التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
٣١
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ
٣٢
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٣
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
٣٤
وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٣٥
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٦
وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ
٣٧
وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
٣٨
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
٣٩
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ
٤٠
قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ
٤١
فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
٤٢
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٤٣
وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ
٤٤
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
٤٥
قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
٤٦
قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
٤٧
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
٤٨
قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ
٤٩
قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
٥٠
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ
٥١
وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ
٥٢
وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ
٥٣
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ
٥٤
-سبأ

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل آخر من آيات السورة تتكلم في أمر النبوة وما يرجع إليها وما يقول المشركون فيها وتتخلص في خلالها بما يجري عليهم يوم الموت أو يوم القيامة، وقد اتصلت بقوله في الفصل السابق: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} الآية، وقد عرفت أن الآية كالبرزخ بين الفصلين تذكر الرسالة وتجعلها دليلاً على التوحيد.
قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} المراد بالذين كفروا المشركون والمراد بالذي بين يديه الكتب السماوية من التوراة والإِنجيل وذلك أن المشركين وهم الوثنيون ليسوا قائلين بالنبوة ويتبعها الكتاب السماوي.
وقول بعضهم: إن المراد بالذي بين يديه هو أمر الآخرة مما لا دليل يساعده، وقد أكثر القرآن الكريم من التعبير عن التوراة والإِنجيل بالذي بين يديه، ومن الخطأ قول بعضهم: إن المراد بالذين كفروا هم اليهود.
قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} الخ، الظاهر أن اللام في {الظالمون} للعهد، وهذه الآية والآيتان بعدها تشير إلى أن وبال هذا الكفر - وأساسه ضلال أئمة الكفر وإضلالهم تابعيهم - سيلحق بهم وسيندمون عليه ولن ينفعهم الندم.
فقوله: {ولو ترى} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ هم بمعزل عن فهم الخطاب {إذ الظالمون} وهم الكافرون بكتب الله ورسله، الذين ظلموا أنفسهم بالكفر {موقوفون عند ربهم} للحساب والجزاء يوم القيامة {يرجع بعضهم إلى بعض القول} أي يتحاورون ويتراجعون في الكلام متخاصمين {يقول الذين استضعفوا} بيان لرجوع بعضهم إلى بعض في القول والمستضعفون الأتباع الذين استضعفهم المتبوعون {للذين استكبروا} وهم الأئمة القادة {لولا أنتم لكنا مؤمنين} يريدون أنكم أجبرتمونا على الكفر وحلتم بيننا وبين الإِيمان.
{قال الذين استكبروا للذين استضعفوا} جواباً عن قولهم وردّاً لما اتهموهم به من الإِجبار والإِكراه {أنحن صددناكم} الاستفهام للإِنكار أي أنحن صرفناكم {عن الهدى بعد إذ جاءكم} فبلوغه إليكم بالدعوة النبوية أقوى الدليل على أنّا لم نحل بينه وبينكم وكنتم مختارين في الإِيمان به والكفر {بل كنتم مجرمين} متلبسين بالإِجرام مستمرين عليه فأجرمتم بالكفر به لما جاءكم من غير أن نجبركم عليه فكفركم منكم ونحن براء منه.
{وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا} ردّاً لقولهم ودعواهم البراءة {بل مكر الليل والنهار} أي مكركم بالليل والنهار حملنا على الكفر {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً} وأمثالاً من الآلهة أي إنكم لم تزالوا في الدنيا تمكرون الليل والنهار وتخطّون الخطط لتستضعفونا وتتأمَّروا علينا فتحملونا على طاعتكم فيما تريدون، فلم نشعر إلا ونحن مضطرّون على الائتمار بأمركم إذ تأمروننا بالكفر والشرك.
{وأسرُّوا} وأخفوا {الندامة لما رأوا العذاب} وشاهدوا أن لا مناص، وإخفاؤهم الندامة يوم القيامة - وهو يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء - نظير كذبهم على الله وإنكارهم الشرك بالله وحلفهم لله كان بين كل ذلك من قبيل ظهور ملكاتهم الرذيلة التي رسخت في نفوسهم فقد كانوا يسرّون الندامة في الدنيا خوفاً من شماتة الأعداء وكذلك يفعلون يوم القيامة مع ظهور ما أسرّوا واليوم يوم تبلى السرائر كما يكذبون بمقتضى ملكة الكذب مع ظهور أنهم كاذبون في قولهم.
