التفاسير

< >
عرض

يسۤ
١
وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣
عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٤
تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ
٥
لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
٦
لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
٧
إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
٨
وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ
٩
وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
١٠
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
١١
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ
١٢
-يس

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
غرض السورة بيان الأصول الثلاثة للدين فهي تبتدئ بالنبوة وتصف حال الناس في قبول الدعوة وردها وأن غاية الدعوة الحقة إحياء قوم بركوبهم صراط السعادة وتحقيق القول على آخرين وبعبارة أُخرى تكميل الناس في طريقي السعادة والشقاء.
ثم تنتقل السورة إلى التوحيد فتعد جملة من آيات الوحدانية ثم تنتقل إلى ذكر المعاد فتذكر بعث الناس للجزاء وامتياز المجرمين يومئذ من المتقين وتصف ما تؤول إليه حال كل من الفريقين.
ثم ترجع إلى ما بدأت فتلخص القول في الأصول الثلاثة وتستدل عليها وعند ذلك تختتم السورة.
ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} فالسورة عظيمة الشأن تجمع أصول الحقائق وأعراقها وقد ورد من طرق العامة والخاصة أن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس.
والسورة مكية بشهادة سياق آياتها.
قوله تعالى: {يس والقرآن الحكيم} إلى قوله {فهم غافلون} إقسام منه تعالى بالقرآن الحكيم على كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المرسلين، وقد وصف القرآن بالحكيم لكونه مستقراً فيه الحكمة وهي حقائق المعارف وما يتفرع عليها من الشرائع والعبر والمواعظ.
وقوله: {إنك لمن المرسلين} مقسم عليه كما تقدم.
وقوله: {على صراط مستقيم} خبر بعد خبر لقوله: {إنك}، وتنكير الصراط - كما قيل - للدلالة على التفخيم وتوصيفه بالمستقيم للتوضيح فإن الصراط هو الطريق الواضح المستقيم، والمراد به الطريق الذي يوصل عابريه إلى الله تعالى أي إلى السعادة الإِنسانية التي فيها كمال العبودية لله والقرب، وقد تقدم في تفسير الفاتحة بعض ما ينفع في هذا المقام من الكلام.
وقوله: {تنزيل العزيز الرحيم} وصف للقرآن مقطوع عن الوصفية منصوب على المدح، والمصدر بمعنى المفعول ومحصل المعنى أعني بالقرآن ذاك المنزل الذي أنزله الله العزيز الرحيم الذي استقر فيه العزة والرحمة.
والتذييل بالوصفين للإِشارة إلى أنه قاهر غير مقهور وغالب غير مغلوب فلا يعجزه إعراض المعرضين عن عبوديته ولا يستذله جحود الجاحدين وتكذيب المكذبين، وأنه ذو رحمة واسعة لمن يتبع الذكر ويخشاه بالغيب لا لينتفع بإيمانهم بل ليهديهم إلى ما فيه سعادتهم وكمالهم فهو بعزته ورحمته أرسل الرسول وأنزل عليه القرآن الحكيم لينذر الناس فيحق كلمة العذاب على بعضهم ويشمل الرحمة منهم آخرين.
وقوله: {لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون} تعليل للإِرسال والتنزيل و {ما} نافية والجملة صفة لقوله: {قوماً} والمعنى إنما أرسلك وأنزل عليك القرآن لتنذر وتخوف قوماً لم ينذر آباءهم فهم غافلون.
والمراد بالقوم إن كان هو قريش ومن يلحق بهم فالمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون فإن الأبعدين من آبائهم كان فيهم النبي إسماعيل ذبيح الله، وقد أُرسل إلى العرب رسل آخرون كهود وصالح وشعيب عليهم السلام، وإن كان المراد جميع الناس المعاصرين نظراً إلى عموم الرسالة فكذلك أيضاً فآخر رسول معروف بالرسالة قبله صلى الله عليه وآله وسلم هو عيسى عليه السلام وبينهما زمان الفترة.
واعلم أن ما ذكرناه في تركيب الآيات هو الذي يسبق منها إلى الفهم وقد أوردوا في ذلك وجوهاً أُخر بعيدة عن الفهم تركناها من أرادها فليراجع المطولات.
