التفاسير

< >
عرض

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٤٨
مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ
٤٩
فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
٥٠
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ
٥١
قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ
٥٢
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
٥٣
فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٥٤
إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ
٥٥
هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ
٥٦
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ
٥٧
سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ
٥٨
وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٥٩
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٠
وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
٦٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٦٣
ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٦٤
ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٦٥
-يس

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
لما فرغ من تفصيل آيات التوحيد المشار إليه إجمالاً في أول الكلام شرع في تفصيل خبر المعاد وذكر كيفية قيام الساعة وإحضارهم للحساب والجزاء وما يجزى به أصحاب الجنة وما يجازى به المجرمون كل ذلك تبييناً لما تقدم من إجمال خبر المعاد.
قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} كلام منهم وارد مورد الاستهزاء مبني على الإِنكار، ولعله لذلك جيء باسم الإِشارة الموضوعة للقريبة ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كثيراً ما كانوا يسمعونهم حديث يوم القيامة وينذرونهم به، والوعد يستعمل في الخير والشر إذا ذكر وحده وإذا قابل الوعيد تعين الوعد للخير والوعيد للشر.
قوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون} النظر بمعنى الانتظار، والمراد بالصيحة نفخة الصور الأولى بإعانة السياق، وتوصيف الصيحة بالوحدة للإِشارة إلى هوان أمرهم على الله جلت عظمته فلا حاجة إلى مؤنة زائدة، و {يخصمون} أصله يختصمون من الاختصام بمعنى المجادلة والمخاصمة.
والآية جواب لقولهم: {متى هذا الوعد} مسوقة سوق الاستهزاء بهم والاستهانة بأمرهم كما كان قولهم كذلك، والمعنى ما ينتظر هؤلاء القائلون: متى هذا الوعد في سؤالهم عن وقت الوعد المنبئ عن الانتظار إلا صيحة واحدة - يسيرة علينا بلا مؤنة ولا تكلف - تأخذهم فلا يسعهم أن يفروا وينجوا منها والحال أنهم غافلون عنها يختصمون فيما بينهم.
قوله تعالى: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} أي يتفرع على هذه الصيحة بما أنها تفاجئهم ولا تمهلهم أن يموتوا من فورهم فلا يستطيعوا توصية - على أن الموت يعمهم جميعاً دفعة فلا يترك منهم أحداً يوصي إليه - ولا أن يرجعوا إلى أهلهم إذا كانوا في الخارج من بيوتهم مثلاً.
قوله تعالى: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} هذه هي نفخة الصور الثانية التي بها الإِحياء والبعث، والأجداث جمع جدث وهو القبر والنسل الإِسراع في المشي وفي التعبير عنه بقوله: {إلى ربهم} تقريع لهم لأنهم كانوا ينكرون ربوبيته والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} البعث الإِقامة، والمرقد محل الرقاد والمراد به القبر، وتعبيرهم عنه تعالى بالرحمن نوع استرحام وقد كانوا يقولون في الدنيا:
{ وما الرحمن } [الفرقان: 60]، وقوله: {وصدق المرسلون} عطف على قوله: {هذا ما وعد الرحمن} والجملة الفعلية قد تعطف على الاسمية.
وقولهم: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا مبني على إنكارهم البعث وهم في الدنيا ورسوخ أثر الإِنكار والغفلة عن يوم الجزاء في نفوسهم وهم لا يزالون مستغرقين في الأهواء فإذا قاموا من قبورهم مسرعين إلى المحشر فاجأهم الورود في عالم لا يستقبلهم فيه إلا توقع الشر فأخذهم الفزع الأكبر والدهشة التي لا تقوم لها الجبال ولذا يتبادرون أولاً إلى دعوة الويل والهلاك كما كان ذلك دأبهم في الدنيا عند الوقوع في المخاطر ثم سألوا عمن بعثهم من مرقدهم لأن الذي أحاط بهم من الدهشة أذهلهم من كل شيء.
