التفاسير

< >
عرض

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٣
وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
٢٤
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٥
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٢٦
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً
٢٧
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً
٢٨
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
آيات محكمة تعد محرمات النكاح وما أحل من نكاح النساء, والآية السابقة عليها المبينة لحرمة نكاح ما نكح الآباء وإن كانت بحسب المضمون من جملتها, إلا أن ظاهر سياقها لما كان من تتمة السياق السابق أوردناها في جملة الآيات السابقة مع كونها بحسب المعنى ملحقة بها.
وبالجملة جملة الآيات متضمنة لبيان كل محرم نكاحي من غير تخصيص أو تقييد, وهو الظاهر من قوله تعالى بعد تعداد المحرمات: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} الآية, ولذلك لم يختلف أهل العلم في الاستدلال بالآية على حرمة بنت الابن والبنت وأم الأب أو الأم وكذا على حرمة زوجة الجد بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} الآية, وبه يستفاد نظر القرآن في تشخيص الأبناء والبنات بحسب التشريع على ما سيجيء إن شاء الله.
قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} هؤلاء هن المحرمات بحسب النسب وهي سبعة أصناف, والأم من اتصل إليها نسب الإنسان بالولادة كمن ولدته من غير واسطة أو بواسطة, كوالدة الأب أو الأم فصاعدة, والبنت من اتصل نسبها بالإنسان بسبب ولادتها منه كالمولودة من صلبه بلا واسطة, وكبنت الابن والبنت فنازلة, والأخت من اتصل نسبها بالإِنسان من جهة ولادتهما معاً من الأب أو الأم أو منهما جميعاً بلا واسطة, والعمة أخت الأب وكذا أخت الجد من جهة الأب أو الأم, والخالة أخت الأم, وكذا أخت الجدة من جهة الأب أو الأم.
والمراد بتحريم الأمهات وما يتلوها من الأصناف حرمة نكاحهن على ما يفيده الإِطلاق من مناسبة الحكم والموضوع, كما في قوله تعالى:
{ حرمت عليكم الميتة والدم } [المائدة: 3] أي أكلهما، وقوله تعالى: { فإنها محرمة عليهم } [المائدة: 26] أي سكنى الأرض, وهذا مجاز عقلي شائع, هذا.
ولكنه لا يلائم ما سيأتي من قوله تعالى: {إلاَّ ما ملكت أيمانكم} فإنه استثناء من الوطء دون علقة النكاح على ما سيجيء, وكذا قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} على ما سيجيء, فالحق أن المقدر هو ما يفيد معنى الوطء دون علقة النكاح, وإنما لم يصرح تأدباً وصوناً للسان على ما هو دأب كلامه تعالى.
واختصاص الخطاب بالرجال دون أن يقال: حرم عليهن أبنائهن "إلخ", أو يقال مثلاً: لا نكاح بين المرأة وولدها "إلخ", لما أن الطلب والخطبة بحسب الطبع إنما يقع من جانب الرجال فحسب.
وتوجيه الخطاب إلى الجمع مع تعليق الحرمة بالجمع كالأمهات والبنات "إلخ", تفيد الاستغراق في التوزيع, أي حرمت على كل رجل منكم أمه وابنته, إذ لا معنى لتحريم المجموع على المجموع, ولا لتحريم كل أم وبنت لكل رجل مثلاً على كل رجل لأوله إلى تحريم أصل النكاح, فمآل الآية إلى أن كل رجل يحرم عليه نكاح أمه وابنته وأخته "إلخ".
قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} شروع في بيان المحرمات بالسبب, وهي سبع ست منها ما في هذه الآية, وسابعتها ما يتضمنه قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية.
والآية بسياقها تدل على جعل الأمومة والبنوة بين المرأة ومن أرضعته, وكذا الأخوة بين الرجل وابنته من الرضاعة حيث أرسل الكلام فيها إرسال المسلم, فالرضاعة تكون الروابط النسبية بحسب التشريع, وهذا مما يختص بالشريعة الإسلامية على ما ستجيء الإشارة إليه.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الفريقان أنه قال:
"إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب" ولازمه أن تنتشر الحرمة بالرضاع فيما يحاذي محرمات النسب من الأصناف, وهي الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت, سبعة أصناف.
وأما ما به يتحقق الرضاع وما له في نشره الحرمة من الشرائط من حيث الكم والكيف والمدة وما يلحق بها من الأحكام فهو مما يتبين في الفقه, والبحث فيه خارج عن وضع هذا الكتاب, وأما قوله: وأخواتكم من الرضاعة, فالمراد به الأخوات الملحقة بالرجل من جهة إرضاع أمه إياها بلبن أبيه وهكذا.
قوله تعالى: {وأمهات نسائكم} سواء كانت النساء أي الأزواج مدخولاً بهن أو غير مدخول بهن فإن النساء إذا أضيفت إلى الرجال دلت على مطلق الأزواج, والدليل على ذلك التقييد الآتي في قوله تعالى: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن} الآية.
قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} إلى قوله: {فلا جناح عليكم} الربائب جمع الربيبة وهي بنت زوجة الرجل من غيره, لأن تدبير أمر من مع المرأة من الولد إلى زوجها فهو الذي يربها ويربيها في العادة الغالبة وإن لم يكن كذلك دائماً.
وكذلك كون الربيبة في حجر الزوج أمر مبني على الغالب وإن لم يجر الأمر عليه دائماً, ولذلك قيل: إن قوله: {اللاتي في حجوركم} قيد مبني على الغالب, فالربيبة محرمة سواء كانت في حجر زوج أمها أو لم تكن, فالقيد توضيحي لا احترازي.
ومن الممكن أن يقال: إن قوله: {اللاتي في حجوركم}, إشارة إلى ما يستفاد من حكمة تشريع الحرمة في محرمات النسب والسبب على ما سيجيء البحث عنه, وهو الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل وبين هؤلاء الأصناف من النساء والمصاحبة الغالبة بين هؤلاء في المنازل والبيوت فلولا حكم الحرمة المؤبدة لم يمكن الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنا (على ما سيجيء بيانه).
فيكون قوله: {اللاتي في حجوركم} مشيراً إلى أن الربائب لكونهن غالباً في حجوركم وفي صحابتكم تشارك سائر الأصناف في الاشتمال على ملاك التحريم وحكمته.
وكيفما كان ليس قوله: اللاتي في حجوركم قيداً احترازياً يتقيد به التحريم حتى تحل الربيبة لرابها إذا لم تكن في حجره كالبنت الكبيرة يتزوج الرجل بأمها, والدليل على ذلك المفهوم المصرح به في قوله تعالى: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} حيث ذكر فيه ارتفاع قيد الدخول لكون الدخول دخيلاً في التحريم, ولو كان الكون في الحجور مثله لكان من اللازم ذكره, وهو ظاهر.
وقوله: {فلا جناح عليكم}, أي في أن تنكحوهن حذف إيثاراً للاختصار لدلالة السياق عليه.
قوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} الحلائل جمع حليلة قال في المجمع: والحلائل جمع الحليلة, وهي بمعنى محللة مشتقة من الحلال والذكر حليل, وجمعه أحلة كعزيز وأعزة سميا بذلك لأن كل واحدة منهما يحل له مباشرة صاحبه, وقيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في الفراش, انتهى.
والمراد بالأبناء من اتصل بالإنسان بولادة سواء كان ذلك بلا واسطة أو بواسطة ابن أو بنت, وتقييده بقوله: {الذين من أصلابكم} احتراز عن حليلة من يدعى ابناً بالتبني دون الولادة.
قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} المراد به بيان تحريم نكاح أخت الزوجة ما دامت الزوجة حية باقية تحت حبالة الزوجية, فهو أوجز عبارة وأحسنها في تأدية المراد, وإطلاق الكلام ينصرف إلى الجمع بينهما في النكاح في زمان واحد, فلا مانع من أن ينكح الرجل إحدى الأختين ثم يتزوج بالأخرى بعد طلاق الأولى أو موتها, ومن الدليل عليه السيرة القطعية بين المسلمين المتصلة بزمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما قوله {إلاَّ ما قد سلف} فهو كنظيره المتقدم في قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} ناظر إلى ما كان معمولاً به بين عرب الجاهلية من الجمع بين الأختين, والمراد به بيان العفو عما سلف من عملهم بالجمع بين الأختين قبل نزول هذه الآية دون ما لو كان شيء من ذلك في زمان النزول بنكاح سابق, فإن الآية تدل على منعه, لأنه جمع بين الأختين بالفعل, كما يدل عليه أيضاً ما تقدم نقله من أسباب نزول قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} حيث فرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول الآية بين الأبناء وبين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية.
ورفع التحريم - وهو الجواز - عن نكاح سالف لا يبتلى به بالفعل, والعفو عنه من حيث نفس العمل المنقضي وإن كان لغواً لا أثر له, لكنه لا يخلو عن الفائدة من حيث آثار العمل الباقية بعده, كطهارة المولد واعتبار القرابة مع الاستيلاد ونحو ذلك.
وبعبارة أخرى لا معنى لتوجيه الحرمة أو الإباحة إلى نكاح سابق قد جمع بين الأختين إذا ماتتا مثلاً أو ماتت إحداهما أو حل الطلاق بهما أو بإحداهما, لكن يصح رفع الإلغاء والتحريم عن مثل هذا النكاح باعتبار ما استتبعه من الأولاد من حيث الحكم بطهارة مولدهم, ووجود القرابة بينهم وبين آبائهم المولدين لهم وسائر قرابات الآباء, المؤثر ذلك في الإرث والنكاح وغير ذلك.
وعلى هذا فقوله: {إلاَّ ما قد سلف} استثناء من الحكم باعتبار آثاره الشرعية لا باعتبار أصل تعلقه بعمل قد انقضى قبل التشريع, ومن هنا يظهر أن الاستثناء متصل لا منقطع كما ذكره المفسرون.
ويمكن أن يرجع الاستثناء إلى جميع الفقرات المذكورة في الآية من غير أن يختص بقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} فإن العرب وإن كانت لا ترتكب من هذه المحرمات إلا الجمع بين الأختين, ولم تكن تقترف نكاح الأمهات والبنات وسائر ما ذكرت في الآية, إلا أن هناك أمماً كانت تنكح أقسام المحارم كالفرس والروم وسائر الأمم المتمدنة وغير المتمدنة يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه, والإسلام يعتبر صحة نكاح الأمم غير المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم, فيحكم بطهارة مولدهم, ويعتبر صحة قرابتهم بعد الدخول في دين الحق هذا, لكن الوجه الأول أظهر.
قوله تعالى: {إن الله كان غفوراً رحيماً} تعليل راجع إلى الاستثناء, وهو من الموارد التي تعلقت فيها المغفرة بآثار الأعمال في الخارج دون الذنوب والمعاصي.
قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} المحصنات بفتح الصاد اسم مفعول من الإحصان وهوالمنع, ومنه الحصن الحصين أي المنيع يقال: أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور, قال تعالى:
{ والتي أحصنت فرجها } [الأنبياء: 91] أي عفت ويقال: أحصنت المرأة - بالبناء للفاعل والمفعول - إذا تزوجت فأحصن زوجها أو التزوج إياها من غير زوجها, ويقال: أحصنت المرأة إذا كانت حرة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها, أو منعها ذلك من الزنا, لأن ذلك كان فاشياً في الإماء.
والظاهر أن المراد بالمحصنات في الآية هو المعنى الثاني أي المتزوجات دون الأول والثالث لأن الممنوع المحرم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدودة في الآيتين هو نكاح المزوجات فحسب, فلا منع من غيرها من النساء سواء كانت عفيفة أو غيرها, وسواء كانت حرة أو مملوكة فلا وجه لأن يراد بالمحصنات في الآية العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف ثم يرتكب تقييد الآية بالتزويج, أو حمل اللفظ على إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضاً مثلهن ثم ارتكاب التقييد بالتزويج, فإن ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم.
فالمراد بالمحصنات من النساء المزوجات وهي التي تحت حبالة التزويج, وهو عطف على موضع أمهاتكم, والمعنى: وحرمت عليكم كل مزوجة من النساء ما دامت مزوجة ذات بعل.
وعلى هذا يكون قوله: {إلاَّ ما ملكت أيمانكم} رفعاً لحكم المنع عن محصنات الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته وزوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها.
وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف, فالمراد بالملك ملك الاستمتاع والتسلط على المباشرة ففيه أولاً أنه يتوقف على أن يراد بالمحصنات العفائف دون المزوجات وقد عرفت ما فيه, وثانياً أن المعهود من القرآن إطلاق هذه العبارة على غير هذا المعنى, وهو ملك الرقبة دون التسلط على الانتفاع ونحوه.
وكذا ما ذكره بعض آخر: أن المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسبيات إذا كن ذوات أزواج من الكفار, وأيد ذلك بما روي عن أبي سعيد الخدري: أن الآية نزلت في سبي أوطاس حيث أصاب المسلمون نساء المشركين, وكانت لهن أزواج في دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا غير الحبالى حتى يستبرأن"
]. وفيه مضافاً إلى ضعف الرواية أن ذلك تخصيص للآية من غير مخصص, فالمصير إلى ما ذكرناه.
قوله تعالى: {كتاب الله عليكم} أي الزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم وقد ذكر المفسرون أن قوله: {كتاب الله عليكم} منصوب مفعولاً مطلقاً لفعل مقدر, والتقدير: كتب الله كتاباً عليكم ثم حذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعله وأقيم مقامه, ولم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل لما ذكره النحويون أنه ضعيف العمل لا يتقدم معموله عليه؛ هذا.
قوله تعالى: {وأُحل لكم ما وراء ذلكم} ظاهر التعبير بما الظاهرة في غير أولي العقل, وكذا الإشارة بذلكم الدال على المفرد المذكر, وكذا قوله بعده: أن تبتغوا بأموالكم, أن يكون المراد بالموصول واسم الإشارة هو المقدر في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم}, المتعلق به التحريم من الوطء والنيل أو ما هو من هذا القبيل, والمعنى: وأحل لكم من نيلهن ما هو غير ما ذكر لكم, وهو النيل بالنكاح في غير من عد من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين, وحينئذ يستقيم بدلية قوله: {أن تبتغوا بأموالكم} من قوله: {وأُحل لكم ما وراء ذلكم}, كل الاستقامة.
