التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ
٤٤
وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً
٤٥
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
٤٦
يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً
٤٧
إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً
٤٨
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٤٩
ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً
٥٠
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً
٥١
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
٥٢
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً
٥٣
أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً
٥٤
فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
٥٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً
٥٦
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً
٥٧
إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً
٥٨
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
آيات متعرضة لحال أهل الكتاب, وتفصيل لمظالمهم وخياناتهم في دين الله, وأوضح ما تنطبق على اليهود, وهي ذات سياق واحد متصل, والآية الأخيرة: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} الآية, وإن ذكر بعضهم أنها مكية, واستثناها في آيتين من سورة النساء المدنية, وهي هذه الآية, وقوله تعالى:
{ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } [النساء: 176] الآية، على ما في المجمع, لكن الآية ظاهرة الارتباط بما قبلها من الآيات, وكذا آية الاستفتاء فإنها في الإِرث, وقد شرِّع في المدينة.
قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} الآية، قد تقدَّم في الكلام على الآيات (36 - 42) أنها مرتبطة بعض الارتباط بهذه الآيات, وقد سمعت القول في نزول تلك الآيات في حق اليهود.
وبالجملة يلوح من هذه الآيات أن اليهود كانوا يلقون إلى المؤمنين المودة ويظهرون لهم النصح فيفتنونهم بذلك, ويأمرونهم بالبخل والإِمساك عن الإِنفاق ليمنعوا بذلك سعيهم عن النجاح, وجدهم في التقدم والتعالي, وهذا لازم كون تلك الآيات نازلة في حق اليهود أو في حق من كان يسار اليهود ويصادقهم ثم تنحرف عن الحق بتحريفهم, ويميل إلى حيث يميلونه فيبخل ثم يأمر بالبخل.
وهذا هو الذي يستفاد من قوله: {ويريدون أن تضلوا السَّبيل والله أعلم بأعدائكم}, إلى آخر الآية.
فمعنى الآيتين - والله أعلم - أن ما نبينه لكم تصديق ما بيّناه لكم من حال الممسك عن الإِنفاق في سبيل الله بالاختيال, والفخر, والبخل, والرئاء, أنك ترى اليهود الذين أوتوا نصيباً من الكتاب - أي حظاً منه لا جميعه - كما يدعون لأنفسهم, يشترون الضلالة ويختارونه على الهدى, ويريدون أن تضلوا السبيل, فإنهم وإن لقوكم ببشر الوجه, وظهروا لكم في زي الصلاح, واتصلوا بكم اتصال الأولياء الناصرين, فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم, واستصوبته قلوبكم لكنهم ما يريدون إلاَّ ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة, والله أعلم منكم بأعدائكم, وهم أعداؤكم فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم, فإياكم أن تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة وإلقاءاتهم المزخرفة وأنتم تقدرون أنهم أولياءكم وأنصاركم, فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة, ونصرتهم المرجوة وكفى بالله ولياً, وكفى بالله نصيراً؛ فأي حاجة مع ولايته ونصرته إلى ولايتهم ونصرتهم.
قوله تعالى: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} إلى قوله: {في الدين} "من" في قوله: {من الذين}, بيانية, وهو بيان لقوله في الآية السابقة: {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}, أو لقوله: {بأعدائكم}, وربما قيل: إن قوله: {من الذين هادوا}, خبر لمبتدأ محذوف وهو الموصوف المحذوف لقوله: {يحرفون الكلم}, والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون, أو من الذين هادوا من يحرفون؛ قالوا: وحذف الموصوف شائع كقول ذي الرمة:

فظلــوا ومنهــم دمعــه سابق له وآخر يشني دمعه العين بالمهل

يريد: ومنهم قوم دمعه, أو ومنهم من دمعه.
وقد وصف الله تعالى هذه الطائفة بتحريف الكلم عن مواضعه, وذلك إما بتغيير مواضع الألفاظ بالتقديم والتأخير والإِسقاط والزيادة كما ينسب إلى التوراة الموجودة, وإما بتفسير ما ورد عن موسى عليه السلام في التوراة وعن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من المعنى الحق, كما أولوا ما ورد في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بشارات التوراة, ومن قبل أولوا ما ورد في المسيح عليه السلام من البشارة, وقالوا: إن الموعود لم يجئ بعد, وهم ينتظرون قدومه إلى اليوم.
ومن الممكن أن يكون المراد بتحريف الكلم عن مواضعه ما سيذكره تعالى بقوله: {ويقولون سمعنا وعصينا} فتكون هذه الجمل معطوفة على قوله: {يحرفون}, ويكون المراد حينئذٍ من تحريف الكلم عن مواضعه استعمال القول بوضعه في غير المحل الذي ينبغي أن يوضع فيه, فقول القائل: سمعنا من حقه أن يوضع في موضع الطاعة فيقال: سمعنا وأطعنا لا أن يقال: {سمعنا وعصينا}, أو يوضع: سمعنا موضع التهكم والاستهزاء, وكذا قول القائل: اسمع ينبغي أن يقال فيه: اسمع أسمعك الله لا أن يقال: اسمع غير مسمع أي لا أسمعك الله وراعنا, وهو يفيد في لغة اليهود معنى اسمع غير مسمع.
وقوله: {لياً بألسنتهم وطعناً في الدين} أصل اللي الفتل أي يميلون بألسنتهم ويظهرون الباطل من كلامهم في صورة الحق, والإِزراء والإِهانة في صور التأدب والاحترام, فإن المؤمنين كانوا يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ما كانوا يكلمونه بقولهم: راعنا يا رسول الله, ومعناه: انظرنا واسمع منا حتى نوفي غرضنا من كلامنا, فاغتنمت اليهود ذلك فكانوا يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم: راعنا وهم يريدون به ما عندهم من المعنى المستهجن غير الحري بمقامه صلى الله عليه وآله وسلم فذموا به في هذه الآية, وهو قوله تعالى: {ويحرفون الكلم عن مواضعه} ثم فسره بقوله: {ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع} ثم عطف عليه كعطف التفسير قوله: {وراعنا} ثم ذكر أن هذا الفعال المذموم منهم لي بالألسن, وطعن في الدين فقال: {لياً بألسنتهم وطعناً في الدين} والمصدران في موضع الحال والتقدير: لاوين بألسنتهم, وطاعنين في الدين.
قوله تعالى: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيراً لهم وأقوم} كون هذا القول منهم وهو مشتمل على أدب الدين, والخضوع للحق خيراً وأقوم مما قالوه (مع اشتماله على اللي والطعن المذمومين ولا خير فيه ولا قوام) مبني على مقايسة الأثر الحق الذي في هذا الكلام الحق على ما يظنونه من الأثر في كلامهم وإن لم يكن له ذلك بحسب الحقيقة, فالمقايسة بين الأثر الحق وبين الأثر المظنون حقاً, والمعنى: أنهم لو قالوا: سمعنا وأطعنا, لكان فيه من الخير والقوام أكثر مما يقدرون في أنفسهم لهذا اللي والطعن, فالكلام يجري مجرى قوله تعالى:
{ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } [الجمعة: 11]. قوله تعالى: {ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً} تأييس للسامعين من أن تقول اليهود سمعنا وأطعنا, فإنه كلمة إيمان وهؤلاء ملعونون لا يوفقون للإِيمان, ولذلك قيل: لو أنهم قالوا, الدال على التمني المشعر بالاستحالة.
