التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
٦٢
لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٦٣
قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ
٦٤
وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٦٥
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٦٦
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٦٧
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ
٦٨
وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٦٩
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٧٠
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٧١
قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ
٧٢
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ
٧٣
وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ
٧٤
وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧٥
-الزمر

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل من الآيات به تختتم السورة يذكر فيه خلاصة ما تنتجه الحجج المذكورة فيها قبل ذلك ثم يؤمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يخاطب المشركين أن ما اقترحوا به عليه أن يعبد آلهتهم ليس إلا جهلاً بمقامه تعالى ويذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أوحى إليه وإلى الذين من قبله: لئن أشرك ليحبطن عمله.
ثم يذكر سبحانه أن المشركين ما عرفوه واجب معرفته وإلا لم يرتابوا في ربوبيته لهم ولا عبدوا غيره ثم يذكر تعالى نظام الرجوع إليه وهو تدبير جانب المعاد من الخلقة ببيان جامع كاف لا مزيد عليه ويختم السورة بالحمد.
قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} هذا هو الذي ذكر اعتراف المشركين به من قبل في قوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} الآية 38 من السورة وبنى عليه استناد الأشياء في تدبيرها إليه.
والجملة في المقام تمهيد لما يذكر بعدها من كون التدبير مستنداً إليه لما تقدم مراراً أن الخلق لا ينفك عن التدبير فانتقل في المقام من استناد الخلق إليه إلى اختصاص الملك به وهو قوله: {له مقاليد السماوات والأرض} ومن اختصاص الملك به إلى كونه هو الوكيل على كل شيء القائم مقامه في تدبير أمره.
وقد تقدم في ذيل قوله:
{ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء } [الأنعام: 102] في الجزء السابع من الكتاب كلام في معنى عموم الخلقة لكل شيء.
قوله تعالى: {وهو على كل شيء وكيل} وذلك لأن انتهاء خلق كل شيء وجوده إليه يقتضي أن يكون تعالى هو المالك لكل شيء فلا يملك شيء من الأشياء لا نفسه ولا شيئاً مما يترشح من نفسه إلا بتمليك الله تعالى، فهو لفقره مطلقاً لا يملك تدبيراً والله المالك لتدبيره.
وأما تمليكه تعالى له نفسه وعمله فهو أيضاً نوع من تدبيره تعالى مؤكد لملكه غير ناف ولا مناف حتى أن توكيله الملائكة على شيء من الأمر من شؤون وكالته تعالى عليهم لا تفويض للأمر وإبطال للوكالة فافهم ذلك.
وبالجملة إذ كان كل شيء من الأشياء لا يملك لنفسه شيئاً كان سبحانه هو الوكيل عليه القائم مقامه المدبر لأمره والأسباب والمسببات في ذلك سواء فالله سبحانه هو ربها وحده.
فقد تبين أن الجملة مسوقة للإِشارة إلى توحده في الربوبية وهو المقصود بيانه فقول بعضهم إن ذكر ذلك بعد قوله: {الله خالق كل شيء} للدلالة على أنه هو الغني المطلق وأن المنافع والمضار راجعة إلى العباد، أو أن المراد أنه تعالى حفيظ على كل شيء فيكون إشارة إلى أن الأشياء محتاجة إليه في بقائها كما أنها محتاجة إليه في حدوثها، أجنبي عن معنى الآية بالمرة.
قوله تعالى: {له مقاليد السماوات والأرض} الخ المقاليد - كما قيل - بمعنى المفاتيح ولا مفرد له من لفظه.
ومفاتيح السماوات والأرض مفاتيح خزائنها قال تعالى:
{ ولله خزائن السماوات والأرض } } [المنافقون: 7] وخزائنها غيبها الذي يظهر منه الأشياء والنظام الجاري فيها فتخرج إلى الشهادة قال تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [الحجر: 21]. وملك مقاليد السماوات والأرض كناية عن ملك خزائنها التي منها وجودات الاشياء وأرزاقها وأعمارها وآجالها وسائر ما يواجهها في مسيرها من حين تبتدئ منه تعالى إلى حين ترجع إليه.
وهو أعني قوله: {له مقاليد} الخ في مقام التعليل لقوله: {وهو على كل شيء وكيل} ولذا جيء به مفصولاً من غير عطف.
