التفاسير

< >
عرض

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٢
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ
١٣
وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٥
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
١٦
أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ
١٧
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ
١٨
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ
١٩
وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ
٢٠
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢١
ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
٢٢
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ
٢٣
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ
٢٤
مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ
٢٥
بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
٢٦
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
٢٧
قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ
٢٨
قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٢٩
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ
٣٠
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ
٣١
فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ
٣٢
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
٣٣
إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ
٣٤
إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
٣٥
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ
٣٦
بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٧
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ
٣٨
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٣٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٤٠
أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ
٤١
فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ
٤٢
فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٤٣
عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ
٤٤
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
٤٥
بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ
٤٦
لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
٤٧
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ
٤٨
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ
٤٩
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
٥٠
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ
٥١
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ
٥٢
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ
٥٣
قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ
٥٤
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
٥٥
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ
٥٦
وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ
٥٧
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
٥٨
إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٥٩
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٦٠
لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ
٦١
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ
٦٢
إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ
٦٣
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ
٦٤
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ
٦٥
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
٦٦
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
٦٧
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ
٦٨
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ
٦٩
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
٧٠
-الصافات

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
حكاية استهزائهم بآيات الله وبعض أقاويلهم المبنية على الكفر وإنكار المعاد والرد عليهم بتقرير أمر البعث وما يجري عليهم فيه من الشدة وألوان العذاب وما يكرم الله به عباده المخلصين من النعمة والكرامة.
وفيها ذكر تخاصم أهل النار يوم القيامة، وذكر محادثة بين أهل الجنة وأُخرى بين بعضهم وبعض أهل النار.
قوله تعالى: {بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون} أي بل عجبت يا محمد من تكذيبهم إياك مع دعوتك إياهم إلى كلمة الحق، وهم يسخرون ويهزؤن من تعجبك منهم أو من دعائك إياهم إلى الحق، وإذا ذكروا بآيات الله الدالة على التوحيد ودين الحق لا يذكرون ولا يتنبهون.
قوله تعالى: {وإذا رأوا آية يستسخرون} في مجمع البيان: سخر واستسخر بمعنى واحد. انتهى.
والمعنى: وإذا رأوا هؤلاء المشركون آية معجزة من آيات الله المعجزة كالقرآن وشق القمر يستهزؤون بها.
قوله تعالى: {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} في إشارتهم إلى الآية بلفظة هذا إشعار منهم أنهم لا يفقهون منها إلا أنها شيء ما من غير زيادة وهو من أقوى الإِهانة والاستسخار.
قوله تعالى: {ءإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً ءإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون} إنكار منهم للبعث مبني على الاستبعاد فمن المستبعد عند الوهم أن يموت الإِنسان فيتلاشى بدنه ويعود تراباً وعظاماً ثم يعود إلى صورته الأولى.
ومن الدليل على أن الكلام مسوق لإِفادة الاستبعاد تكرارهم الاستفهام الإِنكاري بالنسبة إلى آبائهم الأولين فإن استبعاد الوهم لبعثهم وقد انمحت رسومهم ولم يبق منهم إلا أحاديث أشد وأقوى من استبعاده بعثهم أنفسهم.
ولو كان إنكارهم البعث مبنياً على أنهم ينعدمون بالموت فتستحيل إعادتهم كان الحكم فيهم وفي آبائهم على نهج واحد ولم يحتج إلى تجديد استفهام بالنسبة إلى آبائهم.
قوله تعالى: {قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم بأنهم مبعوثون.
وقوله: {وأنتم داخرون} أي صاغرون مهانون أذلاء، وهذا في الحقيقة احتجاج بعموم القدرة ونفوذ الإِرادة من غير مهلة، فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ولذا عقبه بقوله: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} وقد قال تعالى:
{ ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير } [النحل: 77]. وقوله: {فإنما هي زجرة واحدة} الخ الفاء لإِفادة التعليل والجملة تعليل لقوله: {وأنتم داخرون} وفي التعبير بزجرة إشعار باستذلالهم.