والظاهر أن الباء في قوله: {بكفرهم} للسببية دون الآية, فإن الكفر يمكن أن يزاح بالإِيمان, فهو لا يوجب بما هو كفر لعنة تمنع عن الإِيمان منعاً قاطعاً, لكنهم لما كفروا (وسيشرح الله تعالى في آخر السورة حال كفرهم) لعنهم الله بسبب ذلك لعناً ألزم الكفر عليهم إلزاماً لا يؤمنون بذلك إلاَّ قليلاً, فافهم ذلك.
وأما قوله: {فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً}، فقد قيل إن {قليلاً} حال, والتقدير: إلاَّ وهم قليل - أي لا يؤمنون إلاَّ في حال هم قليل, وربما قيل: ان {قليلاً} صفة لموصوف محذوف, والتقدير: فلا يؤمنون إلاَّ إيماناً قليلاً, وهذا الوجه كسابقه لا بأس به, لكن يجب أن يزاد فيه, أن اتصاف الإِيمان بالقلة إنما هو من قبيل الوصف بحال المتعلق أي إيماناً المؤمن به قليل.
وأما ما ذكره بعض المفسرين, أن المراد به قليل الإِيمان في مقابل كامله, وذكر أن المعنى: فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً من الإِيمان لا يعتد به إذ لا يصلح عمل صاحبه, ولا يزكي نفسه, ولا يرقي عقله فقد أخطأ, فإن الإِيمان إنما يتصف بالمستقر والمستودع, والكامل والناقص في درجات ومراتب مختلفة, وأما القلة وتقابلها الكثرة فلا يتصف بهما, وخاصة في مثل القرآن الذي هو أبلغ الكلام.
على أن المراد بالإِيمان المذكور في الآية, إما حقيقة الإِيمان القلبي في مقابل النفاق, أو صورة الإِيمان التي ربما يطلق عليها الإِسلام, واعتباره على أي معنى من معانيه, والاعتناء به في الإِسلام مما لا ريب فيه, والآيات القرآنية ناصة فيه, قال تعالى:
{ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } } [النساء: 94]، مع أن الذي يستثني الله تعالى منه قوله: {ولكن لعنهم الله بكفرهم} كان يكفي فيه أقل درجات الإِيمان أو الإِسلام الظاهري بحفظهم الظاهر بقولهم: {سمعنا وأطعنا} كسائر المسلمين.
والذي أوقعه في هذا الخطأ ما توهمه أن لعنه تعالى إياهم بكفرهم لا يجوز أن يتخلف عن التأثير بإيمان بعضهم, فقدر أن القلة وصف الإِيمان, وهي ما لا يعتد به من الإِيمان حتى يستقيم قوله: {لعنهم الله بكفرهم} وقد غفل عن أن هذه الخطابات وما تشتمل عليه من صفات الذم والمؤاخذات والتوبيخات, كل ذلك متوجهة إلى المجتمعات من حيث الاجتماع, فالذي لحقه اللعن والغضب والمؤاخذات العامة الأخرى, إنما هو المجتمع اليهودي من حيث إنه مجتمع مكون, فلا يؤمنون ولا يسعدون ولا يفلحون, وهو كذلك إلى هذا اليوم وهم على ذلك إلى يوم القيامة.
وأما الاستثناء فإنما هو بالنسبة إلى الأفراد, وخروج بعض الأفراد من الحكم المحتوم على المجتمع ليس نقضاً لذلك الحكم, والمحوج إلى هذا الاستثناء أن الأفراد بوجه هم المجتمع فقوله: {فلا يؤمنون} حيث نفي فيه الإِيمان عن الأفراد - وإن كان ذلك نفياً عنهم من حيث جهة الاجتماع - وكان يمكن فيه أن يتوهم أن الحكم شامل لكل واحد واحد منهم بحيث لا يتخلص منه أحد استثنى, فقيل: {إلاَّ قليلاً} فالآية تجري مجرى قوله تعالى:
{ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليل منهم } [النساء: 66]. قوله تعالى: {يا أيُّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} الخ. الطمس محو أثر الشيء, والوجه ما يستقبلك من الشيء ويظهر منه, وهو من الإِنسان الجانب المقدم الظاهر من الرأس وما يستقبلك منه, ويستعمل في الأمور المعنوية كما يستعمل في الأمور الحسية, والأدبار جمع دبر بضمتين وهو القفا, والمراد بأصحاب السبت قوم من اليهود كانوا يعدون في السبت فلعنهم الله ومسخهم, قال تعالى: { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } [الأعراف: 163]، وقال تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها } [البقرة: 65]. وقد كانت الآيات السابقة - كما عرفت - متعرضة لحال اليهود أو لحال طائفة من اليهود, وانجر القول إلى أنهم بإزاء ما خانوا الله ورسوله, وأفسدوا صالح دينهم ابتلوا بلعنة من الله لحق جمعهم, وسلبهم التوفيق للإِيمان إلاَّ قليلاً, فعم الخطاب لجميع أهل الكتاب - على ما يفيده قوله: {يا أيُّها الذين أوتوا الكتاب} - ودعاهم إلى الإِيمان بالكتاب الذي نزله مصدقاً لما معهم, وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من غير عذر من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعاً لا ريب فيه.
وذلك ما ذكره بقوله: {من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها}، فطمس الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدها الحيوية مما فيه سعادة الإِنسان المترقبة والمرجوة, لكن لا المحو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها وبطلان آثارها, بل محواً يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها, فهي تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر عليها, لكن لما كانت منصوبة إلى الأقفية ومردودة على الأدبار لا تقصد إلاَّ ما خلفته وراءها, ولا تمشي إليه إلاَّ القهقرى.
وهذا الإِنسان - وهو بالطبع والفطرة متوجه نحو ما يراه خيراً وسعادة لنفسه - كلما توجه إلى ما يراه خيراً لنفسه, وصلاحاً لدينه أو لدنياه لم ينل إلاَّ شراً وفساداً, وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر, وليس يفلح أبداً.
وأما لعنهم كلعن أصحاب السبت, فظاهره المسخ على ما تقدم من آيات أصحاب السبت التي تخبر عن مسخهم قردة.
وعلى هذا فلفظة "أو" في قوله: أو نلعنهم, على ظاهرها من إفادة الترديد, والفرق بين الوعيدين أن الأول أعني الطمس يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم من غير تغيير الخلقة إلاَّ في بعض كيفياتها, والثاني أعني اللعن كلعن أصحاب السبت يوجب تغيير المقصد بتغيير الخلقة الإِنسانية إلى خلقة حيوانية كالقردة.