وقوله: {والذين كفروا بآيات الله أُولئك هم الخاسرون} قد تقدم أن قوله: {الله خالق كل شيء} إلى قوله {والأرض} ذكر خلاصة ما تفيده الحجج المذكورة في خلال الآيات السابقة، وعليه فقوله: {والذين كفروا بآيات ربهم} الخ معطوف على قوله: {الله خالق كل شيء} والمعنى الذي تدل عليه الآيات والحجج المتقدمة أن الله سبحانه خالق فمالك فوكيل على كل شيء أي متوحد في الربوبية والألوهية والذين كفروا بآيات ربهم فلم يوحدوه ولم يعبدوه أُولئك هم الخاسرون.
وقد اختلفوا فيما عطف عليه قوله: {والذين كفروا} الخ فذكروا فيه وجوهاً مختلفة كثيرة لا جدوى فيها من أرادها فليرجع إلى المطولات.
قوله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} لما أورد سبحانه خلاصة ما تنطق به الحجج المذكورة في السورة من توحده تعالى بالخلق والملك والتدبير ولازم ذلك توحده تعالى في الربوبية والألوهية أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخاطب المشركين المقترحين عليه أن يعبد آلهتهم أنه لا يبقى مع هذه الحجج الباهرة الظاهرة محل لعبادته غير الله وإجابة اقتراحهم وهل هي إلا الجهل.
فقوله: {أفغير الله تأمروني أعبد} الفاء لتفريع مضمون الجملة على قوله: {الله خالق كل شيء} إلى آخر الآيتين، والاستفهام إنكاري، و {غير الله} مفعول {أعبد} قدم عليه لتعلق العناية به، و {تأمروني} معترض بين الفعل ومفعوله وأصله تأمرونني أُدغمت فيه إحدى النونين في الاخرى.
وقوله: {أيها الجاهلون} خطابهم بصفة الجهل للإِشارة إلى أن أمرهم إياه بعبادة غير الله واقتراحهم بذلك مع ظهور آيات وحدته في الربوبية والألوهية ليس إلا جهلاً منهم.
قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} الخ فيه تأييد لمدلول الحجج العقلية المذكورة بالوحي كأنه قيل: لا تعبد غير الله فإنه جهل وكيف يسوغ لك أن تعبده وقد دل الوحي على النهي عنه كما دل العقل على ذلك.
فقوله: {ولقد أوحي إليك} اللام للقسم، وقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} بيان لما أوحي إليه، وتقدير الكلام وأُقسم لقد أُوحي إليك لئن أشركت الخ، وإلى الذين من قبلك من الأنيياء والرسل لئن أشركتم ليحبطن عملكم ولتكونن من الخاسرين.
وخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنيياء عليهم السلام بالنهي عن الشرك وإنذارهم بحبط العمل والدخول في زمرة الخاسرين خطاب وإنذار على حقيقة معناهما كيف؟ وغرض السورة - كما تقدمت الإِشارة إليه - بيان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مأمور بالإِيمان بما يدعو المشركين إلى الإِيمان به مكلف بما يكلفهم ولا يسعه أن يجيبهم إلى ما يقترحون به عليه من عبادة آلهتهم.
وأما كون الأنبياء معصومين بعصمة إلهية يمتنع معها صدور المعصية عنهم فلا يوجب ذلك سقوط التكليف عنهم وعدم صحة توجهه إليهم ولو كان كذلك لم تتصور في حقهم معصية كسائر من لا تكليف عليه فلم يكن معنى لعصمتهم.
على أن العصمة - وهي قوة يمتنع معها صدور المعصية - من شؤون مقام العلم - كما تقدمت الإِشارة إليه في تفسير قوله تعالى:
{ وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء } [النساء: 113] - لا تنافي ثبوت الاختيار الذي هو من شؤون مقام العمل وصحة صدور الفعل والترك عن الجوارح.
فمنع العلم القطعي بمفسدة شيء منعاً قطعياً عن صدوره عن العالم به كمنع العلم بأثر السم عن شربه لا ينافي كون العالم بذلك مختاراً في الفعل لصحة صدوره ولا صدوره عن جوارحه فالعصمة لا تنافي بوجه التكليف.
ومما تقدم يظهر ضعف ما يستفاد من بعضهم أن نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الشرك ونحوه نهي صوري والمراد به نهي أُمته فهو من قبيل "إياك أعني واسمعي يا جارة".