وقد ورد عن المفسرين في هذه الجملة من الآية تفاسير عجيبة كقول بعضهم: إن معنى قوله: {وأُحل لكم ما وراء ذلكم}: أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم, وقول بعض آخر: إن المراد: أحل لكم ما دون الخمس وهي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح, وقول بعض آخر: إن المعنى: أحل لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم, وقول بعض آخر: معناها أحل لكم ما وراء ذات المحارم والزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحاً أو ملك يمين.
وهذه وجوه سخيفة لا دليل على شيء منها من قبل اللفظ في الآية, على أنها تشترك في حمل لفظة ما في الآية على أولي العقل, ولا موجب له كما عرفت آنفاً, على أن الآية في مقام بيان المحرم من نيل النساء من حيث أصناف النساء لا من حيث عدد الأزواج فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية, فالحق أن الجملة في مقام بيان جواز نيل النساء فيما سوى الأصناف المعدودة منهن في الآيتين السابقتين بالنكاح أو بملك اليمين.
قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} بدل أو عطف بيان من قوله: {ما وراء ذلكم} يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء ومباشرتهن, وذلك أن الذي يشمله قوله {وأحل لكم ما وراء ذلكم} من المصداق ثلاثة: النكاح وملك اليمين والسفاح وهو الزنا فبين بقوله: {أن تبتغوا بأموالكم} إلخ, المنع عن السفاح وقصر الحل في النكاح وملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء بالأموال وهو في النكاح المهر والأجرة - ركن من أركانه - وفي ملك اليمين الثمن - وهو الطريق الغالب في تملك الإماء - فيؤول معنى الآية إلى مثل قولنا: أحل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء ونيلهن بإنفاق أموالكم في أجرة المنكوحات من النساء نكاحاً من غير سفاح أو إنفاقها في ثمن الجواري والإماء.
ومن هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله: {محصنين غير مسافحين} إحصان العفة دون إحصان التزوج وإحصان الحرية, فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين ولا دليل على قصرها في النكاح حتى يحمل الإحصان على إحصان التزوج, وليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن مباشرة النساء حتى ينافي المورد, بل ما يقابل السفاح - أعني التعدي إلى الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله, وكفها عما حرم الله من الطرق العادية في التمتع المباشري الذي أودع النزوع إليه في جبلة الإنسان وفطرته.
وبما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله {أن تبتغوا بأموالكم}, بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها, والتقدير لتبتغوا, أو إرادة أن تبتغوا.
وذلك أن مضمون قوله: {أن تبتغوا}, بوجه عين ما أريد بقوله: {ما وراء ذلكم} لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله, وهو ظاهر.
وكذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء وصبه من غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية في الإنسان لأجلها, وهي غرض تكوين البيت وإيجاد النسل والولد, وبالمقابلة يكون الإِحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التوالد والتناسل؛ هذا.
وإني لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم, فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.
وأحد البحثين وهو البحث عن الملاك عقلي, والآخر وهو البحث عن الحكم الشرعي وما له من الموضوع والمتعلق والشرائط والموانع لفظي يتبع في السعة والضيق البيان اللفظي من الشارع, وإنا لا نشك أن جميع الأحكام المشرعة تتبع مصالح وملاكات حقيقية, وحكم النكاح الذي هو أيضاً أحدها يتبع في تشريعه مصلحة واقعية وملاكاً حقيقياً, وهو التوالد والتناسل, ونعلم أن نظام الصنع والإيجاد أراد من النوع الإنساني البقاء النوعي ببقاء الأفراد ما شاء الله, ثم احتيل إلى هذا الغرض بتجهيز البنية الإنسانية بجهاز التناسل الذي يفصل أجزاء منه فيربيه ويكونه إنساناً جديداً يخلف الإنسان القديم فتمتد به سلسلة النوع من غير انقطاع, واحتيل إلى تسخير هذا الجهاز للعمل والإنتاج بإيداع القوة الشهوانية التي يحن بها أحد القبيلين - الذكر والأنثى - من الأفراد إلى الآخر, وينجذب بها كل إلى صاحبه بالوقوع عليه والنيل, ثم كمل ذلك بالعقل الذي يمنع من إفساد هذا السبيل الذي يندب إليه نظام الخلقة.
وفي عين أن نظام الخلقة بالغ أمره وواجد غرضه الذي هو بقاء النوع لسنا نجد أفراد هذه الاتصالات المباشرة بين الذكر والأنثى ولا أصنافها موصلة إلى غرض الخلقة دائماً, بل إنما هي مقدمة غالبية, فليس كل ازدواج مؤدياً إلى ظهور الولد, ولا كل عمل تناسلي كذلك, ولا كل ميل إلى هذا العمل يؤثر هذا الأثر, ولا كل رجل أو كل امرأة, ولا كل ازدواج يهدي هداية اضطرارية إلى الذواق فالاستيلاد, فالجميع أمور غالبية.
فالتجهز التكويني يدعو الإنسان إلى الازدواج طلباً للنسل من طريق الشهوة, والعقل المودوع فيه يضيف إلى ذلك التحرز وحفظ النفس عن الفحشاء المفسد لسعادة العيش, الهادم لأساس البيوت, القاطع للنسل.
وهذه المصلحة المركبة أعني مصلحة الاستيلاد والأمن من دبيب الفحشاء هي الملاك الغالبي الذي بني عليه تشريع النكاح في الإسلام, غير أن الأغلبية من أحكام الملاك, وأما الأحكام المشرعة لموضوعاتها فهي لا تقبل إلا الدوام.
فليس من الجائز أن يقال: إن النكاح أو المباشرة يتبعان في جوازهما الغرض والملاك المذكور وجوداً وعدماً فلا يجوز نكاح إلا بنية التوالد, ولا يجوز نكاح العقيم ولا نكاح العجوز التي لا ترى الحمرة, ولا يجوز نكاح الصغيرة, ولا يجوز نكاح الزاني ولا يجوز مباشرة الحامل, ولا مباشرة من غير إنزال, ولا نكاح من غير تأسيس بيت, ولا يجوز... ولا يجوز...
بل النكاح سنة مشروعة بين قبيلي الذكر والأنثى لها أحكام دائمية, وقد أريد بهذه السنة المشروعة حفظ مصلحة عامة غالبية كما عرفت, فلا معنى لجعل سنة مشروعة تابعة لتحقق الملاك وجوداً وعدماً, والمنع عما لا يتحقق به الملاك من أفراده أو أحكامه.
قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} كأن الضمير في قوله: "به" راجع إلى ما يدل عليه قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وهو النيل أو ما يؤدي معناه, فيكون "ما" للتوقيت, وقوله "منهن" متعلقاً بقوله: {استمتعتم} والمعنى: مهما استمتعتم بالنيل منهن فآتوهن أجورهن فريضة.
ويمكن أن تكون ما موصولة, واستمتعتم صلة لها, وضمير به راجعاً إلى الموصول وقوله "منهن" بياناً للموصول, والمعنى: ومن استمتعتم به من النساء "إلخ".
والجملة أعني قوله: {فما استمتعتم} "إلخ" تفريع لما تقدمها من الكلام - لمكان الفاء - تفريع البعض على الكل أو تفريع الجزئي على الكلي بلا شك, فإن ما تقدم من الكلام أعني قوله {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} كما تقدم بيانه شامل لما في النكاح وملك اليمين, فتفريع قوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} عليه يكون من تفريع الجزء على الكل أو تفريع بعض الأقسام الجزئية على المقسم الكلي.
وهذا النوع من التفريع كثير الورود في كلامه تعالى كقوله عزَّ من قائل:
{ أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر } [البقرة: 184] الآية، وقوله: { فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } [البقرة: 196] الآية، وقوله: { لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله } [البقرة: 256] الآية، إلى غير ذلك.
والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك فإن الآية مدنية نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها, وهذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك - وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك - سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن, فأصل وجوده بينهم بمرئى من النبي ومسمع منه لا شك فيه, وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ, فلا مناص من كون قوله: {فما استمتعتم به منهن} محمولاً عليه مفهوماً منه هذا المعنى, كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من تلك الأسماء بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي لم يكن بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية.
وذلك كالحج والبيع والربا والربح والغنيمة وسائر ما هو من هذا القبيل فلم يمكن لأحد أن يدعي أن المراد بحج البيت قصده, وهكذا, وكذلك ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الموضوعات الشرعية, ثم شاع الاستعمال حتى عرفت بأساميها الشرعية كالصلاة والصوم والزكاة وحج التمتع وغير ذلك لا مجال بعد تحقق التسمية لحمل ألفاظها الواقعة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية الأصلية بعد تحقق الحقيقة الشرعية أو المتشرعة فيها.
فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة أو لم نقل فإنما هو أمر آخر.
وجملة الأمر أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة, وهو المنقول عن القدماء من مفسري الصحابة والتابعين كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة ومجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم, وهو مذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام.
ومنه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية أن المراد بالاستمتاع هو النكاح, فإن إيجاد علقة النكاح طلب للتمتع منها هذا, وربما ذكر بعضهم أن السين والتاء في استمتعتم للتأكيد, والمعنى: تمتعتم.
وذلك لأن تداول نكاح المتعة (بهذا الاسم) ومعروفيته بينهم لا يدع مجالاً لخطور هذا المعنى اللغوي بذهن المستمعين.
على أن هذا المعنى على تقدير صحته وانطباق معنى الطلب على المورد, أو كون استمتعتم بمعنى تمتعتم, لا يلائم الجزاء المترتب عليه أعني قوله: {فآتوهن أجورهن}, فإن المهر يجب بمجرد العقد, ولا يتوقف على نفس التمتع ولا على طلب التمتع الصادق على الخطبة وإجراء العقد والملاعبة والمباشرة وغير ذلك, بل يجب نصفه بالعقد ونصفه الآخر بالدخول.
على أن الآيات النازلة قبل هذه الآية قد استوفت بيان وجوب إيتاء المهر على جميع تقاديره, فلا وجه لتكرار بيان الوجوب, وذلك كقوله تعالى:
{ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } [النساء: 4] الآية، وقوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً } } [النساء: 20] الآيتان، وقوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } [البقرة: 236] إلى أن قال: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } [البقرة: 237] الآيتان.
وما احتمله بعضهم أن الآية أعني قوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} مسوقة للتأكيد, يرد عليه أن سياق ما نقل من الآيات وخاصة سياق ذيل قوله: {وإن أردتم استبدال} الآيتين أشد وآكد لحناً من هذه الآية فلا وجه لكون هذه مؤكدة لتلك.
وأما النسخ فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية المؤمنون:
{ والذين هم لفروجهم حافظون إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } [المؤمنون: 5 - 7]، وقيل منسوخة بآية العدة: { يا أيُّها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } [الطلاق: 1] { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228] الآية، حيث إن انفصال الزوجين إنما هو بطلاق وعدة وليسا في نكاح المتعة, وقيل: منسوخة بآيات الميراث: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } [النساء: 12] الآية، حيث لا إرث في نكاح المتعة, وقيل منسوخة بآية التحريم: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} الآية، فإنها في النكاح, وقيل: منسوخة بآية العدد: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } [النساء: 3] الآية، وقيل: منسوخة بالسنة نسخها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام خيبر, وقيل: عام الفتح, وقيل: في حجة الوداع, وقيل: أبيحت متعة النساء ثم حرمت مرتين أو ثلاثاً, وآخر ما وقع واستقر عليه من الحكم الحرمة.
أما النسخ بآية المؤمنون, ففيه أنها لا تصلح للنسخ, فإنها مكية وآية المتعة مدنية, ولا تصلح المكية لنسخ المدنية, على أن عدم كون المتعة نكاحاً والمتمتع بها زوجة ممنوع, وناهيك في ذلك ما وقع في الأخبار النبوية, وفي كلمات السلف من الصحابة والتابعين من تسميتها نكاحاً, والإشكال عليه بلزوم التوارث والطلاق وغير ذلك سيأتي الجواب عنه.
وأما النسخ بسائر الآيات كآية الميراث وآية الطلاق وآية العدد, ففيه أن النسبة بينها وبين آية المتعة ليست نسبة الناسخ والمنسوخ, بل نسبة العام والمخصص أو المطلق والمقيد, فإن آية الميراث مثلا يعم الأزواج جميعاً من كل دائم ومنقطع والسنة تخصصها بإخراج بعض أفرادها, وهو المنقطع من تحت عمومها, وكذلك القول في آية الطلاق وآية العدد, وهو ظاهر, ولعل القول بالنسخ ناشئ من عدم التمييز بين النسبتين.
نعم ذهب بعض الأصوليين فيما إذا ورد خاص ثم عقبه عام يخالفه في الإثبات والنفي إلى أن العام ناسخ للخاص. لكن هذا مع ضعفه على ما بين في محله غير منطبق على مورد الكلام, وذلك لوقوع آيات الطلاق (وهي العام) في سورة البقرة, وهي أول سورة مدنية نزلت قبل سورة النساء المشتملة على آية المتعة, وكذلك آية العدد واقعة في سورة النساء متقدمة على آية المتعة, وكذلك آية الميراث واقعة قبل آية المتعة سياق واحد متصل في سورة واحدة, فالخاص أعني آية المتعة متأخر عن العام على أي حال.
وأما النسخ بآية العدة فبطلانه أوضح, فإن حكم العدة جار في المنقطعة كالدائمة وإن اختلفتا مدة, فيؤول إلى التخصيص أيضاً دون النسخ.
وأما النسخ بآية التحريم فهو من أعجب ما قيل في هذا المقام, أما أولاً فلأن مجموع الكلام الدال على التحريم والدال على حكم نكاح المتعة كلام واحد مسرود متسق الأجزاء متصل الأبعاض, فكيف يمكن تصور تقدم ما يدل على المتعة ثم نسخ ما في صدر الكلام لذيله؟, وأما ثانياً فلأن الآية غير صريحة ولا ظاهرة في النهي عن الزوجية غير الدائمة بوجه من الوجوه, وإنما هي في مقام بيان أصناف النساء المحرمة على الرجال ثم بيان جواز نيل غيرها بنكاح أو بملك يمين, ونكاح المتعة نكاح على ما تقدم, فلا نسبة بين الأمرين بالمباينة حتى يؤول إلى النسخ.