فهؤلاء إن تمردوا عن الامتثال - وسوف يتمردون على ما تفيده خاتمة الآية - كان لهم إحدى سخطتين: إما طمس الوجوه, وإما اللعن كلعن أصحاب السبت, لكن الآية تدل على أن هذه السخطة لا تعمهم جميعهم حيث قال: {وجوهاً} فأتى بالجمع المنكر, ولو كان المراد هو الجميع لم ينكر, ولتنكير الوجوه وعدم تعيينه نكتة أخرى هي أن المقام لما كان مقام الإِيعاد والتهديد, وهو إيعاد للجماعه بشر لا يحلق إلاَّ ببعضهم, كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإِلهي أوقع في الإِنذار والتخويف, لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد واحد من القوم, فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب البئيس, وهذه الصناعة شائعة في اللسان في مقام التهديد والتخويف.
وفي قوله تعالى: {أو نلعنهم}، حيث أرجع فيه ضمير "هم" الموضوع لأولي العقل إلى قوله: {وجوهاً} كما هو الظاهر تلويحاً أو تصريحاً, بأن المراد بالوجوه الأشخاص من حيث استقبالهم مقاصدهم, وبذلك يضعف احتمال أن يكون المراد بطمس الوجوه وردها على أدبارها تحويل وجوه الأبدان إلى الأقفية, كما قال به بعضهم, ويقوى بذلك احتمال أن المراد من تحويل الوجوه إلى الأدبار تحويل النفوس من حال استقامة الفكر, وإدراك الواقعيات على واقعيتها إلى حال الاعوجاج والانحطاط الفكري بحيث لا يشاهد حقاً إلاَّ أعرض عنه واشمأز منه, ولا باطلاً إلاَّ مال إليه وتولع به.
وهذا نوع من التصرف الإِلهي مقتاً ونقمة نظير ما يدل عليه قوله تعالى:
{ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } [الأنعام: 110]. فتبيّن ممّا مرّ أن المراد بطمس الوجوه في الآية نوع تصرف إلهي في النفوس يوجب تغيير طباعها من مطاوعة الحق وتجنب الباطل إلى اتباع الباطل والاحتراز عن الحق في باب الإِيمان بالله وآياته كما يؤيده صدر الآية: {آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس} الخ. وكذا تبيّن أنّ المراد باللعن المذكور فيها المسخ.
وربما قيل: إن المراد بالطمس تحويل وجوه قوم إلى أقفيتهم ويكون ذلك في آخر الزمان أو يوم القيامة, وفيه: أن قوله: {أو نلعنهم} ينافي ذلك كما تقدم بيانه.
وربما قيل: إن المراد بالطمس الخذلان الدنيوي, فلا يزالون على ذلة ونكبة لا يقصدون غاية ذات سعادة إلاَّ بدلها الله عليهم سراباً لا خير فيه, وفيه: أنه وإن كان لا يبعد كل البعد لكن صدر الآية - كما تقدم - ينافيه.
وربما قيل: إن المراد به إجلاؤهم وردهم ثانياً إلى حيث خرجوا منه, وقد أُخرجوا من الحجاز إلى أرض الشام وفلسطين, وقد جاؤوا منهما, وفيه أن صدر الآية بسياقه يؤيد غير ذلك كما عرفته.
نعم من الممكن أن يقال: إن المراد به تقليب أفئدتهم, وطمس وجوه باطنهم من الحق إلى نحو الباطل, فلا يفلحون بالإِيمان بالله وآياته, ثم إن الدين الحق لما كان هو الصراط الذي لا ينجح إنسان في سعادة حياته الدنيا إلاَّ بركوبه والاستواء عليه, وليس للناكب عنه إلاَّ الوقوع في كانون الفساد, والسقوط في مهابط الهلاك, قال تعالى:
{ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا } [الروم: 41]، وقال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم } [الأعراف: 96]، ولازم هذه الحقيقة أن طمس الوجوه عن المعارف الحقة الدينية طمس لها عن حقائق سعادة الحياة الدنيا بجميع أقسامها, فالمحروم من سعادة الدين محروم من سعادة الدنيا من استقرار الحال وتمهد الأمن وسؤدد الاستقلال والملك, وكل ما يطيب به العيش, ويدر به ضرع العمل, اللهم إلاَّ على قدر ما تسرب المواد الدينية في مجتمعهم, وعلى هذا فلا بأس بالجمع بين الوجوه المذكورة جلها أو كلها.
قوله تعالى: {وكان أمر الله مفعولاً} إشارة إلى أن الأمر لا محالة واقع, وقد وقع على ما ذكره الله في كتابه من لعنهم وإنزال السخط عليهم, وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة, وغير ذلك في آيات كثيرة.
قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل للحكم المذكور في الآية السابقة أعني قوله: {آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس} الخ. فيعود المعنى إلى مثل قولنا: فإنكم إن لم تؤمنوا به كنتم بذلك مشركين, والله لا يغفر أن يشرك به فيحل عليكم غضبه وعقوبته فيطمس وجوهكم بردها على أدبارها أو يلعنكم, فنتيجة عدم المغفرة هذه ترتب آثار الشرك الدنيوية من طمس أو لعن عليه.
وهذا هو الفرق بين مضمون هذه الآية, وقوله تعالى:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً } [النساء: 116]، فإن هذه الآية (آية 48), تهدد بآثار الشرك الدنيوية, وتلك (آية 116), تهدد بآثاره الأُخروية, وذلك بحسب الانطباق على المورد, وإن كانتا بحسب الإِطلاق كلتاهما شاملتين لجميع الآثار.
ومغفرته سبحانه وعدم مغفرته لا يقع شيء منهما وقوعاً جزافياً, بل على وفق الحكمة, وهو العزيز الحكيم؛ فأما عدم مغفرته للشرك, فإن الخلقة إنما تثبت على ما فيها من الرحمة على أساس العبودية والربوبية, قال تعالى:
{ وما خلقت الجن والإِنس إلاَّ ليعبدون } [الذاريات: 56]، ولا عبودية مع شرك؛ وأما مغفرته لسائر المعاصي والذنوب التي دون الشرك, فبشفاعة من جعل له الشفاعة من الأنبياء والأولياء والملائكة والأعمال الصالحة على ما مرَّ تفصيله في بحث الشفاعة في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وأما التوبة: فالآية غير متعرضة لشأنها من حيث خصوص مورد الآية, لأن موردها عدم الإِيمان ولا توبة معه, على أن التوبة يغفر معها جميع الذنوب حتى الشرك, قال تعالى:
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرَّحيم وأنيبوا إلى ربكم } [الزمر: 53 - 53]. والمراد بالشرك في الآية ما يعم الكفر لا محالة, فإن الكافر أيضاً لا يغفر له البتة وإن لم يصدق عليه المشرك بعنوان التسمية, بناء على أن أهل الكتاب لا يسمون في القرآن مشركين وإن كان كفرهم بالقرآن وبما جاء به النبي شركاً منهم أشركوا به (راجع تفسير آية 221 من البقرة), وإذا لم يؤمن أهل الكتاب بما نزل الله مصدقاً لما معهم فقد كفروا به, وأشركوا ما في أيديهم بالله سبحانه, فإنه شيء لا يريده الله على الصفة التي أخذوه بها, فالمؤمن بموسى عليه السلام إذا كفر بالمسيح عليه السلام فقد كفر بالله وأشرك به موسى؛ ولعلَّ ما ذكرناه هو النكتة لقوله تعالى: {أن يشرك به}, دون أن يقول: المشرك أو المشركين.