ثم ذكر سبحانه أخذهم للعذاب فقال: {وجعلنا الأغلال} السلاسل {في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} فصارت أعمالهم أغلالاً في أعناقهم تحبسهم في العذاب.
قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أُرسلتم به كافرون} المترفون اسم مفعول من الإِتراف وهو الزيادة في التنعيم، وفيه إشعار بأن الإِتراف يفضي إلى الاستكبار على الحق كما تفيده الآية اللاحقة.
قوله تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} ضمير الجمع للمترفين، ومن شأن الإِتراف والترفّه والتقلب في نعم الدنيا أن يتعلق قلب الإِنسان بها ويستعظمها فيرى السعادة فيها سواء وافق الحق أم خالفه فلا يذكر إلا ظاهر الحياة وينسى ما وراءه.
ولذا حكى سبحانه عنهم ذلك إذ قالوا: {نحن أكثر أموالاً وأولاداً} فلا سعادة إلا فيها ولا شقوة معها {وما نحن بمعذبين} في آخرة، ولم ينفوا العذاب إلا للغفلة والانصراف عما وراء كثرة الأموال والأولاد فإذ كانت هي السعادة والفلاح فحسب فالعذاب في فقدها ولا عذاب معها.
وها هنا وجه آخر وهو أنهم لغرورهم بما رزقوا به من المال والولد ظنوا أن لهم كرامة على الله سبحانه وهم على كرامتهم عليهم ما داموا، والمعنى: أنّا ذوو كرامة على الله بما أُوتينا من كثرة الأموال والأولاد ونحن على كرامتنا فما نحن بمعذَّبين لو كان هناك عذاب.
فتكون الآية في معنى قوله:
{ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرَّاء مسَّته ليقولنّ هذا لي وما أظنُّ الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } } [فصلت: 50]. قوله تعالى: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون} الآية وما يتلوها إلى تمام أربع آيات جواب عن قولهم: {نحن أكثر أموالاً} الخ، وقد أُجيب عنه بوجهين أحدهما أن أمر الرزق من الأموال والأولاد سعة وضيقاً بيد الله على ما تستدعيه الحكمة والمصلحة وهيأ من الأسباب لا بمشيئة الإِنسان ولا لكرامة له على الله فربما بسط في رزق مؤمن أو كافر أو عاقل ذي حزم أو أحمق خفيف العقل، وربما بسط على واحد ثم قدر له. فلا دلالة في الإِتراف على سعادة أو كرامة.
وهذا معنى قوله: {قل إن ربي} نسبة إلى نفسه لأنهم لم يكونوا يرون الله رباً لأنفسهم والرزق من شؤون الربوبية {يبسط} أي يوسع {الرزق لمن يشاء} من عباده بحسب الحكمة والمصلحة {ويقدر} أي يضيق {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فينسبونه ما لم يؤتوه إلى الأسباب الظاهرية الاتفاقية ثم إذا أُوتوه نسبوه إلى حزمهم وحسن تدبيرهم أنفسهم وكفى به دليلاً على الحمق.
قوله تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} إلى آخر الآيتين هذا هو الجواب الثاني عن قولهم: {نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} ومحصله أن انتفاء العذاب المترتب على القرب من الله لا يترتب على الأموال والأولاد إذ لا توجب الأموال والأولاد قرباً وزلفى من الله حتى ينتفي معها العذاب الإِلهي فوضع تقريب المال في الآية موضع انتفاء العذاب من قبيل وضع السبب موضع المسبب.
وهذا معنى قوله: {وما أموالكم ولا أولادكم} التي تعتمدون عليها في السعادة وانتفاء عذاب الله {بالتي} أي بالجماعة التي {تقربكم عندنا زلفى} أي تقريباً.
