التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
١٩
وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً
٢٠
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً
٢١
وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً
٢٢
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
رجوع إلى أمر النساء بذكر بعض آخر مما يتعلق بهن, والآيات مع ذلك مشتملة على قوله: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}, فإنه أصل قرآني لحياة المرأة الاجتماعية.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم} إلى قوله: {كرهاً} كان أهل الجاهلية - على ما في التاريخ والرواية - يعدون نساء الموتى من التركة - إذا لم تكن المرأة أماً للوارث - فيرثونهن مع التركة, فكان أحد الوراث يلقى ثوباً على زوجة الميت ويرثها فإن شاء تزوج بها من غير مهر بل بالوراثة, وإن كره نكاحها حبسها عنده, فإن شاء زوجها من غيره فانتفع بمهرها, وإن شاء عضلها ومنها النكاح وحبسها حتى تموت فيرثها إن كان لها مال.
والآية وإن كان ظاهرها أنها تنهى عن سنة دائرة بينهم, وهي التي ذكرناها من إرث النساء فتكون مسوقة للردع عن هذه السنة السيئة على ما ذكره بعض المفسرين, إلا أن قوله في ذيل الجملة: {كرهاً} لا يلائم ذلك سواء أخذ قيداً توضيحياً أو احترازياً.
فإنه لو كان قيداً توضيحياً أفاد أن هذه الوراثة تقع دائماً على كره من النساء وليس كذلك, وهو ظاهر, ولو كان قيداً احترازياً أفاد أن النهي إنما هو إذا كانت الوراثة على كره من النساء دون ما إذا كان على رضى منهن, وليس كذلك.
نعم الكره أمر متحقق في العضل عن الازدواج طمعاً في ميراثهن دائماً أو غالباً بعد القبض عليهن بالإرث, فالظاهر أن الآية في مقام الردع عن هذا الإرث على كره, وأما نكاحهن بالإرث فالمتعرض للنهي عنه قوله تعالى فيما سيأتي: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية, وأما تزويجهن من الغير والذهاب بمهرهن فينهى عنه مثل قوله تعالى:
{ وللنساء نصيب مما اكتسبن } [النساء: 32] ويدل على الجميع قوله تعالى: { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]. وأما قوله بعد: {ولا تعضلوهن لتذهبوا} "الخ" فهو غير هذا العضل عن الازدواج للذهاب بالمال إرثاً لما في تذييله بقوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن}, من الدلالة على أن المراد به الذهاب ببعض المهر الذي آتاه الزوج العاضل دون المال الذي امتلكته من غير طريق هذا المهر. وبالجملة الآية تنهى عن وراثة أموال النساء كرهاً منهن دون وراثة أنفسهن, فإضافة الإرث إلى النساء إنما هي بتقدير الأموال أو يكون مجازاً عقلياً.
قوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا} إلى قوله: {مبينة} إما معطوف على قوله: {ترثوا} والتقدير: ولا أن تعضلوهن وإما نهي معطوف على قوله: {لا يحل لكم} لكونه في معنى النهي, والعضل هو المنع والتضييق والتشديد. والفاحشة الطريقة الشنيعة كثر استعمالها في الزنا. والمبينة المتبينة, وقد نقل عن سيبويه أن أبان واستبان وبين وتبين بمعنى واحد, تتعدى ولا تتعدى يقال: أبان الشيء واستبان وبين وتبين ويقال: أبنت الشيء واستبنته وبينته وتبينته.
والآية تنهى عن التضييق عليهن بشيء من وجوه التضييق ليضطررن إلى بذل شيء من الصداق لفك عقدة النكاح والتخلص من ضيق العيشة, فالتضييق بهذا القصد محرم على الزوج إلا أن يأتي الزوجة بفاحشة مبينة فله حينئذ أن يعضلها ويضيق عليها لتفارقه بالبذل, والآية لا تنافي الآية الأخرى في باب البذل:
{ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلاَّ أن يخافا ألاَّ يقيما حدود الله فإن خفتم ألاَّ يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، وإنما هو التخصيص. تخصص هذه الآية آية البقرة بصورة إتيان الفاحشة, وأما البذل الذي في آية البقرة فإنما هو واقع على تراض منهما, فلا تخصص بها هذه الآية.
قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} - إلى آخر الآية -المعروف هو الأمر الذي يعرفه الناس في مجتمعهم من غير أن ينكروه ويجهلوه, وحيث قيد به الأمر بالمعاشرة كان المعنى الأمر بمعاشرتهن المعاشرة المعروفة بين هؤلاء المأمورين.
والمعاشرة التي يعرفها الرجال ويتعارفونه بينهم أن الواحد منهم جزء مقوم للمجتمع يساوي سائر الأجزاء في تكوينه المجتمع الإنساني لغرض التعاون والتعاضد العمومي النوعي فيتوجه على كل منهم من التكليف أن يسعى بما في وسعه من السعي فيما يحتاج إليه المجتمع فيقتني ما ينتفع به فيعطي ما يستغني عنه ويأخذ ما يحتاج إليه, فلو عومل مع واحد من أجزاء المجتمع غير هذه المعاملة, وليس إلا أن يضطهد بإبطال استقلاله في الجزئية, فيؤخذ تابعاً ينتفع به ولا ينتفع هو بشيء يحاذيه, وهذا هو الاستثناء.
وقد بين الله تعالى في كتابه أن الناس جميعاً - رجالاً ونساءً - فروع أصل واحد إنساني, وأجزاء وأبعاض لطبيعة واحدة بشرية, والمجتمع في تكونه محتاج إلى هؤلاء كما هو محتاج إلى أولئك على حد سواء كما قال تعالى:
{ بعضكم من بعض } [النساء: 25]. ولا ينافي ذلك اختصاص كل من الطائفتين بخصلة تختص به كاختصاص الرجال بالشدة والقوة نوعاً, واختصاص النساء بالرقة والعاطفة طبعاً, فإن الطبيعة الإنسانية في حياتها التكوينية والاجتماعية جميعاً تحتاج إلى بروز الشدة وظهور القوة, كما تحتاج إلى سريان المودة والرحمة, والخصلتان جميعاً مظهرا الجذب والدفع العامين في المجتمع الإنساني.
فالطائفتان متعادلتان وزناً وأثراً, كما أن أفراد طائفة الرجال متساوية في الوزن والتأثير في هذه البنية المكونة مع اختلافهم في شؤونهم الطبيعية والاجتماعية من قوة وضعف, وعلم وجهل, وكياسة وبلادة, وصغر وكبر, ورئاسة ومرؤوسية, ومخدومية وخادمية, وشرف وخسة وغير ذلك.
فهذا هو الحكم الذي ينبعث من ذوق المجتمع المتوسط الجاري على سنة الفطرة من غير انحراف, وقد قوم الإسلام أود الاجتماع الإنساني وأقام عوجه, فلا مناص من أن يجري فيه حكم التسوية في المعاشرة, وهو الذي نعبر عنه بالحرية الاجتماعية, وحرية النساء كالرجال, وحقيقتها أن الإنسان بما هو إنسان ذو فكر وإرادة له أن يختار ما ينفعه على ما يضره مستقلاً في اختياره ثم إذا ورد المجتمع كان له أن يختار ما يختار - ما لم يزاحم سعادة المجتمع الإنساني - مستقلاً في ذلك من غير أن يمنع عنه أو يتبع غيره من غير اختيار.
وهذا كما عرفت لا ينافي اختصاص بعض الطبقات أو بعض الأفراد من طبقة واحدة بمزايا, أو محروميته عن مزايا, كاختصاص الرجال في الإسلام بالقضاء والحكومة والجهاد ووجوب نفقتهن على الرجال وغير ذلك, وكحرمان الصبيان غير البالغين عن نفوذ الاقرار والمعاملات وعدم توجه التكاليف إليهم ونحو ذلك, فجميع ذلك خصوصيات أحكام تعرض الطبقات وأشخاص المجتمع من حيت اختلاف أوزانهم في المجتمع بعد اشتراكهم جميعاً في أصل الوزن الإنساني الاجتماعي الذي ملاكه أن الجميع إنسان ذو فكر وإرادة.
ولا تختص هذه المختصات بشريعة الاسلام المقدسة, بل توجد في جميع القوانين المدنية, بل في جميع السنن الإنسانية حتى الهمجية قليلاً أو كثيراً على اختلافها, والكلمة الجامعة لجميع هذه المعاني هي قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} على ما تبين.
وأما قوله تعالى: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} فهو من قبيل إظهار الأمر المعلوم في صورة المشكوك المحتمل اتقاء من تيقظ غريزة التعصب في المخاطب نظير قوله تعالى:
{ قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عمّا أجرمنا ولا نسأل عمّا تعملون } [سبـأ: 24 - 25]. فقد كان المجتمع الإنساني يومئذ (عصر نزول القرآن) لا يوقف النساء في موقفها الإنساني الواقعي, ويكره ورودها في المجتمع ورود البعض المقوم, بل المجتمعات القائمة على ساقها يومئذ بين ما يعدهن طفيليات خارجة لاحقة ينتفع بوجودها, وما يعدهن إنساناً ناقصاً في الإنسانية كالصبيان والمجانين, إلا أنهن لا يبلغن الإنسانية أبداً فيجب أن يعشن تحت الاتباع والاستيلاء دائماً, ولعل قوله تعالى: {فإن كرهتموهن}, حيث نسب الكراهة إلى أنفسهن دون نكاحهن إشارة إلى ذلك.
قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} إلى آخر الآية، الاستبدال استفعال بمعنى طلب البدل, وكأنه بمعنى إقامة زوج مقام زوج أو هو من قبيل التضمين بمعنى إقامة امرأة مقام أُخرى بالاستبدال, ولذلك جمع بين قوله: {أردتم} وبين قوله: {استبدال} الخ. مع كون الاستبدال مشتملاً على معنى الإرادة والطلب, وعلى هذا فالمعنى: وإن أردتم أن تقيموا زوجاً مقام أُخرى بالاستبدال.
والبهتان ما بهت الإنسان أي جعله متحيراً, ويغلب استعماله في الكذب من القول وهو في الأصل مصدر, وقد استعمل في الآية في الفعل الذي هو الأخذ من المهر, وهو في الآية حال من الأخذ وكذا قوله: {إثماً} والاستفهام إنكاري.
والمعنى: إن أردتم أن تطلقوا بعض أزواجكم وتتزوجوا بأخرى مكانها, فلا تأخذوا من الصداق الذي آتيتموها شيئاً وإن كان ما آتيتموها مالاً كثيراً, وما تأخذونه قليلاً جداً.
قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} إلى آخر الآية، الاستفهام للتعجب, والإفضاء هو الاتصال بالمماسة, وأصله الفضاء بمعنى السعة.
ولما كان هذا الأخذ إنما هو بالبغي والظلم, ومورده مورد الاتصال والاتحاد أوجب ذلك صحة التعجب حيث إن الزوجين يصيران بسبب ما أوجبه الازدواج من الإفضاء والاقتراب كشخصٍ واحد, ومن العجيب أن يظلم شخص واحد نفسه ويؤذيها أو يؤذي بعض أجزائه بعضاً.
وأما قوله: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} فالظاهر أن المراد بالميثاق الغليظ هو العلقة التي أبرمها الرجل بالعقد ونحوه, ومن لوازمها الصداق الذي يسمى عند النكاح وتستحقه المرأة من الرجل.
وربما قيل: إن المراد "بالميثاق الغليظ" العهد المأخوذ من الرجل للمرأة من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان على ما ذكره الله تعالى؛ وربما قيل: إن المراد به حكم الحلية المجعول شرعاً في النكاح, ولا يخفى بعد الوجهين جميعاً بالنسبة إلى لفظ الآية.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن هاشم بن عبد الله عن السري البجلي قال: سألته عن قوله: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} قال: فحكى كلاماً ثم قال: كما يقول النبطية إذا طرح عليها الثوب عضلها فلا تستطيع تزويج غيره, وكان هذا في الجاهلية.
وفي تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}, فإنه كان في الجاهلية في أول ما أسلموا من قبائل العرب إذا مات حميم الرجل وله امرأة ألقى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها يرث نكاحها كما يرث ماله؛ فلما مات أبو قيس بن الأسلت ألقى محصن بن أبي قيس ثوبه على امرأة أبيه, وهي كبيشة بنت معمر بن معبد فورث نكاحها, ثم تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها, فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله مات أبو قيس بن الأسلت فورث محصن ابنه نكاحي فلا يدخل عليّ, ولا ينفق عليّ, ولا يخلي سبيلي فألحق بأهلي, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارجعي إلى بيتك فإن يحدث الله في شأنك شيئاً أعلمتك, فنزل: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً}؛ فلحقت بأهلها, وكانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيشة, غير أنه ورثهن من الأبناء فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}.
أقول: آخر الرواية لا يخلو عن اضطراب في المعنى وقد وردت هذه القصة ونزول الآيات فيها في عدة من روايات أهل السنة أيضاً, غير أن الروايات أو معظمها تذكر نزول قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا}, الآية في القصة, وقد عرفت في البيان السابق عدم مساعدة السياق على ذلك.
ومع ذلك فتحقق القصة وارتباط الآيات بوجه بها, بالعادة الجارية فيما بينهم عند النزول في الجملة "لا ريب فيه", فالمعول في ذلك ما قدمناه في البيان السابق.
وفي المجمع في قوله تعالى: {إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة} الآية, قال: الأولى حمل الآية على كل معصية, قال: وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي تفسير البرهان عن الشيباني: الفاحشة يعني الزنا, وذلك إذا اطلع الرجل منها على فاحشة فله أخذ الفدية وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح, ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"
]. وفيه أخرج ابن جرير عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهن حق, ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً, ولا يعصينكم في معروف وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف"
]. أقول: وقد تقدم ما يتبين به معنى هذه الروايات.
وفي الكافي وتفسير العياشي عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}, قال: الميثاق الكلمة التي عقد بها النكاح - الرواية.
وفي المجمع قال: الميثاق الغليظ هو العقد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال: وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
أقول: وهذا المعنى منقول عن عدة من مفسري السلف كابن عباس وقتادة وأبي مليكة, والآية لا تأباه بالنظر إلى أن ذلك حكم يصدق عليه أنه ميثاق مأخوذ على الرجال للنساء, وإن كان الأظهر أن يكون المراد هو العقد المجرى حين الازدواج.
وفي الدر المنثور: أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية, فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال, فقالت امرأة: ما ذاك لك قال: ولمَ؟ قالت: لأن الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً} الآية, فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
أقول: ورواه أيضاً عن عبد الرزاق وابن المنذر عن عبد الرحمن السلمي, وأيضاً عن سعيد بن منصور وأبي يعلى بسند جيد عن مسروق, وفيه أربعمائة درهم مكان أربعين أوقية, وأيضاً عن سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني, والروايات متقاربة المعنى.
وفيه أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء}, قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أُم عبيد بنت ضمرة كانت تحت الأسلت أبيه, وفي الأسود بن خلف وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وكانت عند أبيه خلف, وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية, وفي منظور ابن رباب وكان خلف على مليكة ابنة خارجة وكانت عند أبيه رباب بن سيار.
وفيه أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: كان الرجل إذا توفي عن امرأة كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم يكن أمه أو ينكحها من شاء, فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له, فقال: ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئاً, فنزلت: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية, ونزلت: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}.
أقول: وقد تقدم ما يدل على ذلك من روايات الشيعة.
وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين فأنزل الله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وأن تجمعوا بين الأختين}.
أقول: وفي معناه أخبار أُخر.