التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٣٢
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
٣٣
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً
٣٤
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً
٣٥
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات مرتبطة بما تقدم من أحكام المواريث, وأحكام النكاح يؤكد بها أمر الأحكام السابقة, ويستنتج منها بعض الأحكام الكلية التي تصلح بعض الخلال العارضة في المعاشرة بين الرجال والنساء.
قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} التمني قول الإِنسان: ليت كذا كان كذا, والظاهر أن تسمية القول بذلك من باب توصيف اللفظ بصفة المعنى, وإنما التمني إنشاء نحو تعلق من النفس نظير تعلق الحب بما تراه متعذراً أو كالمتعذر سواء أظهر ذلك بلفظ أو لم يظهر.
وظاهر الآية أنها مسوقة للنهي عن تمني فضل وزيادة موجودة ثابتة بين الناس, وأنه ناشئ عن تلبس بعض طائفتي الرجال والنساء بهذا الفضل, وأنه ينبغي الإِعراض عن التعلق بمن له الفضل, والتعلق بالله بالسؤال من الفضل الذي عنده تعالى, وبهذا يتعيّن أن المراد بالفضل هو المزية التي رزقها الله تعالى كلاً من طائفتي الرجال والنساء بتشريع الأحكام التي شرعت في خصوص ما يتعلق بالطائفتين كلتيهما كمزية الرجال على النساء في عدد الزوجات, وزيادة السهم في الميراث, ومزية النساء على الرجال في وجوب جعل المهر لهن, ووجوب نفقتهن على الرجال.
فالنهي عن تمني هذه المزية التي اختص بها صاحبها, إنما هو لقطع شجرة الشر والفساد من أصلها, فإن هذه المزايا مما تتعلق به النفس الإِنسانية لما أودعه الله في النفوس من حبها والسعي لها لعمارة هذه الدار, فيظهر الأمر أولاً في صورة التمني, فإذا تكرر تبدل حسداً مستبطناً, فإذا أُديم عليه فاستقر في القلب سرى إلى مقام العمل والفعل الخارجي, ثم إذا انضمت بعض هذه النفوس إلى بعض كان ذلك بلوى يفسد الأرض, ويهلك الحرث والنسل.
ومن هنا يظهر أن النهي عن التمني نهي إرشادي يعود مصلحته إلى مصلحة حفظ الأحكام المشرعة المذكورة, وليس بنهي مولوي.
وفي نسبة الفضل إلى فعل الله سبحانه, والتعبير بقوله: بعضكم على بعض إيقاظ لصفة الخضوع لأمر الله بإيمانهم به, وغريزة الحب المثارة بالتنبه حتى يتنّبه المفضل عليه أن المفضل بعض منه غير مبان.
قوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} ذكر الراغب: أن الاكتساب إنما يستعمل فيما استفاده الإِنسان لنفسه, والكسب أعم مما كان لنفسه أو لغيره, والبيان المتقدم ينتج أن يكون هذه الجملة مبينة للنهي السابق عن التمني وبمنزلة التعليل له, أي لا تتمنوا ذلك, فإن هذه المزية إنما وجدت عند من يختص بها لأنه اكتسبها بالنفسية التي له, أو بعمل بدنه. فإن الرجال إنما اختصوا بجواز اتخاذ أربع نسوة مثلاً وحرم ذلك على النساء لأن موقعهم في المجتمع الإِنساني موقع يستدعي ذلك دون موقع النساء, وخصوا في الميراث بمثل حظ الانثيين لذلك أيضاً, وكذلك النساء خصصن بنصف سهم الرجال وجعل نفقتهن على الرجال وخصصن بالمهر لاستدعاء موقعهن ذلك, وكذلك ما اكتسبته إحدى الطائفتين من المال بتجارة أو طريق آخر هو الموجب للاختصاص, وما الله يريد ظلماً للعباد.
ومن هنا يظهر أن المراد بالاكتساب هو نوع من الحيازة والاختصاص أعم من أن يكون بعمل اختياري كالاكتساب بصنعة أو حرفة أو لا يكون بذلك, لكنه ينتهي إلى تلبس صاحب الفضل بصفة توجب له ذلك كتلبس الإِنسان بذكورية أو أُنوثية توجب له سهماً ونصيباً كذا.
وأئمة اللغة وإن ذكروا في الكسب والاكتساب أنهما يختصان بما يحوزه الإِنسان بعمل اختياري كالطلب ونحوه, لكنهم ذكروا أن الأصل في معنى الكسب هو الجمع, وربما جاز أن يقال: اكتسب فلان بجماله الشهرة ونحو ذلك, وفسر الاكتساب في الآية بذلك بعض المفسرين, وليس من البعيد أن يكون الاكتساب في الآية مستعملاً فيما ذكر من المعنى على سبيل التشبيه والاستعارة.
وأما كون المراد من الاكتساب في الآية ما يتحراه الإِنسان بعمله, ويكون المعنى: للرجال نصيب مما استفادوه لأنفسهم من المال بعملهم وكذا النساء ويكون النهي عن التمني نهياً عن تمني ما بيد الناس من المال الذي استفادوه بصنعة أو حرفة, فهو وإن كان معنى صحيحاً في نفسه لكنه يوجب تضييق دائرة معنى الآية, وانقطاع رابطتها مع ما تقدم من آيات الإِرث والنكاح.