قوله تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} اللام للقسم أي أقسم لقد ثبت ووجب القول على أكثرهم، والمراد بثبوت القول عليهم صيرورتهم مصاديق يصدق عليهم القول.
والمراد بالقول الذي حق عليهم كلمة العذاب التي تكلم بها الله سبحانه في بدء الخلقة مخاطباً بها إبليس:
{ الحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ص: 84 - 85] والمراد بتبعية إبليس طاعته فيما يأمر به بالوسوسة والتسويل بحيث تثبت الغواية وترسخ في النفس كما يشير إليه قوله تعالى خطاباً لإِبليس: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين } [الحجر: 42 - 43]. ولازمه الطغيان والاستكبار على الحق كما يشير إليه ما يحكيه الله من تساؤل المتبوعين والتابعين في النار: { بل كنتم قوماً طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين } [الصافات: 30 - 32]، وقوله: { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } [الزمر: 71 - 72]. ولازمه الانكباب على الدنيا والإِعراض عن الآخرة بالمرة ورسوخ ذلك في نفوسهم قال تعالى: { ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأُولئك هم الغافلون } [النحل: 106 - 108] فيطبع الله على قلوبهم ومن آثاره أن لا سبيل لهم إلى الإِيمان قال تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } [يونس: 96]. وبما تقدم ظهر أن الفاء في قوله: {فهم لا يؤمنون} للتفريع لا للتعليل كما احتمله بعضهم.
قوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} الأعناق جمع عنق بضمتين وهو الجيد، والأغلال جمع غل بالكسر وهي على ما قيل ما تشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، ومقمحون اسم مفعول من الإِقماح وهو رفع الرأس كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت رؤوسهم مرفوعة إلى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى ما بين أيديهم من الطريق فيعرفوها ويميزوها من غيرها.
وتنكير قوله: {أغلالاً} للتفخيم والتهويل.
والآية في مقام التعليل لقوله السابق: {فهم لا يؤمنون}.
قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون} السد الحاجز بين الشيئين، وقوله: {من بين أيديهم ومن خلفهم} كناية عن جميع الجهات، والغشي والغشيان التغطية يقال: غشيه كذا أي غطاه وأغشى الأمر فلاناً أي جعل الأمر يغطيه، والآية متممة للتعليل السابق وقوله: {جعلنا} معطوف على {جعلنا} المتقدم.
وعن الرازي في تفسيره في معنى التشبيه في الآيتين أن المانع عن النظر في الآيات قسمان: قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه مقمحاً لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه، وقسم يمنع عن النظر في الآفاق فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا يظهر له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر بالكلية.
ومعنى الآيتين أنهم لا يؤمنون لأنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً نشد بها أيديهم على أعناقهم فهي إلى الأذقان فهم مرفوعة رؤوسهم باقون على تلك الحال وجعلنا من جميع جهاتهم سداً فجعلناه يغطيهم فهم لا يبصرون فلا يهتدون.
ففي الآيتين تمثيل لحالهم في حرمانهم من الاهتداء إلى الإِيمان وتحريمه تعالى عليهم ذلك جزاء لكفرهم وغوايتهم وطغيانهم في ذلك.
وقد تقدم في قوله تعالى:
{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً } [البقرة: 26] في الجزء الأول من الكتاب أن ما وقع في القرآن الكريم من هذه الأوصاف ونظائرها التي وصف بها المؤمنون والكفار يكشف عن حياة أُخرى للإِنسان في باطن هذه الحياة الدنيوية مستورة عن الحس المادي ستظهر له إذا انكشفت الحقائق بالموت أو البعث، وعليه فالكلام في أمثال هذه الآيات جار في مجرى الحقيقة دون المجاز كما عليه القوم.
قوله تعالى: {وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عطف تفسير وتقرير لما تتضمنه الآيات الثلاث المتقدمة وتلخيص للمراد وتمهيد لما يتلوه من قوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} الآية.
واحتمل أن يكون عطفاً على قوله: {لا يبصرون} والمعنى فهم لا يبصرون ويستوي عليهم إنذارك وعدم إنذارك لا يؤمنون والوجه الأول أقرب إلى الفهم.