وقوله تعالى: {لمن يشاء} تقييد للكلام لدفع توهم أن لأحد من الناس تأثيراً فيه تعالى يوجب به عليه المغفرة فيحكم عليه تعالى حاكم أو يقهره قاهر, وتعليق الأمور الثابتة في القرآن على المشيئة كثير والوجه في كلها أو جلها دفع ما ذكرناه من التوهم كقوله تعالى:
{ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } [هود: 108]. على أن من الحكمة أن لا يغفر لكل مذنب ذنبه وإلاَّ لغى الأمر والنهي, وبطل التشريع, وفسد أمر التربية الإِلهية, وإليه الإِشارة بقوله: {لمن يشاء}, ومن هنا يظهر أن كل واحد من المعاصي لا بد أن لا يغفر بعض أفراده وإلاَّ لغى النهي عنه, وهذا لا ينافي عموم لسان آيات أسباب المغفرة, فإن الكلام في الوقوع دون الوعد على وجه الإِطلاق, ومن المعاصي ما يصدر عمّن لا يغفر له بشرك ونحوه.
فمعنى الآية أنه تعالى لا يغفر الشرك من كافر ولا مشرك, ويغفر سائر الذنوب دون الشرك بشفاعة شافع من عباده أو عمل صالح, وليس هو تعالى مقهوراً أن يغفر كل ذنب من هذه الذنوب لكل مذنب, بل له أن يغفر وله أن لا يغفر؛ كل ذلك لحكمة.
قوله تعالى: {أَلم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} قال الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى - إلى أن قال -: وتزكية الإِنسان نفسه ضربان: أحدهما: بالفعل وهو محمود, وإليه قصد بقوله: قد أفلح من تزكى, والثاني بالقول كتزكيته لعدل غيره, وذلك مذموم أن يفعل الإِنسان بنفسه, وقد نهى الله تعالى عنه فقال: لا تزكوا أنفسكم, ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإِنسان نفسه عقلاً وشرعاً, ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً؟ فقال: مدح الرجل نفسه, انتهى كلامه.
ولما كانت الآية في ضمن الآيات المسرودة للتعرض لحال أهل الكتاب, كان الظاهر أن هؤلاء المزكين لأنفسهم هم أهل الكتاب أو بعضهم, ولم يوصفوا بأهل الكتاب لأن العلماء بالله وآياته لا ينبغي لهم أن يتلبسوا بأمثال هذه الرذائل, فالإِصرار عليها انسلاخ عن الكتاب وعلمه.
ويؤيده ما حكاه الله تعالى عن اليهود من قولهم:
{ نحن أبناء الله وأحباؤه } [المائدة: 18]، وقولهم: { لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودة } [البقرة: 80] وزعمهم الولاية كما في قوله تعالى: { قل يا أيُّها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس } [الجمعة، 6]، فالآية تكني عن اليهود, وفيها استشهاد لما تقدم ذكره في الآيات السابقة من استكبارهم عن الخضوع للحق واتباعه, والإِيمان بآيات الله سبحانه, واستقرار اللعن الإِلهي فيهم, وأن ذلك من لوازم إعجابهم بأنفسهم وتزكيتهم لها.
قوله تعالى: {بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلاً} إضراب عن تزكيتهم لأنفسهم, ورد لهم فيما زكوه, وبيان أن ذلك من شؤون الربوبية يختص به تعالى, فإن الإِنسان وإن أمكن أن يتصف بفضائل, ويتلبس بأنواع الشرف والسؤدد المعنوي, غير أن اعتناءه بذلك واعتماده عليه لا يتم إلاَّ بإعطائه لنفسه استغناءً واستقلالاً, وهو في معنى دعوى الألوهية والشركة مع رب العالمين, وأين الإِنسان الفقير الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة, والاستغناء عن الله سبحانه في خير أو فضيلة؟ والإِنسان في نفسه وفي جميع شؤون نفسه, والخير الذي يزعم أنه يملكه, وجميع أسباب ذلك الخير, مملوك لله سبحانه محضاً من غير استثناء, فماذا يبقى للإِنسان؟.
وهذا الغرور والإِعجاب الذي يبعث الإِنسان إلى تزكية نفسه هو العجب الذي هو من أُمهات الرذائل, ثم لا يلبث هذا الإِنسان المغرور المعتمد على نفسه دون أن يمس غيره, فيتولد من رذيلته هذه رذيلة أخرى, وهي رذيلة التكبر ويتم تكبره في صورة الاستعلاء على غيره من عباد الله فيستعبد به عباد الله سبحانه, ويجري به كل ظلم وبغي بغير حق وهتك محارم الله وبسط السلطة على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم.
وهذا كله إذا كان الوصف وصفاً فردياً, وأما إذا تعدى الفرد وصار خلقاً اجتماعياً وسيرة قومية, فهو الخطر الذي فيه هلاك النوع وفساد الأرض, وهو الذي يحكيه تعالى عن اليهود إذ قالوا:
{ ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]. فما كان لبشر أن يذكر لنفسه من الفضيلة ما يمدحها به سواء كان صادقاً فيما يقول أو كاذباً لأنه لا يملك ذلك لنفسه, لكن الله سبحانه لما كان هو المالك لما ملكه, والمعطي الفضل لمن يشاء وكيف يشاء كان له أن يزكي من شاء تزكية عملية بإعطاء الفضل وإفاضة النعمة, وأن يزكي من يشاء تزكية قولية يذكره بما يمتدح به, ويشرفه بصفات الكمال كقوله في آدم ونوح: { إن الله اصطفى آدم ونوحاً } [آل عمران: 33]، وقوله في إبراهيم وإدريس: { إنّه كان صديقاً نبياً } [مريم: 41]، وقوله في يعقوب: { وإنه لذو علم لما علمناه } [يوسف: 68]، وقوله في يوسف: { إنه من عبادنا المخلصين } [يوسف: 24]، وقوله في حق موسى: { إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً } [مريم: 51]، وقوله في حق عيسى: { وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، وقوله في سليمان وأيّوب: { نعم العبد إنه أوّاب } [ص: 44]، وقوله في محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } [الأعراف: 196]، وقوله: { وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم: 4]، وكذا قوله تعالى في حق عدة من الأنبياء ذكرهم في سور الأنعام, ومريم, والأنبياء, والصافات, وص, وغيرها.
