التفاسير

< >
عرض

وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
٣٦
ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
٣٧
وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً
٣٨
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً
٣٩
إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
٤٠
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً
٤١
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً
٤٢
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

{بيان}
آيات سبع فيها حث على الإِحسان والإِنفاق في سبيل الله ووعد جميل عليه, وذم على تركه إما بالبخل أو بالإِنفاق مراءاة للناس.
قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} هذا هو التوحيد غير أن المراد به التوحيد العملي, وهو إتيان الأعمال الحسنة - ومنها الإِحسان الذي هو مورد الكلام - طلباً لمرضاة الله وابتغاءً لثواب الآخرة دون اتباع الهوى والشرك به.
والدليل على ذلك أنه تعالى عقب هذا الكلام أعني قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً}, وعلله بقوله: {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً}, وذكر أنه البخيل بماله والمنفق لرئاء الناس, فهم الذين يشركون بالله ولا يعبدونه وحده, ثم قال: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا}, وظهر بذلك أن شركهم عدم إيمانهم باليوم الآخر, وقال تعالى:
{ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } [ص: 26]، فبين أن الضلال باتباع الهوى - وكل شرك ضلال - إنما هو بنسيان يوم الحساب, ثم قال: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } [الجاثية: 23]، فبين أن اتباع الهوى عبادة له وشرك به.
فتبيّن بذلك كله أن التوحيد العملي أن يعمل الإِنسان ابتغاء مثوبة الله وهو على ذكر من يوم الحساب الذي فيه ظهور المثوبات والعقوبات, وأن الشرك في العمل أن ينسى اليوم الآخر - ولو آمن به لم ينسه - وأن يعمل عمله لا لطلب مثوبة بل لما يزينه له هواه من التعلق بالمال أو حمد الناس ونحو ذلك, فقد أشخص هذا الإِنسان هواه تجاه ربه, وأشرك به.
فالمراد بعبادة الله والإِخلاص له فيها أن يكون طلباً لمرضاته, وابتغاء لمثوبته لا لاتباع الهوى.
قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} إلى قوله: {أيمانكم} الظاهر أن قوله: إحساناً مفعول مطلق لفعل مقدر, تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحساناً, والإِحسان يتعدى بالباء وإلى معاً يقال: أحسنت به وأحسنت إليه, وقوله: {وبذي القربى}, هو وما بعده معطوف على الوالدين, وذو القربى القرابة, وقوله: {والجار ذي القربى والجار الجنب}, قرينة المقابلة في الوصف تعطي أن يكون المراد بالجار ذي القربى الجار القريب داراً, وبالجار الجنب - وهو الأجنبي - الجار البعيد داراً, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"تحديد الجوار بأربعين ذراعاً" , وفي رواية: أربعون داراً, ولعلَّ الروايتين ناظرتان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب.
وقوله: {والصاحب بالجنب}, هو الذي يصاحبك ملازماً لجنبك, وهو بمفهومه يعم مصاحب السفر من رفقة الطريق ومصاحب الحضر والمنزل وغيرهم, وقوله: {وابن السبيل}, هو الذي لا يعرف من حاله إلاَّ أنه سالك سبيل كأنه ليس له من ينتسب إليه إلاَّ السبيل فهو ابنه, وأما كونه فقيراً ذا مسكنة عادماً لزاد أو راحلة فكأنه خارج من مفهوم اللفظ, وقوله: {وما ملكت أيمانكم}, المراد به العبيد والإِماء بقرينة عده في عداد من يحسن إليهم, وقد كثر التعبير عنهم بما ملكته الأيمان دون من ملكته.
قوله تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} المختال التائه المتبختر المسخر لخياله, ومنه الخيل للفرس لأنه يتبختر في مشيته, والفخور كثير الفخر, والوصفان أعني الاختيال وكثرة الفخر من لوازم التعلق بالمال والجاه, والإِفراط في حبهما, ولذلك لم يكن الله ليحب المختال الفخور لتعلق قلبه بغيره تعالى, وما ذكره تعالى في تفسيره بقوله: {الذين يبخلون} الخ. وقوله: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} الخ. يبين كون الطائفتين معروضتين للخيلاء والفخر: فالطائفة الأولى متعلقة القلب بالمال, والثانية بالجاه, وإن كان بين الجاه والمال تلازم في الجملة.