وكيف كان, فمعنى الآية على ما تقدم من المعنى: ولا تتمنوا الفضل والمزية المالي وغير المالي الذي خص الله تعالى به أحد القبيلين من الرجال والنساء ففضل به بعضكم على بعض, فإن ذلك الفضل أمر خص به من خص به لأنه أحرزه بنفسيته في المجتمع الإِنساني أو بعمل يده بتجارة ونحوها, وله منه نصيب, وإنما ينال كل نصيبه مما اكتسبه.
قوله تعالى: {واسألوا الله من فضله}، الإِنعام على الغير بشيء مما عند المنعم لما كان غالباً بما هو زائد لا حاجة للمنعم إليه سمي فضلاً, ولما صرف الله تعالى وجوه الناس عن العناية بما أُوتي أرباب الفضل من الفضل والرغبة فيه, وكان حب المزايا الحيوية, بل التفرد بها والتقدم فيها والاستعلاء من فطريات الإِنسان لا يسلب عنه حيناً صرفهم تعالى إلى نفسه, ووجه وجوههم نحو فضله, وأمرهم أن يعرضوا عمّا في أيدي الناس, ويقبلوا إلى جنابه, ويسألوا من فضله, فإن الفضل بيد الله, وهو الذي أعطى كل ذي فضل فضله, فله أن يعطيكم ما تزيدون به وتفضلون بذلك على غيركم ممن ترغبون فيما عنده, وتتمنون ما أُعطيه.
وقد أُبهم هذا الفضل الذي يجب أن يسأل منه بدخول لفظة "من" عليه, وفيه من الفائدة أولاً التعليم بأدب الدعاء والمسألة من جنابه تعالى, فإن الأليق بالإِنسان المبني على الجهل بما ينفعه ويضره بحسب الواقع إذا سأل ربه العالم بحقيقة ما ينفع خلقه وما يضرهم, القادر على كل شيء أن يسأله الخير فيما تتوق نفسه إليه, ولا يطنب في تشخيص ما يسأله منه وتعيين الطريق إلى وصوله, فكثيراً ما رأينا من كانت تتوق نفسه إلى حاجة من الحوائج الخاصة كمال أو ولد أو جاه ومنزلة أو صحة وعافية وكان يلح في الدعاء والمسألة لأجلها لا يريد سواها ثم لما استجيب دعاؤه, وأُعطي مسألته كان في ذلك هلاكه وخيبة سعيه في الحياة.
وثانياً: الإِشارة إلى أن يكون المسؤول ما لا يبطل به الحكمة الإِلهية في هذا الفضل الذي قرره الله تعالى بتشريع أو تكوين, فمن الواجب أن يسألوا شيئاً من فضل الله الذي اختص به غيرهم, فلو سأل الرجال ما للنساء من الفضل أو بالعكس, ثم أعطاهم الله ذلك بطلت الحكمة وفسدت الأحكام والقوانين المشرعة فافهم.
فينبغي للإِنسان إذا دعا الله سبحانه عندما ضاقت نفسه لحاجة أن لا يسأله ما في أيدي الناس مما يرفع حاجته, بل يسأله مما عنده, وإذا سأله مما عنده أن لا يعلم لربه الخبير بحاله طريق الوصول إلى حاجته, بل يسأله أن يرفع حاجته بما يعلمه خيراً من عنده.
وأما قوله تعالى: {إن الله كان بكل شيء عليماً} فتعليل للنهي في صدر الآية, أي لا تتمنوا ما أعطاه الله من فضله من أعطاه إن الله بكل شيء عليم لا يجهل طريق المصلحة ولا يخطئ في حكمه.
(كلام في حقيقية قرآنية)
اختلاف القرائح والاستعدادات في اقتناء مزايا الحياة في أفراد الإِنسان مما ينتهي إلى أُصول طبيعية تكوينية لا مناص عن تأثيرها في فعلية اختلاف درجات الحياة, وعلى ذلك جرى الحال في المجتمعات الإِنسانية من أقدم عهودها إلى يومنا هذا فيما نعلم.
فقد كانت الأفراد القوية من الإِنسان يستعبدون الضعفاء ويستخدمونهم في سبيل مشتهياتهم وهوى نفوسهم من غير قيد أو شرط, وكان لا يسع لأولئك الضعفاء المساكين إلاَّ الانقياد لأوامرهم, ولا يهتدون إلاَّ إلى إجابتهم بما يشتهونه ويريدونه منهم, لكن القلوب ممتلئة غيظاً وحنقاً والنفوس متربصة, ولا يزال الناس على هذه السنة التي ابتدأت سنة شيوخية وانتهت إلى طريقة ملوكية وامبراطورية.