ثم ذكروا ما كانت الرسل عليهم السلام يذكرونهم به من الوعد الحق بالبعث والجزاء فشهدوا بحقية الوعد واستعصموا بالرحمة فقالوا: {هذا ما وعد الرحمن} على ما هو دأبهم في الدنيا حيث يكيدون عدوهم إذا ظهر عليهم بالتملق وإظهار الذلة والاعتراف بالظلم والتقصير ثم صدقوا الرسل بقولهم: {وصدق المرسلون}.
وبما تقدم ظهر أولاً وجه دعوتهم بالويل إذا بعثوا.
وثانياً وجه سؤالهم عمن بعثهم من مرقدهم الظاهر في أنهم جاهلون به أولاً ثم إقرارهم بأنه الذي وعده الرحمن وتصديقهم المرسلين فيما بلغوا عنه تعالى.
ويظهر أيضاً أن قوله: {من بعثنا من مرقدنا} الخ وقوله: {هذا ما وعد الرحمن} الخ. من قولهم.
وقيل: قوله: {وصدق المرسلون} عطف على مدخول {ما} و {ما} موصولة أو مصدرية و {هذا ما وعد الرحمن} الخ جواب من الله أو من الملائكة أو من المؤمنين لقولهم: {من بعثنا من مرقدنا}؟
وغير خفي أنه خلاف الظاهر وخاصة على تقدير كون {ما} مصدرية ولو كان قوله: {هذا ما وعد الرحمن} الخ. جواباً من الله أو الملائكة لقولهم: {من بعثنا من مرقدنا} لأجيب بالفاعل دون الفعل لأنهم سألوا عن فاعل البعث! وما قيل: إن العدول إليه لتذكير كفرهم وتقريعهم عليه مع تضمنه الإِشارة إلى الفاعل هذا. لا يغني طائلاً.
وظهر أيضاً أن قوله: {هذا ما وعد الرحمن} مبتدأ وخبر، وقيل {هذا} صفة لمرقدنا بتأويل اسم الإِشارة إلى المشتق و {ما} مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق وهو بعيد عن الفهم.
قوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} اسم كان محذوف والتقدير إن كانت الفعلة أو النفخة إلا نفخة واحدة تفاجئهم أنهم مجموع محضرون لدينا من غير تأخير ومهلة.
والتعبير بقوله: {لدينا} لأن اليوم يوم الحضور لفصل القضاء عند الله سبحانه.
قوله تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي في هذا اليوم يقضي بينهم قضاء عدلاً ويحكم حكماً حقاً فلا تظلم نفس شيئاً.
وقوله: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} عطف تفسير لقوله: {فاليوم لا تظلم نفس شيئاً} وهو في الحقيقة بيان برهاني لانتفاء الظلم يومئذ لدلالته على أن جزاء أعمال العاملين يومئذ نفس أعمالهم، ولا يتصور مع ذلك ظلم لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وتحميل العامل عمله وضع الشيء في موضعه ضرورة.
وخطاب الآية من باب تمثيل يوم القيامة وإحضاره وإحضار من فيه بحسب العناية الكلامية، وليس - كما توهم - حكاية عما سيقال لهم أو يخاطبون به من جانب الله سبحانه أو الملائكة أو المؤمنين يوم القيامة فلا موجب له من جهة السياق.
والمخاطب بقوله: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} السعداء والأشقياء جميعاً.
وما قيل عليه أن الحصر يأبى التعميم فإنه تعالى يوفي المؤمنين أُجورهم ويزيدهم من فضله أضعافاً مضاعفة مدفوع بأن الحصر في الآية ناظر إلى جزاء العمل وأجره وما يدل من الآيات على المزيد كقوله:
{ لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } [ق: 35] أمر وراء الجزاء والأجر خارج عن طور العمل.