{إلا من آمن وعمل صالحاً} في ماله وولده بأن أنفق من أمواله في سبيل الله وبثّ الإِيمان والعمل الصالح في أولاده بتربية دينية {فأُولئك لهم جزاء الضعف} لعله من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الجزاء المضاعف من جهة أنهم اهتدوا وهدوا وأيضاً من جهة تضعيف الحسنات إلى عشر أضعافها وزيادة {وهم في الغرفات} أي في القباب العالية {آمنون} من العذاب فما هم بمعذبين.
{والذين يسعون في آياتنا معاجزين} أي يجدون في آياتنا وهم يريدون أن يعجزونا - أو أن يسبقونا - {أُولئك في العذاب محضرون} وإن كثرت أموالهم وأولادهم.
وفي قوله: {وما أموالكم ولا أولادكم} الخ، انتقال إلى خطاب عامة الناس من الكفار وغيرهم والوجه فيه أن ما ذكره من الحكم حكم الأموال والأولاد سواء في ذلك المؤمن والكافر فالمال والولد إنما يؤثران أثرهما الجميل إذا كان هناك إيمان وعمل صالح فيهما وإلا فلا يزيدان إلا وبالاً.
قوله تعالى: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} قال في مجمع البيان: يقال: أخلف الله له وعليه إذا أبدل له ما ذهب عنه. انتهى.
سياق الآية يدل على أن المراد بالإِنفاق في وجوه البر والمراد بيان أن هذا النحو من الإِنفاق لا يضيع عند الله بل يخلفه ويرزق بدله.
فقوله في صدر الآية: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} للإِشارة إلى أن أمر الرزق في سعته وضيقه إلى الله سبحانه لا ينقص بالإِنفاق ولا يزيد بالإِمساك ثم قال: {وما أنفقتم من شيء} قليلاً كان أو كثيراً وأياً ما كان من المال {فهو يخلفه} ويرزقكم بدله إما في الدنيا وإما في الآخرة {وهو خير الرازقين} فإنه يرزق جوداً ورزق غيره معاملة في الحقيقة ومعاوضة، ولأنه الرازق في الحقيقة وغيره ممن يسمّى رازقاً واسطة لوصول الرزق.
قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} المراد بهم جميعاً بشهادة السياق العابدون جميعاً.
وقوله: {ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ليس سؤال استخبار عن أصل عبادتهم لهم ولو كان كذلك لم يسعهم إنكارها لأنهم عبدوهم في الدنيا وقد أنكروها كما في الآية بل المراد السؤال عن رضاهم بعبادتهم على حد قوله تعالى لعيسى ابن مريم: {ءأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله}.
والغرض من السؤال تبكيت المشركين وإقناطهم من نصرة الملائكة وشفاعتهم لهم وقد عبدوهم في الدنيا لذلك.
قوله تعالى: {قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} أخذت الملائكة في جوابهم عن سؤاله تعالى بجوامع الأدب فنزهوه سبحانه أولاً تنزيهاً مطلقاً فيه تنزيهه من أن يعبدوا من دونه ثم نفوا رضاهم بعبادة المشركين لهم لكن لا بالتصريح بنفي الرضا بالعبادة ولا بالتفوّه بعبادتهم صوناً لساحة المخاطبة عما يقرع السمع بذلك، ولو تصوراً لا تصديقاً بل أجابوا بقصر ولايتهم فيه تعالى ونفيها عنهم ليدل على نفي الرضا بعبادتهم لهم على طريق الكناية فإن الرضا بعبادتهم لازمه الموالاة بينهم، والموالاة بينهم تنافي قصر الولاية في الله سبحانه فإذا انحصرت الولاية فيه تعالى لم تكن موالاة وإذا لم تكن موالاة لم يكن رضا.
ثم قالوا على ما حكاه الله سبحانه: {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} والجن هم الطائفة الثانية من الطوائف الثلاث التي يعبدهم الوثنيون وهم الملائكة والجن والقديسون من البشر، والأقدم في استحقاق العبادة عندهم هم الطائفتان الأوليان والطائفة الثالثة ملحقة بهما بعد الكمال وإن كانوا أفضل منهما.
والإِضراب في قولهم: {بل كانوا يعبدون الجن} يدل على أن الجن كانوا على رضى من عبادتهم لهم.