وبالجملة فالتزكية لله سبحانه حق لا يشاركه فيها غيره, إذ لا يصدر عن غيره إلاَّ من ظلم وإلى ظلم, ولا يصدر عنه تعالى إلاَّ حقاً وعدلاً يقدر بقدره لا يفرط ولا يفرّط, ولذا ذيل قوله: {بل الله يزكي من يشاء} بقوله - وهو في معنى التعليل -: {ولا يظلمون فتيلاً}.
وقد تبيّن ممّا مرّ أن تزكيته تعالى وإن كانت مطلقة تشمل التزكية العملية والتزكية القولية, لكنها تنطبق بحسب مورد الكلام على التزكية القولية.
قوله تعالى: {ولا يظلمون فتيلاً} الفتيل: فعيل بمعنى المفعول من الفتل وهو اللي قيل: المراد به ما يكون في شق النواة, وقيل: هو ما في بطن النواة, وقد ورد في روايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: أنه النقطة التي على النواة, والنقير ما في ظهرها, والقطمير قشرها, وقيل: هو ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ, وكيف كان هو كناية عن الشيء الحقير الذي لا يعتد به.
وقد بان بالآية الشريفة أمران: أحدهما: أن ليس لصاحب الفضل أن يعجبه فضله ويمدح نفسه, بل هو مما يختص به تعالى, فإن ظاهر الآية أن الله يختص به أن يزكي كل من جاز أن يتلبس بالتزكية, فليس لغير صاحب الفضل أيضاً أن يزكيه إلاَّ بما زكاه الله به, وينتج ذلك أن الفضائل هي التي مدحها الله وزكّاها, فلا قدر لفضل لا يعرفه الدين ولا يسميه فضلاً, ولا يستلزم ذلك أن تبطل آثار الفضائل عند الناس, فلا يعرفوا لصاحب الفضل فضله, ولا يعظموا قدره, بل هي شعائر الله وعلائمه, وقد قال تعالى:
{ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [الحج: 32]، فعلى الجاهل أن يخضع للعالم ويعرف له قدره, فإنه من اتباع الحق وقد قال تعالى: { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [الزمر: 9]، وإن لم يكن للعالم أن يتبجح بعلمه ويمدح نفسه, والأمر في جميع الفضائل الحقيقية الإِنسانية على هذا الحال.
وثانيهما: أن ما ذكره بعض باحثينا, واتبعوا في ذلك ما ذكره المغاربة, أن من الفضائل الإِنسانية الاعتماد بالنفس أمر لا يعرفه الدين, ولا يوافق مذاق القرآن, والذي يراه القرآن في ذلك هو الاعتماد بالله والتعزز بالله, قال تعالى:
{ الَّذِين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]، وقال: { أَن القوة لله جميعاً } [البقرة: 165]، وقال: { إن العزة لله جميعا } [يونس: 65]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} الخ. فتزكيتهم أنفسهم ببنوة الله وحبه وولايته ونحو ذلك افتراء على الله إذ لم يجعل الله لهم ذلك, على أن أصل التزكية افتراء وإن كانت عن صدق فإنه - كما تقدم بيانه - إسناد شريك إلى الله وليس له في ملكه شريك قال تعالى:
{ ولم يكن له شريك في الملك } [الإسراء: 111]. وقوله: {وكفى به إثماً مبيناً}، أي لو لم يكن في التزكية, إلاَّ أنه افتراء على الله لكفى في كونه إثماً مبيناً, والتعبير بالإِثم - وهو الفعل المذموم الذي يمنع الإِنسان من نيل الخيرات ويبطئها - هو المناسب لهذه المعصية لكونه من إشراك الشرك وفروعه, يمنع نزول الرحمة, وكذا في شرك الكفر الذي يمنع المغفرة, كما وقع في الآية السابقة: {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} بعد قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}.
قوله تعالى: {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}، الجبت والجبس كل ما لا خير فيه, وقيل: وكل ما يعبد من دون الله سبحانه, والطاغوت مصدر في الأصل كالطغيان يستعمل كثيراً بمعنى الفاعل, وقيل: هو كل معبود من دون الله, والآية تكشف عن وقوع واقعة قضى فيها بعض أهل الكتاب للذين كفروا على الذين آمنوا بأن سبيل المشركين أهدى من سبيل المؤمنين, وليس عند المؤمنين إلاَّ دين التوحيد المنزل في القرآن المصدق لما عندهم, ولا عند المشركين إلاَّ الإِيمان بالجبت والطاغوت, فهذا القضاء اعتراف منهم بأن للمشركين نصيباً من الحق, وهو الإِيمان بالجبت والطاغوت الذي نسبه الله تعالى إليهم ثم لعنهم الله بقوله: {أولئك الذين لعنهم الله} الآية.
وهذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول, أن مشركي مكة طلبوا من أهل الكتاب أن يحكموا بينهم وبين المؤمنين فيما ينتحلونه من الدين فقضوا لهم على المؤمنين, وسيأتي الرواية في ذلك في البحث الروائي الآتي.
وقد ذكر كونهم ذوي نصيب من الكتاب ليكون أوقع في وقوع الذم واللوم عليهم, فإن إيمان علماء الكتاب بالجبت والطاغوت, وقد بيّن لهم الكتاب أمرهما أشنع وأفظع.
قوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك} إلى قوله: {نقيراً}، النقير فعيل بمعنى المفعول وهو المقدار اليسير الذي يأخذه الطير من الأرض بنقر منقاره, وقد مرّ له معنى آخر في قوله: {ولا يظلمون فتيلاً} الآية.
وقد ذكروا أن "أم" في قوله: أم لهم نصيب من الملك, منقطعة والمعنى: بل ألهم نصيب من الملك, والاستفهام إنكاري أي ليس لهم ذلك.
وقد جوّز بعضهم أن تكون "أم" متصلة, وقال إن التقدير: أهم أولى بالنبوة أم لهم نصيب من الملك؟ ورد بأن حذف الهمزة إنما يجوز في ضرورة الشعر, ولا ضرورة في القرآن, والظاهر أن أم متصلة وأن الشق المحذوف ما يدل عليه الآية السابقة: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} الآية, والتقدير: ألهم كل ما حكموا به من حكم أم لهم نصيب من الملك أم يحسدون الناس؟ وعلى هذا تستقيم الشقوق وتترتب, ويتصل الكلام في سوقه.
والمراد بالملك هو السلطنة على الأمور المادية والمعنوية, فيشمل ملك النبوة والولاية والهداية وملك الرقاب والثروة, وذلك أنه هو الظاهر من سياق الجمل السابقة واللاحقة, فإن الآية السابقة تومئ إلى دعواهم أنهم يملكون القضاء والحكم على المؤمنين, وهو مسانخ للملك على الفضائل المعنوية وذيل الآية: {فإذن لا يؤتون الناس نقيراً} يدل على ملك الماديات أو ما يشمل ذلك, فالمراد به الأعم من ملك الماديات والمعنويات.
