التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
١
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ
٢
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
٣
لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ
٥
وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
٦
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
٧
أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ
٨
أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ
٩
-سبأ

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتكلم السورة حول الأُصول الثلاثة أعني الوحدانية والنبوة والبعث فتذكرها وتذكر ما لمنكريها من الاعتراض فيها والشبه التي أُلقوها ثم تدفعها بوجوه الدفع من حكمة وموعظة ومجادلة حسنة وتهتم ببيان أمر البعث أكثر من غيره فتذكره في مفتتح الكلام ثم تعود إليه عودة بعد عودة إلى مختتمه.
وهي مكية بشهادة مقاصد آياتها على ذلك.
قوله تعالى: {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} الخ، المطلوب بيان البعث والجزاء بياناً لا يعتريه شك بالإِشارة إلى الحجة التي ينقطع بها الخصم والأساس الذي يقوم عليه ذلك أمران أحدهما عموم ملكه تعالى لكل شيء من كل جهة حتى يصح له أي تصرف أراد فيها من إبداء ورزق وإماتة وإحياء بالإِعادة وجزاء، وثانيهما كمال علمه تعالى بالأشياء من جميع جهاتها علماً لا يطرأ عليه عزوب وزوال حتى يعيد كل من أراد ويجزيه على ما علم من أعماله خيراً أو شراً.
وقد أُشير إلى أول الأمرين في الآية الأُولى التي نحن فيها وإلى الثانية في الآية الثانية وبذلك يظهر أن الآيتين تمهيد لما في الآية الثالثة والرابعة.
فقوله: {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ثناء عليه على ملكه المنبسط على كل شيء بحيث له أن يتصرف في كل شيء بما شاء وأراد.
وقوله: {وله الحمد في الآخرة} تخصيص الحمد بالآخرة لما أن الجملة الأُولى تتضمن الحمد في الدنيا فإن النظام المشهود في السماوات والأرض نظام دنيوي كما يشهد به قوله تعالى:
{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } } [إبراهيم: 48]. وقوله: {وهو الحكيم الخبير} ختم الآية بالاسمين الكريمين للدلالة على أن تصرفه في نظام الدنيا ثم تعقيبه بنظام الآخرة مبني على الحكمة والخبرة فبحكمته عقّب الدنيا بالآخرة وإلاَّ لغت الخلقة وبطلت ولم يتميز المحسن من المسيئ كما قال: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً } [ص: 27] إلى أن قال { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } [ص: 28]، وبخبرته يحشرهم ولا يغادر منهم أحداً ويجزي كل نفس بما كسبت.
والخبير من أسماء الله الحسنى مأخوذة من الخبرة وهي العلم بالجزئيات فهو أخصّ من العليم.
قوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} الولوج مقابل الخروج والعروج مقابل النزول وكأن العلم بالولوج والخروج والنزول والعروج كناية عن علمه بحركة كل متحرك وفعله واختتام الآية بقوله: {وهو الرحيم الغفور} كأن فيه إشارة إلى أن له رحمة ثابتة ومغفرة ستصيب قوماً بإيمانهم.
قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} الخ، يذكر إنكارهم لإِتيان الساعة وهي يوم القيامة وهم ينكرونه مع ظهور عموم ملكه وعلمه بكل شيء ولا مورد للارتياب في إتيانها مع ذلك كما تقدم فضلاً عن إنكار إتيانها ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عن قولهم بقوله: {قل بلى وربي لتأتينكم} أي الساعة.
ولما كان السبب العمدة في إنكارهم هو اختلاط الأشياء ومنها أبدان الأموات بعضها ببعض وتبدل صورها تبدلاً بعد تبدل بحيث لا خبر عن أعيانها فيمتنع إعادتها من دون تميز بعضها من بعض أشار إلى دفع ذلك بقوله: {عالم الغيب لا يعزب} أي لا يفوت {عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض}.
وقوله: {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} تعميم لعلمه لكل شيء وفيه مع ذلك إشارة إلى أن للأشياء كائنة ما كانت ثبوتاً في كتاب مبين لا تتغير ولا تتبدل وإن زالت رسومها عن صفحة الكون وقد تقدم بعض الكلام في الكتاب المبين في سورة الأنعام وغيرها.
قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أُولئك لهم مغفرة ورزق كريم} اللام في {ليجزي} للتعليل وهو متعلق بقوله: {لتأتينكم} وفي قوله: {لهم مغفرة ورزق كريم} نوع محاذاة لقوله السابق: {وهو الرحيم الغفور}.
وفي الآية بيان أحد السببين لقيام الساعة وهو أن يجزي الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والرزق الكريم وهو الجنة بما فيها والسبب الأخير ما يشير إليه قوله: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} الخ.
