التفاسير

< >
عرض

وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ
١٣
إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ
١٤
قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ
١٥
قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
١٦
وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ
١٧
قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٨
قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ
١٩
وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ
٢٠
ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ
٢١
وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٢
أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ
٢٣
إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٢٤
إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ
٢٥
قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
٢٦
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ
٢٧
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ
٢٨
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ
٢٩
يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٣٠
أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ
٣١
وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
٣٢
-يس

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
مثل مشتمل على الإِنذار والتبشير ضربه الله سبحانه لعامة القوم يشير فيه إلى الرسالة الإِلهية وما تستتبعه الدعوة الحقة من المغفرة والأجر الكريم لمن آمن بها واتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، ومن العذاب الأليم لمن كفر وكذب بها فحق عليه القول، وفيه إشارة إلى وحدانيته تعالى ومعاد الناس إليه جميعاً.
ولا منافاة بين إخباره بأنهم لا يؤمنون سواء أُنذروا أم لم ينذروا وبين إنذارهم لأن في البلاغ إتماماً للحجة وتكميلاً للسعادة أو الشقاوة قال تعال:
{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } [الأنفال: 42]، وقال: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً } [الإسراء: 82]. قوله تعالى: {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} المثل كلام أو قصة يمثل به مقصد من المقاصد فيتضح للمخاطب، ولما كانت قصتهم توضح ما تقدم من الوعد والوعيد أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يضربها مثلاً لهم.
والظاهر أن {مثلاً} مفعول ثان لقوله: {اضرب} ومفعوله الأول قوله: {أصحاب القرية} والمعنى واضرب لهم أصحاب القرية وحالهم هذه الحال مثلاً وقد قدم المفعول الثاني تحرزاً عن الفصل المخل.
قوله تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون} التعزيز من العزة بمعنى القوة والمنعة، وقوله: {إذ أرسلنا إليهم} بيان تفصيلي لقوله: {إذ جاءها المرسلون}.
والمعنى: واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية وهم في زمان أرسلنا إليهم رسولين اثنين من رسلنا فكذبوهما أي الرسولين فقويناهما برسول ثالث فقالت الرسل إنا إليكم مرسلون من جانب الله.
قوله تعالى: {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون} كانوا يرون أن البشر لا ينال النبوة والوحي، ويستدلون على ذلك بأنفسهم حيث لا يجدون من أنفسهم شيئاً من ذاك القبيل فيسرون الحكم إلى نفوس الأنبياء مستندين إلى أن حكم الأمثال واحد.
وعلى هذا التقرير يكون معنى قوله: {وما أنزل الرحمن من شيء} لم ينزل الله وحياً ولو نزل شيئاً على بشر لنلناه من نفوسنا كما تدعون أنتم ذلك، وتعبيرهم عن الله سبحانه بالرحمن إنما هو لكونهم كسائر الوثنيين معترفين بالله سبحانه واتصافه بكرائم الصفات كالخلق والرحمة والملك غير أنهم يرون أنه فوض أمر التدبير إلى مقربي خلقه كالملائكة الكرام فهم الأرباب المدبرون والآلهة المعبودون، وأما الله عز اسمه فهو رب الأرباب وإله الآلهة.
ومن الممكن أن يكون ذكر اسم الرحمن في الحكاية دون المحكي فيكون التعبير به لحلمه ورحمته تعالى قبل إنكارهم وتكذيبهم للحق الصريح.
وقوله: {إن أنتم إلا تكذبون} بمنزلة النتيجة لصدر الآية، ومحصل قولهم أنكم بشر مثلنا ولا نجد نحن على بشريتنا في نفوسنا شيئاً من الوحي النازل الذي تدعونه وأنتم مثلنا فما أنزل الرحمن شيئاً من الوحي فدعواكم كاذبة وإذ ليس لكم إلا هذه الدعوى فإن أنتم إلا تكذبون.
ويظهر بما تقدم نكتة الحصر في قوله: {إن أنتم إلا تكذبون} وكذا الوجه في نفي الفعل ولم يقل: إن أنتم إلا كاذبون لأن المراد نفي الفعل في الحال دون الاستمرار والاستقبال.