فيؤول معنى الآية إلى نحو قولنا: أم لهم نصيب من الملك الذي أنعم الله به على نبيه بالنبوة والولاية والهداية ونحوه, ولو كان لهم ذلك لم يؤتوا الناس أقل القليل الذي لا يعتد به لبخلهم وسوء سريرتهم, فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى:
{ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإِنفاق } [الإسراء: 100]. قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} وهذا آخر الشقوق الثلاثة المذكورة, ووجه الكلام إلى اليهود جواباً عن قضائهم على المؤمنين بأن دين المشركين أهدى من دينهم.
والمراد بالناس على ما يدل عليه هذا السياق هم الذين آمنوا, وبما آتاهم الله من فضله هو النبوة والكتاب والمعارف الدينية, غير أن ذيل الآية: {فقد آتينا آل إبراهيم} "الخ", يدل على أن هذا الذي أطلق عليه الناس من آل إبراهيم, فالمراد بالناس حينئذٍ هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وما انبسط على غيره من هذا الفضل المذكور في الآية, فهو من طريقه وببركاته العالية, وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى:
{ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم } [آل عمران: 33] الآية، أن آل إبراهيم هو النبي وآله.
وإطلاق الناس على المفرد لا ضير فيه, فإنه على نحو الكناية كقولك لمن يتعرض لك ويؤذيك: لا تتعرض للناس, وما لك وللناس؟ تريد نفسك أي لا تتعرض لي.
قوله تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة} الجملة إيئاس لهم في حسدهم, وقطع لرجائهم زوال هذه النعمة, وانقطاع هذا الفضل بأن الله قد أعطى آل إبراهيم من فضله ما أعطى, وآتاهم من رحمته ما آتى, فليموتوا بغيظهم فلن ينفعهم الحسد شيئاً.
ومن هنا يظهر أن المراد بآل إبراهيم إما النبي وآله من أولاد إسماعيل, أو مطلق آل إبراهيم من أولاد إسماعيل وإسحاق حتى يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو المحسود عند اليهود بالحقيقة, وليس المراد بآل إبراهيم بني إسرائيل من نسل إبراهيم, فإن الكلام على هذا التقدير يعود تقريراً لليهود في حسدهم النبي أو المؤمنين لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم فيفسد معنى الجمله كما لا يخفى.
وقد ظهر أيضاً - كما تقدمت الإِشارة إليه - أن هذه الجملة: فقد آتينا آل إبراهيم "الخ" تدل على أن الناس المحسودين هم من آل إبراهيم, فيتأيد به أن المراد بالناس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأما المؤمنون به فليسوا جميعاً من ذرية إبراهيم, ولا كرامة لذريته من المؤمنين على غيرهم حتى يحمل الكلام عليهم, ولا يوجب مجرد الإِيمان واتباع ملة إبراهيم تسمية المتبعين بأنهم آل إبراهيم, وكذا قوله تعالى:
{ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68] الآية، لا يوجب تسمية الذين آمنوا بآل إبراهيم لمكان الأولوية, فإن في الآية ذكراً من الذين اتبعوا إبراهيم, وليسوا يسمون آل إبراهيم قطعاً, فالمراد بآل إبراهيم النبي أو هو وآله صلى الله عليه وآله وسلم وإسماعيل جده ومن في حذوه.
قوله تعالى: {وآتيناهم ملكاً عظيماً} قد تقدم أن مقتضى السياق أن يكون المراد بالملك ما يعم الملك المعنوي الذي منه النبوة والولاية الحقيقية على هداية الناس وإرشادهم ويؤيده أن الله سبحانه لا يستعظم الملك الدنيوي لو لم ينته إلى فضيلة معنوية ومنقبة دينية, ويؤيد ذلك أيضاً أن الله سبحانه لم يعد فيما عده من الفضل في حق آل إبراهيم النبوة والولاية إذ قال: فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة, فيقوى أن يكون النبوة والولاية مندرجتين في إطلاق قوله: {وآتيناهم ملكاً عظيماً}.
قوله تعالى: {فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه} الصد الصرف وقد قوبل الإِيمان بالصد لأن اليهود ما كانوا ليقنعوا على مجرد عدم الإِيمان بما أُنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون أن يبذلوا مبلغ جهدهم في صد الناس عن سبيل الله والإِيمان بما نزله من الكتاب, وربما كان الصد بمعنى الإِعراض وحينئذٍ يتم التقابل من غير عناية زائدة
قوله تعالى: {وكفى بجهنّم سعيراً} تهديد لهم بسعير جهنّم في مقابل ما صدوا عن الإِيمان بالكتاب وسعروا نار الفتنة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا معه.
ثم بيّن تعالى كفاية جهنّم في أمرهم بقوله: {إن الذين كفروا بآياتنا} إلى آخر الآية وهو بيان في صورة التعليل, ثم عقبه بقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخر الآية ليتبين الفرق بين الطائفتين: من آمن به, ومن صد عنه, ويظهر أنهما في قطبين متخالفين من سعادة الحياة الأخرى وشقائها: دخول الجنات وظلها الظليل, وإحاطة سعير جهنّم والاصطلاء بالنار - أعاذنا الله - ومعنى الآيتين واضح.
قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم} الخ. الفقرة الثانية من الآية: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} ظاهرة الارتباط بالآيات السابقة عليها, فإن البيان الإِلهي فيها يدور حول حكم اليهود للمشركين بأنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين, وقد وصفهم الله تعالى في أول بيانه بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب والذي في الكتاب هو تبيين آيات الله والمعارف الإِلهية, وهي أمانات مأخوذة عليها الميثاق أن تبين للناس ولا تكتم عن أهله.
وهذا الذي ذكر من القرائن يؤيد أن يكون المراد بالأمانات ما يعم الأمانات المالية وغيرها من المعنويات كالعلوم والمعارف الحقة التي من حقها أن يبلغها حاملوها أهلها من الناس.
وبالجملة لما خانت اليهود الأمانات الإِلهية المودعة عندهم من العلم بمعارف التوحيد وآيات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكتموها ولم يظهروها في واجب وقتها, ثم لم يقنعوا بذلك حتى جاروا في الحكم بين المؤمنين والمشركين فحكموا للوثنية على التوحيد فآل أمرهم فيه إلى اللعن الإِلهي وجر ذلك إياهم إلى عذاب السعير, فلما كان من أمرهم ما كان غير سبحانه سياق الكلام من التكلم إلى الغيبة فأمر الناس بتأدية الأمانات إلى أهلها, وبالعدل في الحكم فقال: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس} "الخ".