وهؤلاء من الجن هم الذين يعدّهم الوثنيون مبادئ الشرور في العالم فيعبدونهم اتقاء من شرورهم كما يعبدون الملائكة طمعاً في خيراتهم لما أنهم مباد للخيرات لا كما قيل: إن المراد بالجن إبليس وذريته وقبيله ومعنى عبادتهم لهم طاعتهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة أو مطلق المعاصي، ويرده ما وقع في الآية من التعبير بلفظ الإِيمان دون الطاعة ولا ما قيل: إنهم كانوا يتمثلون لهم ويخيلون لهم أنهم الملائكة فيعبدونهم ولا ما قيل: إنهم كانوا يدخلون أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها.
ولعل الوجه في نسبة الإِيمان بهم إلى أكثرهم دون جميعهم أن أكثرهم يعبدون الآلهة اتقاء من طروق الشر من قبلهم، ومبادئ الشر عندهم مطلقاً الجن لا كما قيل: إن المراد بالأكثر الكلّ، وهو مبني على تفسير العبادة بمعنى الطاعة وقد عرفت ما فيه.
قوله تعالى: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} نوع تفريع على تبري الملائكة منهم وقد بين تبري عامة المتبوعين من تابعيهم والتابعين من متبوعيهم في مواضع كقوله تعالى:
{ ويوم القيامة يكفرون بشرككم } [فاطر: 14]، وقوله: { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً } [العنكبوت: 25]. ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} الخ، خطابهم هذا لعامتهم بعد استماع الآيات تنبيه لهم على الجد في التمسك بدين آبائهم وتحريض لهم عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي توصيف الآيات بالبينات نوع عتبى كأنه قيل: إذا تتلى عليهم هذه الآيات وهي بينة لا ريب فيها فبدلاً من أن يدعوا عامتهم إلى اتّباعها حثّوهم على الإِصرار على تقليد آبائهم وحرضوهم عليه - وفي إضافة الآباء إلى ضمير {كم} مبالغة في التحريض والإِثارة.
وقوله: {وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} معطوف على {قالوا} أي وقالوا مشيراً إلى الآيات البينات إشارة تحقير: ليس هذا إلا كلاماً مصروفاً عن وجهه مكذوباً به على الله، بدلاً من أن يقولوا: إنها آيات بينات نازلة من عند الله تعالى - وقد أشاروا إلى الآيات البينات بهذا دلالة على أنهم لم يفهموا منها إلا أنها شيء ما لا أزيد من ذلك.
ثم غيّر سبحانه السياق وقال: {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين} ومجيئ الحق لهم بلوغه وظهوره لهم، والأخذ بوصف الكفر للاشعار بالتعليل والمعنى: والذين كفروا بعثهم الكفر إلى أن يقولوا للحق الصريح الذي بلغهم وظهر لهم هذا سحر ظاهر سحريته وبطلانه.
وأكد إصرارهم على دحض الحق باتباع الهوى من غير دليل يدل عليه بقوله: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} والجملة حالية أي وعدّ الذين كفروا - أي كفار قريش - الحق الصريح الظاهر لهم سحراً مبيناً والحال أنا لم نعطهم كتباً يدرسونها حتى يميزوا بها الحق من الباطل ولم نرسل إليهم قبلك من رسول ينذرهم ويبين لهم ذلك فيقولوا استناداً إلى الكتاب الإِلهي أو إلى قول الرسول النذير: إنه حق أو باطل.
قوله تعالى: {وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} ضميرا الجمع الأول والثاني لكفار قريش ومن يتلوهم والثالث والرابع للذين من قبلهم، والمعشار العُشر والنكير الإِنكار، والمراد به في الآية لازمه وهو الأخذ بالعذاب.
والمعنى: وكذب بالحق من الآيات الذين كانوا من قبل كفار قريش من الأُمم الماضية ولم يبلغ كفار قريش عشر ما آتيناهم من القوة والشدة فكذب أُولئك الأقوام رسلي فكيف كان أخذي بالعذاب وما أهون أمر قريش. والالتفات في الآية إلى التكلم لاستعظام الجرم وتهويل المؤاخذة.
قوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} المراد بالموعظة الوصية كناية أو تضميناً، وقوله: {أن تقوموا لله} أي تنهضوا لأجل الله ولوجهه الكريم، وقوله: {مثنى وفرادى} أي اثنين اثنين وواحداً واحداً كناية عن التفرق وتجنب التجمع والغوغاء فإن الغوغاء لا شعور لها ولا فكر وكثيراً ما تميت الحق وتحيي الباطل.
وقوله: {ما بصاحبكم من جنة} استئناف {ما} نافية ويشهد بذلك قوله بعد: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} ويمكن أن يكون {ما} استفهامية أو موصولة و {من جنة} بياناً له.
والمراد بصاحبكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه والوجه في التعبير به تذكرتهم بصحبته الممتدة لهم أربعين سنة من حين ولادته إلى حين بعثته ليتذكروا أنهم لم يعهدوا منه اختلالاً في فكر أو خفة في رأى أو أي شيء يوهم أن به جنوناً.
والمعنى: قل لهم: إنما أُوصيكم بالعظة أن تنهضوا وتنتصبوا لوجه الله متفرقين حتى يصفو فكركم ويستقيم رأيكم اثنين اثنين وواحداً واحداً وتتفكروا في أمري فقد صاحبتكم طول عمري على سداد من الرأي وصدق وأمانة ليس فيَّ من جنة. ما أنا إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد في يوم القيامة فأنا ناصح لكم غير خائن.
قوله تعالى: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم} الخ، كناية عن عدم سؤال أجر على الدعوة فإنه إذا وهبهم كل ما سألهم من أجر فليس له عليهم أجر مسؤول ولازمه أن لا يسألهم وهذا تطييب لنفوسهم أن لا يتهموه بأنه جعل الدعوة ذريعة إلى نيل مال أو جاه.
ثم تمم القول بقوله: {إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} لئلا يردّ عليه قوله بأنه دعوى غير مسموعة فإن الإِنسان لا يروم عملاً بغير غاية فدفعه بأن لعملي أجراً لكنه على الله لا عليكم وهو يشهد عملي وهو على كل شيء شهيد.
قوله تعالى: {قل إن ربي يقذف بالحق علاّم الغيوب} القذف الرمي، وقوله: {علاَّم الغيوب} خبر بعد خبر أو خبر لمبتدأ محذوف وهو الضمير الراجع إليه تعالى.
ومقتضى سياق الآيات السابقة أن المراد بالحق المقذوف القرآن النازل إليه بالوحي من عنده تعالى الذي هو قول فصل يحق الحق ويبطل الباطل فهو الحق المقذوف إليه صلى الله عليه وآله وسلم من عند علاَّم الغيوب فيدمغ الباطل ويزهقه، قال تعالى:
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } [الأنبياء:18]، وقال: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } } [الإسراء: 81]. قوله تعالى: {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} المراد بمجيء الحق على ما تهدي إليه الآية السابقة نزول القرآن المبطل بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة لكل باطل من أصله.
وقوله: {وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي ما يظهر أمراً ابتدائياً جديداً بعد مجيء الحق وما يعيد أمراً كان قد أظهره من قبل إظهاراً ثانياً بنحو الإِعادة فهو كناية عن بطلان الباطل وسقوطه عن الأثر من أصله بالحق الذي هو القرآن.
قوله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} بيان لأثر الحق الذي هو الوحي فإنه عرفه حقاً مطلقاً فالحق إذا كان حقاً من كل جهة لم يخطئ في إصابة الواقع في جهة من الجهات وإلا كان باطلاً من تلك الجهة فالوحي يهدي ولا يخطئ البتة.
ولذا قال تأكيداً لما تقدم: {قل إن ضللت} وفرض مني ضلال {فإنما أضل} مستقراً ذلك الضلال {على نفسي} فإن للإِنسان من نفسه أن يضل {وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي} فوحيه حق لا يحتمل ضلالاً ولا يؤثر إلا الهدى.