قوله تعالى: {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين} لم يحك الله سبحانه عن هؤلاء الرسل جواباً عن حجة قومهم {ما أنتم إلا بشر مثلنا} الخ. كما نقل عن الرسل المبعوثين إلى الأمم الدارجة لما احتجت أُممهم بمثل هذه الحجة {إن أنتم إلا بشر مثلنا} فردتها رسلهم بقولهم:
{ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } [إبراهيم: 11] وقد مر تقريره.
بل حكى عنهم أنهم ذكروا للقوم أنهم مرسلون إليهم مأمورون بتبليغ الرسالة ليس عليهم إلا ذلك وأنهم في غنى عن تصديقهم لهم وإيمانهم بهم ويكفيهم فيه أن يعلم ربهم بأنهم مرسلون لا حاجة لهم إلى أزيد من ذلك.
فقوله: {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} إخبار عن رسالتهم وقد أُكد الكلام بإن المشددة المكسورة واللام، والاستشهاد بعلم ربهم بذلك، وقوله: {ربنا يعلم} معترض بمنزلة القسم، والمعنى إنا مرسلون إليكم صادقون في دعوى الرسالة ويكفينا في ذلكم علم ربنا الذي أرسلنا بها ولا حاجة لنا فيه إلى تصديقكم لنا ولا نفع لنا فيه من أجر ونحوه ولا يهمنا تحصيله منكم بل الذي يهمنا هو تبليغ الرسالة وإتمام الحجة.
وقوله: {وما علينا إلا البلاغ المبين} البلاغ هو التبليغ والمراد به تبليغ الرسالة أي لم نؤمر ولم نكلف إلا بتبليغ الرسالة وإتمام الحجة.
قوله تعالى: {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} القائلون أصحاب القرية والمخاطبون هم الرسل، والتطير هو التشأم وقولهم: {لئن لم تنتهوا} الخ. تهديد منهم للرسل.
والمعنى: قالت أصحاب القرية لرسلهم: إنا تشأمنا بكم ونقسم لئن لم تنتهوا عن التبليغ ولم تكفوا عن الدعوة لنرجمنكم بالحجارة وليصلن إليكم وليقعن بكم منا عذاب أليم.
قوله تعالى: {قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} القائلون هم الرسل يخاطبون به أصحاب القرية.
وقوله: {طائركم معكم} الطائر في الأصل هو الطير وكان يتشاءم به ثم توسع واستعمل في كل ما يتشاءم به، وربما يستعمل فيما يستقبل الإِنسان من الحوادث، وربما يستعمل في البخت الشقي الذي هو أمر موهوم يرونه مبدأ لشقاء الإِنسان وحرمانه من كل خير.
وكيف كان فقوله: {طائركم معكم} ظاهر معناه أن الذي ينبغي أن تتشاءموا به هو معكم وهو حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد واقبالكم إلى الباطل الذي هو الشرك.
وقيل: المعنى طائركم أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر معكم من أفعالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، هذا وهو أخذ الطائر بالمعنى الثاني لكن قوله بعد: {أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} أنسب بالنسبة إلى المعنى الأول.
وقوله: {أئن ذكرتم} استفهام توبيخي والمراد بالتذكير تذكيرهم بالحق من وحدانيته تعالى ورجوع الكل إليه ونحوهما وجزاء الشرط محذوف في الكلام تلويحاً إلى أنه مما لا ينبغي أن يذكر أو يتفوه به والتقدير ءإن ذكرتم بالحق قابلتموه بمثل هذا الجحود الشنيع والصنيع الفظيع من التطير والتوعد.
وقوله: {بل أنتم قوم مسرفون} أي مجاوزون للحد في المعصية وهو إضراب عما تقدم والمعنى بل السبب الأصلي في جحودكم وتكذيبكم للحق أنكم قوم تستمرون على الإِسراف ومجاوزة الحد.
قوله تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين} أقصى المدينة أبعد مواضعها بالنسبة إلى مبدأ مفروض، وقد بدلت القرية في أول الكلام مدينة هنا للدلالة على عظمها والسعي هو الإِسراع في المشي.
ووقع نظير هذا التعبير في قصة موسى والقبطي وفيها {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} فقدم {رجل} هناك وأُخر ها هنا ولعل النكتة في ذلك أن الاهتمام هناك بمجيء الرجل وإخباره موسى بائتمار الملأ لقتله فقدم الرجل ثم أُشير إلى اهتمام الرجل نفسه بإيصال الخبر وإبلاغه فجيء بقوله: {يسعى} حالاً مؤخراً بخلاف ما ها هنا فالاهتمام بمجيئه من أقصى المدينة ليعلم أن لا تواطؤ بينه وبين الرسل في أمر الدعوة فقدم {من أقصى المدينة} وأُخر الرجل وسعيه.