حتى إذا وفق النوع الإِنساني بالنهضة بعد النهضة على هدم هذه البنية المتغلبة وإلزام أولياء الحكومة والملك على اتباع الدساتير والقوانين الموضوعة لصلاح المجتمع وسعادته, فارتحلت بذلك حكومة الإِرادات الجزافية وسيطرة السنن الاستبدادية ظاهراً وارتفع اختلاف طبقات الناس وانقسامهم إلى مالك حاكم مطلق العنان ومملوك محكوم مأخوذ بزمامه, غير أن شجرة الفساد أخذت في النمو في أرض غير الأرض, ومنظر غير منظره السابق, والثمرة هي الثمرة, وهو تمايز الصفات باختلاف الثروة بتراكم المال عند بعض, وصفارة الكف عند آخر, وبعد ما بين القبيلين بعداً لا يتمالك به المثري الواجد من نفسه, إلاَّ أن ينفذ بثروته في جميع شؤون حياة المجتمع, ولا المسكين المعدم إلاَّ أن ينهض للبراز ويقاوم الاضطهاد.
فاستتبع ذلك سنة الشيوعية القائلة بالاشتراك في مواد الحياة وإلغاء المالكية, وإبطال رؤوس الأموال, وإن لكل فرد من المجتمع أن يتمتع بما عملته يداه وهيأه كماله النفساني الذي اكتسبه, فانقطع بذلك أصل الاختلاف بالثروة والجدة, غير أنه أورث من وجود الفساد ما لا يكاد تصيبه رمية السنة السابقة وهو بطلان حرية إرادة الفرد, وانسلاب اختياره, والطبيعة تدفع ذلك, والخلقة لا توافقه, وهيهات أن يعيش ما يرغم الطبيعة ويضطهد الخلقة.
على أن أصل الفساد مع ذلك مستقر على قراره, فإن الطبيعة الإِنسانية لا تنشط إلاَّ لعمل فيه إمكان التميز والسبق, ورجاء التقدم والفخر, ومع إلغاء التمايزات تبطل الأعمال, وفيه هلاك الإِنسانية, وقد احتالوا لذلك بصرف هذه التميزات إلى الغايات والمقاصد الافتخارية التشريفية غير المادية, وعاد بذلك المحذور جذعاً, فإن الإِنسان إن لم يذعن بحقيقتها لم يخضع لها, وإن أذعن بها كان حال التمايز بها حال التمايز المادي.
وقد احتالت الديموقراطية لدفع ما تسرب إليها من الفساد بإيضاح مفاسد هذه السنة بتوسعة التبليغ وبضرب الضرائب الثقيلة التي تذهب بجانب عظيم من أرباح المكاسب والمتاجر, ولما ينفعهم ذلك, فظهور دبيب الفساد في سنة مخالفيهم لا يسد طريق هجوم الشر على سنتهم أنفسهم, ولا ذهاب جل الربح إلى بيت المال يمنع المترفين عن إترافهم ومظالمهم, وهم يحيلون مساعيهم لمقاصدهم من تملك المال إلى التسلط وتداول المال في أيديهم, فالمال يستفاد من التسلط ووضع اليد عليه وإدارته ما يستفاد من ملكه.
فلا هؤلاء عالجوا الداء ولا أولئك, ولا دواء بعد الكي, وليس إلاَّ لأن الذي جعله البشر غاية وبغية لمجتمعه, وهو التمتع بالحياة المادية بوصلة تهدي إلى قطب الفساد, ولن تنقلب عن شأنها أينما حولت, ومهما نصبت.
والذي يراه الإِسلام لقطع منابت هذا الفساد أن حرر الناس في جميع ما يهديهم إليه الفطرة الإِنسانية, ثم قرب ما بين الطبقتين برفع مستوى حياة الفقراء بما وضع من الضرائب المالية ونحوها, وخفض مستوى حياة الأغنياء بالمنع عن الإِسراف والتبذير والتظاهر بما يبعدهم من حاق الوسط, وتعديل ذلك بالتوحيد والأخلاق, وصرف الوجوه عن المزايا المادية إلى كرامة التقوى وابتغاء ما عند الله من الفضل.
وهو الذي يشير إليه قوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} الآية، وقوله:
{ إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [الحجرات: 13]، وقوله: { ففروا إلى الله } [الذاريات: 50]، وقد بينا فيما تقدم أن صرف وجوه الناس إلى الله سبحانه يستتبع اعتناءهم بأمر الأسباب الحقيقية الواقعية في تحري مقاصدهم الحيوية من غير أن يستتبع البطالة في اكتساب معيشة, أو الكسل في ابتغاء سعادة, فليس قول القائل: إن الإِسلام دين البطالة والخمود عن ابتغاء المقاصد الحيوية الإِنسانية إلاَّ رمية من غير مرمى جهلاً, هذا ملخص القول في هذا المقصد, وقد تكرر الكلام في أطرافه تفصيلاً فيما تقدم من مختلف المباحث من هذا الكتاب.
قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} الآية، الموالي جمع مولى, وهو الولي وإن كثر استعماله في بعض المصاديق من الولاية كالمولى لسيد العبد لولايته عليه, والمولى للناصر لولايته على أمر المنصور, والمولى لابن العم لولايته على نكاح بنت عمّه, ولا يبعد أن يكون في الأصل مصدراً ميمياً أو اسم مكان أُريد به الشخص المتلبس به بوجه كما نطلق اليوم الحكومة والمحكمة ونريد بهما الحاكم.
والعقد مقابل الحل, واليمين مقابل اليسار, واليمين اليد اليمنى, واليمين الحلف وله غير ذلك من المعاني.