قوله تعالى: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين أُولئك لهم عذاب من رجز أليم} السعي الجد في المشي والمعاجزة المبالغة في الإِعجاز وقيل: المسابقة والكلام مبني على الاستعارة بالكناية كأن الآيات مسافة يسيرون فيها سيراً حثيثاً ليعجزوا الله ويسبقوه والرجز كالرجس القذر ولعل المراد به العمل السيئ فيكون إشارة إلى تبدل العمل عذاباً أليماً عليهم أو سبباً لعذابهم، وقيل: الرجز هو سيىء العذاب.
وفي الآية تعريض للكفار الذين يصرّون على إنكار البعث.
قوله تعالى: {ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق} الموصول الأول فاعل يرى والموصول الثاني مفعوله الأول والحق مفعوله الثاني والمراد بالذين أُوتوا العلم العلماء بالله وبآيته، وبالذي أُنزل إليه القرآن النازل إليه صلى الله عليه وآله وسلم.
وجملة {ويرى} الخ، استئناف متعرض لقوله السابق: {وقال الذين كفروا} أو حال من فاعل كفروا، والمعنى: أُولئك يقولون: لا تأتينا الساعة وينكرونه جهلاً، والعلماء بالله وآياته يرون أن هذا القرآن النازل إليك المخبر بأن الساعة آتية هو الحق.
وقوله: {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} معطوف على الحق أي ويرون القرآن يهدي إلى صراط من هو عزيز لا يغلب على ما يريد محمود يثنى على جميع أفعاله لأنه لا يفعل مع عزته إلا الجميل وهو الله سبحانه، وفي التوصيف بالعزيز الحميد مقابلة لما وصفهم به في قوله: {الذين سعوا في آياتنا معاجزين}.
قوله تعالى: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزَّقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} كلام منهم وارد مورد الاستهزاء يعرّفون فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعضهم لبعض بالقول بالمعاد.
والتمزيق التقطيع والتفريق، وكونهم في خلق جديد استقرارهم فيه أي تجديد خلقتهم بإحيائهم بعد موتهم ووجودهم ثانياً بعد عدمهم، وقوله: {إذا مزقتم} ظرف لقوله: {إنكم لفي خلق جديد}.
والمعنى: وقال الذين كفروا بعضهم لبعض على طريق الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لإِنذاره إياهم بالبعث والجزاء: هل ندلكم على رجل والمراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينبئكم ويخبركم أنكم ستستقرون في خلق جديد ويتجدد لكم الوجود إذا فرَّقت أبدانكم كل التفريق وقطعت بحيث لا يتميز شيء منها من شيء.
قوله تعالى: {أفترى على الله كذباً أم به جنة} الخ، الاستفهام للتعجيب فإن القول ببعث الأجساد بعد فنائها عجيب عندهم لا يقول به عاقل إلا لتلبيس الأمر على الناس وإضلالهم لينال بعض ما عندهم وإلا فكيف يلتبس فيه الأمر على عاقل، ولهذا رددوا الأمر بين الافتراء والجنة في الاستفهام والمعنى: أهو عاقل يكذب على الله افتراء عليه بالقول بالبعث أم به نوع جنون يتفوه بما بدا له من غير فكر مستقيم.
وقوله: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} رد لقولهم وإضراب عن الترديد الذي أتوا به مستفهمين، ومحصله أن ذلك ليس افتراء على الله ولا جنون فيه بل هؤلاء الكفار مستقرون في عذاب سيظهر لهم وقد أبعدهم ذلك عن الحق فكانوا في ضلال بعيد لا يسعهم مع ذلك أن يعقلوا الحق ويذعنوا به.
ووضع الموصول موضع الضمير في قوله: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة} للدلالة على أن علة وقوعهم فيما وقعوا فيه من العذاب والضلال عدم إيمانهم بالآخرة.
قوله تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} الخ، وعظ وإنذار لهم باستعظام ما اجترؤا عليه من تكذيب آيات الله والاستهزاء برسوله فالمراد بقوله: {ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} إحاطة السماء والأرض بهم من بين أيديهم ومن خلفهم فأينما نظروا وجدوا سماء تظلهم وأرضاً تقلهم لا مفر لهم منهما.
وقوله: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} أي إذ أحاط بهم الأرض والسماء وهما مدبرتان بتدبيرنا منقادتان مسخرتان لنا إن نشأ نخسف بهم الأرض فنهلكهم أو نسقط عليهم قطعة من السماء فنهلكهم فما لهم لا ينتهون عن هذه الأقاويل؟.
وقوله: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب}، أي فيما ذكر من إحاطة السماء والأرض وكونهما مدبرتين لله سبحانه إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم كسفاً من السماء لآية لكل عبد منيب، راجع إلى ربه بالطاعة، فهؤلاء لا يستهينون بهذه الأُمور ولا يجترئون على تكذيب هذه الآيات إلا لكونهم مستكبرين عاتين لا يريدون إنابة إلى ربهم ورجوعاً إلى طاعته.