قوله تعالى: {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} معطوف على قوله: {ينظرون} المشعر بأنهم مبهوتون مدهوشون متفكرون ثم يتنبهون بكونه يوم البعث فيه الدين والجزاء وهم يحذرون منه بما كفروا وكذبوا ولذا قالوا: يوم الدين، ولم يقولوا يوم البعث، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع.
وقوله: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} قيل هو كلام بعضهم لبعض وقيل: كلام الملائكة أو كلامه تعالى لهم، ويؤيده الآية التالية، والفصل هو التمييز بين الشيئين وسمي يوم الفصل لكونه يوم التمييز بين الحق والباطل بقضائه وحكمه تعالى أو التمييز بين المجرمين والمتقين قال تعالى:
{ وامتازوا اليوم أيها المجرمون } [يس: 59]. قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} من كلامه تعالى للملائكة والمعنى وقلنا للملائكة: احشروهم وقيل: هو من كلام الملائكة بعضهم لبعض.
والحشر - على ما ذكره الراغب - إخراج الجماعة عن مقرّهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها.
والمراد بالذين ظلموا على ما يؤيده آخر الآية المشركون ولا كل المشركين بل المعاندون للحق الصادّون عنه منهم قال تعالى:
{ فأذّن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 44 - 45]، والتعبير بالماضي في المقام يفيد فائدة الوصف فليس المراد بالذين ظلموا من تحقق منه ظلم مّا ولو مرة واحدة بل تعريف لهم بحاصل ما اكتسبوا في حياتهم الدنيا كما لو قيل: ماذا فعل فلان في حياته فيقال ظلم، فالفعل يفيد فائدة الوصف، وفي كلامه تعالى من ذلك شيء كثير كقوله تعالى: { وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمراً } [الزمر: 73] وقوله: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً } [الزمر: 71] وقوله: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [يونس: 26]. وقوله: {وأزواجهم} الظاهر أن المراد به قرناؤهم من الشياطين قال تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين } [الزخرف: 36] إلى أن قال { حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } [الزخرف: 38]. وقيل: المراد بالأزواج الأشباه والنظائر فأصحاب الزنا يحشرون مع أصحاب الزنا وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر وهكذا.
وفيه أن لازمه أن يراد بالذين ظلموا طائفة خاصة من أصحاب كل معصية واللفظ لا يساعد عليه على أن ذيل الآية لا يناسبه.
وقيل: المراد بالأزواج نساؤهم الكافرات وهو ضعيف كسابقه.
وقوله: {وما كانوا يعبدون من دون الله} الظاهر أن المراد به الأصنام التي يعبدونها نظراً إلى ظاهر لفظة {ما} فالآية نظيرة قوله:
{ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } [الأنبياء: 98]. ويمكن أن يكون المراد بلفظة {ما} ما يعم أولي العقل من المعبودين كالفراعنة والنماردة، وأما الملائكة المعبودون والمسيح عليه السلام فيخرجهم من العموم قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } [الأنبياء: 101]. وقوله: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} الجحيم من أسماء جهنم في القرآن وهو من الجحمة بمعنى شدة تأجج النار على ما ذكره الراغب.
والمراد بهدايتهم إلى صراطها إيصالهم إليه وإيقاعهم فيه بالسوق، وقيل: تسمية ذلك بالهداية من الاستهزاء، وقال في مجمع البيان: إنما عبر عن ذلك بالهداية من حيث كان بدلاً من الهداية إلى الجنة كقوله: {فبشرهم بعذاب أليم} من حيث إن هذه البشارة وقعت لهم بدلاً من البشارة بالنعيم. انتهى.
قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون} قال في المجمع يقال: وقفت أنا ووقفت غيري - أي يعدّي ولا يعدى - وبعض بني تميم يقول: أوقفت الدابة والدار. انتهى.