والذي وسعنا به معنى تأدية الأمانات والعدل في الحكم هو الذي يقضي به السياق على ما عرفت, فلا يرد عليه أنه عدول عن ظاهر لفظ الأمانة والحكم, فإن المتبادر في مرحلة التشريع من مضمون الآية وجوب رد الأمانة المالية إلى صاحبها, وعدل القاضي وهو الحكم في مورد القضاء الشرعي؛ وذلك أن التشريع المطلق لا يتقيد بما يتقيد به موضوعات الأحكام الفرعية في الفقه, بل القرآن مثلاً يبين وجوب رد الأمانة على الإِطلاق, ووجوب العدل في الحكم على الإِطلاق, فما كان من ذلك راجعاً إلى الفقه من الأمانة المالية والقضاء في المرافعات راجعه فيه الفقه, وما كان غير ذلك استفاد منه فن أصول المعارف, وهكذا.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج ابن إسحاق, وابن جرير, وابن المنذر, وابن أبي حاتم, والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوى لسانه, وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك, ثم طعن في الإِسلام وعابه فأنزل الله فيه: {ألم تر إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة} إلى قوله: {فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً}.
وفيه أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: {يا أيُّها الذين أوتوا الكتاب} الآية قال: نزلت في مالك بن الصيف, ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع.
وفيه أخرج ابن إسحاق, وابن جرير, وابن المنذر, وابن أبي حاتم, والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد الله بن سوريا, وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله فيهم: {يا أيُّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} الآية.
أقول: ظاهر الآيات الشريفة على ما تقدم في البيان السابق وإن كان نزولها في اليهود من أهل الكتاب إلاَّ أن ما نقلناه من سبب النزول لا يزيد على أنه حكم تطبيقي كغالب نظائره من الأخبار الحاكية لأسباب النزول, والله أعلم.
وفي تفسير البرهان عن النعماني بإسناده عن جابر عن الباقر عليه السلام في حديث طويل يصف فيه خروج السفياني, وفيه قال: وينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء: يا بيداء أبيدي بالقوم فيخسف بهم فلا يفلت منهم إلاَّ ثلاثة نفر يحول الله وجوههم إلى أقفيتهم, وهم من كلب, وفيهم نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} الآية.
أقول: ورواه عن المفيد أيضاً بإسناده عن جابر عن الباقر عليه السلام في نظير الخبر في قصة السفياني.
وفي الفقيه بإسناده عن ثوير عن أبيه: أن علياً عليه السلام قال: ما في القرآن آية أحب إليَّ من قوله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
أقول: ورواه في الدر المنثور عن الفريابي والترمذي وحسنه عن علي.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال لما نزلت: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} الآية فقام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } [النساء: 116] الآية.
وفيه أخرج ابن المنذر عن أبي مجاز قال: لما نزلت هذه الآية: {يا عبادي الذين أسرفوا} الآية قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله؟ فسكت - مرتين أو ثلاثاً - فنزلت هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأثبتت هذه في الزمر, وأثبتت هذه في النساء.
أقول: وقد عرفت فيما تقدم أن آية الزمر ظاهرة بحسب ما تتعقبه من الآيات في المغفرة بالتوبة, ولا ريب أن التوبة يغفر معها كل ذنب حتى الشرك, وأن آية النساء موردها غير مورد التوبة فلا تنافي بين الآيتين مضموناً حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصصة للأخرى.
وفي المجمع عن الكلبي في الآية: نزلت في المشركين وحشي وأصحابه, وذلك أنه لما قتل حمزة, وكان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك, فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا قد ندمنا على الذي صنعناه, وليس يمنعنا عن الإِسلام إلاَّ أنا سمعناك تقول وأنت بمكة: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق ولا يزنون}, الآيتان, وقد دعونا مع الله إلهاً آخر, وقتلنا النفس التي حرم الله, وزنينا, فلولا هذه لاتبعناك, فنزلت الآية: {إلاَّ من تاب وعمل عملاً صالحاً} الآيتين - فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى وحشي وأصحابه, فلما قرأهما كتبوا إليه: أن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً فلا نكون من أهل هذه الآية, فنزلت: إن الله لا يغفر - الآية - فبعث بها إليهم فقرأوها فبعثوا إليه: إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته - فنزلت: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً}, فبعث بها إليهم فلما قرأوها دخل هو وأصحابه في الإِسلام, ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبل منهم, ثم قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما أخبره قال: ويحك غيب شخصك عني فلحق وحشي بعد ذلك بالشام, وكان بها إلى أن مات.
أقول: وقد ذكر هذه الرواية الرازي في تفسيره عن ابن عباس والتأمل في موارد هذه الآيات التي تذكر الرواية, أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يراجع بها وحشياً لا يدع للمتأمل شكاً في أن الرواية موضوعة قد أراد واضعها أن يقدر أن وحشياً وأصحابه مغفور لهم وإن ارتكبوا من المعاصي كل كبيرة وصغيرة فقد التقط آيات كثيرة من مواضع مختلفة من القرآن فالاستثناء من موضع, والمستثنى من موضع مع أن كلاً منها واقعة في محل محفوفة بأطراف لها, معها ارتباط واتصال, وللمجموع سياق لا يحتمل التقطيع والتفصيل فقطعها ثم رتبها ونضدها نضداً يناسب هذه المراجعة العجيبة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين وحشي.
ولقد أجاد بعض المفسرين حيث قال بعد الإِشارة إلى الرواية: كأنهم يثبتون أن الله سبحانه كان يداعب وحشياً!.
فواضع الرواية لم يرد إلاَّ أن يشرف وحشياً بمغفرة محتومة مختومة لا يضره معها أي ذنب أذنب وأي فظيعة أتى بها, وعقب ذلك ارتفاع المجازاة على المعاصي, ولازمه ارتفاع التكاليف عن البشر على ما يراه النصرانية بل أشنع, فإنهم إنما رفعوا التكاليف بتفدية مثل عيسى المسيح, وهذا يرفعه اتباعاً لهوى وحشي.
ووحشي هذا هو عبد لابن مطعم قتل حمزة بأُحد, ثم لحق مكة ثم أسلم بعد أخذ الطائف, وقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: غيب شخصك عني فلحق بالشام وسكن حمصاً واشتغل في عهد عمر بالكتابة في الديوان, ثم أخرج منه لكونه يدمن الخمر, وقد جلد لذلك غير مرة, ثم مات في خلافة عثمان, قتله الخمر على ما روي.
روى ابن عبد البر في الاستيعاب بإسناده عن ابن إسحاق, عن عبد الله بن الفضل, عن سليمان بن يسار, عن جعفر بن عمرو بن أُمية الضمري قال: خرجت أنا وعبد الله بن عدي بن الخيار فمررنا بحمص وبها وحشي, فقلنا: لو أتيناه وسألناه عن قتله حمزة كيف قتله, فلقينا رجلاً ونحن نسأل عنه فقال: إنه رجل قد غلبت عليه الخمر فإن تجداه صاحياً تجداه رجلاً عربياً يحدثكما ما شئتما من حديث, وإن تجداه على غير ذلك فانصرفا عنه؛ قال: فأقبلنا حتى انتهينا إليه, الحديث, وفيه ذكر كيفية قتله حمزة يوم أُحد.
وفي المجمع روى مطرف بن شخير عن عمر بن الخطاب قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا بأنه من أهل النار حتى نزلت الآية فأمسكنا عن الشهادات.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال: شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم فسمعتهم يقولون: {من قتل مؤمناً} إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار: قد أوجب له النار فلما نزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قالوا: ما شاء الله, يصنع الله ما يشاء.