ووجه الضعف ظاهر مما تقدم، وأما قولنا كما ورد في بعض الروايات أن هذه الخطابات القرآنية من قبيل "إياك أعني واسمعي يا جارة" فمعناه أن التكليف لما كان من ظاهر أمره أن يتعلق بمن يجوز عليه الطاعة والمعصية فلو تعلق بمن ليس منه إلا الطاعة مع مشاركة غيره له كان ذلك تكليفاً على وجه أبلغ كالكناية التي هي أبلغ من التصريح.
وقوله: {ولتكونن من الخاسرين} ظهر معناه مما تقدم ويمكن أن يكون اللام في الخاسرين مفيداً للعهد، والمعنى ولتكونن من الخاسرين الذين كفروا بآيات الله وأعرضوا عن الحجج الدالة على وحدانيته.
قوله تعالى: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} إضراب عن النهي المفهوم من سابق الكلام كأنه قيل: فلا تعبد غير الله بل الله فاعبد، وتقديم اسم الجلالة للدلالة على الحصر.
والفاء في {فاعبد} زائدة للتأكيد على ما قيل، وقيل: هي فاء الجزاء وقد حذف شرطه والتقدير بل إن كنت عابداً أو عاقلاً فاعبد الله.
وقوله: {وكن من الشاكرين} أي وكن بعبادتك له من الذين يشكرونه على نعمه الدالة على توحده في الربوبية والألوهية، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:
{ وسيجزي الله الشاكرين } [آل عمران: 144] وقوله: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعراف: 17] أن مصداق الشاكرين بحقيقة معنى الكلمة هم المخلصون بفتح اللام فراجع.
قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} إلى آخر الآية قدر الشيء هو مقداره وكميته من حجم أو عدد أو وزن وما أشبه ذلك ثم استعير للمعنويات من المكانة والمنزلة.
فقوله: {وما قدروا الله حق قدره} تمثيل أُريد به عدم معرفتهم به تعالى واجب المعرفة إذ لم يعرفوه من حيث المعاد ورجوع الأشياء إليه كما يدل عليه تعقيب الجملة بقوله: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} إلى آخر السورة حيث ذكر فيه انقطاع كل سبب دونه يوم القيامة، وقبضه الأرض وطيه السماوات ونفخ الصور لإِماتة الكل ثم لإِحيائهم وإشراق الأرض بنور ربها ووضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء وتوفية كل نفس ما عملت وسوق المجرمين إلى النار والمتقين إلى الجنة فمن كان شأنه في الملك والتصرف هذا الشأن وعرف بذلك أوجبت هذه المعرفة الاقبال إليه بعبادته وحده والإِعراض عن غيره بالكلية.
لكن المشركين لما لم يؤمنوا بالمعاد ولم يقدروه حق قدره ولم يعرفوه واجب معرفته أعرضوا عن عبادته إلى عبادة من سواه.
وقوله: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} أي الأرض بما فيها من الأجزاء والأسباب الفعالة بعضها في بعض، والقبضة مصدر بمعنى المقبوضة، والقبض على الشيء وكونه في القبضة كناية عن التسلط التام عليه أو انحصار التسلط عليه في القابض والمراد ها هنا المعنى الثاني كما يدل عليه قوله تعالى:
{ والأمر يومئذ لله } [الانفطار: 19] وغيره من الآيات.
وقد مر مراراً أن معنى انحصار الملك والأمر والحكم والسلطان وغير ذلك يوم القيامة فيه تعالى ظهور ذلك لأهل الجمع يومئذ وإلا فهي له تعالى دائماً فمعنى كون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ظهور ذلك يومئذ للناس لا أصله.
وقوله: {والسماوات مطويات بيمينه} يمين الشيء يده اليمنى وجانبه القوى ويكنى بها عن القدرة، ويستفاد من السياق أن محصل الجملتين أعني قوله: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} تقطع الأسباب الأرضية والسماوية وسقوطها وظهور أن لا مؤثر في الوجود إلا الله سبحانه.
وقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} تنزيه له تعالى عما أشركوا غيره في ربوبيته وألوهيته فنسبوا تدبير العالم إلى آلهتهم وعبدوها.
قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} الخ ظاهر ما ورد في كلامه تعالى في معنى نفخ الصور أن النفخ نفختان نفخة للإِماتة ونفخة للإِحياء، وهو الذي تدل عليه روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام وبعض ما ورد من طرق أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان بعض آخر من رواياتهم لا يخلو عن إبهام ولذا اختار بعضهم أنها ثلاث نفخات نفخة للإِماتة ونفخة للإِحياء والبعث ونفخة للفزع والصعق وقال بعضهم: إنها أربع نفخات ولكن دون إثبات ذلك من ظواهر الآيات خرط القتاد.
ولعل انحصار النفخ في نفختي الإِماتة والإِحياء هو الموجب لتفسيرهم الصعق في النفخة الأولى بالموت مع أن المعروف من معنى الصعق الغشية، قال في الصحاح: يُقال: صعق الرجل صعقاً وتصاعقاً أي غشي عليه وأصعقه غيره، ثم قال: وقوله تعالى: {فصعق من في السماوات ومن في الأرض} أي مات. انتهى.
وقوله: {إلا من شاء الله} استثناء من أهل السماوات والأرض واختلف في من هم؟
فقيل: هم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل سادة الملائكة فإنهم إنما يموتون بعد ذلك، وقيل: هم هؤلاء الأربعة وحملة العرش، وقيل: هم رضوان والحور ومالك والزبانية، وقيل: وهو أسخف الأقوال: إن المراد بمن شاء الله هو الله سبحانه. وأنت خبير بأن شيئاً من هذه الأقاويل لا يستند إلى دليل من لفظة الآيات يصح الاستناد إليه.
نعم لو تصور لله سبحانه خلق وراء السماوات والأرض جاز استثناؤهم من أهلهما استثناء منقطعاً أو قيل: إن الموت إنما يلحق الأجساد بانقطاع تعلق الأرواح بها وأما الأرواح فإنها لا تموت فالأرواح هم المستثنون استثناء متصلاً، ويؤيد هذا الوجه بعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وقوله: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ضمير {فيه} للصور، و {أخرى} صفة محذوف موصوفها أي نفخة أُخرى، وقيام جمع قائم و {ينظرون} أي ينتظرون أو من النظر بمعناه المعروف.
والمعنى: ونفخ في الصور نفخة أُخرى فإذا هم قائمون من قبورهم ينتظرون ما يؤمرون أو ينتظرون ماذا يفعل بهم أو فإذا هم قائمون ينظرون نظر المبهوت المتحير.
ولا ينافي ما في هذه الآية من كونهم بعد النفخ قياماً ينظرون ما في قوله:
{ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } [يس: 51] أي يسرعون، وقوله: { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً } [النبأ: 18]، وقوله: { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض } [النمل: 87] فإن فزعهم بالنفخ وإسراعهم في المشي إلى عرصة المحشر وإتيانهم إليها أفواجاً كقيامهم ينظرون حوادث متقارنة لا يدفع بعضها بعضاً.
قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} إلى آخر الآية إشراق الأرض إضاءتها، والنور معروف المعنى وقد استعمل النور في كلامه تعالى في النور الحسي كثيراً واطلق أيضاً على الإِيمان وعلى القرآن بعناية أن كلاً منهما يظهر للمتلبس به ما خفي عليه لولاه قال تعالى:
{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } [البقرة: 257]، وقال: { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } [التغابن: 8]. وقد اختلفوا في معنى إشراق الأرض بنور ربها فقيل: إنها تضيء بنور يخلقه الله بلا واسطة أجسام مضيئة كالشمس والقمر وإضافته إليه تعالى من قبيل {روحي} و {ناقة الله}.
وفيه أنه لا يستند إلى دليل يعتمد عليه.
وقيل: المراد به تجلي الرب تعالى لفصل القضاء كما ورد في بعض الأخبار من طرق أهل السنة.
وفيه أنه على تقدير صحة الرواية لا يدل على المدعي.
وقيل: المراد به إضاءة الأرض بعدل ربها يوم القيامة لأن نور الأرض بالعدل كما أن نور العلم بالعمل.
وفيه أن صحة استعارة النور للعدل في نفسه لا تستلزم كون المراد بالنور في الآية هو العدل إلا بدليل يدل عليه ولم يأت به.
وفي الكشاف قد استعار الله عز وجل النور للحق والبرهان في مواضع من التنزيل وهذا من ذاك، والمعنى وأشرقت الأرض بما يقيمه فيها من الحق والعدل ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات.
وينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه لأنه هو الحق العدل، وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه، وفي هذه الإِضافة أن ربها وخالقها هو الذي يعدل فيها وإنما يجور فيها غير ربها، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق وهو النور المذكور، وترى الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك كما تقول أظلمت البلاد بجور فلان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الظلم ظلمات يوم القيامة وكما فتح الآية بإثبات العدل ختمها بنفي الظلم. انتهى.
وفيه أولاً: أن قوله إن النور مستعار في مواضع كثيرة من القرآن للحق والقرآن والبرهان فاستعارته للحق والبرهان غير ظاهر في شيء من الآيات.
وثانياً: ان الحق والعدل مفهومان متغايران وإن كانا ربما يتصادقان وكون النور في الآية مستعاراً للحق لا يستلزم كون العدل مراداً به، ولذا لما أراد بيان إرادة العدل من النور ذكر الحق مع العدل ثم استنتج للعدل دون الحق.
ولا يبعد أن يراد - والله أعلم - من إشراق الأرض بنور ربها ما هو خاصة يوم القيامة من انكشاف الغطاء وظهور الأشياء بحقائقها وبدو الأعمال من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو حق أو باطل للناظرين، وإشراق الشيء هو ظهوره بالنور ولا ريب أن مظهرها يومئذ هو الله سبحانه إذ الأسباب ساقطة دونه فالأشياء مشرقة بنور مكتسب منه تعالى.
وهذا الإِشراق وإن كان عاماً لكل شيء يسعه النور لكن لما كان الغرض بيان ما للأرض وأهله يومئذ من الشأن خصها بالبيان فقال: {وأشرقت الأرض بنور ربها} وذكره تعالى بعنوان ربوبية الأرض تعريضاً للمشركين المنكرين لربوبيته تعالى للأرض وما فيها.
والمراد بالأرض مع ذلك للأرض وما فيها وما يتعلق بها كما تقدم أن المراد بالأرض في قوله: {والأرض جميعاً قبضته} ذلك.
ويستفاد ما قدمناه من مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى:
{ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } [ق: 22] وقوله: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء } [آل عمران: 30]، وقوله: { يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } [الزلزلة: 4 - 8] وآيات أُخرى كثيرة تدل على ظهور الأعمال وتجسمها وشهادة الأعضاء وغير ذلك.
وقوله: {ووضع الكتاب} قيل: المراد به الحساب وهو كما ترى وقيل: المراد به صحائف الأعمال التي يحاسب عليها ويقضى بها، وقيل: المراد به اللوح المحفوظ ويؤيده قوله تعالى:
{ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } [الجاثية: 29]. وقوله: {وجيء بالنبيين والشهداء} أما النبيون فليسألوا عن أداء رسالتهم كما يشعر به السياق قال تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، وأما الشهداء وهم شهداء الأعمال فليؤدوا ما تحملوه من الشهادة قال تعالى: { فكيف إذا جئنا من كل أُمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } [النساء: 41]. وقوله: {وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} ضمير الجمع للناس المعلوم من السياق، والقضاء بينهم هو القضاء فيما اختلفوا فيه الوارد كراراً في كلامه تعالى قال: { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } [الجاثية: 17]. قوله تعالى: {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون} التوفية الإِعطاء بالتمام وقد علقت بنفس ما عملت دون جزائه ويقطع ذلك الريب في كونه قسطاً وعدلاً من أصله والآية بمنزلة البيان لقوله: {وهم لا يظلمون}.
وقوله: {وهو أعلم بما يفعلون} أي ليس حكمه بهذا النمط من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء عن جهل منه وحاجة بل لأن يجري حكمه على القسط والعدل فهو أعلم بما يفعلون.
والآية السابقة تتضمن القضاء والحكم وهذه الآية إجراؤه والآيات اللاحقة تفصيل إجرائه.
قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم} إلى آخر الآية السوق بالفتح فالسكون - على ما في المجمع - الحث على السير، والزمر جمع زمرة وهي - كما في الصحاح - الجماعة من الناس.
والمعنى: {وسيق} وحث على السير {الذين كفروا إلى جهنم زمراً} جماعة بعد جماعة {حتى إذا جاءوها} بلغوها {فتحت أبوابها} لأجل دخولهم وهي سبعة قال تعالى:
{ لها سبعة أبواب } [الحجر: 44] {وقال لهم خزنتها} وهم الملائكة الموكلون عليها يقولون لهم تهجيناً وإنكاراً عليهم {ألم يأتكم رسل منكم} من نوعكم من البشر {يتلون} ويقرؤون {عليكم آيات ربكم} من الحجج الدالة على وحدانيته ووجوب عبادته {قالوا} بلى قد جاؤوا وتلوا {ولكن} كفرنا وكذبنا و {حقت كلمة العذاب على الكافرين} وكلمة العذاب هي قوله تعالى حين أمر آدم بالهبوط: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 39]. القائل - على ما يفيده السياق - خزنة جهنم، وفي قوله: {فبئس مثوى المتكبرين} دلالة على أن هؤلاء الذين كفروا هم المكذبون بآيات الله المعاندون للحق.
قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} لم يذكر في الآية جواب إذا إشارة إلى أنه أمر فوق ما يوصف ووراء ما يقدر بقدر، وقوله: {وفتحت أبوابها} حال أي جاؤها وقد فتحت أبوابها، وقوله: {خزنتها} هم الملائكة الموكلون عليها.
والمعنى: {وسيق} وحث على السير {الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً} جماعة بعد جماعة {حتى إذا جاءوها} وقد {فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها} الموكلون عليها مستقبلين لهم {سلام عليكم} أنتم في سلام مطلق لا يلقاكم إلا ما ترضون {طبتم} ولعله تعليل لإِطلاق السلام {فادخلوها خالدين} فيها. وهو أثر طيبهم.
قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض} إلى آخر الآية. القائلون هم المتقون والمراد بالوعد ما تكرر في كلامه تعالى وفيما أوحي إلى سائر الأنيياء من وعد المتقين بالجنة قال:
{ للذين اتقوا عند ربهم جنات } [آل عمران: 15] وقال: { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } [القلم: 34]، كذا قيل، وقيل: المراد بالوعد الوعد بالبعث والثواب.
ولا يبعد أن يراد بالوعد الوعد بإيراث الجنة كما في قوله:
{ أُولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } [المؤمنون: 10 - 11] ويكون قوله: {وأورثنا الأرض} عطف تفسير لقوله {صدقنا وعده}.
وقوله: {وأورثنا الأرض} المراد بالأرض - على ما قالوا - أرض الجنة وهي التي عليها الاستقرار فيها وقد تقدم في أول سورة المؤمنون أن المراد بوراثتهم الجنة بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركها غيرهم أو يملكها دونهم لكنهم زالوا عنها فانتقلت إليهم.
وقوله: {نتبوأ من الجنة حيث نشاء} بيان لإِيراثهم الأرض، وتبديل ضمير الأرض بالجنة للإِشارة إلى أنها المراد بالأرض.
وقيل: المراد بالأرض هي أرض الدنيا وهو سخيف إلا أن يوجه بأن الجنة هي عقبى هذه الدار قال تعالى:
{ أُولئك لهم عقبى الدار } [الرعد: 22]. والمعنى: وقال المتقون بعد دخول الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده أن سيدخلنا أو أن سيورثنا الجنة نسكن منها حيث نشاء ونختار - فلهم ما يشاؤون فيها -.
وقوله: {فنعم أجر العاملين} أي فنعم الأجر أجر العاملين لله تعالى، وهو على ما يعطيه السياق قول أهل الجنة، واحتمل أن يكون من قوله تعالى.
قوله تعالى: {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} إلى آخر الآية. الحف الإِحداق والإِحاطة بالشيء، والعرش هو المقام الذي يصدر منه الفرامين والأوامر الإِلهية التي يدبر بها العالم، والملائكة هم المجرون لمشيئة العاملون بأمره، ورؤية الملائكة على تلك الحال كناية عن ظهور ذلك وقد طويت السماوات.
والمعنى: وترى يومئذ الملائكة والحال أنهم محدقون بالعرش مطيفون به لإِجراء الأمر الصادر منه وهم يسبحون بحمد ربهم.
وقوله: {وقضي بينهم} احتمل رجوع الضمير إلى الملائكة، ورجوعه إلى الناس والملائكة جميعا، ورجوعه إلى جميع الخلائق، ورجوعه إلى الناس فالقضاء بين أهل الجنة وأهل النار منهم أو بين الأنبياء وأُممهم.