نعم ربما قيل: إن قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} حيث قيد حلية النساء بالمهر وبالإحصان من غير سفاح, ولا إحصان في النكاح المنقطع - ولذلك لا يرجم الرجل المتمتع إذا زنا لعدم كونه محصناً - يدفع كون المتعة مرادة بالآية.
لكن يرد عليه ما تقدم أن المراد بالإحصان في قوله {محصنين غير مسافحين} هو إحصان العفة دون إحصان التزوج لكون الكلام بعينه شاملاً لملك اليمين كشموله النكاح, ولو سلم أن المراد بالإحصان هو إحصان التزوج عاد الأمر إلى تخصيص الرجم في زنا المحصن بزنا المتمتع المحصن بحسب السنة دون الكتاب, فإن حكم الرجم غير مذكور في الكتاب من أصله.
وأما النسخ بالسنة ففيه - مضافاً إلى بطلان هذا القسم من النسخ من أصله لكونه مخالفاً للأخبار المتواترة الأمرة بعرض الأخبار على الكتاب وطرح ما خالفه, والرجوع إلى الكتاب - ما سيأتي في البحث الروائي.
قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات}, الطول الغنى والزيادة في القدرة, وكلا المعنيين يلائمان الآية, والمراد بالمحصنات الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات, وهذا بعينه يشهد على أن ليس المراد بها العفائف, وإلا لم تقابل بالفتيات بل بها وبغير العفائف, وليس المراد بها ذوات الأزواج إذ لا يقع عليها العقد ولا المسلمات وإلا لاستغنى عن التقييد بالمؤمنات.
والمراد بقوله {فمما ملكت أيمانكم} ما ملكته أيمان المؤمنين غير من يريد الازدواج وإلا فتزوج الإنسان بملك يمين نفسه باطل غير مشروع, وقد نسب ملك اليمين إلى المؤمنين وفيهم المريد للتزوج بعدّ الجميع واحداً غير مختلف لاتحادهم في الدين, واتحاد مصالحهم ومنافعهم كأنهم شخص واحد.
وفي تقييد المحصنات وكذا الفتيات بالمؤمنات إشارة إلى عدم جواز تزوّج غير المؤمنات من كتابية ومشركة, ولهذا الكلام تتمة ستمر بك إن شاء الله العزيز في أوائل سورة المائدة.
ومحصل معنى الآية أن من لم يقدر منكم على أن ينكح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته على تحمل أثقال المهر والنفقة فله أن ينكح من الفتيات المؤمنات من غير أن يتحرج من فقدان القدرة على الحرائر, ويعرض نفسه على خطرات الفحشاء ومعترض الشقاء.
فالمراد بهذا النكاح هو النكاح الدائم, والآية في سياق التنزل أي إن لم يمكنكم كذا فيمكنكم كذا, وإنما قصر الكلام في صورة التنزل على بعض أفراد المنزل عنه أعني على النكاح الدائم الذي هو بعض أفراد النكاح الجائز لكون النكاح الدائم هو المتعارف المتعين بالطبع في نظر الإنسان المريد تأسيس البيت وإيجاد النسل وتخليف الولد, ونكاح المتعة تسهيل ديني خفف الله به عن عباده لمصلحة سد طريق الفحشاء, وقطع منابت الفساد.
وسوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن وخاصة في مقام تشريع الأحكام والقوانين كثير شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى:
{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه, ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر } [البقرة: 185]، مع أن العذر لا ينحصر في المرض والسفر, وقوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً } [المائدة: 6] والأعذار وقيود الكلام كما ترى مبنية على الغالب المعروف, إلى غير ذلك من الآيات.
هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم, ولا يوجب ذلك من حيث اشتماله على معنى التنزل والتوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم, وكون قوله: {فما استمتعتم به منهن}, غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما توهمه بعضهم, لأن هذا التنزل والتوسعة واقع بطرفيه (المنزل عنه والمنزل إليه) في نفس هذه الآية أعني قوله: {فمن لم يجد منكم طولاً} "الخ".
على أن الآية بلفظها لا تأبى عن الحمل على مطلق النكاح الشامل للدائم والمنقطع, كما سيتضح بالكلام على بقية فقراتها.
قوله تعالى: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} لما كان الإيمان المأخوذ في متعلق الحكم أمراً قلبياً لا سبيل إلى العلم بحقيقته بحسب الأسباب, وربما أوهم تعليقاً بالمتعذر أو المتعسر, وأوجب تحرج المكلفين منه, بيَّن تعالى أنه هو العالم بإيمان عباده المؤمنين وهو كناية عن أنهم إنما كلفوا الجري على الأسباب الظاهرية الدالة على الإيمان كالشهادتين والدخول في جماعة المسلمين والإتيان بالوظائف العامة الدينية, فظاهر الإيمان هو الملاك دون باطنه.
وفي هداية هؤلاء المكلفين غير المستطيعين إلى الازدواج بالإماء نقص وقصور آخر في الوقوع موقع التأثير والقبول, وهو أن عامة الناس يرون لطبقة المملوكين من العبيد والإماء هواناً في الأمر وخسة في الشأن ونوع ذلة وانكسار فيوجب ذلك انقباضهم وجماح نفوسهم من الاختلاط بهم والمعاشرة معهم وخاصة بالازدواج الذي هو اشتراك حيوي وامتزاج باللحم والدم.
فأشار سبحانه بقوله: {بعضكم من بعض} إلى حقيقة صريحة يندفع بالتأمل فيها هذا التوهم الفاسد, فالرقيق إنسان, كما أن الحر إنسان لا يتميزان في ما به يصير الإنسان واجداً لشؤون الإنسانية, وإنما يفترقان بسلسلة من أحكام موضوعة يستقيم بها المجتمع الإنساني في إنتاجه سعادة الناس, ولا عبرة بهذه التميزات عند الله, والذي به العبرة هو التقوى الذي به الكرامة عند الله, فلا ينبغي للمؤمنين أن ينفعلوا عن أمثال هذه الخطرات الوهمية التي تبعدهم عن حقائق المعارف المتضمنة سعادتهم وفلاحهم, فإن الخروج عن مستوى الطريق المستقيم, وإن كان حقيراً في بادئ أمره, لكنه لا يزال يبعد الإنسان من صراط الهداية حتى يورده أودية الهلكة.
ومن هنا يظهر أن الترتيب الواقع في صدر الآية في صورة الاشتراط والتنزل, أعني قوله: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم}, إنما هو جري في الكلام على مجرى الطبع والعادة, وليس إلزاماً للمؤمنين على الترتيب بمعنى أن يتوقف جواز نكاح الأمة على فقدان الاستطاعة على نكاح الحرة بل لكون الناس بحسب طباعهم سالكين هذا المسلك خاطبهم أن لو لم يقدروا على نكاح الحرائر فلهم أن يقدموا على نكاح الفتيات من غير انقباض, ونبَّه مع ذلك على أن الحر والرق من نوع واحد بعض أفراده يرجع إلى بعض.
ومن هنا يظهر أيضاً فساد ما ذكره بعضهم في قوله تعالى في ذيل الآية: {وأن تصبروا خير لكم} أن المعنى وصبركم عن نكاح الإماء مع العفة خير لكم من نكاحهن لما فيه من الذل والمهانة والابتذال, هذا, فإن قوله: {بعضكم من بعض} ينافي ذلك قطعاً.
قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن} إلى قوله: {أخدان} المراد بالمحصنات العفائف فإن ذوات البعولة لا يقع عليهن نكاح, والمراد بالمسافحات ما يقابل متخذات الأخدان, والأخدان جمع خدن بكسر الخاء وهو الصديق, يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع, وإنما أتى به بصيغة الجمع للدلالة على الكثرة نصاً, فمن يأخذ صديقاً للفحشاء لا يقنع بالواحد والاثنين فيه لأن النفس لا تقف على حد إذا أطيعت فيما تهواه.
وبالنظر إلى هذه المقابلة قال من قال: إن المراد بالسفاح الزنا جهراً وباتخاذ الخدن الزنا سراً, وقد كان اتخاذ الخدن متداولاً عند العرب حتى عند الأحرار والحرائر لا يعاب به مع ذمهم زنا العلن لغير الإماء.
فقوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن} إرشاد إلى نكاح الفتيات مشروطاً بأن يكون بإذن مواليهن, فإن زمام أمرهن إنما هو بيد الموالى لا غير, وإنما عبَّر عنهم بقوله "أهلهن" جرياً على ما يقتضيه قوله قبل: {بعضكم من بعض} فالفتاة واحدة من أهل بيت مولاها ومولاها أهلها.
والمراد بإتيانهن أجورهن بالمعروف توفيتهن مهور نكاحهن وإتيان الأجور إياهن إعطاؤها مواليهن, وقد أرشد إلى الإعطاء بالمعروف عن غير بخس ومماطلة وإيذاء.
قوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}, قرئ أحصن بضم الهمزة بالبناء للمفعول وبفتح الهمزة بالبناء للفاعل, وهو الأرجح.
الإحصان في الآية إن كان هو إحصان الازدواج كان أخذه في الشرط المجرد كون مورد الكلام في ما تقدم ازدواجهن, وذلك أن الأمة تعذب نصف عذاب الحرة إذا زنت سواء كانت محصنة بالازدواج أو لا من غير أن يؤثر الإِحصان فيها شيئاً زائداً.
وأما إذا كان إحصان الإسلام كما قيل - ويؤيده قراءة فتح الهمزة - تم المعنى من غير مؤونة زائدة, وكان عليهن إذا زنين نصف عذاب الحرائر سواء كن ذوات بعولة أو لا.
والمراد بالعذاب هو الجلد دون الرجم, لأن الرجم لا يقبل الانتصاف, وهو الشاهد على أن المراد بالمحصنات الحرائر غير ذوات الأزواج المذكورة في صدر الآية. واللام للعهد فمعنى الآية بالجملة أن الفتيات المؤمنات إذا أتين بفاحشة وهو الزنا فعليهن نصف حد المحصنات غير ذوات الأزواج, وهو جلد خمسين سوطاً.
ومن الممكن أن يكون المراد بالإحصان العفة, وتقريره أن الجواري يومئذ لم يكن لهن الاشتغال بكل ما تهواه أنفسهن من الأعمال بما لهن من اتباع أوامر مواليهن وخاصة في الفاحشة والفجور, وكانت الفاحشة فيهن - لو اتفقت - بأمر من مواليهن في سبيل الاستغلال بهن والاستدرار من عرضهن كما يشعر به النهي الوارد في قوله تعالى:
{ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً } [النور: 33]. فالتماسهن الفجور واشتغالهن بالفحشاء باتخاذها عادة ومكسباً كان فيما كان بأمر مواليهن من دون أن يسع لهن الاستنكاف والتمرد, وإذا لم يكرههن الموالي على الفجور فالمؤمنات منهن على ظاهر تقوى الإسلام, وعفة الإيمان, وحينئذ إن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب, وهو قوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة} "الخ".
ومن هنا يظهر أن لا مفهوم لهذه الشرطية على هذا المعنى وذلك أنهن إذا لم يحصن ولم يعففن كن مكرهات من قبل مواليهن مؤتمرات لأمرهم كما لا مفهوم لقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً} حيث إنهن إن لم يردن التحصن لم يكن موضوع لإكراههن من قبل الموالي لرضاهن بذلك فافهم.
قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} العنت الجهد والشدة والهلاك, وكأن المراد به الزنا الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقة الشبق وجهد شهوة النكاح وفيه هلاك الإنسان. والإشارة على ما قيل إلى نكاح الجواري المذكور في الآية, وعليه فمعنى قوله {وأن تصبروا خير لكم} أن تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم. ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء أو وجوب مطلق النكاح لو استفيد شيء منهما من سابق سياق الآية والله أعلم.
وكيف كان فكون الصبر خيراً إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء, إنما هو لما فيه من حقوق مواليهن وفي أولادهن على ما فصل في الفقه, وإن كان المراد الصبر عن الزنا إنما هو لما في الصبر من تهذيب النفس وتهيئة ملكة التقوى فيها بترك اتباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه, والله غفور رحيم يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء عن نفوس المتقين من عباده ويرحمهم برحمته.
قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} إلى آخر الآية, بيان وإشارة إلى غاية تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث والمصالح التي تترتب عليها إذا عمل بها فقوله: {يريد الله ليبين لكم} أي أحكام دينه مما فيه صلاح دنياكم وعقباكم, وما في ذلك من المعارف والحكم وعلى هذا فمعمول قوله: يبين محذوف للدلالة على فخامة أمره وعظم شأنه, ويمكن أن يكون قوله: {يبين لكم}, وقوله: {ويهديكم} متنازعين في قوله: {سنن الذين}.
قوله تعالى: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} أي طرق حياة السابقين من الأنبياء والأمم الصالحة, الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله, الحائزين به سعادة الدنيا والآخرة, والمراد بسننهم على هذا المعنى سننهم في الجملة لا سننهم بتفاصيلها وجميع خصوصياتها فلا يرد عليه أن من أحكامهم ما تنسخه هذه الآيات بعينها كازدواج الإِخوة بالأخوات في سنة آدم, والجمع بين الأختين في سنة يعقوب عليه السلام, وقد جمع عليه السلام بين الأختين ليا أم يهودا, وراحيل أم يوسف, على ما في بعض الأخبار, هذا.
وهنا معنى آخر قيل به, وهو أن المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء كانوا على الحق أو على الباطل, يعني أنا بينا لكم جميع السنن السابقة من حق وباطل لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها وتدعوا الباطل.
وهذا معنى لا بأس به غير أن الهداية في القرآن غير مستعمل في هذا المعنى, وإنما استعمل فيما استعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق كقوله:
{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [القصص: 56] وقوله { إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } [الإنسان: 3] والأوفق بمذاق القرآن أن يعبر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين والقصص ونحو ذلك.