ووقوع الآية مع قوله قبل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}, في سياق واحد, واشتمالها على التوصية بإعطاء كل ذي نصيب نصيبه, وأن الله جعل لكل موالي مما ترك الوالدان والأقربون يؤيد أن تكون الآية أعني قوله: {ولكل جعلنا} الخ. بضميمة الآية السابقة تلخيصاً للأحكام والأوامر التي في آيات الإِرث, ووصية إجمالية لما فيها من الشرائع التفصيلية, كما كان قوله قبل آيات الإِرث: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية, تشريعاً إجمالياً كضرب القاعدة في باب الإِرث تعود إليه تفاصيل أحكام الإِرث.
ولازم ذلك أن ينطبق من أجمل ذكره من الوراث والمورثين على من ذكر منهم تفصيلاً في آيات الإِرث, فالمراد بالموالي جميع من ذكر وارثاً فيها من الأولاد والأبوين والإِخوة والأخوات وغيرهم.
والمراد بالأصناف الثلاث المذكورين في الآية بقوله: {الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم} الأصناف المذكورة في آيات الإِرث, وهم ثلاثه: الوالدان والأقربون والزوجان فينطبق قوله: {الذين عقدت أيمانكم}, على الزوج والزوجة.
فقوله: {ولكل} أي ولكل واحد منكم ذكراً أو أنثى, جعلنا موالي أي أولياء في الوراثة يرثون ما تركتم من المال, وقوله: {مما ترك}, من فيه للابتداء متعلق بالموالي كأن الولاية نشأت من المال, أو متعلق بمحذوف أي يرثون أو يؤتون مما ترك, وما ترك هو المال الذي تركه الميّت المورث الذي هو الوالدان والأقربون نسباً والزوج والزوجة.
وإطلاق {الذين عقدت أيمانكم} على الزوج والزوجة إطلاق كنائي, فقد كان دأبهم في المعاقدات والمعاهدات أن يصافحوا, فكأن أيمانهم التي يصافحون بها هي التي عقدت العقود, وأبرمت العهود, فالمراد: الذين أوجدتم بالعقد سببية الازدواج بينكم وبينهم.
وقوله: {فآتوهم نصيبهم} الضمير للموالي, والمراد بالنصيب ما بين في آيات الإِرث, والفاء للتفريع, والجملة متفرعة على قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي}, ثم أكد حكمه بإيتاء نصيبهم بقوله: {إن الله كان على كل شيء شهيداً}.
وهذا الذي ذكرناه من معنى الآية أقرب المعاني التي ذكروها في تفسيرها, وربما ذكروا أن المراد بالموالي العصبة دون الورثة الذين هم أولى بالميراث, ولا دليل عليه من جهة اللفظ بخلاف الورثة.
وربما قيل: إن "من" في قوله: {مما ترك الوالدان والأقربون}, بيانية, والمراد بما الورثة الأولياء, والمعنى: ولكل منكم جعلنا أولياء, يرثونه, وهم الذين تركهم وخلفهم الوالدان والأقربون.
وربما قيل: إن المراد "بالذين عقدت أيمانكم" الحلفاء, فقد كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك, وحربي حربك, وسلمي سلمك, وترثني وأرثك, وتعقل عني وأعقل عنك, فيكون للحليف السدس من مال الحليف.
وعلى هذا فالجملة مقطوعة عمّا قبلها, والمعنى: والحلفاء آتوهم سدسهم, ثم نسخ ذلك بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}. وقيل: إن المراد: آتوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد, ولا ميراث, وعلى هذه فلا نسخ في الآية.
وربما قيل: إن المراد بهم الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة, وكانوا يتوارثون بذلك بينهم, ثم نسخ ذلك بآية الميراث.
وربما قيل: أُريد بهم الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية, فأمروا في الإِسلام أن يوصوا لهم بوصية, وذلك قوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم}.
وهذه معان لا يساعدها سياق الآية, ولا لفظها على ما لا يخفى للباحث المتأمل, ولذلك أضربنا عن الإِطناب في البحث عمّا يرد عليها.
قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} القيم هو الذي يقوم بأمر غيره, والقوام والقيام مبالغة منه.
والمراد بما فضَّل الله بعضهم على بعض, هو ما يفضل ويزيد فيه الرجال بحسب الطبع على النساء, وهو زيادة قوة التعقل فيهم, وما يتفرع عليه من شدة البأس والقوة والطاقة على الشدائد من الأعمال ونحوها, فإن حياة النساء حياة إحساسية عاطفية مبنية على الرقة واللطافة, والمراد بما أنفقوا من أموالهم ما أنفقوه في مهورهن ونفقاتهن.
وعموم هذه العلة يعطي, أن الحكم المبني عليها أعني قوله: {الرجال قوامون على النساء} غير مقصور على الأزواج بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته, بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعاً, فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة والقضاء مثلاً اللذين يتوقف عليهما حياة المجتمع, وإنما يقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء, وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدة وقوة التعقل, كل ذلك مما يقوم به الرجال على النساء.
وعلى هذا فقوله: {الرجال قوامون على النساء} ذو إطلاق تام, وأما قوله بعد: {فالصالحات قانتات} "الخ" الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل وزوجته على ما سيأتي, فهو فرع من فروع هذا الحكم المطلق وجزئي من جزئياته مستخرج منه من غير أن يتقيد به إطلاقه.