قوله تعالى: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} القصر للإِفراد، والمراد بالإِنذار الإِنذار النافع الذي له أثر، وبالذكر القرآن الكريم، وباتباعه تصديقه والميل إليه إذا تليت آياته، والتعبير بالماضي للإِشارة إلى تحقق الوقوع، والمراد بخشية الرحمن بالغيب خشيته تعالى من وراء الحجاب وقبل انكشاف الحقيقة بالموت أو البعث، وقيل: أي حال غيبته من الناس بخلاف المنافق وهو بعيد.
وقد علقت الخشية على اسم الرحمن الدال على صفة الرحمة الجالبة للرجاء للإِشعار بأن خشيتهم خوف مشوب برجاء وهو الذي يقر العبد في مقام العبودية فلا يأمن ولا يقنط.
وتنكير {مغفرة} و {أجر كريم} للتفخيم أي فبشره بمغفرة عظيمة من الله وأجر كريم لا يقادر قدره وهو الجنة، والدليل على جميع ما تقدم هو السياق.
والمعنى: إنما تنذر الإِنذار النافع الذي له أثر، من اتبع القرآن إذا تليت عليه آياته وما إليه وخشي الرحمن خشية مشوبة بالرجاء فبشره بمغفرة عظيمة وأجر كريم لا يقادر قدره.
قوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} المراد بإحياء الموتى إحياؤهم للجزاء.
والمراد بما قدموا الأعمال التي عملوها قبل الوفاة فقدموها على موتهم، والمراد بآثارهم ما تركوها لما بعد موتهم من خير يعمل به كتعليم علم ينتفع به أو بناء مسجد يصلى فيه أو ميضاة يتوضأ فيها، أو شر يعمل به كوضع سنة مبتدعة يستن بها أو بناء مفسقة يعصى الله فيها.
وربما قيل: إن المراد بما قدموا النيات وبآثارهم الأعمال المترتبة المتفرعة عليها وهو بعيد من السياق.
والمراد بكتابة ما قدموا وآثارهم ثبتها في صحائف أعمالهم وضبطها فيها بواسطة كتبة الأعمال من الملائكة وهذه الكتابة غير كتابة الأعمال وإحصائها في الإِمام المبين الذي هو اللوح المحفوظ وإن توهم بعضهم أن المراد بكتابة ما قدموا وآثارهم هو إحصاؤها في الكتاب المبين وذلك أنه تعالى يثبت في كلامه كتاباً يحصي كل شيء ثم لكل أُمة كتاباً يحصي أعمالهم ثم لكل إنسان كتاباً يحصي أعماله كما قال:
{ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } [الأنعام: 59]، وقال: { كل أُمة تدعى إلى كتابها } [الجاثية: 28]، وقال: { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً } [الإسراء: 13]، وظاهر الآية أيضاً يقضي بنوع من البينونة بين كتاب الأعمال والإِمام المبين حيث فرق بينهما بالخصوص والعموم واختلاف التعبير بالكتابة والإِحصاء.
وقوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} هو اللوح المحفوظ من التغيير الذي يشتمل على تفصيل قضائه سبحانه في خلقه فيحصي كل شيء وقد ذكر في كلامه تعالى بأسماء مختلفة كاللوح المحفوظ وأم الكتاب والكتاب المبين والإِمام المبين كل منها بعناية خاصة.
ولعل العناية في تسميته إماماً مبيناً أنه لاشتماله على القضاء المحتوم متبوع للخلق مقتدى لهم وكتب الأعمال كما سيأتي في تفسير سورة الجاثية مستنسخة منه قال تعالى:
{ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } [الجاثية: 29]. وقيل: المراد بالإِمام المبين صحف الأعمال وليس بشيء، وقيل: علمه تعالى وهو كسابقه نعم لو أُريد به العلم الفعلي كان له وجه.
ومن عجيب القول في هذا المقام ما ذكره بعضهم أن الذي كتب في اللوح المحفوظ هو ما كان وما يكون إلى يوم القيامة لا حوادث العالم إلى أبد الآبدين وذلك أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم متناهي الأبعاد كما يشهد به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف عندنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفاً لغير المتناهي وهو محال بالبديهة فالوجه تخصيص عموم كل شيء والقول بأن المراد به الحوادث إلى يوم القيامة هذا. وهو تحكم وسنتعرض له تفصيلاً.
والآية في معنى التعليل بالنسبة إلى ما تقدمها كأنه تعالى يقول: ما أخبرنا به ووصفناه من حال أُولئك الذين حق عليهم القول وهؤلاء الذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم بالغيب هو كذلك لأن أمر حياة الكل إلينا وأعمالهم وآثارهم محفوظة عندنا فنحن على علم وخبرة بما تؤول إليه حال كل من الفريقين.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {فهم مقمحون} قال: قد رفعوا رؤوسهم.
وفيه في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون} الهدى، أخذ الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم وأعمالهم عن الهدى.
نزلت في أبي جهل بن هشام ونفر من أهل بيته وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام يصلي وقد حلف أبو جهل لعنه الله لئن رآه يصلي ليدمغه فجاءه ومعه حجر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي فجعل كلما رفع الحجر ليرميه أثبت الله عز وجل يده إلى عنقه ولا يدور الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده.
ثم قام رجل آخر وهو رهطه أيضاً فقال أنا أقتله فلما دنا منه فجعل يسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرعب فرجع إلى أصحابه فقال: حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه فخفت أن أتقدم.
وقوله تعالى: {وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فلم يؤمن من أولئك الرهط من بني مخزوم أحد.
أقول: وروى نحواً منه في الدر المنثور عن البيهقي في الدلائل عن ابن عباس وفيه أن ناساً من بني مخزوم تواطؤا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة فبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي يسمعون قراءته فأرسلوا إليه الوليد ليقتله فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته ولا يراه فانطلق إليهم فأعلمهم ذلك فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته فيذهبون إليه فيسمعون أيضاً من خلفهم فانصرفوا فلم يجدوا إليه سبيلاً. فذلك قوله: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً} الآية.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة حتى تأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم وإذا هم لا يبصرون فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم قرابة فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت: {يس والقرآن الحكيم} إلى قوله {أم لم تنذرهم لا يؤمنون}. قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد.
أقول: وقد رووا القصة بأشكال مختلفة في بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ الآيات فاحتجب منهم فلم يروه ودفع الله عنه شرهم وكيدهم، وفي بعضها أن الآيات - من أول السورة إلى قوله: {فهم لا يؤمنون} - نزلت في القصة فقوله: {إنا جعلنا} إلى آخر الآيتين يقص صنع الله بهم في ستر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أبصارهم وقوله: {وسواء عليهم} الخ يخبر عن عدم إيمان ذاك النفر.
وأنت خبير بأن سياق الآيات يأبى الانطباق على هذه الروايات بما فيها من القصة فهو سياق متناسق منسجم يصف حال طائفتين من الناس وهم الذين حق عليهم القول فهم لا يؤمنون والذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم بالغيب.
وأين ذلك من حمل قوله: {لقد حق القول على أكثرهم} على الناس المنذرين وحمل قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم} و {جعلنا من بين أيديهم سداً} الآيتين على قصة أبي جهل ورهطه، وحمل قوله: {وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} على رهطه وأضف إلى ذلك حمل قوله: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} على قصة قوم من الأنصار بالمدينة وسيوافيك خبره فيختل بذلك السياق وتنثلم وحدة النظم.
فالحق أن الآيات نازلة دفعة ذات سياق واحد تصف حال الناس وتفرقهم عند بلوغ الدعوة ووقوع الإِنذار على فرقتين، ولا مانع من وقوع القصة واحتجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أعدائه بالآيات.
وفيه أخرج عبد الرزاق والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي سعيد الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنه يكتب آثاركم ثم قرأ عليهم الآية فتركوا.
وفيه أخرج الفاريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد فنزلت {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فقالوا: بل نمكث مكاننا.
أقول: والكلام في الروايتين كالكلام فيما تقدمهما.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيء" . ثم تلا هذه الآية {ونكتب ما قدموا وآثارهم}.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} أي في كتاب مبين وهو محكم، وذكر ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنا والله الإِمام المبين أُبين الحق من الباطل ورثته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي معاني الأخبار بإسناده إلى أبي الجارود عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أنه قال في علي عليه السلام أنه الإِمام الذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كل شيء.
أقول: الحديثان لو صحا لم يكونا من التفسير في شيء بل مضمونهما من بطن القرآن وإشاراته، ولا مانع من أن يرزق الله عبداً وحده وأخلص العبودية له العلم بما في الكتاب المبين وهو عليه السلام سيد الموحدين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.