نعم لو جعل قوله {يبين} وقوله: {ويهديكم} متنازعين في قوله: {سنن الذين من قبلكم} وقوله: {ويتوب عليكم} أيضاً راجعاً إليه, وآل المعنى إلى أن الله يبين لكم سنن الذين من قبلكم, ويهديكم إلى الحق منها, ويتوب عليكم فيما ابتليتم به من باطلها كان له وجه, فإن الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين والحق والباطل منها, والتوبة على ما قد سلف من السنن الباطلة.
قوله تعالى: {ويتوب عليكم والله عليم حكيم} التوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنعمة والرحمة, وتشريع الشريعة, وبيان الحقيقة, والهداية إلى طريق الاستقامة كل ذلك توبة منه سبحانه, كما أن قبول توبة العبد ورفع آثار المعصية توبة.
وتذييل الكلام بقوله: {والله عليم حكيم} ليكون راجعاً إلى جميع فقرات الآية, ولو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهراً أن يقال: والله غفور رحيم.
قوله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين} الخ، كأن تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدلالة على أن قوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} إنما يقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة الأخيرة فقط, إذ لو ضم قوله: {ويريد الذين} الخ, إلى الآية السابقة من غير تكرار قوله: {والله يريد} الخ, أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات ولغى المعنى قطعاً.
والمراد بالميل العظيم هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات بإتيان المحارم, وإلغاء تأثير الأنساب والأسباب, واستباحة الزنا والمنع عن الأخذ بما سنه الله من السنة القويمة.
قوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} كون الإنسان ضعيفاً لما ركب الله فيه القوى الشهوية التي لا تزال تنازعه في ما تتعلق به من المشتهيات, وتبعثه إلى غشيانها فمنّ الله عليهم بتشريع حلية ما تنكسر به سورة شهوتهم بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج حيث قال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وهو النكاح وملك اليمين فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم, وزادهم تخفيفاً منه لهم لتشريع نكاح المتعة إذ ليس معه كلفة النكاح وما يستتبعه من أثقال الوظائف من صداق ونفقة وغير ذلك.
وربما قيل: إن المراد به إباحة نكاح الإماء عند الضرورة تخفيفاً. وفيه: أن نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولاً به بينهم قبل الإسلام على كراهة وذم, والذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفي هذه الكراهة والنفرة ببيان أن الأَمة كالحرة إنسان لا تفاوت بينهما, وأن الرقية لا توجب سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة والمعاشرة.
وظاهر الآيات - بما لا ينكر - أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين من هذه الأَمة فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الأُمة, والمراد به ما ذكرناه.
وعلى هذا فتعليل التخفيف بقوله: {وخلق الإنسان ضعيفاً} مع كونه وصفاً مشتركاً بين جميع الأمم - هذه الأُمة والذين من قبلهم - وكون التخفيف مخصوصاً بهذه الأُمة إنما هو من قبيل ذكر المقتضى العام والسكوت عما يتم به في تأثيره فكأنه قيل: إنا خففنا عنكم لكون الضعف العام في نوع سبباً مقتضياً للتخفيف لولا المانع, لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعلية التخفيف وانبساط الرحمة في سائر الأمم حتى وصلت التوبة إليكم فعمتكم الرحمة, وظهرت فيكم آثاره فبرز حكم السبب المذكور وشرع فيكم حكم التخفيف, وقد حرمت الأمم السابقة من ذلك, كما يدل عليه قوله:
{ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } [البقرة: 286]، وقوله: { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج } [الحج: 78]. ومن هنا يظهر أن النكتة في هذا التعليل العام بيان ظهور تمام النعم الإنسانية في هذه الأُمة.
(بحث روائي)
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب" , وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الرضاع لحمة كلحمة النسب"
]. وفي الدر المنثور: أخرج مالك وعبد الله عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن.
أقول: وروي فيه عنها ما يقرب منه بطرق أخرى, وهي من روايات التحريف مطروحة بمخالفة الكتاب.
وفيه أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل, وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها, فإن شاء تزوج الابنة"
]. أقول: وهذا المعنى مروي من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام, وهو مذهبهم وهو المستفاد من الكتاب كما مر في البيان المتقدم, وقد روي من طرق أهل السنة عن علي عليه السلام: أن أم الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت, وأنها بمنزلة الربيبة, وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج أمها لم تحرم عليه نكاحها, وهذه أمور يدفعها المروي عنهم عليهم السلام من طرق الشيعة.
وفي الكافي بإسناده عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوج بأمها؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد فعله رجل منا فلم يرَ به بأساً, فقلت جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي عليه السلام في هذا في المشيخة التي أفتاها ابن مسعود أنه لا بأس به بذلك. ثم أتى عليّاً عليه السلام فسأله فقال له علي عليه السلام: من أين يأخذها؟ فقال من قول الله عز وجل: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن, فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}, فقال علي عليه السلام: إن هذه مستثناة وهذه مرسلة, فقال أبو عبد الله عليه السلام للرجل: أما تسمع ما يروي هذا عن علي عليه السلام؟.
فلما قمت ندمت وقلت: أي شيء صنعت؟ يقول: قد فعله رجل منا ولم ير به بأساً, وأقول أنا: قضى عليه السلام فيها! فلقيته بعد ذلك وقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلة مني فما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن علياً عليه السلام قضى فيها, وتسألني ما تقول فيها؟.
أقول: وقصة قضائه عليه السلام في فتوى ابن مسعود على ما رواه في الدر المنثور عن سنن البيهقي وغيره: أن رجلاً من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل بها ثم رأى أمها فأعجبته فاستفتى ابن مسعود فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها ففعل وولدت له أولاداً, ثم أتى ابن مسعود المدينة فقيل له لا تصلح, فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها.
لكن لم ينسب القول فيه إلى علي عليه السلام بل ذكر: أنه سأل عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وفي لفظ: أنه سأل عنه عمر وفي بعض الروايات: فأخبر أنه ليس كما قال, وأن الشرط في الربائب.
وفي الاستبصار بإسناده عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه: أن علياً عليه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي دخلتم بهن في الحجور وغير الحجور سواء, والأمهات مبهمات دخل بالبنات أم لم يدخل, فحرموا وأبهموا ما أبهم الله.
أقول: وقد عزي إليه عليه السلام في بعض الروايات من طرق أهل السنة اشتراط الحجور في حرمة الربائب لكن الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تدفعه, وهو الموافق لما يستفاد من الآية كما تقدم.
والمبهمات من البهمة وهي كون الشيء ذا لون واحد لا يختلط به لون آخر ولا يختلف في لونه, سمي به من طبقات النساء المحرمة من كانت حرمة نكاحها مرسلة غير مشروطة, وهي الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت وما كان من الرضاعة, وأمهات النساء, وحلائل الأبناء.
وفيه بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل تكون له الجارية فيصيب منها, أله أن ينكح ابنتها؟ قال: لا هي كما قال الله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم}.
وفي تفسير العياشي عن أبي عون قال سمعت أبا صالح الحنفي قال: قال علي عليه السلام ذات يوم: سلوني؛ فقال ابن الكوا أخبرني عن بنت الأخت من الرضاعة, وعن المملوكتين الأختين, فقال: إنك لذاهب في التيه سل عما يعنيك أو ينفعك, فقال ابن الكوا إنما نسألك عما لا نعلم وأما ما نعلم فلا نسألك عنه, ثم قال: أما الأختان المملوكتان أحلتهما آية وحرمتهما آية؛ ولا أحله ولا أحرمه, ولا أفعله أنا ولا واحد من أهل بيتي.
وفي التهذيب بإسناده عن معمر بن يحيى بن سالم قال: سألنا أبا جعفر عليه السلام عما يروي الناس عن أمير المؤمنين عليه السلام عن أشياء لم يكن يأمر بها ولا ينهى إلا نفسه وولده فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: قد أحلتها آية وحرمتها آية أُخرى, فقلنا: الأول أن يكون إحداهما نسخت الأخرى أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده, قلنا: ما منعه أن يبين ذلك للناس؟ قال: خشي أن لا يطاع, فلو أن أمير المؤمنين ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله والحق كله.
أقول: والرواية المنقولة عنه عليه السلام هي التي نقلت عنه عليه السلام من طرق أهل السنة كما رواه في الدر المنثورعن البيهقي وغيره عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين: أحلتهما آية, وحرمتهما آية, ولا آمر ولا أنهي, ولا أحل ولا أحرم, ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي.
وروي فيه أيضاً عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلاً سأله عليه السلام عن ذلك فقال: لو كان إلي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً. وفي التهذيب بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا كانت عند الإنسان الأختان المملوكتان فنكح إحداهما ثم بدا له في الثانية, فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتى تخرج الأولى من ملكه يهبها أو يبيعها, فإن وهبها لولده يجزيه.
وفي الكافي وتفسير العياشي عن محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله عزَّ وجلَّ: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها, ثم يحبسها عنه حتى تحيض, ثم يمسها, فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح.
وفي تفسير العياشي عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قول الله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}, قال: هن ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم إن كنت زوجت أمتك غلامك نزعتها منه إذا شئت, فقلت أرأيت إن زوج غير غلامه؟ قال: ليس له أن ينزع حتى تباع, فإن باعها صار بضعها في يد غيره, فإن شاء المشتري فرق, وإن شاء أقر.
وفي الدر المنثور: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي - وحسنه - وابن ماجة عن فيروز الديلمي: أنه أدركه الإسلام وتحته أختان, فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: طلق أيتهما شئت.
وفيه أخرج ابن عبد البر في الاستذكار عن أياس بن عامر قال: سألت علي ابن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني اتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولاداً ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ قال: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى.
ثم قال: انه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلاَّ العدد أو قال: إلاَّ الأربع, ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.
أقول: ورواه بطرق أُخر غير هذا الطريق عنه.
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا يجمع بين المرأة وعمتها, ولا بين المرأة وخالتها" .
أقول: وهذا المعنى مروي بغير الطريقين من طرق أهل السنة, لكن المروي من طرق أئمة أهل البيت خلاف ذلك, والكتاب يساعده.
وفي الدر المنثور: أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطحاوي وابن حيان والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا, فكأن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين, فأنزل الله في ذلك: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} يقول: إلا ما أفاء الله عليكم, فاستحللنا بذلك فروجهن.
أقول: وروي ذلك عن الطبراني عن ابن عباس.
وفيه أخرج عبد بن حميد عن عكرمة: أن هذه الآية التي في سورة النساء: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} نزلت في امرأة يقال لها معاذة, وكانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له: شجاع بن الحارث, وكان معها ضرة لها قد ولدت لشجاع أولاداً رجالاً, وإن شجاعاً انطلق يمير أهله من هجر, فمر بمعاذة ابن عم لها فقالت له: احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير, فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ, فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله وأفضل العرب, إني خرجت أبغيها الطعام في رجب, فتولت وألطت بالذنب, وهي شر غالب لمن غلب, رأت غلاماً واركاً على قتب, لها وله أرب, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علي علي, فإن كان الرجل كشف بها ثوباً فارجموها, وإلا فردوا إلى الشيخ امرأته, فانطلق مالك بن شجاع وابن ضرتها فطلبها فجاء بها, ونزلت بيتها.
أقول: وقد مر مراراً أن أمثال هذه الأسباب المروية للنزول وخاصة فيما كانت متعلقة بأبعاض الآيات وأجزائها تطبيقات من الرواة وليست بأسباب حقيقية.
في الفقيه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: {والمحصنات من النساء} قال: هن ذوات الأزواج, فقيل: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم, قال هن العفائف.
أقول: ورواه العياشي أيضاً عنه عليه السلام.
وفي المجمع في قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً} أي من لم يجد منكم غنى قال: وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم, إنما كان ذلك حيث قال الله عز وجل: {ومن لم يستطع منكم طولاً} والطول المهر, ومهر الحرة اليوم مهر الأَمة أو أقل.
أقول: الغنى أحد مصاديق الطول كما تقدم, والرواية لا تدل على أزيد من الكراهة.
وفي التهذيب بإسناده عن أبي العباس البقباق قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يتزوج الرجل الأَمة بغير علم أهلها؟ قال: هو زنا, إن الله تعالى يقول: فانكحوهن بإذن أهلهن.
وفيه بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا عليه السلام يتمتع بالأَمة بإذن أهلها؟ قال: نعم إن الله عز وجل يقول: {فانكحوهن بإذن أهلهن}.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن قول الله في الإماء {فإذا أُحصن} ما إحصانهن؟ قال: يدخل بهن, قلت: فإن لم يدخل بهن ما عليهن حد؟ قال: بلى.
وفيه عن حريز قال: سألته عن المحصن فقال: الذي عنده ما يغنيه.
وفي الكافي بإسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في العبيد والإماء إذا زنا أحدهم أن يجلد خمسين جلدة إن كان مسلماً أو كافراً أو نصرانياً, ولا يرجم ولا ينفى.
وفيه بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام عن عبد مملوك قذف حراً قال: يجلد ثمانين, هذا من حقوق الناس, فأما ما كان من حقوق الله عز وجل فإنه يضرب نصف الحد.
قلت: الذي من حقوق الله عز وجل ما هو؟ قال: إذا زنا أو شرب خمراً, فهذا من الحقوق التي يضرب عليها نصف الحد.
وفي التهذيب بإسناده عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في الأَمة تزني قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: المسافحات المعلنات بالزنا المتخذات أخدان ذات الخليل الواحد, قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي, يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم, وأما ما خفي فلا بأس بذلك, فأنزل الله {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}.
أقول: والروايات فيما تقدم من المعاني كثيرة اقتصرنا منها على نموذج يسير.
(بحث آخر روائي)
في الكافي بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المتعة, فقال: نزلت في القرآن: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}.
وفيه بإسناده عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما نزلت: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة}.
أقول: وروى هذه القراءة العياشي عن أبي جعفر عليه السلام, ورواها الجمهور بطرق عديدة عن أبي بن كعب وعبد الله بن عباس كما سيأتي, ولعل المراد بأمثال هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول اللفظي.