فقوله: {وقفوهم إنهم مسئولون} أي احبسوهم لأنهم مسئولون أي حتى يسأل عنهم. والسياق يعطي أن هذا الأمر بالوقوف والسؤال إنما يقع في صراط الجحيم.
واختلفت كلماتهم فيما هو السؤال عنه فقيل: يسألون عن قول لا إله إلا الله، وقيل: عن شرب الماء البارد استهزاء بهم، وقيل: عن ولاية علي عليه السلام.
وهذه الوجوه لو صحت فإنما تشير إلى بعض مصاديق ما يسأل عنه والسياق يشهد أن السؤال هو ما يشتمل عليه قوله: {ما لكم لا تناصرون} أي لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم تفعلونه في الدنيا فتستعينون به على حوائجكم ومقاصدكم، وما يتلوه من قوله: {بل هم اليوم مستسلمون} أي مسلمون لا يستكبرون يدل على أن المراد بقوله: {ما لكم لا تناصرون} السؤال عن استكبارهم عن طاعة الحق كما كانوا يستكبرون في الدنيا.
فالسؤال عن عدم تناصرهم سؤال عن سبب الاستكبار الذي كانوا عليه في الدنيا فقد تبين به أن المسؤول عنه هو كل حق أعرضوا عنه في الدنيا من اعتقاد حق أو عمل صالح استكباراً على الحق تظاهراً بالتناصر.
قوله تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} إلى قوله {إنا كنا غاوين} تخاصم واقع بين الأتباع والمتبوعين يوم القيامة، والتعبير عنه بالتساؤل لأنه في معنى سؤال بعضهم بعضاً تلاوماً وتعاتباً يقول التابعون لمتبوعيهم: لم أضللتمونا؟ فيقول المتبوعون: لم قبلتم منا ولا سلطان لنا عليكم؟
فقوله: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} البعض الأول هم المعترضون والبعض الثاني المعترض عليهم كما يعطيه سياق التساؤل وتساؤلهم تخاصمهم.
وقوله: {قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي من جهة الخير والسعادة فاستعمال اليمين فيها شائع كثير كقوله:
{ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } [الواقعة: 27] والمعنى أنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير والسعادة فتقطعون الطريق وتحولون بيننا وبين الخير والسعادة وتضلوننا.
وقيل: المراد باليمين الدين وهو قريب من الوجه السابق، وقيل: المراد باليمين القهر والقوة كما في قوله تعالى:
{ فراغ عليهم ضرباً باليمين } [الصافات: 93] ولا يخلو من وجه نظراً إلى جواب المتبوعين.
وقوله: {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان} إلى قوله {غاوين} جواب المتبوعين بتبرئة أنفسهم من إشقاء التابعين وأن جرمهم مستند إلى سوء اختيار أنفسهم.
فقالوا: بل لم تكونوا مؤمنين أي لم نكن نحن السبب الموجب لإِجرامكم وهلاككم بخلوكم عن الإِيمان بل لم تكونوا مؤمنين لا أنا جردناكم من الإِيمان.
ثم قالوا: {وما كان لنا عليكم من سلطان} وهو في معنى الجواب على فرض التسليم كأنه قيل: ولو فرض أنه كان لكم إيمان فما كان لنا عليكم من سلطان حتى نسلبه منكم ونجردكم منه. على أن سلطان المتبوعين إنما هو بالتابعين فهم الذين يعطونهم السلطة والقوة فيتسلطون عليهم أنفسهم.
ثم قالوا: {بل كنتم قوماً طاغين} والطغيان هو التجاوز عن الحد وهو إضراب عن قوله: {لم تكونوا مؤمنين} كأنه قيل: ولم يكن سبب هلاككم مجرد الخلو من الإِيمان بل كنتم قوماً طاغين كما كنا مستكبرين طاغين فتعاضدنا جميعاً على ترك سبيل الرشد واتخاذ سبيل الغي فحق علينا كلمة العذاب التي قضى بها الله سبحانه قال تعالى:
{ إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً } [النبأ: 21 - 22] وقال: { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى } [النازعات: 37 - 39]. ولهذا المعنى عقّب قوله: {بل كنتم قوماً طاغين} بقوله: {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون} أي لذائقون العذاب.