وقد اشتد الخلاف بينهم في اسم الرجل واسم أبيه وحرفته وشغله ولا يهمنا الاشتغال بذلك في فهم المراد ولو توقف عليه الفهم بعض التوقف لأشار سبحانه في كلامه إليه ولم يهمله.
وإنما المهم هو التدبر في حظه من الإِيمان في هذا الموقف الذي انتهض فيه لتأييد الرسل عليهم السلام ونصرتهم فقد كان على ما يعطيه التدبر في المنقول من كلامه رجلاً نور الله سبحانه قلبه بنور الإِيمان يؤمن بالله إيمان إخلاص يعبده لا طمعاً في جنة أو خوفاً من نار بل لأنه أهل للعبادة ولذلك كان من المكرمين ولم يصف الله سبحانه في كلامه بهذا الوصف إلا ملائكته المقربين وعباده المخلصين، وقد خاصم القوم فخصمهم وأبطل ما تعلق به القوم من الحجة على عدم جواز عبادة الله سبحانه ووجوب عبادة آلهتهم وأثبت وجوب عبادته وحده وصدق الرسل في دعواهم الرسالة ثم آمن بهم.
قوله تعالى: {اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} بيان لقوله: {اتبعوا المرسلين} وفي وضع قوله: {من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} في هذه الآية موضع قوله: {المرسلين} في الآية السابقة إشعار بالعلية وبيانها أن عدم جواز اتباع قائل في قوله إنما يكون لأحد أمرين: إما لكون قوله ضلالاً والقائل به ضالاً ولا يجوز اتباع الضال في ضلاله، وإما لأن القول وإن كان حقاً والحق واجب الاتباع لكن لقائله غرض فاسد يريد أن يتوسل إليه بكلمة الحق كاقتناء المال واكتساب الجاه والمقام ونحو ذلك، وأما إذا كان القول حقاً وكان القائل بريئاً من الغرض الفاسد منزهاً من الكيد والمكر والخيانة كان من الواجب اتباعه في قوله، وهؤلاء الرسل مهتدون في قولهم: لا تعبدوا إلا الله، وهم لا يريدون منكم أجراً من مال أو جاه فمن الواجب عليكم أن تتبعوهم في قولهم.
أما أنهم مهتدون فلقيام الحجة على صدق ما يدعون إليه من التوحيد وكونه حقاً.، والحجة هي قوله: {وما لي لا أعبد} إلى تمام الآيتين.
وأما أنهم لا يريدون منكم أجراً فلما دل عليه قولهم: {ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} وقد تقدم تقريره.
وبهذا البيان يتأيد ما قدمناه من كون قولهم: {ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} مسوقاً لنفي إرادتهم من القوم أجراً أو غير ذلك.
قوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ءأتخذ من دونه آلهة} إلى قوله {ولا ينقذون} شرع في استفراغ الحجة على التوحيد ونفي الآلهة في آيتين واختار لذلك سياق التكلم وحده إلا في جملة اعترض بها في خلال الكلام وهي قوله: {وإليه ترجعون} وذلك بإجراء الحكم في نفسه بما أنه إنسان أوجده الله وفطره حتى يجري في كل إنسان هو مثله والأفراد أمثال فقوله: {وما لي لا أعبد} الخ. في معنى وما للإِنسان لا يعبد الخ. أيتخذ الإِنسان من دونه آلهة الخ.
وقد عبر عنه تعالى بقوله: {الذي فطرني} للإِشعار بالعلية فإن فطره تعالى للإِنسان وإيجاده له بعد العدم لازمه رجوع كل ما للإِنسان من ذات وصفات وأفعال إليه تعالى وقيامه به وملكه له فليس للإِنسان إلا العبودية محضة فعل الإِنسان أن ينصب نفسه في مقام العبودية ويظهرها بالنسبة إليه تعالى وهذا هو العبادة فعليه أن يعبده تعالى لأنه أهل لها.
وهذا هو الذي أشرنا إليه آنفاً أن الرجل كان يعبد الله بالإِخلاص له لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار بل لأنه أهل للعبادة.