وفيه بإسناده عن زرارة قال: جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر عليه السلام فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه فهي حلال إلى يوم القيامة, فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل. فقال: إني أعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئاً حرمه عمر.
قال: فقال له: فأنت على قول صاحبك, وأنا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهلم أُلاعنك أن القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الباطل ما قال صاحبك, فأقبل عبد الله بن عمير فقال: أيسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن؟ قال: فأعرض عنه أبو جعفر عليه السلام حين ذكر نساءه وبنات عمه.
وفيه بإسناده عن أبي مريم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة. فقال: أي المتعتين تسأل؟ قال: سألتك عن متعة الحج فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ فقال: سبحان الله أما قرأت كتاب الله عزَّ وجلَّ: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} فقال: والله كأنها آية لم أقراها قط.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنهم غزوا معه فأحل لهم المتعة ولم يحرمها, وكان علي يقول: لولا ما سبقني به ابن الخطاب - يعني عمر - ما زنى إلا شقي. وكان ابن عباس يقول: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة}, وهؤلاء يكفرون بها, ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلها ولم يحرمها.
وفيه عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في المتعة قال: نزلت هذه الآية: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}. قال: لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما؛ يقول: استحللتك بأجل آخر برضى منها, ولا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها, وعدتها حيضتان.
وعن الشيباني في قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: هو أن يزيدها في الأجرة وتزيده في الأجل.
أقول: والروايات في المعاني السابقة مستفيضة أو متواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام, وإنما أوردنا طرفاً منها, وعلى من يريد الاطلاع عليها جميعاً أن يراجع جوامع الحديث.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان متعة النساء في أول الإسلام, كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته, ولا يحفظ متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه, وتصلح له ضيعته, وكان يقرأ: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى} نسختها: {محصنين غير مسافحين}, وكان الإحصان بيد الرجل يمسك متى شاء, ويطلّق متى شاء.
وفي مستدرك الحاكم: بإسناده عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عباس: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة}, قال ابن عباس: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى}, فقلت: ما نقرؤها كذلك فقال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك.
أقول: ورواه في الدر المنثور عنه وعن عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف.
وفي الدر المنثور: أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: في قراءة أبي بن كعب: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى}.
وفي صحيح الترمذي عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فيحفظ له متاعه ويصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} قال ابن عباس فكل فرج سوى هذين فهو حرام.
أقول: ولازم الخبر أنها نسخت بمكة لأن الآية مكية.
وفي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن أبي مليكة: سألت عائشة رضي الله عنها عن متعه النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال: وقرأت هذه الآية: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}، فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا.
وفي الدر المنثور: أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} قال: نسختها: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر}.
وفيه أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: نسخت آية الميراث المتعة.
وفيه أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والصدقة والعدة والميراث.
وفيه أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي قال: نسخ رمضان كل صوم, ونسخت الزكاة كل صدقة, ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث, ونسخت الضحية كل ذبيحة.
وفيه أخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام فتح مكة في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي, ولي عليه فضل في الجمال, وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد, أما بردي فخلق, وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض, حتى إذا كنا بأعلى مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وما تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين, فإذا رآها صاحبي قال: إن برد هذا خلق, وبردي جديد غض فتقول: وبرد هذا لا بأس به, ثم استمتعت منها, فلم نخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه أخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر, وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها بعدها.
وفي شرح ابن العربي لصحيح الترمذي عن إسماعيل عن أبيه عن الزهري: أن سبرة روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها في حجة الوداع؛ خرجه أبو داود قال: وقد رواه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه فذكر فيه: أنه كان في حجة الوداع بعد الإحلال, وأنه كان بأجل معلوم, وقد قال الحسن: إنها في عمرة القضاء.
وفيه عن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع المتعة في غزوة تبوك.
أقول: والروايات كما ترى تختلف في تشخيص زمان نهيه صلى الله عليه وآله وسلم بين قائلة أنه كان قبل الهجرة, وقائلة بأنه بعد الهجرة بنزول آيات النكاح والطلاق والعدد والميراث أو بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام خيبر أو زمن عمرة القضاء أو عام أوطاس أو عام الفتح أو عام تبوك أو بعد حجة الوداع, ولذا حمل على تكرر النهي عنها مرات عديدة, وأن كلاً من الروايات تحدث عن مرة منها لكن جلالة بعض رواتها كعلي وجابر وابن مسعود مع ملازمتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وخبرتهم بالخطير واليسير من سيرته تأبى أن يخفى عليهم نواهيه صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الدر المنثور: أخرج البيهقي عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المتعة, وإنما كانت لمن لم يجد فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.
وفيه أخرج النحاس عن علي بن أبي طالب: أنه قال لابن عباس: إنك رجل تائه إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة.
وفيه أخرج البيهقي عن أبي ذر قال: إنما أحلت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي صحيح البخاري عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيها فقال له مولى له: إنما كان ذلك وفي النساء قلة والحال شديد, فقال ابن عباس نعم.
وفي الدر المنثور: أخرج البيهقي عن عمر أنه خطب فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة, وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها لا أُوتى بأحد نكحها إلا رجمته.
وفيه: أخرج ابن أبي شيبة, وأحمد, ومسلم عن سبرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائماً بين الركن والباب وهو يقول: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شي فليخل سبيلها, ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: والله ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها, ما كانت قبل ذلك ولا بعد.
وفي تفسير الطبري عن مجاهد: {فما استمتعتم به منهن} قال: يعني نكاح المتعة.
وفيه عن السدي في الآية قال: هذه المتعة, الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى, فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل, وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها, وليس بينهما ميراث, ليس يرث واحد منهما صاحبه.
وفي صحيحي البخاري ومسلم ورواه في الدر المنثور عن عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس معنا نساؤنا, فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك, ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل, ثم قرأ عبد الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة عن نافع أن ابن عمر سئل عن المتعة فقال: حرام فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها, قال: فهلا ترمرم بها في زمان عمر.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ماذا صنعت؟ ذهب الركاب بفتياك, وقالت فيه الشعراء, قال: وما قالوا, قلت: قالوا:

أقــول للشيـــخ لمــــا طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟
هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكــون مثواك حتـى مصدر الناس؟

فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون, لا والله ما بهذا أفتيت, ولا هذا أردت, ولا أحللت إلا للمضطر, ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير.
وفيه: أخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح, قلت: فما هي؟ قال: هي المتعة كما قال الله, قلت: هل لها من عدة؟ قال: عدتها حيضة, قلت: هل يتوارثان قال: لا.
وفيه: أخرج عبد الرزاق وابن المنذر, من طريق عطاء عن ابن عباس قال: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد, ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي, قال: وهي التي في سورة النساء: {فما استمتعتم به منهن} إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا, قال: وليس بينهما وراثة, فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم, وإن تفرقا فنعم وليس بينهما نكاح, وأخبر: أنه سمع ابن عباس: أنه يراها الآن حلالاً.
وفي تفسير الطبري ورواه في الدر المنثور عن عبد الرزاق وأبي داود في ناسخه عن الحكم أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال: لا, وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.
أقول: ونقل عن جامع الأصول لابن الأثير وزاد المعاد لابن القيم وفتح الباري لابن حجر وكنز العمال.
وفي الدر المنثور: أخرج مالك وعبد الرزاق عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب, فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه, فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فزعاً, فقال: هذه المتعة, ولو كنت تقدمت فيها لرجمت.
أقول: ونقل عن الشافعي في كتاب الأم والبيهقي في السنن الكبرى.
وعن كنز العمال عن سليمان بن يسار عن أم عبد الله ابنه أبي خيثمة, أن رجلاً قدم من الشام فنزل عليها, فقال: إن العزبة قد اشتدت علي فابغيني امرأة أتمتع معها, قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً, فمكث معها ما شاء الله أن يمكث, ثم إنه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب, فأرسل إلي فسألني: أحق ما حدثت؟ قلت: نعم, قال: فإذا قدم فآذنيني, فلما قدم أخبرته فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله, ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله, ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً, فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك, بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح.
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر؛ وفي لفظ أحمد: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر رضي الله عنه.
وعن سنن البيهقي عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنه سئل عن متعة النساء فقال: حرام أما إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أخذ فيها أحداً لرجمه بالحجارة.
وعن مرآة الزمان لابن الجوزي: كان عمر رضي الله عنه يقول: والله لا أوتى برجل أباح المتعة إلا رجمته.
وفي بداية المجتهد لابن رشد عن جابر بن عبد الله: تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس.
وفي الإصابة أخرج ابن الكلبي: أن سلمة بن أمية بن خلف الجمحي استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أمية بن الأوقص الأسلمي فولدت له فجحد ولدها, فبلغ ذلك عمر فنهى المتعة.
وعن زاد المعاد عن أيوب قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا, فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله, نحدثكم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وتحدثونا عن أبي بكر وعمر.
أقول: وأم عروة أسماء بنت أبي بكر تمتع منها الزبير بن العوام فولدت له عبد الله بن الزبير, وعروة.
وفي المحاضرات للراغب: عير عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة فقال له: سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك؟ فسألها فقالت: ما ولدتك إلا في المتعة.
وفي صحيح مسلم عن مسلم القري قال: سألت ابن عباس عن المتعة فرخص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها, فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله رخص فيها فادخلوا عليها فاسألوها, قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء فقالت: قد رخص رسول الله فيها.
أقول: وشاهد الحال المحكي يشهد أن السؤال عنها كان في متعة النساء وتفسره الروايات الأخر أيضاً.
وفي صحيح مسلم عن أبي نضرة قال كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين, فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.
أقول: ورواه البيهقي في السنن على ما نقل, وروي هذا المعنى في صحيح مسلم في مواضع ثلاث بألفاظ مختلفة, وفي بعضها (قال جابر): فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء, فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله, وانتهوا عن نكاح هذه النساء, لا اوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته.
وروى هذا المعنى البيهقي في سننه وفي أحكام القرآن للجصاص وفي كنز العمال وفي الدر المنثور وفي تفسير الرازي ومسند الطيالسي.
وفي تفسير القرطبي عن عمر: أنه قال في خطبة: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء.
أقول: وخطبته هذه مما تسالم عليه أهل النقل, وأرسلوه إرسال المسلمات كما عن تفسير الرازي, والبيان والتبيين, وزاد المعاد, وأحكام القرآن, والطبري, وابن عساكر وغيرهم.
وعن المستبين للطبري عن عمر: أنه قال: ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا محرمهن ومعاقب عليهن: متعة الحج, ومتعة النساء, وحي على خير العمل في الأذان.
وفي تاريخ الطبري عن عمران بن سوادة قال: صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان وسورة معها, ثم انصرف وقمت معه, فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة, قال: فالحق, قال: فلحقت فلما دخل أذن لي فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء, فقلت: نصيحة, فقال: مرحباً بالناصح غدواً وعشياً؛ قلت: عابت أُمتك أربعاً, قال: فوضع رأس درّته في ذقنه, ووضع أسفلها في فخذه, ثم قال: هات, قلت: ذكروا أنك حرّمت العمرة في أشهر الحج ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ولا أبو بكر رضي الله عنه, وهي حلال, قال: هي حلال؟ لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجهم, وهو بهاء من بهاء الله, وقد أصبت.
قلت: وذكروا أنك حرمت متعة النساء, وقد كانت رخصة من الله, نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث, قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة, ثم لم أعلم أحداًً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها فالآن من شاء نكح بقبضة, وفارق عن ثلاث بطلاق. وقد أصبت.
قال: قلت: واعتقت الأمة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها, قال: ألحقت حرمة بحرمة, وما أردت إلا الخير, واستغفر الله, قلت: وتشكو منك نهر الرعية, وعنف السياق, قال: فشرع الدرة ثم مسحها حتى أتى على آخرها, ثم قال: أنا زميل محمد - وكان زامله في غزوة قرقرة الكدر - فوالله إني لأرتع فاشبع, وأسقي فاروي, وأنهز اللفوث, وأزجر العروض, وأذب قدري, وأسوق خطوي, وأضم العنود, وألحق القطوف, وأكثر الزجر, وأقل الضرب, وأشهر العصا, وأدفع باليد لولا ذلك لأعذرت.
قال: فبلغ ذلك معاوية فقال: كان والله عالماً برعيتهم.
أقول: ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عن ابن قتيبة.
هذه عدة من الروايات الواردة في أمر متعة النساء, والناظر المتأمل الباحث يرى ما فيها من التباين والتضارب, ولا يتحصل للباحث في مضامينها, غير أن عمر بن الخطاب أيام خلافته حرمها ونهى عنها لرأي رآه في قصص عمرو بن حريث, وربيعة بن أمية بن خلف الجمحي, وأما حديث النسخ بالكتاب أو السنة فقد عرفت عدم رجوعه إلى محصل, على أن بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلا في أن عمر بن الخطاب هو الناهي عنها المجري للمنع, المقرر حرمة العمل وحد الرجم لمن فعل - هذا أولاً -.
وأنها كانت سنة معمولاً بها في زمن النبي في الجملة بتجويز منه صلى الله عليه وآله وسلم: إما إمضاء وإما تأسيساً, وقد عمل بها من أصحابه من لا يتوهم في حقه السفاح كجابر بن عبد الله, وعبد الله بن مسعود, والزبير بن العوام, وأسماء بنت أبي بكر, وقد ولدت بها عبد الله بن الزبير - وهذا ثانياً -.
وأن في الصحابة والتابعين من كان يرى إباحتها كابن مسعود وجابر وعمرو بن حريث وغيرهم, ومجاهد والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم - وهذا ثالثاً -.
وهذا الاختلاف الفاحش بين الروايات هو المفضي للعلماء من الجمهور بعد الخلاف فيها من حيث أصل الجواز والحرمة أولاً, إلى الخلاف في نحو حرمتها وكيفية منعها ثانياً وذهابهم فيها إلى أقوال مختلفة عجيبة ربما أُنهي إلى خمسة عشر قولاً.