ثم قالوا: {فأغويناكم إنا كنا غاوين} وهو متفرع على ثبوت كلمة العذاب وآخر الأسباب لهلاكهم فإن الطغيان يستتبع الغواية ثم نار جهنم، قال تعالى لإِبليس
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين } [الحجر: 42 - 43]. فكأنه قيل: فلما تلبستم بالطغيان حل بكم الغواية بأيدينا من غير سلطان لنا عليكم إلا اتباعكم لنا واتصالكم بنا فسرى إليكم ما فينا من الصفة وهي الغواية فالغاوي لا يتأتى منه إلا الغواية والإِناء لا يترشح منه إلا ما فيه، وبالجملة إنكم لم تجبروا ولم تسلبوا الاختيار منذ بدأتم في سلوك سبيل الهلاك إلى أن وقعتم في ورطته وهي الغواية فحق عليكم القول.
قوله تعالى: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} إلى قوله {يستكبرون} ضمير {فإنهم} للتابعين والمتبوعين فهم مشتركون في العذاب لاشتراكهم في الظلم وتعاونهم على الجرم من غير مزية لبعضهم على بعض.
واستظهر بعضهم أن المغوين أشد عذاباً وذلك في مقابلة أوزارهم وأوزار أمثال أوزارهم فالشركة لا تقتضي المساواة والحق أن الآيات مسوقة لبيان اشتراكهم في الظلم والجرم والعذاب اللاحق بهم من قبله، ويمكن مع ذلك أن يلحق بكل من المتبوعين والتابعين ألوان من العذاب ناشئة عن خصوص شأنهم قال تعالى:
{ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } [العنكبوت: 13]، وقال: { ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38]. وقوله: {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} تأكيد لتحقيق العذاب، والمراد بالمجرمين المشركون بدليل قوله بعد: {إنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي إذا عرض عليهم التوحيد أن يؤمنوا به أو كلمة الإِخلاص أن يقولوها استمروا على استكبارهم ولم يقبلوا.
قوله تعالى: {ويقولون ءإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين} قولهم هذا إنكار منهم للرسالة بعد استكبارهم عن التوحيد وإنكارهم له.
وقوله: {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} رد لقولهم: {لشاعر مجنون} حيث رموه عليه السلام بالشعر والجنون وفيه رمي لكتاب الله بكونه شعراً ومن هفوات الجنون فرد عليهم بأن ما جاء به حق وفيه تصديق الرسل السابقين فليس بباطل من القول كالشعر وهفوة الجنون وليس ببدع غير مسبوق في معناه.
قوله تعالى: {إنكم لذائقوا العذاب الأليم} تهديد لهم بالعذاب لاستكبارهم ورميهم الحق بالباطل.
قوله تعالى: {وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي لا ظلم فيه لأنه نفس عملكم يرد إليكم.
قوله تعالى: {إلا عباد الله المخلصين} إلى قوله {بيض مكنون} استثناء منقطع من ضمير {لذائقوا} أو من ضمير {ما تجزون} ولكل وجه والمعنى على الأول لكن عباد الله المخلصين أُولئك لهم رزق معلوم وليسوا بذائقي العذاب الأليم والمعنى على الثاني لكن عباد الله المخلصين أُولئك لهم رزق معلوم وراء جزاء عملهم وسيجيء الإِشارة إلى معناه.
واحتمال كون الاستثناء متصلاً ضعيف لا يخلو من تكلف.
وقد سماهم الله سبحانه عباد الله المخلصين فأثبت لهم عبودية نفسه والعبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئاً من إرادة ولا عمل فهؤلاء لا يريدون إلا ما أراده الله ولا يعملون إلا له.
ثم أثبت لهم أنهم مخلصون بفتح اللام أي إن الله تعالى أخلصهم لنفسه فلا يشاركه فيهم أحد فلا تعلق لهم بشيء غيره تعالى من زينة الحياة الدنيا ولا من نعم العقبى وليس في قلوبهم إلا الله سبحانه.
ومن المعلوم أن من كانت هذه صفته كان التذاذه وتنعمه غير ما يلتذ ويتنعم غيره وارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه وإن شاركهم في ضروريات المأكل والمشرب ومن هنا يتأيد أن المراد بقوله: {أُولئك لهم رزق معلوم} الإِشارة إلى أن رزقهم في الجنة - وهم عباد مخلصون - رزق خاص لا يشبه رزق غيرهم ولا يختلط بما يتمتع به من دونهم وإن اشتركا في الاسم.
فقوله: {أُولئك لهم رزق معلوم} أي رزق خاص متعين ممتاز من رزق غيرهم فكونه معلوماً كناية عن امتيازه كما في قوله:
{ وما منا إلا له مقام معلوم } } [الصافات: 164] والإِشارة بلفظ البعيد للدلالة على علو مقامهم.
وأما ما فسره بعضهم أن المراد بكون رزقهم معلوماً كونه معلوم الخصائص مثل كونه غير مقطوع ولا ممنوع حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الرائحة، وكذا ما ذكره آخرون أن المراد أنه معلوم الوقت لقوله:
{ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً } [مريم: 62] وكذا قول القائل: إن المراد به الجنة فهي وجوه غير سديدة.
ومن هنا يظهر أن أخذ قوله: {إلا عباد الله المخلصين} استثناء من ضمير {وما تجزون} لا يخلو من وجه كما تقدمت الإِشارة إليه.
وقوله: {فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم} الفواكه جمع فاكهة وهي ما يتفكه به من الأثمار بيان لرزقهم المعلوم غير أنه تعالى شفّعه بقوله: {وهم مكرمون} للدلالة على امتياز هذا الرزق أعني الفاكهة مما عند غيرهم بأنها مقارنة لإِكرام خاص يخصهم قبال اختصاصهم بالله سبحانه وكونه لهم لا يشاركهم فيه شيء.
وفي إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ذلك فقد تقدم في قوله:
{ فأُولئك مع الذين أنعم الله عليهم } [النساء: 69] الآية، وقوله: { وأتممت عليكم نعمتي } } [المائدة: 3] وغيرهما أن حقيقة النعمة هي الولاية وهي كونه تعالى هو القائم بأمر عبده.
وقوله: {على سرر متقابلين} السرر جمع سرير وهو معروف وكونهم متقابلين معناه استئناس بعضهم ببعض واستمتاعهم بنظر بعضهم في وجه بعض من غير أن يرى بعضهم قفا بعض.
وقوله: {يطاف عليهم بكأس من معين} الكأس إناء الشراب ونقل عن كثير من اللغويين أن إناء الشراب لا يسمى كأساً إلا وفيه الشراب فإن خلا منه فهو قدح والمعين من الشراب الظاهر منه من عان الماء إذا ظهر وجرى على وجه الأرض، والمراد بكون الكأس من معين صفاء الشراب فيها ولذا عقبه بقوله: {بيضاء}.
وقوله: {بيضاء لذة للشاربين} أي صافية في بياضها لذيذة للشاربين فاللذة مصدر أُريد به الوصف مبالغة أو هي مؤنث لذّ بمعنى لذيذ كما قيل.
وقوله: {لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} الغول الإِضرار والإِفساد، قال الراغب: الغول إهلاك الشيء من حيث لا يحس به انتهى. فنفي الغول عن الخمر نفي مضارها والإِنزاف فسر بالسكر المذهب للعقل وأصله إذهاب الشيء تدريجاً.
ومحصل المعنى: أنه ليس فيها مضار الخمر التي في الدنيا ولا إسكارها بإذهاب العقل.
وقوله: {وعندهم قاصرات الطرف عين} وصف للحور التي يرزقونها وقصور طرفهن كناية عن نظرهن نظرة الغنج والدلال ويؤيده ذكر العين بعده وهو جمع عيناء مؤنث أعين وهي الواسعة العين في جمال.
وقيل: المراد بقاصرات الطرف أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم لحبهن لهم، وبالعين أن أعينهن شديدة في سوادها شديدة في بياضها.
وقوله: {كأنهن بيض مكنون} البيض معروف وهو اسم جنس واحدته بيضة والمكنون هو المستور بالادخار قيل: المراد تشبيههن بالبيض الذي كنه الريش في العش أو غيره في غيره فلم تمسه الأيدي ولم يصبه الغبار، وقيل: المراد تشبيههن ببطن البيض قبل أن يقشّر وقبل أن تمسه الأيدي.
قوله تعالى: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} إلى قوله {فليعمل العاملون} حكاية محادثة تقع بين أهل الجنة فيسأل بعضهم عن أحوال بعض ويحدث بعضهم بما جرى عليه في الدنيا وتنتهي المحادثة إلى تكليمهم بعض أهل النار وهو في سواء الجحيم.
فقوله: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ضمير الجمع لأهل الجنة من عباد الله المخلصين وتساؤلهم - كما تقدم - سؤال بعضهم عن بعض وما جرى عليه.
وقوله: {قال قائل منهم إني كان لي قرين} أي قال قائل من أهل الجنة المتسائلين إني كان لي في الدنيا مصاحب يختص بي من الناس. كذا يعطي السياق.
وقيل: المراد بالقرين القرين من الشياطين وفيه أن القرآن إنما يثبت قرناء الشياطين في المعرضين عن ذكر الله والمخلصون في عصمة إلهية من قرين الشياطين وكذا من تأثير الشيطان فيهم كما حكى عن إبليس استثناءهم من الإِغواء:
{ فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ص: 82 - 83] نعم ربما أمكن أن يتعرض لهم الشيطان من غير تأثير فيهم لكنه غير أثر القرين.
وقوله: {يقول ءإنك لمن المصدقين إذا متنا وكنا تراباً وعظاماً ءإنا لمدينون} ضمير {يقول} للقرين، ومفعول {المصدقين} البعث للجزاء وقد قام مقامه قوله: {ءإذا متنا} الخ والمدينون المجزيون.
والمعنى: كان يقول لي قريني مستبعداً منكراً ءإنك لمن المصدقين للبعث للجزاء ءإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً فتلاشت أبداننا وتغيرت صورها ءإنا لمجزيون بالإِحياء والإِعادة؟ فهذا مما لا ينبغي أن يصدق.
وقوله: {قال هل أنتم مطلعون} ضمير {قال} للقائل المذكور قبلاً، والإِطلاع الإِشراف والمعنى ثم قال القائل المذكور مخاطباً لمحادثيه من أهل الجنة: هل أنتم مشرفون على النار حتى تروا قريني والحال التي هو فيها؟
وقوله: {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} السواء الوسط ومنه سواء الطريق أي وسطه والمعنى فأشرف القائل المذكور على النار فرآه أي قرينه في وسط الجحيم.
وقوله: {قال تالله إن كدت لتردين} {إن} مخففة من الثقيلة، والإِرداء السقوط من مكان عال كالشاهق ويكنى به عن الهلاك والمعنى أُقسم بالله إنك قربت أن تهلكني وتسقطني فيما سقطت فيه من الجحيم.
وقوله: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} المراد بالنعمة التوفيق والهداية الإِلهية، والإِحضار الإِشخاص للعذاب قال في مجمع البيان: ولا يستعمل "أحضر" مطلقاً إلا في الشر.
والمعنى: ولولا توفيق ربي وهدايته لكنت من المحضرين للعذاب مثلك.
وقوله: {أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} الاستفهام للتقرير والتعجيب، والمراد بالموتة الأولى هي الموتة عن الحياة الدنيا وأما الموتة عن البرزخ المدلول عليها بقوله:
{ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } [غافر: 11] فلم يعبأ بها لأن الموت الذي يزعم الزاعم فيه الفناء والبطلان هو الموت الدنيوي.
والمعنى - على ما في الكلام من الحذف والإِيجاز - ثم يرجع القائل المذكور إلى نفسه وأصحابه فيقول متعجباً أنحن خالدون منعمون فما نحن بميتين إلا الموتة الأولى وما نحن بمعذبين؟
قال في مجمع البيان: ويريدون به التحقيق لا الشك وإنما قالوا هذا القول لأن لهم في ذلك سروراً مجدداً وفرحاً مضاعفاً وإن كان قد عرفوا أنهم سيخلدون في الجنة وهذا كما أن الرجل يعطى المال الكثير فيقول مستعجباً: كل هذا المال لي؟ وهو يعلم أن ذلك له وهذا كقوله:

أبطحاء مكة هذا الذي أراه عيانــــا وهذا أنا؟

قال: ولهذا عقبه بقوله: {إن هذا لهو الفوز العظيم} انتهى.
وقوله: {إن هذا لهو الفوز العظيم} هو من تمام قول القائل المذكور وفيه إعظام لموهبة الخلود وارتفاع العذاب وشكر للنعمة.
وقوله: {لمثل هذا فليعمل العاملون} ظاهر السياق أنه من قول القائل المذكور والإِشارة بهذا إلى الفوز أو الثواب أي لمثل هذا الفوز أو الثواب فليعمل العاملون في دار التكليف، وقيل: هو من قول الله سبحانه وقيل: من قول أهل الجنة.
واعلم أن لهم أقوالاً مختلفة في نسبة أكثر الجمل السابقة إلى قول الله تعالى أو قول الملائكة أو قول أهل الجنة غير القائل المذكور والذي أوردناه هو الذي يساعد عليه السياق.
قوله تعالى: {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم} إلى قوله {يهرعون} مقايسة بين ما هيأه الله نزلاً لأهل الجنة مما وصفه من الرزق الكريم وبين ما أعده نزلاً لأهل النار من شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين وشراب من حميم.
فقوله: {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم} الإِشارة بذلك إلى الرزق الكريم المذكورة سابقاً المعد لورود أهل الجنة والنزل بضمتين ما يهيؤ لورود الضيف فيقدم إليه إذا ورد من الفواكه ونحوها.
والزقوم - على ما قيل - اسم شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة ذات لبن إذا أصاب جسد إنسان تورم تكون في تهامة والبلاد المجدبة المجاورة للصحراء سميت به الشجرة الموصوفة بما في الآية من الأوصاف، وقيل: إن قريشاً ما كانت تعرفه وسيأتي ذلك في البحث الروائي.
ولفظة خير في الآية بمعنى الوصف دون التفضيل إذ لا خيرية في الزقوم أصلاً فهو كقوله:
{ ما عند الله خير من اللهو } [الجمعة: 11] والآية على ما يعطيه السياق من كلامه تعالى.
وقوله: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} الضمير لشجرة الزقوم، والفتنة المحنة والعذاب.
وقوله: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} وصف لشجرة الزقوم، وأصل الجحيم قعرها، ولا عجب في نبات شجرة في النار وبقائها فيها فحياة الإِنسان وبقاؤها خالداً فيها أعجب والله يفعل ما يشاء.
وقوله: {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} الطلع حمل النخلة أو مطلق الشجرة أول ما يبدو، وتشبيه ثمرة الزقوم برؤوس الشياطين بعناية أن الأوهام العامية تصور الشيطان في أقبح صورة كما تصور الملك في أحسن صورة وأجملها قال تعالى:
{ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم } [يوسف: 31]، وبذلك يندفع ما قيل: إن الشيء إنما يشبه بما يعرف ولا معرفة لأحد برؤوس الشياطين.