وقد علل الكلام بقوله: {إنه سميع قريب} للدلالة على أنه يسمع الدعوة ولا يحجبه عنها حاجب البعد وقد مهد له قبلاً وصفه تعالى في قذف الحق بأنه علام الغيوب فلا يغيب عنه أمر يخل بأمره ويمنع نفوذ مشيئته هداية الناس بالوحي قال تعالى:
{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً } } [الجن: 26ـ28]. قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأُخذوا من مكان قريب} ظاهر السياق السابق ويشعر به قوله الآتي: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل} أن الآيات الأربع وصف حال مشركي قريش ومن يلحق بهم حال الموت.
فقوله: {ولو ترى إذ فزعوا} أي حين فزع هؤلاء المشركون عند الموت {فلا فوت} أي لا يفوتون الله بهرب أو تحصن أو أي حائل آخر.
وقوله: {وأُخذوا من مكان قريب} كناية عن عدم فصل بينهم وبين من يأخذهم وقد عبر بقوله: {أُخذوا} مبنياً للمفعول ليستند الأخذ إليه سبحانه، وقد وصف نفسه بأنه قريب، وكشف عن معنى قربه بقوله:
{ ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } [الواقعة: 85]، وأزيد منه في قوله: { من حبل الوريد } [ق: 16]، وأزيد منه في قوله: { أَن الله يحول بين المرء وقلبه } [الأنفال: 24]، فبين أنه أقرب إلى الإِنسان من نفسه وهذا الموقف هو المرصاد الذي ذكره في قوله: { إن ربك لبالمرصاد } [الفجر: 14]، فكيف يتصور فوت الإِنسان منه وهو أقرب إليه من نفسه؟ أو من ملائكته المكرمين الذين يأخذون الأمر منه تعالى من غير حاجب يحجبهم عنه أو واسط يتوسط بينه وبينهم.
فقوله: {وأُخذوا من مكان قريب} نوع تمثيل لقربه تعالى من الإِنسان بحسب ما نتصوره من معنى القرب لاحتباسنا في سجن الزمان والمكان وأُنسنا بالأُمور المادية وإلا فالأمر أعظم من ذلك.
قوله تعالى: {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} التناوش التناول وضمير {به} للقرآن على ما يعطيه السياق.
والمراد بكونهم في مكان بعيد أنهم في عالم الآخرة وهي دار تعين الجزاء وهي أبعد ما يكون من عالم الدنيا التي هي دار العمل وموطن الاكتساب بالاختيار وقد تبدل الغيب شهادة لهم والشهادة غيباً كما تشير إليه الآية التالية.
قوله تعالى: {وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} حال من الضمير في {وأنى لهم التناوش} والمراد بقوله: {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} رميهم عالم الآخرة وهم في الدنيا بالظنون مع عدم علمهم به وكونه غائباً عن حواسهم إذ كانوا يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار، وقيل: المراد به رميهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر والكذب والافتراء والشعر.
والعناية في إطلاق المكان البعيد على الدنيا بالنسبة إلى الآخرة نظيرة إطلاقه على الآخرة بالنسبة إلى الدنيا وقد تقدمت الإِشارة إليه.
ومعنى الآيتين: وقال المشركون حينما أُخذوا آمنّا بالحق الذي هو القرآن وأنَّى لهم تناول الإِيمان به - إيماناً يفيد النجاة - من مكان بعيد وهو الآخرة والحال أنهم كفروا به من قبل في الدنيا وهم ينفون أُمور الآخرة بالظنون والأوهام من مكان بعيد وهو الدنيا.
قوله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب} ظاهر السياق أن المراد بما يشتهون اللذائذ المادية الدنيوية التي يحال بينهم وبينها بالموت، والمراد بأشياعهم من قبل أشباههم من الأُمم الماضية أو موافقوهم في المذهب، وقوله: {إنهم كانوا في شك مريب} تعليل لقوله: {كما فعل} الخ.
والمعنى: ووقعت الحيلولة بين المشركين المأخوذين وبين ما يشتهون من ملاذّ الدنيا كما فعل ذلك بأشباههم من مشركي الأُمم الدارجة من قبلهم إنهم كانوا في شك مريب من الحق أو من الآخرة فيقذفونها بالغيب.