وربما أُجيب عنه بأن معنى الآية أن الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد عقابه فإن الحكمة تنافيه أما زيادة الثواب ونقص العقاب فلا مانع منه أو أن المراد بقوله: {لا تجزون إلا ما كنتم تعملون} أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وفيه أن مدلول الآية لو كان ما ذكر اندفع الإِشكال لكن الشأن في دلالتها على ذلك.
قوله تعالى: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} الشغل الشأن الذي يشغل الإِنسان ويصرفه عما عداه، والفاكه من الفكاهة وهي التحدث بما يسر أو التمتع والتلذذ ولا فعل له من الثلاثي المجرد على ما قيل.
وقيل: {فاكهون} معناه ذوو فاكهة نحو لابن وتامر ويبعده أن الفاكهة مذكورة في السياق ولا موجب لتكرارها.
والمعنى أن أصحاب الجنة في هذا اليوم في شأن يشغلهم عن كل شيء دونه وهو التنعم في الجنة متمتعون فيها.
قوله تعالى: {هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون} الظلال جمع ظل وقيل جمع ظلة بالضم وهي السترة من الشمس من سقف أو شجر أو غير ذلك، والأريكة كل ما يتكى عليه من وسادة أو غيرها.
والمعنى: هم أي أصحاب الجنة وأزواجهم من حلائلهم المؤمنات في الدنيا أو من الحور العين في ظلال أو أستار من الشمس وغيرها متكئون على الأرائك اتكاء الأعزة.
قوله تعالى: {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} الفاكهة ما يتفكه به من الثمرات كالتفاح والأترج ونحوهما، وقوله: {يدعون} من الادعاء بمعنى التمني أي لهم في الجنة فاكهة ولهم فيها ما يتمنونه ويطلبونه.
قوله تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} سلام مبتدأ محذوف الخبر والتنكير للتفخيم والتقدير سلام عليهم أو لهم سلام، و {قولاً} مفعول مطلق لفعل محذوف والتقدير أقوله قولاً من رب رحيم.
والظاهر أن السلام منه تعالى وهو غير سلام الملائكة المذكور في قوله:
{ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [الرعد: 23 - 24]. قوله تعالى: {وامتازوا اليوم أيها المجرمين} أي ونقول اليوم للمجرمين امتازوا من أصحاب الجنة وهو تمييزهم منهم يوم القيامة وإنجاز لما في قوله في موضع آخر: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } [ص: 28]، وقوله: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم } [الجاثية: 21]. قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} العهد الوصية، والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس ويأمر به إذ لا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته، وقد علل النهي عن طاعته بكونه عدواً مبيناً لأن العدو لا يريد بعدوه خيراً.
وقيل: المراد بعبادته عبادة الآلهة من دون الله وإنما نسبت إلى الشيطان لكونها بتسويله وتزيينه، وهو تكلف من غير موجب.
وإنما وجه الخطاب إلى المجرمين بعنوان أنهم بنو آدم لأن عداوة الشيطان إنما نشبت أول ما نشبت بآدم حيث أمر أن يسجد له فأبى واستكبر فرجم ثم عاد ذريته بعداوته وأوعدهم كما حكاه الله تعالى إذ قال:
{ أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً } [الإسراء: 62]. وأما عهده تعالى ووصيته إلى بني آدم أن لا يطيعوه فهو الذي وصاهم به بلسان رسله وأنبيائه وحذرهم عن اتّباعه كقوله تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } [الأعراف: 27]، وقوله: { ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين } [الزخرف: 62]. وقيل: المراد بالعهد عهده تعالى إليهم في عالم الذر حيث قال: {ألست بربكم قالوا بلى}. وقد عرفت مما قدمناه في تفسير آية الذر أن العهد الذي هناك هو بوجه عين العهد الذي وجه إليهم في الدنيا.
قوله تعالى: {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} عطف تفسير لما سبقه، وقد تقدم كلام في معنى الصراط المستقيم في تفسير قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} من سورة الفاتحة.
قوله تعالى: {ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون} الجبل الجماعة وقيل: الجماعة الكثيرة والكلام مبني على التوبيخ والعتاب.
قوله تعالى: {هذه جهنم التي كنتم توعدون} أي كان يستمر عليكم الإِيعاد بها مرة بعد مرة بلسان الأنبياء والرسل عليه السلام وأول ما أوعد الله سبحانه بها حين قال لإِبليس:
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين } [الحجر: 42 - 43] وفي لفظ الآية إشارة إلى إحضار جهنم يومئذ.
قوله تعالى: {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} الصلا: اللزوم والاتباع، وقيل: مقاساة الحرارة ويظهر بقوله: {بما كنتم تكفرون} أن الخطاب للكفار وهم المراد بالمجرمين.
قوله تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} أي يشهد كل منها بما كانوا يكسبونه بواسطته فالأيدي بالمعاصي التي كسبوها بها والأرجل بالمعاصي الخاصة بها على ما يعطيه السياق.
ومن هنا يظهر أن كل عضو ينطق بما يخصه من العمل وأن ذكر الأيدي والأرجل من باب الأنموذج ولذا ذكر في موضع آخر السمع والبصر والفؤاد كما في سورة الإِسراء الآية 36. وفي موضع آخر الجلود كما في سورة حم السجدة الآية 20، وسيأتي بعض ما يتعلق به من الكلام في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة} الآية قال: ذلك في آخر الزمان يصاح فيهم صيحة وهم في أسواقهم يتخاصمون فيموتون كلهم في مكانهم لا يرجع أحد منهم إلى منزله ولا يوصي بوصية، وذلك قوله عز وجل: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون}.
وفي المجمع في الحديث تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فما يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أُكلته إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم.
أقول: وروى هذا المعنى في الدر المنثور عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وكذا عن قتادة عنه صلى الله عليه وآله وسلم مرسلاً.
وفي تفسير القمي وقوله عز وجل: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} قال: من القبور. وفي رواية أبي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} فإن القوم كانوا في القبور فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياماً وقالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. قالت الملائكة: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.
وفي الكافي بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو ذررحمه الله يقول في خطبته: وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} قال يفاكهون النساء ويلاعبونهن.
وفيه في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: {في ظلال على الأرائك متكئون} الأرائك السرر عليها الحجال.
وفيه في قوله عز وجل: {سلام قولاً من رب رحيم} قال: السلام منه هو الأمان. وقوله: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} قال: إذا جمع الله الخلق يوم القيامة بقوا قياماً على أقدامهم حتى يلجمهم العرق فينادون: يا رب حاسبنا ولو إلى النار قال: فيبعث الله رياحاً فتضرب بينهم وينادي مناد: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} فيميز بينهم فصار المجرمون في النار، ومن كان في قلبه الإِيمان صار إلى الجنة.
أقول: وقد ورد في بعض الروايات أن الله سبحانه يتجلى لهم فيشتغلون به عن كل من سواه ما دام التجلي والمراد به ارتفاع كل حجاب بينهم وبين ربهم دون الرؤية البصرية التي لا تتحقق إلا بمقارنة الجهات والأبعاد فإنها مستحيلة في حقه تعالى.
وفي اعتقادات الصدوق قال عليه السلام: من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس.
وفي الكافي بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز وجل:
{ فمن أُوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلاً } [الإسراء: 71]. وفي تفسير العياشي عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال أمير المؤمنين عليهم السلام في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم الله على الأفواه فلا تكلم وتكلمت الأيدي وشهدت الأرجل ونطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثاً.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أُخر يأتي بعضها في ذيل تفسير قوله تعالى:
{ شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } [فصلت: 20]، وتقدم بعضها في الكلام على قوله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسئولاً } [الإسراء: 36].