أقول: وروي ما يقرب من الروايتين عن ابن عمر بغير واحد من الطرق, وهذه الروايات لا تخلو من شيء فلا نظن بعامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجهلوا أن هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به لا تزيد في مضمونها على آيات الشفاعة شيئاً كما تقدم بيانه, أو أن يغفلوا عن أن معظم آيات الشفاعة مكية كقوله تعالى في سورة الزخرف:
{ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، ومثلها آيات الشفاعة الواقعة في سورة يونس, والأنبياء, وطه, والسبأ, والنجم, والمدثر. كلها آيات مكية تثبت الشفاعة على ما مر بيانه, وهي عامة لجميع الذنوب ومقيدة في جانب المشفوع له بالدين المرضي وهو التوحيد, ونفي الشريك وفي جانب الله تعالى بالمشيئة, فمحصل مفادها شمول المغفرة لجميع الذنوب إلاَّ الشرك على مشيئة من الله, وهذا بعينه مفاد هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
وأما الآيات التي توعد قاتل النفس المحترمة بغير حق. وآكل الربا, وقاطع الرحم بجزاء النار الخالد كقوله تعالى:
{ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها } [النساء: 93] الآية، وقوله في الربا: { ومن عاد فأُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، وقوله في قاطع الرحم: { أُولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } [الرعد: 25]، وغير ذلك من الآيات, فهذه الآيات إنما توعد بالشر وتنبئ عن جزاء النار, وأما كونه جزاءً محتوماً لا يقبل التغيير والارتفاع فلا صراحة لها فيه.
وبالجملة لا يترجح آية {إن الله لا يغفر} على آيات الشفاعة بأمر زائد في مضمونها يمهد لهم ما ذكروه.
فلا يسعهم أن يفهموا من آيات الكبائر تحتم النار حتى يجوز لهم الشهادة على مرتكبها بالنار, ولا يسعهم أن يفهموا من آية المغفرة {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الخ. أمراً ليس يفتهم من آيات الشفاعة حتى يوجب لهم القول بنسخها أو تخصيصها أو تقييدها آيات الكبائر.
ويومئ إلى ذلك ما ورد في بعض هذه الروايات, وهو ما رواه في الدر المنثور: عن ابن الضريس, وأبي يعلى, وابن المنذر, وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}؛ وقال:
"إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي" , فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا.
فظاهر الرواية أن الذي فهموه من آية المغفرة فهموا مثله من حديث الشفاعة لكن يبقى عليه سؤال آخر, وهو أنه ما بالهم فهموا جواز مغفرة الكبائر من حديث الشفاعة, ولم يكونوا يفهمونه من آيات الشفاعة المكية على كثرتها ودلالتها وطول العهد؟ ما أدري!.
وفي الدر المنثور: في قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} إلى قوله: { سبيلاً}، أخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال: لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان بها, وقال: لا اعين عليه ولا أقاتله؛ فقيل له بمكة: يا كعب أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خير وأقدم, ودين محمد حديث؛ فنزلت فيه: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} الآية.
أقول: وفي سبب نزول الآية روايات على وجوه مختلفة أسلمها ما أوردناه غير أن الجميع تشترك في أصل القصة, وهو أن بعضاً من اليهود حكموا لقريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن دينهم خير من دينه.
وفي تفسير البرهان في قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} الآية - عن الشيخ في أماليه بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله قال: نحن الناس.
وفي الكافي بإسناده عن بريد عن الباقر عليه السلام في حديث: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} نحن الناس المحسودون, الحديث.
أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام مستفيضاً بطرق كثيرة مودعة في جوامع الشيعة كالكافي, والتهذيب, والمعاني, والبصائر, وتفسيري القمي والعياشي وغيرها.
وفي معناها من طرق أهل السنة ما عن ابن المغازلي يرفعه إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام في قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} قال: نحن الناس والله.
وما في الدر المنثور: عن ابن المنذر والطبراني من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: {أم يحسدون الناس} قال: نحن الناس دون الناس, وقد روى فيه أيضاً تفسير الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عكرمة ومجاهد, ومقاتل, وأبي مالك؛ وقد مرّ فيما قدمناه من البيان: أن الظاهر كون المراد بالناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ملحقون به.
وفي تفسير العياشي عن حمران عن الباقر عليه السلام {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب} قال: النبوة, {والحكمة} قال: الفهم والقضاء, {وملكاً عظيماً} قال: الطاعة.
أقول: المراد بالطاعة الطاعة المفترضة على ما ورد في سائر الأحاديث, والأخبار في هذه المعاني أيضاً كثيرة, وفي بعضها تفسير الطاعة المفترضة بالإِمامة والخلافة كما في الكافي بإسناده عن بريد عن الباقر عليه السلام.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى {إن الذين كفروا بآياتنا} الآية قال: الآيات أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام.
أقول: وهو من الجري.
وفي مجالس الشيخ بإسناده عن حفص بن غياث القاضي قال: كنت عند سيد الجعافرة جعفر بن محمد عليهما السلام لما قدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ملحداً فقال: ما تقول في هذه الآية: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب}؟ هب هذه الجلود عصت فعذبت فما بال الغير؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: ويحك هي هي وهي غيرها, قال: أعقلني هذا القول, فقال له: أرأيت لو أن رجلاً عمد إلى لبنة فكسرها ثم صب عليها الماء وجبلها ثم ردها إلى هيئتها الأولى ألم تكن هي هي وهي غيرها؟ فقال: بلى أمتع الله بك.
أقول: ورواه في الاحتجاج أيضاً عن حفص بن غياث عنه عليه السلام, والقمي في تفسيره مرسلاً؛ ويعود حقيقة الجواب إلى أن وحدة المادة محفوظة بوحدة الصورة, فبدن الإِنسان كأجزاء بدنه باق على وحدته ما دام الإِنسان هو الإِنسان وإن تغير البدن بأي تغير حدث فيه.
وفي الفقيه قال: سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: لهم فيها أزواج مطهرة, قال: الأزواج المطهرة اللاتي لا يحضن ولا يحدثن.
وفي تفسير البرهان في قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات} الآية عن محمد بن إبراهيم النعماني بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} فقال: أمر الله الإِمام أن يؤدي الأمانة إلى الإِمام الذي بعده, ليس له أن يزويها عنه, ألا تسمع قوله: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به} هم الحكام يا زرارة, إنه خاطب بها الحكام.
أقول: وصدر الحديث مروي بطرق كثيرة عنهم عليهم السلام, وذيله يدل على أنه من باب الجري, وأن الآية نازلة في مطلق الحكم وإعطاء ذي الحق حقه فينطبق على مثل ما تقدم سابقاً.
وفي معناه ما في الدر المنثور عن سعيد بن منصور, والفريابي, وابن جرير, وابن المنذر, وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: حق على الإِمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا.