التفاسير

< >
عرض

هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ
٤٩
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ
٥٠
مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
٥١
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ
٥٢
هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ
٥٣
إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
٥٤
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ
٥٥
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
٥٦
هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
٥٧
وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ
٥٨
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ
٥٩
قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ
٦٠
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ
٦١
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ
٦٢
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار
٦٣
إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ
٦٤

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل آخر من الكلام يبين فيه مآل أمر المتقين والطاغين تبشيراً وإنذاراً.
قوله تعالى: {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب} الإِشارة بهذا إلى ما ذكر من قصص الأوّابين من الأنبياء الكرام عليهما السلام، والمراد بالذكر الشرف والثناء الجميل أي هذا الذي ذكر شرف وذكر جميل وثناء حسن لهم يذكرون به في الدنيا أبداً ولهم حسن مآب من ثواب الآخرة. كذا قالوا.
وعلى هذا فالمراد بالمتقين هم المذكورون من الأنبياء بالخصوص أو عموم أهل التقوى وهم داخلون فيهم ويكون ذكر مآب الطاغين بعد من باب الاستطراد.
والظاهر أن الإِشارة بهذا إلى القرآن والمراد بالذكر ما يشتمل عليه من الذكر وفي الكلام عود إلى ما بدئ به في السورة من قوله {والقرآن ذي الذكر} فهو فصل من الكلام يذكر فيه الله سبحانه ما في الدار الآخرة من ثواب المتقين وعقاب الطاغين.
وقوله: {وإنَّ للمتقين لحسن مآب} المآب المرجع والتنكير للتفخيم، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى: {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} أي جنات استقرار وخلود وكون الأبواب مفتحة لهم كناية عن أنهم غير ممنوعين عن شيء من النعم الموجودة فيها فهي مهيأة لهم مخلوقة لأجلهم، وقيل: المراد أن أبوابها مفتحة لهم لا تحتاج إلى الوقوف وراءها ودقها، وقيل: المراد أنها تفتح بغير مفتاح وتغلق بغير مغلاق.
والآية وما بعدها بيان لحسن مآبهم.
قوله تعالى: {متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب} أي حال كونهم جالسين فيها بنحو الاتكاء والاستناد جلسة الأعزة والأشراف.
وقوله: {يدعون فيها بفاكهة} الخ أي يتحكمون فيها بدعوة الفاكهة وهي كثيرة والشراب فإذا دعيت فاكهة أو دعي شراب أجابهم المدعو فأتاهم من غير حاجة إلى من يحمله ويناوله.
قوله تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف أتراب} الضمير للمتقين وقاصرات الطرف صفة قائمة مقام الموصوف والتقدير وعندهم أزواج قاصرات الطرف والمراد قصور طرفهن على أزواجهن يرضين بهم ولا يرون غيرهم أو هو كناية عن كونهن ذوات غنج ودلال.
والأتراب الأقران أي إنهن أمثال لا يختلفن سناً أو جمالاً أو إنهن أمثال لأزواجهن فكلما زادوا نوراً وبهاء زدن حسناً وجمالاً.
قوله تعالى: {هذا ما توعدون ليوم الحساب} الإِشارة إلى ما ذكر من الجنة ونعيمها، والخطاب للمتقين ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب والنكتة فيه إظهار القرب منهم والإِشراف عليهم ليكمل نعمهم الصورية بهذه النعمة المعنوية.
قوله تعالى: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} النفاد الفناء والانقطاع، والآية من تمام الخطاب الذي في الآية السابقة على ما يعطيه السياق.
قوله تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب} الإِشارة بهذا إلى ما ذكر من مقام المتقين أي هذا ما للمتقين من المآب، ويمكن أن يكون هذا اسم فعل أي خذ هذا. والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {جهنم يصلونها فبئس المهاد} الصلي دخول النار ومقاساة حرارتها أو اتباعها والمهاد - على ما في المجمع - الفراش الموطأ يقال: مهدت له تمهيداً مثل وطأت له توطئة، والآية وما بعدها تفسير لمآب الطاغين.
قوله تعالى: {هذا فليذوقوه حميم وغساق} الحميم الحار الشديد الحرارة والغسّاق - على ما في المجمع - قيح شديد النتن، وفسر بتفاسير أُخر، وقوله: {حميم وغساق} بيان هذا، وقوله: {فليذوقوه} دال على إكراههم وحملهم على ذوقه وتقديم المخبر عنه وجعله اسم إشارة يؤكد ذلك، والمعنى هذا حميم وغساق عليهم أن يذوقوه ليس إلا.
قوله تعالى: {وآخر من شكله أزواج} شكل الشيء ما يشابهه وجنسه والأزواج الأنواع والأقسام أي وهذا آخر من جنس الحميم والغساق أنواع مختلفة ليذوقوها.
قوله تعالى: {هذا فوج مقتحم معكم} إلى قوله {في النار} الآيات الثلاث - على ما يعطيه السياق - حكاية ما يجري بين التابعين والمتبوعين من الطاغين في النار من التخاصم والمجاراة.
فقوله: {هذا فوج مقتحم معكم} خطاب يخاطب به المتبوعون يشار به إلى التابعين الذين يدخلون النار مع المتبوعين فوجاً، والاقتحام الدخول في الشيء بشدة وصعوبة.
وقوله: {لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار} جواب المتبوعين لمن يخاطبهم بقوله: {هذا فوج} ومرحباً تحية للوارد معناه عرض رحب الدار وسعتها له فقولهم: {لا مرحباً بهم} معناه نفي الرحب والسعة عنهم. وقولهم: {إنهم صالوا النار} أي داخلوها ومقاسوا حرارتها أو متبعوها تعليل لتحيتهم بنفي التحية.
وقوله: {قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار} نقل كلام التابعين وهم القائلون يردون إلى متبوعيهم نفي التحية ويذمون القرار في النار.
قوله تعالى: {قالوا ربنا من قدّم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار} لم يذكر تعالى جواب المتبوعين لقولهم: {أنتم قدمتموه لنا} الخ وقد ذكره في سورة الصافات فيما حكى من تساؤلهم بقوله: {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين} الخ الآية 30 فقولهم: {ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار} كلامهم بعد الانقطاع عن المخاصمة.
وجملة {من قدم} الخ شرط وجزاء، والضعف المثل و {عذاباً ضعفاً} أي ذا ضعف ومثل أي ضعفين من العذاب.
قوله تعالى: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار} القائلون - على ما يعطيه السياق - مطلق أهل النار، ومرادهم بالرجال الذين كانوا يعدونهم من الأشرار المؤمنون وهم في الجنة فيطلبهم أهل النار فلا يجدونهم فيها.
قوله تعالى: {أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار} أي أتخذناهم سخرياً في الدنيا فأخطأنا وقد كانوا ناجين أم عدلت أبصارنا فلا نراهم وهم معنا في النار.
قوله تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} إشارة إلى ما حكي من تخاصمهم وبيان أن تخاصم أهل النار ثابت واقع لا ريب فيه وهو ظهور ما استقر في نفوسهم في الدنيا من ملكة التنازع والتشاجر.