وإذ كان الإِيمان به تعالى وعبادته هكذا أمراً لا يناله عامة الناس فإن الأكثرين منهم إنما يعبدون خوفاً أو طمعاً أو لكليهما التفت الرجل بعد بيان حال نفسه إلى القوم فقال: {وإليه ترجعون} يريد به إنذارهم بيوم الرجوع وأنه تعالى سيحاسبهم على ما عملوا فيجازيهم بمساوي أعمالهم فقوله: {وإليه ترجعون} كالمعترضة الخارجة عن السياق أو هي هي.
ثم إن الآيتين حجتان قائمتان على إبطال ما احتج به الوثنية وبنوا على ذلك عبادة الأصنام وأربابها.
توضيح ذلك أنهم قالوا: إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو خيال أو عقل لا يناله شيء من القوى الإِدراكية فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فسبيل العبادة أن نتوجه إلى مقربي حضرته والأقوياء من خلقه كالملائكة الكرام والجن والقديسين من البشر حتى يكونوا شفعاء لنا عند الله في إيصال الخيرات ودفع الشرور والمكاره.
والجواب عن أُولى الحجتين بما حاصله أن الإِنسان وإن كان لا يحيط علماً بالذات المتعالية لكنه يعرفه تعالى بصفاته الخاصة به مثل كونه فاطراً له موجداً إياه فله أن يتوجه إليه من طريق هذه الصفات وإنكار إمكانه مكابرة، وهذا الجواب هو الذي أشار إليه بقوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني}.
وعن الثانية أن هؤلاء الآلهة إن كانت لهم شفاعة كانت مما أفاضه الله عليهم والله سبحانه لا يعطيهم ذلك إلا فيما لا تتعلق به منه إرادة حاتمة ولازمه أن شفاعتهم فيما أذن الله لهم فيه كما قال:
{ ما من شفيع إلا من بعد إذنه } [يونس: 3] أما إذا أراد الله شيئاً إرادة حتم فلا تنفع شفاعتهم شيئاً في المنع عن نفوذها فاتخاذهم آلهة وعدمه سواء في عدم التأثير لجلب خير أو دفع شر، وإلى ذلك أشار بقوله: {ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تُغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون}.
وتعبيره عنه تعالى بالرحمن إشارة إلى سعة رحمته وكثرتها وأن النعم كلها من عنده وتدبير الخير والشر إليه ويتحصل من هنا برهان آخر على وحدانيته تعالى في الربوبية، إذ لما كان جميع النعم وكذا النظام الجاري فيها، من رحمته وقائمة به من غير استقلال في شيء منها كان المستقل بالتدبير هو تعالى حتى أن تدبير الملائكة لو فرض تدبيرهم لشيء من رحمته تدبيره تعالى وكانت الربوبية له تعالى وحده وكذا الألوهية.
قوله تعالى: {إني إذاً لفي ضلال مبين} تسجيل للضلال على اتخاذ الآلهة.
قوله تعالى: {إني آمنت بربكم فاسمعون} من كلام الرجل خطاباً للرسل وقوله: {فاسمعون} كناية عن الشهادة بالتحمل، وقوله: {إني آمنت بربكم} الخ. تجديد الشهادة بالحق وتأكيد للإِيمان فإن ظاهر السياق أنه إنما قال: {إني آمنت بربكم} بعد محاجته خطاباً للرسل ليستشهدهم على إيمانه وليؤيدهم بإيمانهم بمرئى من القوم ومسمع.
وقيل: إنه خطاب للقوم تأييداً للرسل، والمعنى: إني آمنت بالله فاسمعوا مني فإني لا أُبالي بما يكون منكم على ذلك أو المعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني وآمنوا به أو أنه أراد به أن يغضبهم ويشغلهم عن الرسل بنفسه حيث إنه رآى أنهم بصدد الإِيقاع بهم. هذا.
وفيه أنه لا يلائمه التعبير عن الله سبحانه بقوله: {ربكم} فإن القوم ما كانوا يتخذونه تعالى رباً لهم وإنما كانوا يعبدون الأرباب من دون الله سبحانه.
ورد بأن المعنى إني آمنت بربكم الذي قامت الحجة على ربوبيته لكم وهو الله سبحانه. وفيه أنه تقييد من غير مقيد.