وقوله: {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} الفاء للتعليل يبين به كونها نزلاً للظالمين يأكلون منها، وفي قوله: {فمالئون منها البطون} إشارة إلى تسلط جوع شديد عليهم يحرصون به على الأكل كيفما كان.
وقوله: {ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم} الشوب المزيج والخليط، والحميم الماء الحار البالغ في حرارته، والمعنى ثم إن لأولئك الظالمين - زيادة عليها - لخليطاً مزيجاً من ماء حار بالغ الحرارة يشربونه فيختلط به ما ملأوا منه البطون من الزقوم.
وقوله: {ثم إن مرجعهم لإِلى الجحيم} أي إنهم بعد شرب الحميم يرجعون إلى الجحيم فيستقرون فيها ويعذبون، وفي الآية تلويح إلى أن الحميم خارج الجحيم.
وقوله: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون} ألفيت كذا أي وجدته وصادفته، والإِهراع الإِسراع والمعنى أن سبب أكلهم وشربهم ثم رجوعهم إلى الجحيم أنهم صادفوا آباءهم ضالين - وهم مقلدون وأتباع لهم وهم أصلهم ومرجعهم - فهم يسرعون على آثارهم فجوزوا بنزل كذلك والرجوع إلى الجحيم جزاء وفاقا.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن ابن جريح في قوله تعالى: {بل عجبت} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"عجبت بالقرآن حين أُنزل ويسخر منه ضلال بني آدم"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا} قال: الذين ظلموا آل محمد عليهم السلام حقهم {وأزواجهم} قال: أشباههم.
أقول: صدر الرواية من الجري.
وفي المجمع في قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون} قيل: عن ولاية علي عليه السلام عن أبي سعيد الخدري.
أقول: ورواه الشيخ في الأمالي بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي العيون عن علي وعن الرضا عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي تفسير القمي عن الإِمام عليه السلام.
وفي الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت"
]. أقول: وروى في العلل عنه صلى الله عليه وآله وسلم مثله.
وفي نهج البلاغة: اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم.
وفي الدر المنثور أخرج البخاري في تاريخه والترمذي والدارمي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به لا يفارقه وإن دعا رجل رجلاً ثم قرأ {وقفوهم إنهم مسؤولون}"
]. وفي روضة الكافي بإسناده عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: وأما قوله: {أُولئك لهم رزق معلوم} قال: يعلمه الخدام فيأتون به إلى أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه. أما قوله: {فواكه وهم مكرمون} قال: فإنهم لا يشتهون شيئاً في الجنة إلا أُكرموا به.
وفي تفسير القمي وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} يقول: في وسط الجحيم.
وفيه في قوله تعالى: {أفما نحن بميتين} الخ بإسناده عن أبيه عن علي بن مهزيار والحسن بن محبوب عن النضر بن سويد عن درست عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جيء بالموت ويذبح كالكبش بين الجنة والنار ثم يقال: خلود فلا موت أبداً فيقول أهل الجنة: {أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون}.
أقول: وحديث ذبح الموت في صورة كبش يوم القيامة من المشهورات رواه الشيعة وأهل السنة، وهو تمثل الخلود يومئذ.
وفي المجمع في قوله تعالى: {شجرة الزقوم} روي أن قريشاً لما سمعت هذه الآية قالت: ما نعرف هذه الشجرة قال ابن الزبعري: الزقوم بكلام البربر التمر والزبد وفي رواية بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته: يا جارية زقمينا فأتته الجارية بتمر وزبد فقال لأصحابه: تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد فيزعم أن النار تنبت الشجر والنار تحرق الشجر فأنزل الله سبحانه {إنا جعلناها فتنة للظالمين}.
أقول: وهذا المعنى مروي بطرق عديدة.