وإن للمسألة جهات من البحث لا يهمنا إلا الورود من بعضها, فهناك بحث كلامي دائر بين الطائفتين: أهل السنة والشيعة, وبحث آخر فقهي فرعي ينظر فيها إلى حكم المسألة من حيث الجواز والحرمة, وبحث آخر تفسيري من حيث النظر في قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} الآية: هل مفاده تشريع نكاح المتعة؟ وهل هو بعد الفراغ عن دلالته على ذلك منسوخ بشيء من الآيات كآية المؤمنون أو آيات النكاح, والتحريم, والطلاق, والعدة, والميراث؟ وهل هو منسوخ بسنة نبوية؟ وهل هو على تقدير تشريعه يشّرع حكماً ابتدائياً أو حكماً إمضائياً إلى غير ذلك.
وهذا النحو الثالث من البحث هو الذي نعقبه في هذا الكتاب, وقد تقدم خلاصة القول في ذلك فيما تقدم من البيان, ونزيده الآن توضيحاًَ بإلفات النظر إلى بعض ما قيل في المقام على دلالة الآية على نكاح المتعة وتسنينها ذلك بما ينافي ما مر في البيان المتقدم.
قال بعضهم بعد إصراره على أن الآية إنما سيقت لبيان إيفاء المهر في النكاح الدائم: وذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية نكاح المتعة, وهو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أُسبوع أو شهر مثلاً, واستدلوا على ذلك بقراءة شاذة رويت عن أُبي وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم, وبالأخبار والآثار التي رويت في المتعة.
قال: فأما القراءة فهى شاذة لم تثبت قرآناً, وقد تقدم أن ما صحت فيه الرواية من مثل هذا آحاداً, فالزيادة فيه من قبيل التفسير, وهو فهم لصاحبه, وفهم الصحابي ليس حجة في الدين لا سيما إذا كان النظم والأسلوب يأباه كما هنا, فإن المتمتع بالنكاح المؤقت لا يقصد الإِحصان دون المسافحة, بل يكون قصده الأول المسافحة, فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقل في زمن الزنا, فإنه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي توجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حذفت بصوالجة فتلقاهــا رجــل رجل

أقول: أما قوله: إنهم استدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود وغيره, فكلّ مراجع يراجع كلامهم يرى أنهم لم يستدلوا بها استدلالهم بحجة معتبرة قاطعة, كيف وهم لا يرون حجية القراءات الشاذة حتى الشواذ المنقولة عن أئمتهم, فكيف يمكن أن يستدلوا بما لا يرونه حجة على من لا يراه حجة؟ فهل هذا إلاَّ أُضحوكة؟!
بل إنما هو استدلال بقول من قرأ بها من الصحابة, بما أنه قول منهم بكون المراد بالآية ذلك, سواء كان ذلك منهم قراءة مصطلحة, أو تفسيراً دالاً على أنهم فهموا من لفظ الآية ذلك.
وذلك ينفعهم من جهتين: إحداهما: أن عدة من الصحابة قالوا بما قال به هؤلاء المستدلون, وقد قال به - على ما نقل - جمّ غفير من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين, ويمكن المراجع في الحصول على صحة ذلك أن يراجع مظانه.
والثانية: أن الآية دالة على ذلك ويدل على ذلك قراءة هؤلاء من الصحابة, كما يدل ما ورد عنهم في نسخ الآية أيضاً, أنهم تسلموا دلالتها على نكاح المتعة حتى رأوا نسخها أو رووا نسخها, وهي روايات كثيرة تقدمت عدة منها, فالشيعة يستفيدون من روايات النسخ كما يستفيدون من القراءة الشاذة المذكورة على حدّ سواء من دون أن يقولوا بحجية القراءة الشاذة, كما لا يلزمهم القول بوقوع النسخ, وإنما يستفيدون من الجميع من جهة الدلالة على أن هؤلاء القراء والرواة كانوا يرون دلالة الآية على نكاح المتعة.
وأما قوله: لا سيما إذا كان النظم والأسلوب يأباه كما هنا, فكلامه يعطي أنه جعل المراد من المسافحة مجرد سفح الماء وصبه - أخذاً بالأصل اللغوي المشتق منه - ثم جعله أمراً منوطاً بالقصد, ولزمه أن الازدواج الموقت بقصد قضاء الشهوة وصب الماء سفاح لا نكاح، وقد غفل عن أن الأصل اللغوي في النكاح أيضاً هو الوقاع, ففي لسان العرب: قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب الوطء ولازم ما سلكه أن يكون النكاح أيضاً سفاحاً, ويختل به المقابلة بين النكاح والسفاح.
على أن لازم القول بأن قصد صب الماء يجعل الازدواج المؤقت سفاحاً أن يكون النكاح الدائم بقصد قضاء الشهوة وصب الماء سفاحاً, وهل يرضى رجل مسلم أن يفتي بذلك؟ فإن قال: بين النكاح الدائم والمؤجل في ذلك فرق, فإن النكاح الدائم موضوع بطبعه على قصد الإِحصان بالازدواج وإيجاد النسل, وتشكيل البيت بخلاف النكاح المؤجل. فهذا منه مكابرة, فإن جميع ما يترتب على النكاح الدائم من الفوائد كصون النفس عن الزنا, والتوقي عن اختلال الأنساب, وإيجاد النسل والولد, وتأسيس البيت يمكن أن يترتب على النكاح المؤجل, ويختص بأن فيه نوع تسهيل وتخفيف على هذه الأُمة, يصون به نفسه من لا يقدر على النكاح الدائم لفقره أو لعدم قدرته على نفقة الزوجة, أو لغربة, أو لعوامل مختلفة أُخر تمنعه عن النكاح الدائم.
وكذا كل ما يترتب على النكاح المؤجل - مما عده ملاكاً للسفاح - كقصد صب الماء وقضاء الشهوة, فإنه جائز الترتب على النكاح الدائم, ودعوى أن النكاح الدائم بالطبع موضوع للفوائد السابقة, ونكاح المتعة موضوع بالطبع لهذه المضار اللاحقة - على أن تكون مضاراً - دعوى واضحة الفساد.
وإن قال: إن نكاح المتعة لما كان سفاحاً كان زنا يقابل النكاح رد عليه: بأن السفاح الذي فسره بصب الماء أعم من الزنا, وربما شمل النكاح الدائم ولا سيما إذا كان بقصد صب الماء.
وأما قوله: فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه الخ. فمن عجيب الكلام, وليت شعري ما الفرق الفارق بين الرجل والمرأة في ذلك حتى يكون الرجل المتمتع يمكنه أن يحصن نفسه بنكاح المتعة من الزنا وتكون المرأة لا يصح منها هذا القصد؟ وهل هذا إلاَّ مجازفة؟.
وأما ما أنشده من الشعر في بحث حقيقي يتعرض لكشف حقيقة من الحقائق الدينية التي تتفرع عليها آثار هامة حيوية دنيوية وأُخروية لا يستهان بها - سواء كان نكاح المتعة محرماً أو مباحاً -.
فماذا ينفع الشعر وهو نسيج خيالي, الباطل أعرف عنده من الحق, والغواية أمس به من الهداية.
وهلا أنشده في ذيل ما مرّ من الروايات, ولا سيما في ذيل قول عمر في رواية الطبري المتقدم: {فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق}.
وهل لهذا الطعن غرض يتوجه إليه إلاَّ الله ورسوله في أصل تشريع هذا النوع من النكاح تأسيساً أو إمضاء, وقد كان دائراً بين المسلمين في أول الإِسلام بمرئى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسمع بلا شك؟
فإن قال: إنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أذن فيه لقيام الضرورة عليه من شمول الفقر وإكباب الفاقة على عامة المسلمين, وعروض الغزوات كما يظهر من بعض الروايات المتقدمة.
قلنا: مع فرض تداوله في أول الإِسلام بين الناس وشهرته باسم نكاح المتعة والاستمتاع لا مناص من الاعتراف بدلالة الآية على جوازه مع إطلاقها, وعدم صلاحية شيء من الآيات والروايات على نسخها, فالقول بارتفاع إباحته تأول في دلالة الآية من غير دليل.
سلمنا أن إباحته كانت بإذن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمصلحة الضرورة, لكنا نسأل أن هذه الضرورة هل كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد وأعظم منها بعده, ولا سيما في زمن الراشدين, وقد كان يسير جيوش المسلمين إلى مشارق الأرض ومغاربها بالألوف بعد الألوف من الغزاة؟ وأي فرق بين أوائل خلافة عمر وأواخره من حيث تحول هذه الضرورة من فقر وغزوة واغتراب في الأرض وغير ذلك؟ وما هو الفرق بين الضرورة والضرورة؟.
وهل الضرورة المبيحة اليوم وفي جو الإِسلام الحاضر أشد وأعظم أو في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنصف الأول من عهد الراشدين؟ وقد أظل الفقر العام على بلاد المسلمين, وقد مضت حكومات الاستعمار والدول القاهرة المستعلية والفراعنة من أولياء أُمور المسلمين كل لبن في ضرعهم, وحصدوا الرطب من زرعهم واليابس.
وقد ظهرت الشهوات في مظاهرها, وازينت بأحسن زينتها وأجملها, ودعت إلى اقترافها بأبلغ دعوتها ولا يزال الأمر يشتد, والبلية تعم البلاد والنفوس, وشاعت الفحشاء بين طبقات الشبان من المتعلمين والجنديين وعملة المعامل, وهم الذين يكونون المعظم من سواد الإِنسانية, ونفوس المعمورة.
ولا يشك شاك ولن يشك في أن الضرورة الموقعة لهم في فحشاء الزنا واللواط وكل انخلاع شهواني عمدتها العجز من تهيئة نفقة البيت, والمشاغل المؤقتة المؤجلة المانعة من اتخاذ المنزل والنكاح الدائم بغربة أو خدمة أو دراسة ونحو ذلك. فما بال هذه الضرورات تبيح في صدر الإِسلام - وهي أقل وأهون عند القياس - نكاح المتعة لكنها لا تقوم للإِباحة في غير ذلك العهد وقد أحاطت البلية وعظمت الفتنة؟.
ثم قال: ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن, بمعنى هذا كقوله عزّ وجلّ في صفة المؤمنين:
{ والذين هم لفروجهم حافظون إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأُولئك هم العادون } [المؤمنون: 5 - 7] أي المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم, وهذه الآيات لا تعارض الآية التي نفسرها يعني قوله: {فما استمتعتم به} الآية, بل هي بمعناها فلا نسخ, والمرأة المتمتع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف, كما قال الله تعالى, وقد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة ولوازمها, فلا يعدونها من الأربع اللواتي يحل للرجل أن يجمع بينها مع عدم الخوف من الجور, بل يجوزون للرجل أن يتمتع بالكثير من النساء, ولا يقولون برجم الزاني المتمتع إذ لا يعدونه محصناً, وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه قوله تعالى في المستمتعين: {محصنين غير مسافحين} وهذا تناقض صريح منهم.
ونقل عنهم بعض المفسرين: أن المرأة المتمتع بها ليس لها إرث ولا نفقة ولا طلاق ولا عدة, والحاصل أن القرآن بعيد من هذا القول, ولا دليل في هذه الآية ولا شبه دليل عليه البتة.
أقول: أما قوله: ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن بمعنى هذا "الخ", محصله: أن آيات المؤمنون: {والذين هم لفروجهم حافظون} الآيات تقصر الحل في الأزواج, والمتمتع بها ليست زوجة, فالآيات مانعة من حلية المتعة, أولاً ومانعة من شمول قوله: {فما استمتعتم به منهن} الآية لها ثانياً.
فأما أن الآيات تحرم المتعة, فقد أغمض فيه عن كون الآيات مكية, والمتعة كانت دائرة بعد الهجرة في الجملة, فهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيح ما حرمه القرآن بإجازته المتعة؟ وقوله صلى الله عليه وآله وسلم حجة بنص القرآن, فيعود ذلك إلى التناقض في نفس القرآن, أو أن إباحته كانت ناسخة لآيات الحرمة: {والذين هم} الآيات, ثم منع عنها القرآن أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحييت بذلك الآيات بعد موتها, واستحكمت بعد نسخها؟ وهذا أمر لا يقول به, ولا قال به أحد من المسلمين, ولا يمكن أن يقال به.
وهذا في نفسه نعم الشاهد على أن المتمتع بها زوجة, وأن المتعة نكاح, وأن هذه الآيات تدل على كون التمتع تزوجاً, وإلاَّ لزم أن تنتسخ بترخيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فالآيات حجة على جواز التمتع دون حرمته.
وبتقرير آخر: آيات المؤمنون والمعارج: {والذين هم لفروجهم حافظون إلاَّ على أزواجهم} الآيات, أقوى دلالة على حلية المتعة من سائر الآيات, فمن المتفق عليه بينهم, أن هذه الآيات محكمة غير منسوخة وهي مكية, ومن الضروري بحسب النقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في المتعة, ولولا كون المتمتع بها زوجة كان الترخيص بالضرورة ناسخاً للآيات وهي غير منسوخة, فالتمتع زوجية مشرعة, فإذا تمّت دلالة الآيات على تشريعه فما يدعى من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها فاسد أيضاً لمنافاته الآيات, واستلزامه نسخها, وقد عرفت أنها غير منسوخة بالاتفاق.
وكيف كان فالمتمتع بها على خلاف ما ذكره زوجة والمتعة نكاح, وناهيك في ذلك ما وقع فيما نقلناه من الروايات من تسميته في لسان الصحابة والتابعين بنكاح المتعة حتى في لسان عمر بن الخطاب في الروايات المشتملة على نهيه كرواية البيهقي عن عمر في خطبته, ورواية مسلم عن أبي نضرة, حتى ما وقع من لفظه في رواية كنز العمال عن سليمان بن يسار: "بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح" فإن معناه أن المتعة نكاح لا يتبين من السفاح, وأنه يجب عليكم أن تبينوه منه فأتوا بنكاح يبين ويتميز منه, والدليل على ذلك قوله: بينوا.
وبالجملة كون المتعة نكاحاً وكون المتمتع بها زوجة في عرف القرآن ولسان السلف من الصحابة ومن تلاهم من التابعين مما لا ينبغي الارتياب فيه, وإنما تعين اللفظان (النكاح والتزويج) في النكاح الدائم بعد نهي عمر, وانتساخ العمل به بين الناس فلم يبق مورد لصدق اللفظين إلاَّ النكاح الدائم, فصار هو المتبادر من اللفظ إلى الذهن كسائر الحقائق المتشرعة.