قوله تعالى: {قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} الخطاب للرجل وهو - كما يفيده السياق - يلوح إلى أن القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد: {وما أنزلنا على قومه من بعده} الخ فوضع قوله: {قيل ادخل الجنة} موضع الإِخبار عن قتلهم إياه إشارة إلى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم وبين أمره بدخول الجنة أي فصل وانفكاك كأن قتله بأيديهم هو أمره بدخول الجنة.
والمراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة، وقول بعضهم: إن المراد بها جنة الآخرة والمعنى سيقال له: ادخل الجنة. يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل: إن الله رفعه إلى السماء فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها إلى قيام الساعة، وهو تحكم كسابقه.
وقيل: إن القائل: {ادخل الجنة} هو القوم قالوا له ذاك حين قتله استهزاء وفيه أنه لا يلائم ما أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد: {قال يا ليت قومي يعلمون} الخ فإن ظاهره أنه تمنى علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء {ادخل الجنة} ولم يسبق من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك.
وقوله: {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا كان بعد تأييده للرسل؟ فقيل: {قيل ادخل الجنة} ثم قيل: فماذا كان بعد؟ فقيل: {قال يا ليت قومي يعلمون} الخ وهو نصح منه لقومه ميتاً كما كان ينصحهم حياً.
و {ما} في قوله: {بما غفر لي} الخ مصدرية، وقوله: {وجعلني} عطف على {غفر} والمعنى بمغفرة ربي لي وجعله إياي من المكرمين.
وموهبة الإِكرام وإن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإِكرام بالنعمة كما في قوله:
{ فأما الإِنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن } [الفجر: 15]، وقوله: { إن أكرمكم عند الله اتقاكم } [الحجرات: 13] فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الاطلاق إلا طائفتين من خلقه: الملائكة الكرام كما في قوله: { بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } [الأنبياء: 26 - 27] والكاملين في إيمانهم من المؤمنين سواء كانوا من المخلصين بكسر اللام كما في قوله: { أولئك في جنات مكرمون } [المعارج: 35]، أو من المخلصين بفتح اللام كما في قوله: { إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: 40] إلى أن قال { وهم مكرمون } [الصافات: 42]. والآية من أدلة وجود البرزخ.
قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} الضميران للرجل، و {من بعده} أي من بعد قتله، و {من} الأولى والثالثة لابتداء الغاية، والثانية مزيدة لتأكيد النفي.
والآية توطئة للآية التالية، وهي مسوقة لبيان هوان أمر القوم والانتقام منهم بإهلاكهم على الله سبحانه وأنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى عدة وعدة حتى ينزل من السماء جنداً من الملائكة يقاتلونهم فيهلكونهم فلم يفعل ذلك فيهم ولا فعل ذلك في إهلاك من أهلك من الأُمم الماضين وإنما أهلكهم بصيحة واحدة تقضي عليهم.
قوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} أي ما كان الأمر الذي كان سبب إهلاكهم بمشيئتنا إلا صيحة واحدة، وتأنيث الفعل لتأنيث الخبر وتنكير {صيحة} وتوصيفها بالوحدة للاستحقار، والخمود السكون، واستئناف الجملة لكونها كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: فماذا كان سبب إهلاكهم؟ فقيل: إن كانت إلا صيحة واحدة.
والمعنى: كان سبب هلاكهم أيسر أمر وهي صيحة واحدة ففاجأهم السكون فصاروا ساكنين لا يسمع لهم حس وهم عن آخرهم موتى لا يتحركون.
قوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون} أي يا ندامة العباد ونداء الحسرة عليهم أبلغ من إثباتها لهم، وسبب الحسرة ما يتضمنه قوله: {ما يأتيهم من رسول} الخ.
ومن هذا السياق يستفاد أن المراد بالعباد عامة الناس وتتأكد الحسرة بكونهم عباداً فإن رد العبد دعوة مولاه وتمرده عنه أشنع من رد غيره نصيحة الناصح.
وبذلك يظهر سخافة قول من قال: إن المراد بالعباد الرسل أو الملائكة أو هما جميعاً. وكذا قول من قال: إن المراد بالعباد الناس لكن المتحسر هو الرجل.
وظهر أيضاً أن قوله: {يا حسرة على العباد} الخ من قول الله تعالى لا من تمام قول الرجل.
قوله تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} توبيخ لأولئك الذين نودي عليهم بالحسرة، و {من القرون} بيان لكم، والقرون جمع قرن وهو أهل عصر واحد.
وقوله: {أنهم إليهم لا يرجعون} بيان لقوله: {كم أهلكنا قبلهم من القرون} ضمير الجمع الأول للقرون والثاني والثالث للعباد.
والمعنى: ألم يعتبروا بكثرة المهلكين بأمر الله من القرون الماضية وأنهم مأخوذون بأخذ إليه لا يتمكنون من الرجوع إلى ما كانوا يترفون فيه؟.
وللقوم في مراجع الضمائر وفي معنى الآية أقوال أُخر بعيدة عن الفهم تركنا إيرادها.
قوله تعالى: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} لفظة {إن} حرف نفي و {كل} مبتدأ تنويه عوض عن المضاف إليه، و {لما} بمعنى إلا، وجميع بمعنى مجموع، ولدينا ظرف متعلق به، ومحضرون خبر بعد خبر وهو جميع، واحتمل بعضهم أن يكون صفة لجميع.
والمعنى: وما كلهم إلا مجموعون لدينا محضرون للحساب والجزاء يوم القيامة فالآية في معنى قوله:
{ ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } [هود: 103]. (بحث روائي)
في المجمع قالوا: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو حبيب صاحب يس فسلما عليه فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أمعكما آية؟ قالا نعم نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال الشيخ: إن لي إبناً مريضاً صاحب فراش منذ سنين قالا: فانطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله فذهب بهما فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحاً ففشى الخبر في المدينة وشفى الله على أيديهما كثيراً من المرضى.
وكان لهم ملك يعبد الأصنام فأنهي الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر. قال الملك: ولنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما فأخذهما الناس في السوق وضربوهما.
قال وهب بن منبه: بعث عيسى هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها ولم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله فغضب الملك وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة.
فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى شمعون الصفا رأس الحواريين على أمرهما لينصرهما فدخل شمعون البلد متنكراً فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه. ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل سمعت قولهما؟ قال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما.
فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى ها هنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء لا شريك له. قال: وما آتاكما؟ قالا: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان الله حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك ثم قال شمعون للملك: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع صنيعاً مثل هذا؟ فيكون لك ولإِلهك شرفاً. فقال الملك: ليس لى عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يضر ولا ينفع.
ثم قال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن ها هنا ميتاً مات منذ سبعة أيام لم ندفنه حتى يرجع أبوه وكان غائباً فجاءوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سراً فقام الميت وقال لهم إني قدمت منذ سبعة أيام وأُدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أُحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك دعاه إلى الله فآمن وآمن من أهل مملكته قوم وكفر آخرون.
قال: وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام إلا أن في بعض الروايات: بعث الله الرسولين إلى أهل أنطاكية ثم بعث الثالث، وفي بعضها أن عيسى أوحى الله إليه أن يبعثهما ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما، وأن الميت الذي أحياه الله بدعائهما كان ابن الملك وأنه قد خرج من قبره ينفض التراب عن رأسه فقال له: يا بني ما حالك؟ قال: كنت ميتاً فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله تعالى أن يحييني. قال: يا بني فتعرفهما إذا رأيتهما؟ قال: نعم فأخرج الناس إلى الصحراء فكان يمر عليه رجل بعد رجل فمر أحدهما بعد جمع كثير فقال: هذا أحدهما. ثم مر الآخر فعرفهما وأشار بيده إليهما فآمن الملك وأهل مملكته.
وقال ابن إسحاق: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الرسل.
أقول: سياق آيات القصة لا يلائم بعض هذه الروايات.
وفي الدر المنثور أخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"الصديقين ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آلياسين الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم"
]. أقول: ورواه أيضاً عن البخاري في تاريخه عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله وسلم ولفظه: "الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب آل ياسين وعلي ابن أبي طالب"
]. وفي المجمع عن تفسير الثعلبي بالإِسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "سباق الأُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون وعلي أفضلهم"
]. أقول: وروى هذا المعنى في الدر المنثور عن الطبراني وابن مردويه وضعفه عن ابن عباس عنه عليه السلام ولفظه: السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب.