعجل في الدنيا المادية ألفنا من كل معنى مصداقه المادي, واعتدنا بالأجسام والجسمانيات, فإذا سمعنا كلام واحد من الناس الذين هم أمثالنا يحكي عن حال أمر من الأمور وفهمنا منه معناه حملناه على ما هو المعهود عندنا من المصداق والنظام الحاكم فيه لعلمنا بأنه لا يعني إلاَّ ذلك لكونه مثلنا لا يشعر إلاَّ بذلك, وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم, فربما خصص به العام, أو عمم به الخاص, أو تصرف في المفهوم بأي تصرف آخر, وهو الذي نسميه بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية.
مثال ذلك: أنا إذا سمعنا عزيزاً من أعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول: وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه, وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق: أن له أبنية محصورة حصينة تسع شيئاً كثيراً من المظروفات, فإن الخزانة هكذا تتخذ إذا اتخذت, وأن له فيها مقداراً وافراً من الذهب والفضة والورق والأثاث والزينة والسلاح, فإن هذه الأمور هي التي يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظاً, وأما الأرض والسماء والبر والبحر والكوكب والإِنسان فهي وإن كانت أشياء لكنها لا تخزن ولا تتراكم, ولذلك نحكم بأن المراد من الشيء بعض من أفراده غير المحصورة, وكذا من الخزائن قليل من كثير فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أن كثيراً من الأشياء لا يخزن, وأن ما يختزن منها إنما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة أوجب تقييداً عجيباً في إطلاق مفهوم الشيء والخزائن.
ثم إذا سمعنا الله تعالى ينزل على رسوله قوله:
{ وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه } [الحجر: 21]، فإن لم يرق أذهاننا عن مستواها الساذج الأولي فسرنا كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس مع أنه لا دليل لنا على ذلك البتة, فهو تفسير بما نراه من غير علم.
وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلاً, وأذعنا بأنه تعالى لا يخزن المال وخاصة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية: {وما ننزله إلاَّ بقدر معلوم}, ويقول أيضاً:
{ وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها } [الجاثية: 5]، حكمنا بأن المراد بالشيء الرزق من الخبز والماء وأن المراد بنزوله نزول المطر لأنا لا نشعر بشيء ينزل من السماء غير المطر فاختزان كل شيء عند الله ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ونزوله لتهيئة المواد الغذائية. وهذا أيضاً تفسير بما نراه من غير علم إذ لا مستند له إلاَّ أنّا لا نعلم شيئاً ينزل من السماء غير المطر, والذي بأيدينا ها هُنا عدم العلم دون العلم بالعدم.
وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضاً واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم وأبقينا الكلام على إطلاقه التام, وحكمنا أن قوله: {وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه} يبين أمر الخلقة غير أنا لما كنا لا نشك في أن ما نجده من الأشياء المتجددة بالخلقة كالإِنسان والحيوان والنبات وغيرها لا تنزل من السماء, وإنما تحدث حدوثاً في الأرض حكمنا بأن قوله: {وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه}، كناية عن مطاوعة الأشياء في وجودها لإِرادة الله تعالى, وأن الإِرادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الأشياء المخلوقة وإنما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما يتعلق به مشيئته تعالى, وهذا أيضاً كما ترى تفسير للآية بما نراه من غير علم, إذ لا مستند لنا فيه سوى أنّا نجد الأشياء غير نازلة من عند الله بالمعنى الذي نعهده من النزول, ولا علم لنا بغيره.
وإذا تأملت ما وصفه الله تعالى في كتابه من أسماء ذاته وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله والقيامة وما يتعلق بها, وحكم أحكامه وملاكاتها, وتأملت ما نرومه في تفسيرها من إعمال القرائن العقلية وجدت أن ذلك كله من قبيل التفسير بالرأي من غير علم, وتحريف لكلمه عن مواضعها.
وقد تقدم في الفصل الخامس من البحث في المحكم والمتشابه أن البيانات القرآنية بالنسبة إلى المعارف الإِلهية كالأمثال أو هي أمثال بالنسبة إلى ممثلاتها. وقد فرّقت في الآيات المتفرقة, وبيّنت ببيانات مختلفة ليتبين ببعض الآيات ما يمكن أن يختفي معناه في بعض, ولذلك كان بعضها شاهداً على البعض, والآية مفسره للآية, ولولا ذلك لاختل أمر المعارف الإِلهية في حقائقها, ولم يمكن التخلص في تفسير الآية من القول بغير علم على ما تقدم بيانه.
ومن هنا يظهر: أن التفسير بالرأي كما بيناه لا يخلو عن القول بغير علم كما يشير الحديث النبوي السابق: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
ومن هنا يظهر أيضاً: أن ذلك يؤدي إلى ظهور التنافي بين الآيات القرآنية من حيث إبطاله الترتيب المعنوي الموجود في مضامينها فيؤدي إلى وقوع الآية في غير موقعها, ووضع الكلمة في غير موضعها. ويلزمها تأويل بعض القرآن أو أكثر آياتها بصرفها عن ظاهرها كما يتأول المجبرة آيات الاختيار, والمفوضة آيات القدر, وغالب المذاهب في الإِسلام لا يخلو عن التأول في الآيات القرآنية وهي الآيات التي لا يوافق ظاهرها مذهبهم, فيتشبثون في ذلك بذيل التأويل استناداً إلى القرينة العقلية, وهو قولهم: إن الظاهر الفلاني قد ثبت خلافه عند العقل فيجب صرف الكلام عنه.
وبالجملة يؤدي ذلك إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها, ودفع مقاصد بعضها ببعض, ويبطل بذلك المرادان جميعاً إذ لا اختلاف في القرآن, فظهور الاختلاف بين الآيات - بعضها مع بعض - ليس إلاَّ لاختلال الأمر واختلاط المراد فيهما معاً.
وهذا هو الذي ورد التعبير عنه في الروايات بضرب بعض القرآن ببعض كما في الروايات التالية:
في الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلاَّ كفر.
وفي المعاني والمحاسن مسنداً وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلاَّ كفر.
قال الصدوق سألت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث فقال: هو أن تجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية أُخرى.
أقول: ما أجاب به لا يخلو عن إبهام, فإن أراد به الخلط المذكور وما هو المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية وتأويل البعض بالتمسك بالبعض فحق, وإن أراد به تفسير الآية بالآية والاستشهاد بالبعض للبعض فخطأ, والروايتان التاليتان تدفعانه.
وفي تفسير النعماني بإسناده إلى إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء فلا نبي بعده, وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده, أحل فيه حلالاً وحرم حراماً, فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة, فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم، وجعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم علماً باقياً في أوصيائه، فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان, وعدلوا عنهم ثم قتلوهم، واتبعوا غيرهم ثم أخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم، قال الله سبحانه: {فنسوا حظاً مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم} وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم, واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام, واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها, ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه, ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا.
واعلموا رحمكم الله: أنه من لم يعرف من كتاب الله عزّ وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام, والمحكم من المتشابه, والرخص من العزائم, والمكي والمدني وأسباب التنزيل, والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة, وما فيه من علم القضاء والقدر, والتقديم والتأخير, والمبين والعميق, والظاهر والباطن, والابتداء والانتهاء, والسؤال والجواب, والقطع والوصل, والمستثنى منه والجار فيه, والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد, والمؤكد منه والمفصل, وعزائمه ورخصه, ومواضع فرائضه وأحكامه, ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون, والموصول من الألفاظ, والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله.
ومتى ما ادعى معرفة هذه الأقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير.
وفي نهج البلاغة والاحتجاج قال عليه السلام: ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الإِمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد, ونبيهم واحد, وكتابهم واحد، فأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله ديناً تاماً فقصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول: {ما فرطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان كل شيء}، وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً, وأنه لا اختلاف فيه, فقال سبحانه: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}, وإن القرآن ظاهره أنيق, وباطنه عميق لا تحصى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاَّ به.
أقول: والرواية كما ترى ناصة على أن كل نظر ديني يجب أن ينتهي إلى القرآن، وقوله: فيه تبيان, نقل للآية بالمعنى.
وفي الدر المنثور وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال:
"بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم, وضرب الكتاب بعضه ببعض. قال: وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً, فما عرفتم فاعملوا به, وما تشابه عليكم فآمنوا به"
]. وفيه أيضاً: أخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوماً يتدارؤون فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا, وما جهلتم فكلوه إلى عالمه"
]. أقول: والروايات كما ترى يعد ضرب القرآن بعضه ببعض مقابلاً لتصديق بعض القرآن بعضاً, وهو الخلط بين الآيات من حيث مقامات معانيها, والإِخلال بترتيب مقاصدها كأخذ المحكم متشابهاً والمتشابه محكماً ونحو ذلك.
فالتكلم في القرآن بالرأي, والقول في القرآن بغير علم كما هو موضوع الروايات المنقولة سابقاً, وضرب القرآن بعضه ببعضه كما هو مضمون الروايات المنقولة آنفاً يحوم الجميع حول معنى واحد وهو الاستمداد في تفسير القرآن بغيره.
فإن قلت: لا ريب أن القرآن إنما نزل ليعقله الناس ويفهموه كما قال تعالى:
{ إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس } [الزمر: 41]، وقال تعالى: { هذا بيان للناس } [آل عمران: 138], إلى غير ذلك من الآيات؛ ولا ريب أن مبينه هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للنَّاس ما نزل إليهم } [النحل: 44]، وقد بينه للصحابة, ثم أخذ عنهم التابعون فما نقلوه عنه صلى الله عليه وآله وسلم إلينا فهو بيان نبوي لا يجوز التجافي والإِغماض عنه بنص القرآن, وما تكلموا فيه من غير إسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو وإن لم يجر مجرى النبويات في حجيتها لكن القلب إليه أسكن فإن ما ذكروه في تفسير الآيات إما مسموع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو شيء هداهم إليه الذوق المكتسب من بيانه وتعليمه صلى الله عليه وآله وسلم؛ وكذا ما ذكره تلامذتهم من التابعين ومن يتلوهم, وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تعرقهم في العربية, وسعيهم في تلقيها من مصدر الرسالة, واجتهادهم البالغ في فقه الدين على ما يقصه التاريخ من مساعي رجال الدين في صدر الإِسلام.
ومن هنا يظهر: أن العدول عن طريقتهم وسنتهم, والخروج من جماعتهم, وتفسير آية من الآيات بما لا يوجد بين أقوالهم وآرائهم بدعة؛ والسكوت عمّا سكتوا عنه واجب.
وفي ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب الله تعالى, فإنه يبلغ زهاء ألوف من الروايات, وقد ذكر السيوطي أنه أنهاه إلى سبعة عشر ألف رواية عن النبي وعن الصحابة والتابعين.
قلت: قد مرّ فيما تقدم أن الآيات التي تدعو الناس عامة من كافر أو مؤمن ممن شاهد عصر النزول أو غاب عنه إلى تعقل القرآن وتأمله والتدبر فيه وخاصة قوله تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، تدل دلالة واضحة على أن المعارف القرآنية يمكن أن ينالها الباحث بالتدبر والبحث, ويرتفع به ما يتراءى من الاختلاف بين الآيات, والآية في مقام التحدي, ولا معنى لإِرجاع فهم معاني الآيات - والمقام هذا المقام - إلى فهم الصحابة وتلامذتهم من التابعين حتى إلى بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن ما بينه إما أن يكون معنى يوافق ظاهر الكلام فهو مما يؤدي إليه اللفظ ولو بعد التدبر والتأمل والبحث, وإما أن يكون معنى لا يوافق الظاهر ولا أن الكلام يؤدي إليه فهو مما لا يلائم التحدي ولا تتم به الحجة وهو ظاهر.
نعم تفاصيل الأحكام مما لا سبيل إلى تلقيه من غير بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أرجعها القرآن إليه في قوله تعالى:
{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } } [الحشر: 7], وما في معناه من الآيات, وكذا تفاصيل القصص والمعاد مثلاً.
ومن هنا يظهر أن شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام هو التعليم فحسب, والتعليم إنما هو هداية المعلم الخبير, ذهن المتعلم وإرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم, فإنما التعليم تسهيل للطريق وتقريب للمقصد, لا إيجاد للطريق وخلق للمقصد, والمعلم في تعليمه إنما يروم ترتيب المطالب العلمية ونضدها على نحو يستسهله ذهن المتعلم ويأنس به فلا يقع في جهد الترتيب وكدّ التنظيم فيتلف العمر وموهبة القوة أو يشرف على الغلط في المعرفة.
وهذا هو الذي يدل عليه أمثال قوله: تعالى:
{ وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم } [النحل: 44] الآية، وقوله تعالى: { ويعلمهم الكتاب والحكمة } [الجمعة: 2]، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يعلم الناس ويبيّن لهم ما يدل عليه القرآن بنفسه, ويبينه الله سبحانه بكلامه, ويمكن للناس الحصول عليه بالأخرة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم يبين لهم معاني لا طريق إلى فهمها من كلام الله تعالى فإن ذلك لا ينطبق البتة على مثل قوله تعالى, { كتاب فُصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون } [فصلت: 3]، وقوله تعالى: { وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103]. على أن الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وآله وسلم المتضمنة لوصيته بالتمسك بالقرآن والأخذ به وعرض الروايات المنقولة عنه صلى الله عليه وآله وسلم على كتاب الله لا يستقيم معناها إلاَّ مع كون جميع ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يمكن استفادته من الكتاب, ولو توقف ذلك على بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من الدور الباطل وهو ظاهر.
على أن ما ورد به النقل من كلام الصحابة مع قطع النظر عن طرقه لا يخلو عن الاختلاف فيما بين الصحابة أنفسهم, بل عن الاختلاف فيما نقل عن الواحد منهم, على ما لا يخفى على المتتبع المتأمل في أخبارهم, والقول بأن الواجب حينئذٍ أن يختاروا أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية, ويجتنب عن خرق إجماعهم, والخروج عن جماعتهم مردود بأنهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق, ولم يستلزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به ولم يختصوا بحجية قولهم على غيرهم, ولا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم.
على أن هذا الطريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسري صدر الإِسلام من الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنية يوجب توقف العلم في سيره, وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوايل والكتب المؤلفة في التفسير في القرون الأولى من الإِسلام, ولم ينقل منهم في التفسير إلاَّ معانٍ ساذجة بسيطة خالية عن تعمق البحث وتدقيق النظر فأين ما يشير إليه قوله تعالى:
{ ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } [النحل: 89]، من دقائق المعارف في القرآن؟.
وأما استبعاد أن يختفي عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجد والاجتهاد فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات والتناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم إذ لا يتصور اختلاف ولا تناقض إلاَّ مع فرض خفاء الحق واختلاط طريقه بغيره.
فالحق أن الطريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود, وأن البيان الإِلهي والذكر الحكيم بنفسه هو الطريق الهادي إلى نفسه, أي انه لا يحتاج في تبيين مقاصده إلى طريق, فكيف يتصور أن يكون الكتاب الذي عرفه الله تعالى بأنه هدى, وأنه نور, وأنه تبيان لكل شيء, مفتقراً إلى هاد غيره, ومستنيراً بنور غيره, ومبيناً بأمر غيره؟.
فإن قلت: قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في آخر خطبة خطبها:
"إني تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر, والثقل الأصغر, فأما الأكبر فكتاب ربي, وأما الأصغر فعترتي أهل بيتي, فاحفظوني فيهما, فلن تضلوا ما تمسكتم بهما" , رواه الفريقان بطرق متواترة عن جم غفير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه, أنهى علماء الحديث عدتهم إلى خمس وثلاثين صحابياً؛ وفي بعض الطرق: لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض, والحديث دال على حجية قول أهل البيت عليهم السلام في القرآن ووجوب اتباع ما ورد عنهم في تفسيره والاقتصار على ذلك وإلاَّ لزم التفرقة بينهم وبينه.
قلت: ما ذكرناه في معنى اتباع بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم آنفاً جار ها هُنا بعينه, والحديث غير مسوق لإِبطال حجية ظاهر القرآن وقصر الحجية على ظاهر بيان أهل البيت عليهم السلام, كيف وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لن يفترقا, فيجعل الحجية لهما معاً, فللقرآن الدلالة على معانيه والكشف عن المعارف الإِلهية, ولأهل البيت الدلالة على الطريق وهداية الناس إلى أغراضه ومقاصده.
على أن نظير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوة الناس إلى الأخذ بالقرآن والتدبر فيه وعرض ما نقل عنه عليه وارد عن أهل البيت عليهم السلام.
على أن جماً غفيراً من الروايات التفسيرية الواردة عنهم عليهم السلام مشتملة على الاستدلال بآية على آية, والاستشهاد بمعنى على معنى, ولا يستقيم ذلك إلاَّ بكون المعنى مما يمكن أن يناله المخاطب ويستقل به ذهنه لوروده من طريقه المتعين له.
على أن هاهُنا روايات عنهم عليهم السلام تدل على ذلك بالمطابقة كما رواه في المحاسن بإسناده عن أبي لبيد البحراني عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: فمن زعم أن كتاب الله مبهم فقد هلك وأهلك. ويقرب منه ما فيه وفي الاحتجاج عنه عليه السلام قال: إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب الله الحديث.
وبما مرّ من البيان يجمع بين أمثال هذه الأحاديث الدالة على إمكان نيل المعارف القرآنية منه وعدم احتجابها من العقول وبين ما ظاهره خلافه كما في تفسير العياشي عن جابر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن للقرآن بطناً وللبطن ظهراً, ثم قال: يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه إن الآية لتنزل أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء, وهو كلام متصل ينصرف على وجوه، وهذا المعنى وارد في عدة روايات. وقد رويت الجملة أعني قوله: وليس شيء أبعد "إلخ" في بعضها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد روي عن علي عليه السلام: أن القرآن حمال ذو وجوه؛ الحديث, فالذي ندب إليه تفسيره من طريقه, والذي نهى عنه تفسيره من غير طريقه, وقد تبيّن أن المتعين في التفسير الاستمداد بالقرآن على فهمه وتفسير الآية بالآية وذلك بالتدرب بالآثار المنقولة عن النبي وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم وتهيئة ذوق مكتسب منها ثم الورود والله الهادي.