ومن هنا يظهر سقوط ما ذكره بعد ذلك فإن قوله: وقد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة ولوازمها "الخ", يسأل عنه فيه: ما هو المراد بالزوجة؟ أما الزوجة في عرف القرآن فإنهم يعطونها أحكامها من غير استثناء, وأما الزوجة في عرف المتشرعة - كما ذكر - المعروفة في الفقه فإنهم لا يعطونها أحكامها ولا محذور.
وأما قوله: وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه أي على الزاني المتمتع قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} وهذا تناقض صريح منهم, ففيه أنا ذكرنا في ذيل الآية فيما تقدم أن ظاهرها من جهة شمولها ملك اليمين أن المراد بالإِحصان إحصان التعفف دون الازدواج, ولو سلم أن المراد بالإِحصان إحصان الازدواج فالآية شاملة لنكاح المتعة, وأما عدم رجم الزاني المتمتع (مع أن الرجم ليس حكماً قرآنياً), فإنما هو لبيان أو لتخصيص من السنة كسائر أحكام الزوجية من الميراث والنفقة والطلاق والعدد.
وتوضيح ذلك أن آيات الأحكام إن كانت مسوقة على الإِهمال لكونها واردة مورد أصل التشريع, فما يطرأ عليها من القيود بيانات من غير تخصيص ولا تقييد, وإن كانت عمومات أو إطلاقات كانت البيانات الواردة في السنة مخصصات أو مقيدات من غير محذور التناقض والمرجع في ذلك علم أصول الفقه.
وهذه الآيات أعني آيات الإِرث والطلاق والنفقة كسائر الآيات لا تخلو من التخصيص والتقييد كالإِرث والطلاق في المرتدة والطلاق عند ظهور العيوب المجوزة لفسخ العقد والنفقة عند النشوز فلتخصص بالمتعة, فالبيانات المخرجة للمتعة عن حكم الميراث والطلاق والنفقة مخصصات أو مقيدات, وتعين ألفاظ التزويج والنكاح والإِحصان ونحو ذلك في الدوام من جهة الحقيقة المتشرعة دون الحقيقة الشرعية, فلا محذور أصلاً كما توهمه, فإذا قال الفقيه مثلاً: الزاني المحصن يجب رجمه, ولا رجم في الزاني المتمتع لعدم إحصانه, فإنما ذلك لكونه يصطلح بالإِحصان على دوام النكاح ذي الآثار الكذائية, ولا ينافي ذلك كون الإِحصان في عرف القرآن موجوداً في الدائمة والمنقطعة معاًً, وله في كل منهما آثار خاصة.
وأما نقله عن بعضهم أن الشيعة لا تقول في المتعة بالعدة ففرية بينة, فهذه جوامع الشيعة وهذه كتبهم الفقهية مملوءة بأن عدة المتمتع بها حيضتان, وقد تقدم بعض الروايات في ذلك بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
ثم قال: وأما الأحاديث والآثار المروية في ذلك فمجموعها يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرخص لأصحابه فيها في بعض الغزوات ثم نهاهم عنها ثم رخص فيها مرة أو مرتين ثم نهاهم عنها نهياً مؤبداً.
وأن الرخصة كانت للعلم بمشقة اجتناب الزنا مع البعد من نسائهم, فكانت من قبيل ارتكاب أخف الضررين, فإن الرجل إذا عقد على امرأة خلية نكاحاً مؤقتاً, وأقام معها ذلك الزمن الذي عيّنه فذلك أهون من تصديه للزنا بأية امرأة يمكنه أن يستميلها.
أقول: ما ذكره أن مجموع الروايات تدل على الترخيص في بعض الغزوات, ثم النهي ثم الترخيص فيها مرة أو مرتين, ثم النهي المؤبد لا ينطبق على ما تقدم من الروايات على ما فيها من التدافع والتطارد, فعليك بالرجوع إليها (وقد تقدم أكثرها) حتى ترى أن مجموعها يكذب ما ذكره من وجه الجمع حرفاً حرفاً.
ثم قال: ويرى أهل السُنّة أن الرخصة في المتعة مرة أو مرتين يقرب من التدريج في منع الزنا منعاً باتاً, كما وقع التدريج في تحريم الخمر, وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية, ولكن فشو الزنا كان في الإِماء دون الحرائر.
أقول: أما قوله: إن الرخصة في المتعة نوع من التدرج في منع الزنا فمحصله أن المتعة كانت عندهم من أنواع الزنا, وقد كانت كسائر الزنا فاشية في الجاهلية, فتدرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنع عن الزنا بالرفق ليقع موقع القبول من الناس, فمنع عن غير المتعة من أقسامه, وأبقى زنا المتعة فرخص فيه ثم منع ثم رخص حتى تمكن من المنع البات فمنعه منعاً مؤبداً.
ولعمري إنه من فضيح اللعب بالتشريعات الدينية الطاهرة التي لم يرد الله بها إلاَّ تطهير هذه الأمة, وإتمام النعمة عليهم.
ففيه أولاً: ما تقدم أن نسبة المنع ثم الترخيص ثم المنع, ثم الترخيص في المتعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع فرض دلالة آيات سورتي المعارج والمؤمنون: {والذين هم لفروجهم حافظون} الآيات - وهي مكية - على حرمة المتعة على ما أصر عليه هذا القائل ليس إلاَّ نسبة نسخ الآيات إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالترخيص, ثم نسخ هذا النسخ وإحكام الآيات, ثم نسخ الآيات ثم إحكامها وهكذا, وهل هذا إلاَّ نسبة اللعب بكتاب الله إليه صلى الله عليه وآله وسلم.
وثانياً: أن الآيات الناهية عن الزنا في كتاب الله تعالى هي قوله في سورة الإِسراء:
{ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } [الإسراء: 32] وأي لسان أصرح من هذا اللسان, والآية مكية واقعة بين آيات المناهي, وكذا قوله: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } [الأنعام: 151] إلى أن قال: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [الأنعام: 151]، كلمة الفواحش جمع محلى باللام واقعة في سياق النهي مفيدة لاستغراق النهي كل فاحشة وزنا, والآية مكية، وكذا قوله: { قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [الأعراف: 33] والآية أيضاً مكية، وكذا قوله: { والذين هم لفروجهم حافظون * إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأُولئك هم العادون } [المؤمنون: 5 - 7]، والسورتان مكيتان, والآيات تحرم المتعة على قول هذا القائل كما تحرم سائر أقسام الزنا.
فهذه جل الآيات الناهية عن الزنا المحرمة للفاحشة, وجميعها مكية صريحة في التحريم فأين ما ذكره من التدرج في التحريم والمنع؟ أو أنه يقول - كما هو اللازم الصريح لقوله بدلالة آيات المؤمنون على الحرمة -: إن الله سبحانه حرمها تحريماً باتاً, ثم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدرج في المنع عملاً بالرخصة بعد الرخصة مداهنة لمصلحة الإِيقاع موقع القبول, وقد شدد الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الخلة بعينها, قال تعالى:
{ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } [الإسراء: 73 - 75]. وثالثاً: أن هذا الترخيص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة بعد مرة, إن كان ترخيصاً من غير تشريع للحل, والفرض كون المتعة زنا وفاحشة, كان ذلك مخالفة صريحة منه صلى الله عليه وآله وسلم لربه لو كان من عند نفسه, وهو معصوم بعصمة الله تعالى, ولو كان من عند ربه كان ذلك أمراً منه تعالى بالفحشاء, وقد رده تعالى بصريح قوله خطاباً لنبيه: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } [الأعراف: 28] الآية.
وإن كان ترخيصاً مع تشريع للحل لم تكن زناً وفاحشة, فإنها سنة مشروعة محدودة بحدود محكمة لا تجامع الطبقات المحرمة كالنكاح الدائم ومعها فريضة المهر كالنكاح الدائم, والعدة المانعة عن اختلاط المياه واختلال الأنساب, ومعها ضرورة حاجة الناس إليها, فما معنى كونها فاحشة؟ وليست الفاحشة إلاَّ العمل المنكر الذي يستقبحه المجتمع لخلاعته من الحدود, وإخلاله بالمصلحة العامة, ومنعه عن القيام بحاجة المجتمع الضرورية في حياتهم.
ورابعاً: أن القول بكون التمتع من أنواع الزنا الدائرة في الجاهلية اختلاق في التاريخ, واصطناع لا يرجع إلى مدرك تاريخي, إذ لا عين منه في كتب التاريخ ولا أثر, بل هو سنة مبتكرة إسلامية وتسهيل من الله تعالى على هذه الأُمة لإِقامة أودهم, ووقايتهم من انتشار الزنا وسائر الفواحش بينهم لو أنهم كانوا وفقوا لإِقامة هذه السنة, وإذاً لم تكن الحكومات الإِسلامية تغمض في أمر الزنا وسائر الفواحش هذا الإِغماض الذي ألحقها تدريجياً بالسنن القانونية, وامتلأت بها الدنيا فساداً ووبالاً.
وأما قوله: "وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية, ولكن فشو الزنا كان في الإِماء دون الحرائر" ظاهره أن مراده بالفاحشتين الزنا وشرب الخمر وهو كذلك, إلاَّ أن كون الزنا فاشياً في الإِماء دون الحرائر مما لا أصل له يركن إليه, فإن الشواهد التاريخية المختلفة المتفرقة تؤيد خلاف ذلك كالأشعار التي قيلت في ذلك, وقد تقدم في رواية ابن عباس أن أهل الجاهلية لم تكن ترى بالزنا بأساً إذا لم يكن علنياً.
ويدل عليه أيضاً مسألة الادعاء والتبني الدائر في الجاهلية, فإن الادعاء لم يكن بينهم مجرد تسمية ونسبة, بل كان ذلك أمراً دائراً بينهم يبتغي به أقوياؤهم تكثير العدة والقوة بالإِلحاق, ويستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ذوات الأزواج منهن, وأما الإِماء فهم ولا سيما أقوياؤهم يعيبون الاختلاط بهن, والمعاشقة والمغازلة معهن, وإنما كانت شأن الإِماء في ذلك أن مواليهن يقيمونهن ذلك المقام اكتساباً واسترباحاً.
ومن الدليل على ما ذكرناه ما ورد من قصص الإِلحاق في السير والآثار كقصة إلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان, وما شهد به شاهد الأمر عند ذلك, وغيرها من القصص المنقولة.
نعم ربما يستشهد على عدم فشو الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيعة: وهل الحرة تزني؟ لكن الرجوع إلى ديوان حسان, والتأمل فيما هجا به هنداً بعد وقعتي بدر وأحد يرفع اللبس ويكشف ما هو حقيقة الأمر.
ثم قال بعد كلام له في تنقيح معنى الأحاديث, ورفعه التدافع الواقع بينها على زعمه: والعمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه: أولها: ما علمت من منافاتها لظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدة إن لم نقل لنصوصه, وثانيها: الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة - إلى أن قال -: وثالثها: نهي عمر عنها وإشارته بتحريمها على المنبر, وإقرار الصحابة له على ذلك وقد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر, وأنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ.
ثم اختار أن تحريمه لها لم يكن عن اجتهاد منه, وإنما كان استناداً إلى التحريم الثابت بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وإنما يسند إليه التحريم من جهة أنه مبين للحرمة أو منفذ لها كما يقال: حرم الشافعي النبيذ وأحله أبو حنيفة.
أقول: أما الوجه الأول والثاني فقد عرفت آنفاً وفي البيان المتقدم حقيقة القول فيهما بما لا مزيد عليه, وأما الوجه الثالث فتحريم عمر لها سواء كان ذلك باجتهاد منه أو باستناده إلى تحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يدعيه هذا القائل, وسواء كان سكوت الصحابة عنه هيبة له وخوفاً من تهديده, أو إقراراً له في تحريمه كما ذكره, أو لعدم وقوعه موقع قبول الناس منهم, كما يدل عليه الروايات عن علي وجابر وابن مسعود وابن عباس, فتحريمه وحلفه على رجم مستحلها وفاعلها لا يؤثر في دلالة الآية عليها, وعدم انثلام هذه الحلية بكتاب أو سنة فدلالة الآيات وإحكامها مما لا غبار عليه.
وقد أغرب بعض الكتاب حيث ذكر أن المتعة سنة جاهلية لم تدخل في الإِِسلام قط حتى يحتاج إلى إخراجها منه وفي نسخها إلى كتاب أو سنة وما كان يعرفها المسلمون ولا وقعت إلاَّ في كتب الشيعة.
أقول: وهذا الكلام المبني على الصفح عمّا يدل عليه الكتاب والحديث والإِجماع والتاريخ يتم به تحول الأقوال في هذه المسألة تحولها العجيب, فقد كانت سنة قائمة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نهي عنها في عهد عمر ونفذ النهي عند عامة الناس, ووجه النهي بانتساخ آية الاستمتاع بآيات أُخرى أو بنهي النبي عنها وخالف في ذلك عدة من الأصحاب وجم غفير ممن تبعهم من فقهاء الحجاز واليمن وغيرهم حتى مثل ابن جريح من أئمة الحديث "وكان يبالغ في التمتع حتى تمتع بسبعين امرأة" ومثل مالك أحد أئمة الفقه الأربعة؛ هذا, ثم أعرض المتأخرون من أهل التفسير عن دلالة آية الاستمتاع على المتعة, وراموا تفسيرها بالنكاح الدائم, وذكروا أن المتعة كانت سنة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نسخت بالحديث, ثم راموا في هذه الأواخر أنها كانت من أنواع الزنا في الجاهلية رخص فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخصة بعد رخصة, ثم نهى عنها نهياً مؤبداً إلى يوم القيامة, ثم ذكر هذا القائل الأخير: أنها زناً جاهلي محض لا خبر عنها في الإِسلام قط إلاَّ ما وقع في كتب الشيعة, والله أعلم بما يصير إليه حال المسألة في مستقبل الزمان.