قوله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} المراد بالصلاح معناه اللغوي, وهو ما يعبّر عنه بلياقة النفس. والقنوت هو دوام الطاعة والخضوع.
ومقابلتها لقوله: {واللاتي تخافون نشوزهن} الخ, تفيد أن المراد بالصالحات الزوجات الصالحات, وأن هذا الحكم مضروب على النساء في حال الازدواج لا مطلقاً, وأن قوله: {قانتات حافظات} - الذي هو إعطاء للأمر في صورة التوصيف, أي ليقنتن وليحفظن - حكم مربوط بشؤون الزوجية والمعاشرة المنزلية, وهذا مع ذلك حكم يتبع في سعته وضيقه علته أعني قيمومة الرجل على المرأة قيمومة زوجية, فعليها أن تقنت له وتحفظه فيما يرجع إلى ما بينهما من شؤون الزوجية.
وبعبارة أخرى, كما أن قيمومة قبيل الرجال على قبيل النساء في المجتمع, إنما تتعلق بالجهات العامة المشتركة بينهما, المرتبطة بزيادة تعقل الرجل وشدته في البأس, وهي جهات الحكومة والقضاء والحرب من غير أن يبطل بذلك ما للمرأة من الاستقلال في الإِرادة الفردية وعمل نفسها بأن تريد ما أحبت وتفعل ما شاءت من غير أن يحق للرجل أن يعارضها في شيء من ذلك في غير المنكر فلا جناح عليهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف, كذلك قيمومة الرجل لزوجته ليست بأن لا تنفذ للمرأة في ما تملكه إرادة ولا تصرف, ولا أن لا تستقل المرأة في حفظ حقوقها الفردية والاجتماعية, والدفاع عنها, والتوسل إليها بالمقدمات الموصلة إليها, بل معناها أن الرجل إذ كان ينفق ما ينفق من ماله بإزاء الاستمتاع, فعليها أن تطاوعه وتطيعه في كل ما يرتبط بالاستمتاع والمباشرة عند الحضور, وأن تحفظه في الغيب, فلا تخونه عند غيبته بأن توطئ فراشه غيره, وأن تمتع لغيره من نفسها ما ليس لغير الزوج التمتع منها بذلك, ولا تخونه فيما وضعه تحت يدها من المال, وسلطها عليه في ظرف الازدواج والاشتراك في الحياة المنزلية.
فقوله: {فالصالحات قانتات}, أي ينبغي أن يتخذن لأنفسهن وصف الصلاح, وإذا كن صالحات فهن لا محاله قانتات, أي يجب أن يقنتن ويطعن أزواجهن إطاعة دائمة فيما أرادوا منهن مما له مساس بالتمتع, ويجب عليهن أن يحفظن جانبهم في جميع ما لهم من الحقوق إذا غابوا.
وأما قوله: {بما حفظ الله} فالظاهر أن ما مصدرية, والباء للآلة والمعنى: إنهن قانتات لأزواجهن حافظات للغيب بما حفظ الله لهم من الحقوق حيث شرع لهم القيمومة, وأوجب عليهن الإِطاعة وحفظ الغيب لهم.
ويمكن أن يكون الباء للمقابلة, والمعنى حينئذٍ: أنه يجب عليهن القنوت وحفظ الغيب في مقابلة ما حفظ الله من حقوقهن, حيث أحيا أمرهن في المجتمع البشري, وأوجب على الرجال لهن المهر والنفقة, والمعنى الأول أظهر.
وهناك معان ذكروها في تفسير الآية أضربنا عن ذكرها لكون السياق لا يساعد على شيء منها.
قوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن}، النشوز العصيان والاستكبار عن الطاعة, والمراد بخوف النشوز ظهور آياته وعلائمه, ولعلَّ التفريع على خوف النشوز دون نفسه لمراعاة حال العظة من بين العلاجات الثلاث المذكورة, فإن الوعظ كما أن له محلاً مع تحقق العصيان كذلك له محل مع بدو آثار العصيان وعلائمه.
والأمور الثلاثة أعني ما يدل عليه قوله: {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} وإن ذكرت معاً وعطف بعضها على بعض بالواو فهي أمور مترتبة تدريجية: فالموعظة, فإن لم تنجح فالهجرة, فإن لم تنفع فالضرب؛ ويدل على كون المراد بها التدرج فيها أنها بحسب الطبع وسائل للزجر مختلفة آخذة من الضعف إلى الشدة بحسب الترتيب المأخوذ في الكلام, فالترتيب مفهوم من السياق دون الواو.
وظاهر قوله: {واهجروهن في المضاجع}, أن تكون الهجرة مع حفظ المضاجعة كالاستدبار وترك الملاعبة ونحوها, وإن أمكن أن يراد بمثل الكلام ترك المضاجعة لكنه بعيد, وربما تأيد المعنى الأول بإتيان المضاجع بلفظ الجمع, فإن المعنى الثاني لا حاجة فيه إلى إفادة كثرة المضجع ظاهراً.
قوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} "الخ" أي لا تتخذوا عليهن علّة تعتلون بها في إيذائهن مع إطاعتهن لكم, ثم علل هذا النهي بقوله: {إن الله كان علياً كبيراً}, وهو إيذان لهم, أن مقام ربهم علي كبير, فلا يغرنهم ما يجدونه من القوة والشدة في أنفسهم, فيظلموهن بالاستعلاء والاستكبار عليهن.
قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا}، الشقاق البينونة والعداوة, وقد قرر الله سبحانه بعث الحكمين ليكون أبعد من الجور والتحكم, وقوله: {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} أي إن يرد الزوجان نوعاً من الإِصلاح من غير عناد ولجاج في الاختلاف, فإن سلب الاختيار من أنفسهما وإلقاء زمام الأمر إلى الحكمين المرضيين يوجب وفاق البين.
وأسند التوفيق إلى الله مع وجود السبب العادي الذي هو إرادتهما الإِصلاح, والمطاوعة لما حكم به الحكمان, لأنه تعالى هو السبب الحقيقي الذي يربط الأسباب بالمسببات, وهو المعطي لكل ذي حق حقه, ثم تمم الكلام بقوله: {إن الله كان عليماً خبيراً}, ومناسبته ظاهرة.
(كلام في معنى قيمومة الرجال على النساء)
تقوية القرآن الكريم لجانب العقل الإِنساني السليم, وترجيحه إيّاه على الهوى واتباع الشهوات, والخضوع لحكم العواطف والإِحساسات الحادة وحضه وترغيبه في اتباعه, وتوصيته في حفظ هذه الوديعة الإِلهية عن الضيعة مما لا ستر عليه, ولا حاجة إلى إيراد دليل كتابي يؤدي إليه, فقد تضمن القرآن آيات كثيرة متكثرة في الدلالة على ذلك تصريحاً وتلويحاً وبكل لسان وبيان.
ولم يهمل القرآن مع ذلك أمر العواطف الحسنة الطاهرة, ومهام آثارها الجميلة التي يتربى بها الفرد, ويقوم بها صلب المجتمع كقوله:
{ أشداء على الكفار رحماء بينهم } [الفتح: 29]، وقوله: { لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [الروم: 21]، وقوله: { قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]، لكنه عدلها بالموافقة لحكم العقل, فصار اتباع حكم هذه العواطف والميول اتباعا لحكم العقل.
وقد مرّ في بعض المباحث السابقة أن من حفظ الإِسلام لجانب العقل وبنائه أحكامه المشرعة على ذلك, أن جميع الأعمال والأحوال والأخلاق التي تبطل استقامة العقل في حكمه, وتوجب خبطه في قضائه وتقويمه لشؤون المجتمع كشرب الخمر, والقمار, وأقسام المعاملات الغررية, والكذب, والبهتان, والافتراء, والغيبة, كل ذلك محرمة في الدين.
والباحث المتأمل يحدس من هذا المقدار أن من الواجب أن يفوض زمام الأمور الكلية والجهات العامة الاجتماعية - التي ينبغي أن تدبرها قوة التعقل ويجتنب فيها من حكومة العواطف والميول النفسانية كجهات الحكومة والقضاء والحرب - إلى من يمتاز بمزيد العقل ويضعف فيه حكم العواطف, وهو قبيل الرجال دون النساء.
وهو كذلك؛ قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} والسُنّة النبوية التي هي ترجمان البيانات القرآنية بيّنت ذلك كذلك, وسيرته صلى الله عليه وآله وسلم جرت على ذلك أيام حياته, فلم يول امرأة على قوم ولا أعطى امرأة منصب القضاء ولا دعاهن إلى غزاة بمعنى دعوتهن إلى أن يقاتلن.
وأما غيرها من الجهات كجهات التعليم والتعلم والمكاسب والتمريض والعلاج وغيرها مما لا ينافي نجاح العمل فيها مداخلة العواطف فلم تمنعهن السُنّة ذلك, والسيرة النبوية تمضي كثيراً منها, والكتاب أيضاً لا يخلو من دلالة على إجازة ذلك في حقهن, فإن ذلك لازم ما أعطين من حرية الإِرادة والعمل في كثير من شؤون الحياة, إذ لا معنى لإِخراجهن من تحت ولاية الرجال, وجعل الملك لهن بحيالهن ثم النهي عن قيامهن بإصلاح ما ملكته إيديهن بأي نحو من الإِصلاح, وكذا لا معنى لجعل حق الدعوى أو الشهادة لهن, ثم المنع عن حضورهن عند الوالي أو القاضي وهكذا.
اللهم إلاَّ فيما يزاحم حق الزوج, فإن له عليها قيمومة الطاعة في الحضور, والحفظ في الغيبة, ولا يمضى لها من شؤونها الجائزة ما يزاحم ذلك.
(بحث روائي)
في المجمع في قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله} الآية, أي لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلان من النعمة والمرأة الحسنى كان لي فإن ذلك يكون حسداً, ولكن يجوز أن يقول: اللهم أعطني مثله, قال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
أقول: وروى العياشي في تفسيره عن الصادق عليه السلام مثله.
في تفسير البرهان عن ابن شهرآشوب عن الباقر والصادق عليهما السلام في قوله تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده}, وفي قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} أنهما نزلتا في علي عليه السلام.
أقول: والرواية من باب الجري والتطبيق.
وفي الكافي وتفسير القمي عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس من نفس إلاَّ وقد فرض الله لها رزقها حلالاً يأتيها في عافية, وعرض لها بالحرام من وجه آخر, فإن هي تناولت شيئاً من الحرام قاصها به من الحلال الذي فرض لها وعند الله سواهما فضل كثير, وهو قول الله عز وجل: {واسألوا الله من فضله}.
أقول: ورواه العياشي عن إسماعيل بن كثير رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وروى هذا المعنى أيضاً عن أبي الهذيل عن الصادق عليه السلام, وروى قريباً منه أيضاً القمي في تفسيره عن الحسين بن مسلم عن الباقر عليه السلام.
وقد تقدم كلام في حقيقة الرزق وفرضه وانقسامه إلى الرزق الحلال والحرام في ذيل قوله:
{ والله يرزق من يشاء بغير حساب } [البقرة: 212]، في الجزء الثاني فراجعه.
وفي صحيح الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل"
]. وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل, وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج"
]. وفي التهذيب بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون}, قال: عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث, ولم يعن أولياء النعمة فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجره إليها.
وفيه أيضاً بإسناده عن إبراهيم بن محرز قال: سأل أبا جعفر عليه السلام رجل وأنا عنده قال: فقال رجل لامرأته: أمرك بيدك, قال: أنى يكون هذا والله يقول: {الرجال قوامون على النساء}؟ ليس هذا بشيء.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تستعدي على زوجها أنه لطمها, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القصاص, فأنزل الله: {الرجال قوامون على النساء} الآية فرجعت بغير قصاص.
أقول: ورواه بطرق أُخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم, وفي بعضها: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أردت أمراً وأراد الله غيره" , ولعلَّ المورد كان من موارد النشوز, وإلاَّ فذيل الآية: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} ينفي ذلك.
وفي ظاهر الروايات إشكال آخر من حيث إن ظاهرها أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: القصاص بيان للحكم عن استفتاء من السائل لا قضاء فيما لم يحضر طرفا الدعوى, ولازمه أن يكون نزول الآية تخطئة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حكمه وتشريعه وهو ينافي عصمته, وليس بنسخ, فإنه رفع حكم قبل العمل به, والله سبحانه وإن تصرف في بعض أحكام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضعاً أو رفعاً لكن ذلك, إنما هو في حكمه ورأيه في موارد ولايته لا في حكمه فيما شرعه لأمته, فإن ذلك تخطئة باطلة.
وفي تفسير القمي: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {قانتات} يقول: مطيعات.
وفي المجمع في قوله تعالى: {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} الآية، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يحول ظهره إليها, وفي معنى الضرب عن أبي جعفر عليه السلام أنه الضرب بالسواك.
وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} قال: الحكمان يشترطان إن شاءا فرقا, وإن شاءا جمعا فإن فرقا فجائز, وإن جمعا فجائز.
أقول: وروي هذا المعنى وما يقرب منه بعدة طرق أُخر فيه وفي تفسير العياشي.
وفي تفسير العياشي عن ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة تزوجها رجل, وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوج عليها امرأة وهجرها أو أتى عليها سرية فإنها طالق, فقال: شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه, وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها وتسرى عليها وهجرها إن أبت سبيل ذلك؛ قال الله في كتابه: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} وقال: {أحل لكم مما ملكت أيمانكم} وقال: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً}.
وفي الدر المنثور: أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك, واعلم نفسي لك الفداء, أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلاَّ وهي على مثل رأيي.
إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك, وإنا معشر النساء محصورات مقسورات, قواعد بيوتكم, ومقضى شهواتكم, وحاملات أولادكم, وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات, وعيادة المرضى, وشهود الجنائز, والحج بعد الحج, وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله, وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم, وغزلنا لكم أثوابكم, وربينا لكم أموالكم, فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه بوجهه كله, ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا, فالتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها ثم قال لها:
"انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء: أن حسن تبعل إحداكن لزوجها, وطلبها مرضاته, واتباعها موافقته يعدل ذلك كله" , فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبّر استبشاراً.
أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة مروية في جوامع الحديث من طرق الشيعة وأهل السنة, ومن أجمل ما روي فيه ما رواه في الكافي عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام: "جهاد المرأة حسن التبعل", ومن أجمع الكلمات لهذا المعنى مع اشتماله على اسس ما بني عليه التشريع ما في نهج البلاغة, ورواه أيضاً في الكافي بإسناده عن عبد الله بن كثير عن الصادق عليه السلام عن علي عليه أفضل السلام, وبإسناده أيضاً عن الأصبغ بن نباتة عنه عليه السلام في رسالته إلى ابنه: أن المرأة ريحانة, وليست بقهرمانة.
وما روي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"إنما المرأة لعبة من اتخذها فلا يضيعها" وقد كان يتعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف تعانق المرأة بيد ضربت بها؛ ففي الكافي أيضاً بإسناده عن أبي مريم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيضرب أحدكم المرأة ثم يظل معانقها؟!" وأمثال هذه البيانات كثيرة في الأحاديث, ومن التأمل فيها يظهر رأي الإِسلام فيها.
ولنرجع إلى ما كنا فيه من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية فنقول: يظهر من التأمل فيه وفي نظائره الحاكية عن دخول النساء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وتكليمهن إيّاه فيما يرجع إلى شرائع الدين, ومختلف ما قرره الإِسلام في حقهن أنهن على احتجابهن واختصاصهن بالأمور المنزلية من شؤون الحياة غالباً لم يكن ممنوعات من المراودة إلى ولي الأمر, والسعي في حل ما ربما كان يشكل عليهن, وهذه حرية الاعتقاد التي باحثنا فيها في ضمن الكلام في المرابطة الإِسلامية في آخر سورة آل عمران.
ويستفاد منه ومن نظائره أيضاً أولاً: أن الطريقة المرضية في حياة المرأة في الإِسلام أن تشتغل بتدبير أمور المنزل الداخلية وتربية الأولاد, وهذه وإن كانت سنة مسنونة غير مفروضة, لكن الترغيب والتحريض الندبي - والظرف ظرف الدين, والجو جو التقوى وابتغاء مرضاة الله, وإيثار مثوبة الآخرة على عرض الدنيا والتربية على الأخلاق الصالحة للنساء كالعفة, والحياء, ومحبة الأولاد, والتعلق بالحياة المنزلية - كانت تحفظ هذه السنة.
وكان الاشتغال بهذه الشؤون والاعتكاف على إحياء العواطف الطاهرة المودعة في وجودهن يشغلهن عن الورود في مجامع الرجال, واختلاطهن بهم في حدود ما أباح الله لهن, ويشهد بذلك بقاء هذه السنة بين المسلمين على ساقها قروناً كثيرة بعد ذلك حتى نفذ فيهن الاسترسال الغربي المسمى بحرية النساء في المجتمع, فجرت إليهن وإليهم هلاك الأخلاق, وفساد الحياة وهم لا يشعرون, وسوف يعلمون, ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتح الله عليهم بركات من السماء, وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولكن كذبوا فأخذوا.
وثانياً: أن من السنة المفروضة في الإِسلام منع النساء من القيام بأمر الجهاد كالقضاء والولاية.
وثالثاً: أن الإِسلام لم يهمل أمر هذه الحرمانات كحرمان المرأة من فضيلة الجهاد في سبيل الله دون أن تداركها, وجبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا وفضائل فيها مفاخر حقيقية, كما أنه جعل حسن التبعل مثلاً جهاداً للمرأة, وهذه الصنائع والمكارم أوشك أن لا يكون لها عندنا - وظرفنا هذا الظرف الحيوي الفاسد - قدر لكن الظرف الإِسلامي الذي يقوّم الأمور بقيمها الحقيقية, ويتنافس فيه في الفضائل الإِنسانية المرضية عند الله سبحانه, وهو يقدرها حق قدرها, يقدر لسلوك كل إنسان مسلكه الذي ندب إليه, وللزومه الطريق الذي خط له من القيمة ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإِنسانية وتتوازن أعمالها, فلا فضل في الإِسلام للشهادة في معركة القتال والسماحة بدماء المهج - على ما فيه من الفضل - على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجية, وكذا لا فخار لوال يدير رحى المجتمع الحيوي, ولا لقاض يتكي على مسند القضاء, وهما منصبان ليس للمتقلد بهما في الدنيا لو عمل فيما عمل بالحق وجرى فيما جرى على الحق إلاَّ تحمل أثقال الولاية والقضاء, والتعرض لمهالك ومخاطر تهددهما حيناً بعد حين في حقوق من لا حامي له إلاَّ رب العالمين - وإن ربك لبالمرصاد - فأي فخر لهؤلاء على من منعه الدين الورود موردهما, وخط له خطاً وأشار إليه بلزومه وسلوكه.
فهذه المفاخر إنما يحييها ويقيم صلبها بإيثار الناس لها نوع المجتمع الذي يربي أجزاءه على ما يندب إليه من غير تناقض, واختلاف الشؤون الاجتماعية والأعمال الإِنسانية بحسب اختلاف المجتمعات في أجوائها مما لا يسع أحداً إنكاره.
هو ذا الجندي الذي يلقي بنفسه في أخطر المهالك, وهو الموت في منفجر القنابل المبيدة ابتغاء ما يراه كرامة ومزيداً, وهو زعمه أن سيذكر اسمه في فهرس من فدا بنفسه وطنه, ويفتخر بذلك على كل ذي فخر في عين ما يعتقد بأن الموت فوت وبطلان, وليس إلاَّ بغية وهمية, وكرامة خرافية, وكذلك ما تؤثره هذه الكواكب الظاهرة في سماء السينماءآت ويعظم قدرهن بذلك الناس تعظيماً, لا يكاد يناله رؤساء الحكومات السامية, وقد كان ما يعتورنه من الشغل وما يعطين من أنفسهن للملأ دهراً طويلاً في المجتمعات الإِنسانية أعظم ما يسقط به قدر النساء, وأشنع ما يعيرن به, فليس ذلك كله إلاَّ أن الظرف من ظروف الحياة يعين ما يعينه على أن يقع من سواد الناس موقع القبول ويعظم الحقير, ويهون الخطير, فليس من المستبعد أن يعظم الإِسلام أموراً نستحقرها ونحن في هذه الظروف المضطربة, أو يحقر أموراً نستعظمها ونتنافس فيها, فلم يكن الظرف في صدر الإِسلام إلاَّ ظرف التقوى وإيثار الآخرة على الأولى.