وكان من طبع الكلام أن يشتغل بذكر أعمالهما من البخل والكتمان وغيرهما, لكن بدأ بالوصفين ليدل على السبب في عدم الحب كما لا يخفى.
قوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} الآية، أمرهم الناس بالبخل إنما هو بسيرتهم الفاسدة وعملهم به سواء أمروا به لفظاً أو سكتوا, فإن هذه الطائفة لكونهم أولي ثروة ومال يتقرب إليهم الناس ويخضعون لهم لما في طباع الناس من الطمع ففعلهم آمر وزاجر كقولهم, وأما كتمانهم ما آتاهم الله من فضله, فهو تظاهرهم بظاهر الفاقد المعدم للمال لتأذيهم من سؤال الناس ما في أيديهم, وخوفهم على أنفسهم لو منعوا وخشيتهم من توجه النفوس إلى أموالهم, والمراد بالكافرون الساترون لنعمة الله التي أنعم بها, ومنه الكافر المعروف لستره على الحق بإنكاره.
قوله تعالى: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} الخ. أي لمراءآتهم, وفي الآية دلالة على أن الرئاء في الإِنفاق - أو هو مطلقاً - شرك بالله كاشف عن عدم الإيمان به لاعتماد المرائي على نفوس الناس واستحسانهم فعله, وشرك من جهة العمل لأن المرائي لا يريد بعمله ثواب الآخرة, وإنما يريد ما يرجوه من نتائج إنفاقه في الدنيا, وعلى أن المرائي قرين الشيطان وساء قريناً.
قوله تعالى: {وماذا عليهم لو آمنوا} الآية، استفهام للتأسف أو التعجب, وفي الآية دلالة على أن الاستنكاف عن الإِنفاق في سبيل الله ناشئ من فقدان التلبس بالإِيمان بالله وباليوم الآخر حقيقة وإن تلبس به ظاهراً.
وقوله: {وكان الله بهم عليماً} تمهيد لما في الآية التالية من البيان, والأمس لهذه الجملة بحسب المعنى أن تكون حالاً.
قوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} الآية، المثقال هو الزنة, والذرة هو الصغير من النمل الأحمر, أو هو الواحد من الهباء المبثوث في الهواء الذي لا يكاد يرى صغراً. وقوله: {مثقال ذرة} نائب مناب المفعول المطلق, أي لا يظلم ظلماً يعدل مثقال ذرة وزناً.
وقوله: {وإن تك حسنة}، قرئ برفع حسنة وبنصبها, فعلى تقدير الرفع كان تامة, وعلى تقدير النصب تقديره: وإن تكن المثقال المذكور حسنة يضاعفها, وتأنيث الضمير في قوله: إن تك إما من جهة تأنيث الخبر أو لكسب المثقال التأنيث بالإِضافة إلى ذرة.
والسياق يفيد أن تكون الآية بمنزلة التعليل للاستفهام السابق, والتقدير: ومن الأسف عليهم ان لم يؤمنوا ولم ينفقوا فإنهم لو آمنوا وأنفقوا والله عليم بهم لم يكن الله ليظلمهم في مثقال ذرة أنفقوها بالإِهمال وترك الجزاء, وإن تك حسنة يضاعفها, والله أعلم.
قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} الآية. قد تقدم بعض الكلام في معنى الشهادة على الأعمال في تفسير قوله تعالى:
{ لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143]، من الجزء الأول من هذا الكتاب, وسيجيء بعض آخر في محله المناسب له.
قوله تعالى: {يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول} الآية. نسبة المعصية إلى الرسول يشهد أن المراد بها معصية أوامره صلى الله عليه وآله وسلم الصادرة عن مقام ولايته لا معصية الله تعالى في أحكام الشريعة.
وقوله: {لو تسوى بهم الأرض}, كناية عن الموت بمعنى بطلان الوجود نظير قوله تعالى:
{ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً } [النبأ: 40]. وقوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} ظاهر السياق أنه معطوف على موضع قوله: {يود الذين كفروا} وفائدته الدلالة بوجه على ما يعلل به تمنيهم الموت, وهو أنهم بارزون يومئذٍ لله, لا يخفى عليه منهم شيء لظهور حالهم عليه تعالى بحضور أعمالهم, وشهادة أعضائهم وشهادة الأنبياء والملائكة وغيرهم عليهم, والله من ورائهم محيط فيودون عند ذلك أن لو لم يكونوا وليس لهم أن يكتموه تعالى حديثاً مع ما يشاهدون من ظهور مساوي أعمالهم وقبائح أفعالهم.
وأما قوله تعالى:
{ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم } [المجادلة: 18]، فسيجيء إن شاء الله تعالى أن ذلك إنما هو لإِيجاب ملكة الكذب التي حصلوها في الدنيا, لا للإِخفاء وكتمان الحديث يوم لا يخفى على الله منهم شيء.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي في قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} الآية عن سلام الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام وأبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي علي عليه السلام.
ثم قال: وروي مثل ذلك في حديث ابن جبلة. قال: قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا وعلى أبوا هذه الأمة.
أقول: وقال البحراني في تفسير البرهان بعد نقل الحديث: قلت: وروى ذلك صاحب الفائق.
وروى العياشي هذا المعنى عن أبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام, ورواه ابن شهراشوب عن أبان عن أبي جعفر عليه السلام. والذي تعرَّض له الخبر هو من بطن القرآن بالمعنى الذي بحثنا عنه في مبحث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من هذا الكتاب, إذ الأب أو الوالد هو المبدأ الإِنساني لوجود الإِنسان والمربي له, فمعلم الإِنسان ومربيه للكمال أبوه, فمثل النبي والولي عليهما أفضل الصلاة أحق أن يكون أباً للمؤمن المهتدي به, المقتبس من أنوار علومه ومعارفه من الأب الجسماني الذي لا شأن له إلاَّ المبدئية والتربية في الجسم, فالنبي والولي أبوان, والآيات القرآنية التي توصي الأولاد بوالديه تشملهما بحسب الباطن وإن كانت بحسب ظاهرها لا تعدو الأبوين الجسمانيين.
وفي تفسير العياشي أيضاً عن أبي صالح عن أبي العباس في قول الله: {والجار ذي القربى والجار الجنب} قال: الذي ليس بينك وبينه قرابة, {والصاحب بالجنب} قال: الصاحب في السفر.
أقول: قوله: الذي ليس بينك, تفسير الجار ذي القربى والجنب معاً, وإن أمكن رجوعه إلى الجار الجنب فقط, وقوله: {الصاحب في السفر} لعلَّه من قبيل ذكر بعض المصاديق.
وفيه عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم على الأفواه فلا تكلم, وتكلمت الأيدي, وشهدت الأرجل, وأنطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثاً.
واعلم, أن الأخبار كثيرة من طرق أهل السنة في أن الآيات نازلة في حق اليهود, وهي وإن كان يؤيدها ما ينتهي إليه ذيل الآيات من التعرض لحال أهل الكتاب من اليهود في بخلهم وولعهم بجمع المال وإدخاره وكذا وسوستهم للمؤمنين وترغيبهم على الكف عن الإِنفاق في سبيل الله وتفتينهم إيّاهم وإخزائهم لهم, وإفساد الأمر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكن الأخبار المذكورة مع ذلك أشبه بالتطبيق النظري منها بنقل السبب في النزول, كما هو الغالب في الأخبار الناقلة لأسباب النزول, ولذلك تركنا نقلها على كثرتها.
واعلم أيضاً أن الأخبار الواردة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم في إحسان الوالدين وذي القربى واليتامى وغيرهم من الطوائف المذكورة في الآية فوق حد الإِحصاء على معروفيتها وشهرتها, وهو الموجب للإِغماض عن إيرادها ها هُنا, على أن لكل منها وحده مواقع خاصة في القرآن, ذكر ما يخصها من الأخبار هناك أنسب.