(بحث علمي)
رابطة النسب - وهي الرابطة التي تربط الفرد من الإِنسان بالفرد الآخر من جهة الولادة وجامع الرحم - هي في الأصل رابطة طبيعية تكوينية تكوّن الشعوب والقبائل, وتحمل الخصال المنبعثة عن الدم فتسريها حسب تسرية الدم, وهي المبدأ للآداب والرسوم والسنن القوميه بما تختلط وتمتزج بسائر الأسباب والعلل المؤثرة.
وللمجتمعات الإِنسانية المترقية وغير المترقية نوع اعتناء بها في السنن والقوانين الاجتماعية في الجملة: في نكاح وإرث وغير ذلك, وهم مع ذلك لا يزالون يتصرفون في هذه الرابطة النسبية توسعة وتضييقاً بحسب المصالح المنبعثة عن خصوصيات مجتمعهم كما سمعت في المباحث السابقة أن غالب الأمم السالفة كانوا لا يرون للمرأة قرابة رسماً وكانوا يرون قرابة الدعي وبنوته, وكما أن الإِسلام ينفي القرابة بين الكافر المحارب والمسلم, ويلحق الولد للفراش وغير ذلك.
ولما اعتبر الإِسلام للنساء القرابة بما أعطاهن من الشركة التامة في الأموال, والحرية التامة في الإِرادة والعمل على ما سمعت في المباحث السابقة, وصار بذلك الابن والبنت في درجة واحدة من القرابة والرحم الرسمي, وكذلك الأب والأم, والأخ والأخت, والجد والجدة, والعم والعمة, والخال والخالة, صار عمود النسب الرسمي متنزلاً من ناحية البنات كما كان يتنزل من ناحية البنين, فصار ابن البنت ابناً للإِنسان كبنوة ابن الابن وهكذا ما نزل, وكذا صار بنت الابن وبنت البنت بنتين للإِنسان على حد سواء, وعلى ذلك جرت الأحكام في المناكح والمواريث, وقد عرفت فيما تقدم أن آية التحريم {حرمت عليكم أُمهاتكم وبناتكم} الآية دالة على ذلك.
وقد قصر السلف من باحثينا في هذه المسألة وأشباهها (وهي مسألة اجتماعية وحقوقية) فحسبوها مسألة لغوية يستراح فيها إلى قضاء اللغة فاشتد النزاع بينهم فيما وضع له لفظ الابن مثلاً, فمن معمم ومن مخصص, وكل ذلك من الخطأ.
وقد ذكر بعضهم: أن الذي تعرفه اللغة من البنوة ما يجري من ناحية الابن, وأما ابن البنت وكل ما يجري من ناحيتها فللحوق هؤلاء بآبائهم لا بجدهم الأمي لا يعدهم العرب أبناءً للإِنسان؛ وأما قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحسنين: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا وغير ذلك فهذا الإِطلاق إطلاق تشريفي, وأنشد في ذلك قول القائل:

بنونـــا بنـــو أبنائنــا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

ونظيره قول الآخر:

وإنما أُمهات الناس أوعية مستودعات وللأنساب آباء

أقول: وقد اختلط عليه طريق البحث فحسبه بحثاً لغوياً ًزعم فيه أن العرب لو وضعت لفظ الابن لما يشمل ابن البنت تغيرت بذلك نتيجة البحث, وهو غفلة عن أن الآثار والأحكام المترتبة في المجتمعات المختلفة البشرية على الأبوة والبنوة ونحوهما لا تتبع اللغات, وإنما تتبع نوع بنية المجتمع والسنن الدائرة فيها, وربما تغيرت هذه الأحكام والآثار بتغيير السنة الاجتماعية في المجتمع مع بقاء اللغة على حالها, وهذا يكشف عن كون البحث اجتماعياً أو عائداً إليه لا لفظياً لغوياً.
وأما ما أنشد من الشعر فليس يسوي الشعر في سوق الحقائق شيئاً - وليس إلاَّ زخرفة خيالية وتزويقاً وهمياً - حتى يستدل بكل ما تقوّله شاعر لاغ ولا سيما فيما يداخله القرآن الذي هو قول فصل وليس بالهزل.
وأما مسألة لحوق الأبناء بآبائهم دون الأجداد من جانب الأمهات فهي على أنها ليست مسألة لفظية لغوية ليست من فروع النسب حتى يستلزم لحوق الابن والبنت بالأب انقطاع نسبهما من جهة الأم, بل من فروع قيمومة الرجل على البيت من حيث الإِنفاق, وتربية الأولاد ونحوها.
وبالجملة فالأم تنقل رابطة النسب إلى أولادها من ذكور أو إناث كما ينقلها الأب, ومن آثاره البارزة في الإِسلام الميراث وحرمة النكاح, نعم هناك أحكام ومسائل أُخر لها ملاكات خاصة كلحوق الولد والنفقة ومسألة سهم أولي القربى من السادات وكل تتبع ملاكها الخاص بها.
(بحث علمي آخر)
النكاح والازدواج من السنن الاجتماعية التي لم تزل دائرة في المجتمعات الإِنسانية أي مجتمع كان على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم, وهو في نفسه دليل على كونه سنة فطرية.
على أن من أقوى الدليل على ذلك كون الذكر والأنثى مجهزين بحسب البنية الجسمانية بوسائل التناسل والتوالد كما ذكرناه مراراً, والطائفتان (الذكر والأنثى) في ابتغاء ذلك شرع سواء وإن زيدت الأنثى بجهاز الإِرضاع والعواطف الفطرية الملائمة لتربية الأولاد.
ثم إن هناك غرائز إنسانية تنعطف إلى محبة الأولاد, وتقبل قضاء الطبيعة بكون الإِنسان باقياً ببقاء نسله, وتذعن بكون المرأة سكناً للرجل وبالعكس, وتحترم أصل الوراثة بعد احترامها لأصل الملك والاختصاص, وتحترم لزوم تأسيس البيت.
والمجتمعات التي تحترم هذه الأصول والأحكام الفطرية في الجملة لا مناص لها من الإِذعان بسنة النكاح على نحو الاختصاص بوجه, بمعنى أن لا يختلط الرجال والنساء على نحو يبطل الأنساب وإن فرض التحفظ عن فساد الصحة العامة وقوة التوالد الذي يوجبه شيوع الزنا والفحشاء.
هذه أصول معتبرة عند جميع الأمم الجارية على سنة النكاح في الجملة سواء خصوا الواحد بالواحد, أو جوزوا الكثير من النساء للواحد من الرجال أو بالعكس أو الكثير منهم للكثير منهنّ على اختلاف هذه السنن بين الأمم, فإنهم مع ذلك يعتبرون النكاح بخاصته التي هي نوع ملازمة ومصاحبة بين الزوجين.
فالفحشاء والسفاح الذي يقطع النسل ويفسد الأنساب أول ما تبغضه الفطرة الإِنسانية القاضية بالنكاح, ولا تزال ترى لهذه المباغضة آثاراً بين الأمم المختلفة والمجتمعات المتنوعة حتى الأمم التي تعيش على الحرية التامة في الرجال والنساء في المواصلات والمخالطات الشهوية, فإنهم متوحشون من هذه الخلاعات المسترسلة, وتراهم يعيشون بقوانين تحفظ لهم أحكام الأنساب بوجه.
والإِنسان مع إذعانه بسنة النكاح لا يتقيد فيه بحسب الطبع, ولا يحرم على نفسه ذا قرابة أو أجنبياً, ولا يجتنب الذكر من الإِنسان أُماً ولا أُختاً ولا بنتاً ولا غيرهن, ولا الأنثى منه أباً ولا أخاً ولا ابناً بحسب الداعية الشهوية, فالتاريخ والنقل يثبت نكاح الأمهات والأخوات والبنات وغيرهن في الأمم العظيمة الراقية والمنحطة, والأخبار تحقق الزنا الفاشي في الملل المتمدنة اليوم بين الإِخوة والأخوات, والآباء والبنات وغيرهن, فطاغية الشهوة لا يقوم لها شيء, وما كان بين هذه الأمم من اجتناب نكاح الأمهات والأخوات والبنات وما يلحق بهن, فإنما هو سنة موروثة ربما انتهت إلى بعض الآداب والرسوم القومية.
وإنك إذا قايست القوانين المشرعة في الإِسلام لتنظيم أمر الازدواج بسائر القوانين والسنن الدائرة في الدنيا وتأملت فيها منصفاً, وجدتها أدق وأضمن لجميع شؤون الاحتياط في حفظ الأنساب وسائر المصالح الإِنسانية الفطرية, وجميع ما شرعه من الأحكام في أمر النكاح, وما يلحق به يرجع إلى حفظ الأنساب وسد سبيل الزنا.
فالذي روعي فيه مصلحة حفظ الأنساب من غير واسطة هو تحريم نكاح المحصنات من النساء, وبذلك يتم إلغاء ازدواج المرأة بأكثر من زوج واحد في زمان واحد, فإن فيه فساد الأنساب, كما أنه هو الملاك في وضع عدة الطلاق بتربص المرأة بنفسها ثلاثة قروء تحرزاً من اختلاط المياه.
وأما سائر أصناف النساء المحرم نكاحها وهي أربعة عشر صنفاً المعدودة في آيات التحريم, فإن الملاك في تحريم نكاحهن سد باب الزنا, فإن الإِنسان - وهو في المجتمع المنزلي - أكثر ما يعاشر ويختلط ويسترسل ويديم في المصاحبة, إنما هو مع هذه الأصناف الأربعة عشر, ودوام المصاحبة ومساس الاسترسال يوجب كمال توجه النفس وركوز الفكر فيهن بما يهدي إلى تنبه الميول والعواطف الحيوانية وهيجان دواعي الشهوة, وبعثها الإِنسان إلى ما يستلذه طبعه, وتتوق له نفسه, ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
فكان من الواجب أن لا يقتصر على مجرد تحريم الزنا في هذه الموارد, فإن دوام المصاحبة وتكرر هجوم الوساوس النفسانية وورود الهم بعد الهم لا يدع للإِنسان مجال التحفظ على نهي واحد من الزنا.
بل كان يجب أن تحرم هؤلاء تحريماً مؤبداً, وتقع عليه التربية الدينية حتى يستقر في القلوب اليأس التام من بلوغهن والنيل منهن, ويميت ذلك تعلق الشهوة بهن ويقطع منبتها ويقلعها من أصلها, وهذا هو الذي نرى من كثير من المسلمين حتى في المتوغلين في الفحشاء المسترسلين في المنكرات منهم, أنهم لا يخطر ببالهم الفحشاء بالمحارم, وهتك ستر الأمهات والبنات, ولولا ذلك لم يكد يخلو بيت من البيوت من فاحشة الزنا ونحوه.
وهذا كما أن الإِسلام سد باب الزنا في غير المحارم بإيجاب الحجاب, والمنع عن اختلاط الرجال بالنساء والنساء بالرجال, ولولا ذلك لم ينجح النهي عن الزنا في الحجز بين الإِنسان وبين هذا الفعال الشنيع, فهناك أحد أمرين: إما أن يمنع الاختلاط كما في طائفة, وإما أن يستقر اليأس من النيل بالمرة بحرمة مؤبدة يتربى عليها الإِنسان حتى يستوي على هذه العقيدة, لا يبصر مثاله فيما يبصر, ولا يسمعه فيما يسمع فلا يخطر بباله أبداً.
وتصديق ذلك ما نجده من حال الأمم الغربيه, فإن هؤلاء معاشر النصارى كانت ترى حرمة الزنا, وتعد تعدد الزوجات في تلو الزنا, أباحت اختلاط النساء بالرجال, فلم تلبث حتى فشا الفحشاء فيها فشواً لا يكاد يوجد في الألف منهم واحد يسلم من هذا الداء, ولا في ألف من رجالهم واحد يستيقن بكون من ينتسب إليه من أولاده من صلبه, ثم لم يمكث هذا الداء حتى سرى إلى الرجال مع محارمهم من الأخوات والبنات والأمهات, ثم إلى ما بين الرجال والغلمان ثم الشبان أنفسهم ثم.... وثم... آل الأمر إلى أن صارت هذه الطائفة التي ما خلقها الله سبحانه إلاَّ سكناً للبشر, ونعمة يقيم بها صلب الإِنسانية, ويطيب بها عيشة النوع مصيدة يصطاد بها في كل شأن سياسي واقتصادي واجتماعي ووسيلة للنيل إلى كل غرض يفسد حياة المجتمع والفرد, وعادت الحياة الإِنسانية أمنية تخيلية, ولعباً ولهواً بتمام معنى الكلمة, وقد اتسع الخرق على الراتق.
هذا هو الذي بنى عليه الإِسلام مسألة تحريم المحرمات من المبهمات وغيرها في باب النكاح, إلاَّ المحصنات من النساء على ما عرفت.
وتأثير هذا الحكم في المنع عن فشو الزنا وتسربه في المجتمع المنزلي, كتأثير حكم الحجاب في المنع عن ظهور الزنا وسريان الفساد في المجتمع المدني على ما عرفت.
وقد تقدم أن قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} الآية, لا تخلو عن إشارة إلى هذه الحكمة, ويمكن أن تكون الإِشارة إليه بقوله تعالى في آخر آيات التحريم:
{ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإِنسان ضعيفاً } [النساء: 28]، فإن تحريم هذه الأصناف الأربعة عشر من الله سبحانه تحريماً باتاً, يرفع عن كاهل الإِنسان ثقل الصبر على هواهن, والميل إليهن, والنيل منهن على إمكان من الأمر, وقد خلق الإِنسان ضعيفاً في قبال الميول النفسانية, والدواعي الشهوانية, وقد قال تعالى: { إن كيدكن عظيم } [يوسف: 28]، فإن من أمرّ الصبر أن يعيش الإِنسان مع واحدة أو أكثر من النساء الأجنبيات, ويصاحبهن في الخلوة والجلوة, ويتصل بهن ليلاً ونهاراً ويمتلئ سمعه وبصره من لطيف إشارتهن وحلو حركاتهن حيناً بعد حين ثم يصبر على ما يوسوسه نفسه في أمرهن ولا يجيبها في ما تتوق إليه, والحاجة إحدى الحاجتين الغذاء والنكاح, وما سواهما فضل يعود إليهما, وكأنه هو الذي أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "من تزوج أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر"
].