واعلم أن ما قدمناه من الكلام في هذه الآيات الأربع مبني على ما يعطيه ظاهر السياق وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآيات ناظرة إلى خسف جيش السفياني بالبيداء وهو من علائم ظهور المهدي عليه السلام المتصلة به فعلى تقدير نزول الآيات في ذلك يكون ما قدمناه من المعنى من باب جري الآيات فيه.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب} قال: يسرّون الندامة في النار إذا رأوا وليّ الله فقيل: يا ابن رسول الله وما يغنيهم إسرارهم الندامة وهم في العذاب؟ قال: يكرهون شماتة الأعداء.
أقول: ورواه أيضاً عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفيه وذكر رجل عند أبي عبد الله عليه السلام الأغنياء ووقع فيهم فقال أبو عبد الله عليه السلام؛ اسكت فإن الغني إذا كان وصولاً لرحمه بارّاً بإخوانه أضعف الله له الأجر ضعفين لأن الله يقول: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرِّبكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأُولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون}.
وفي أمالي الشيخ بإسناده إلى أمير المؤمنين عليه السلام في حديث يقول فيه: حتى إذا كان يوم القيامة حسب لهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عزّ وجلّ: {جزاء من ربك عطاء حساباً} وقال: {أُولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون}.
وفي الكافي بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"من صدَّق بالخلف جاد بالعطية"
]. وفيه بإسناده عن سماعة عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة"
]. وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن لكل يوم نحساً فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة، ثم قال: اقرأوا مواضع الخلف فإني سمعت الله يقول: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} إذا لم ينفقوا كيف يخلف؟"
]. وفي تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل قومه أن يودّوا أقاربه ولا يؤذوهم. وأما قوله: {فهو لكم} يقول: ثوابه لكم.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا} الآية، أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"يخرج رجل يُقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من يتبعه من كلب فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان فيجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة ويخرج رجل من أهل بيتي فيبلغ السفياني فيبعث إليه جنداً من جنده فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم فلا ينجو منهم إلا المخبر منهم"
]. أقول: والرواية مستفيضة من طرق أهل السنة مختصرة أو مفصّلة وقد رووها من طرق مختلفة عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وجدّ عمرو بن شعيب وأُم سلمة وصفيَّة وعائشة وحفصة أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفيرة امرأة القعقاع وعن سعيد ابن جبير موقوفاً.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي خالد الكابلي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: والله لكأني أنظر إلى القائم عليه السلام وقد أسند ظهره إلى الحجر ثم ينشد الله حقه ثم يقول: يا أيها الناس من يحاجّني في الله فأنا أولى بالله. أيها الناس من يحاجني بآدم فأنا أولى بآدم. أيها الناس من يحاجني في نوح فأنا أولى بنوح. أيها الناس من يحاجني بإبراهيم فأنا أولى بإبراهيم. أيها الناس من يحاجني بموسى فأنا أولى بموسى. أيها الناس من يحاجني بعيسى فأنا أولى بعيسى. أيها الناس من يحاجني بمحمد فأنا أولى بمحمد. أيها الناس من يحاجني بكتاب الله فأنا أولى بكتاب الله.
ثم ينتهي إلى المقام فيصلي ركعتين وينشد الله حقه. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: هو والله المضطر في كتاب الله في قوله: {أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}.
فيكون أول من يبايعه جبرئيل ثم الثلاثمائة والثلاثة عشر فمن كان ابتلي بالمسير وافى ومن لم يبتلِ بالمسير فقد عن فراشه وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام: هم المفقودون عن فرشهم وذلك قول الله: {فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً} قال: الخيرات الولاية، وقال في موضع آخر: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أُمة معدودة} وهم أصحاب القائم عليه السلام يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة.
فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السفياني فيأمر الله عزّ وجلّ الأرض فيأخذ بأقدامهم وهو قوله عزّ وجلّ: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأُخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به} يعني بالقائم من آل محمد عليه السلام {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون} يعني أن لا يعذبوا {كما فعل بأشياعهم} يعني من كان قبلهم من المكذبين هلكوا {من قبل إنهم كانوا في شك مريب}.