ويضعف الاحتمال الأخير أن القضاء بين الناس قد ذكر قبلاً في قوله: {وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} فذكر القضاء بينهم ثانياً تكرار من غير موجب.
لكن ظاهر القضاء بين جماعة هو الحكم لبعضهم على بعض لوجود اختلاف ما بينهم ولا تحقق للاختلاف بين الملائكة، وهذا يؤيد أن يكون الضمير لغيرهم والقضاء بين الناس غير أن القضاء كما يطلق على نفس حكم الحاكم يصح إطلاقه على مجموع الحكم ومقدماته وتبعاته من حضور المتخاصمين وطرح الدعوى وشهادة الشهود وحكم الحاكم وإيفاء المحق حقه فمن الممكن أن يكون المراد بالقضاء المذكور أولاً نفس الحكم الإِلهي وبهذا القضاء المذكور ثانياً هو مجموع ما يجري عليهم من حين يبعثون إلى حين دخول أهل النار النار وأهل الجنة الجنة واستقرارهم فيهما وبذلك يندفع إشكال التكرار من غير موجب.
وقوله: {وقيل الحمد لله رب العالمين} كلمة خاتمة للبدء والعود وثناء عام له تعالى أنه لم يفعل ولا يفعل إلا الجميل.
قيل: قائله المتقون وكان حمدهم الأول على دخولهم الجنة والثاني للقضاء بينهم وبين غيرهم بالحق، وقيل: قائله الملائكة ولم ينسب إليهم صريحاً لتعظيم أمرهم، وقيل: القائل جميع الخلائق.
ويؤيد الأول قوله تعالى في صفة أهل الجنة:
{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [يونس: 10] وهو حمد عام خاتم للخلقة كما سمعت.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} فهذه مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى لأُمته، وهو ما قاله الصادق عليه السلام: إن الله عز وجل بعث نبيه بإياك أعني واسمعي يا جارة.
وعن كتاب التوحيد بإسناده إلى الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عز وجل لا يوصف.
قال: وقال زرارة: قال أبو جعفر عليه السلام: إن الله لا يوصف وكيف يوصف وقد قال في كتابه: {وما قدروا الله حق قدره}؟ فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك.
وفيه بإسناده عن سليمان بن مهران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} قال: ملكه لا يملكها معه أحد.
والقبض عن الله تعالى في موضع آخر المنع والبسط منه الإِعطاء والتوسع كما قال عز وجل: {والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} يعني يعطي ويوسع ويضيق، والقبض منه عز وجل في وجه آخر الأخذ والأخذ في وجه القبول منه كما قال: {ويأخذ الصدقات} أي يقبلها من أهلها ويثيب عليها.
قلت: فقوله عز وجل: {والسماوات مطويات بيمينه}؟ قال: اليمين اليد واليد القدرة والقوة يقول عز وجل: {والسماوات مطويات بيمينه} أي بقدرته وقوته سبحانه وتعالى عما يشركون.
أقول: وروى في الدر المنثور عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: {فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} أنهم الشهداء مقلدون بأسيافهم حول عرشه الخبر وظاهره أن النفخة غير نفخة الإِماتة وقد تقدم أن الآية ظاهرة في خلافه.
وروى عن أنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش وأنهم يموتون بعدها الخبر. والآية ظاهرة في خلافه.
وروى عن جابر: استثنى موسى لأنه كان صعق قبل، الخبر. وفيه أن الصعق سواء أُخذ بمعنى الموت أو بمعنى الغشية لا يختص الصعق قبل ذلك بموسى عليه السلام.
وفي المجمع في قوله تعالى: {لها سبعة أبواب} فيه قولان أحدهما ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن جهنم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض ووضع إحدى يديه على الأخرى فقال: هكذا وأن الله وضع الجنان على الأرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم، وفوقها لظى، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية وفي رواية الكلبي أسفلها الهاوية وأعلاها جهنم.
وفي الخصال عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام قال: إن للجنة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا.
فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول: رب سلم شيعتي ومحبي وأنصاري ومن تولاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش قد أُجيبت دعوتك وشفعت في شيعتك ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه.
وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مثقال من بغضنا أهل البيت.