التفاسير

< >
عرض

وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً
٢
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ
٣
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً
٤
وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً
٥
وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٦
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الأيات تتمة التهميد والتوطئة التي وضعت في أول السورة لبيان أحكام المواريث وعمدة أحكام التزويج كعدد النساء وتعيين المحارم, وهذان البابان من أكبر أبواب القوانين الحاكمة في المجتمع الإنساني وأعظمها, ولهما أعظم التأثير في تكون المجتمع وبقائه, فإن النكاح يتعين به وضع المواليد من الإنسان, الذين هم أجزاء المجتمع والعوامل التي تكونه, والإرث يتعلق بتقسيم الثروة الموجودة في الدنيا التي يبتنى عليها بنية المجتمع في عيشته وبقائه.
وقد تعرضت الآيات في ضمن بيانها للنهي عن الزنا والسفاح, والنهي عن أكل المال بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض, وعند ذلك تأسس أساسان قيمان لأمر المجتمع في أهم ما يشكله, وهو أمر المواليد, وأمر المال.
ومن هنا يظهر وجه العناية بالتمهيد المسوق لبيان هذه الأحكام التي تعلقت بالاجتماع الإنساني, ونشبت في أصوله وجذوره. وصرف الناس عما اعتادت عليه جماعتهم, والتحمت عليه أفكارهم, ونبتت عليه لحومهم, ومات عليه أسلافهم, ونشأ عليه أخلافهم عسير كل العسر.
وهذا شأن ما شرع في صدر هذه السورة من الأحكام المذكورة, يتضح ذلك بتأمل إجمالي في وضع العالم الإنساني يومئذ بالعموم, وفي وضع العالم العربي (ودارهم دار نزول القرآن وظهور الإسلام) بالخصوص, وفي كيفية تدرج القرآن في نزوله وظهور الأحكام الإسلامية في تشريعها.
(كلام في الجاهلية الأولى)
القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية, وليس إلا إشارة منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم, والمسيطر عليهم في كل شيء الباطل, وسفر الرأي دون الحق, وكذلك كانوا على ما يقصه القرآن من شؤونهم, قال تعالى:
{ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } [آل عمران: 154]، وقال: { أفحكم الجاهلية يبغون } [المائدة: 50]، وقال: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية } [الفتح: 26]، وقال: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } [الأحزاب: 33]. كانت العرب يومئذٍ تجاور في جنوبها الحبشة وهي نصرانية, وفي مغربها إمبراطورية الروم وهي نصرانية, وفي شمالها الفرس وهم مجوس, وفي غير ذلك الهند ومصر وهما وثنيتان, وفي أرضهم طوائف من اليهود, وهم أعني العرب مع ذلك وثنيون, يعيش أغلبهم عيشة القبائل, وهذا كله هو الذي أوجد لهم اجتماعاً همجياً بدوياً فيه أخلاط من رسوم اليهودية والنصرانية والمجوسية وهم سكارى جهالتهم, قال تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلاَّ الظن وإن هم إلاَّ يخرصون } [الأنعام: 116]. وقد كانت العشائر وهم البدو على ما لهم من خساسة العيش ودناءته, يعيشون بالغزوات, وشن الغارات, واختطاف كل ما في أيدي آخرين من متاع أو عرض, فلا أمن بينهم ولا أمانة, ولا سلم ولا سلامة, والأمر إلى من غلب, والملك لمن وضع عليه يده.
أما الرجال: فالفضيلة بينهم سفك الدماء, والحمية الجاهلية, والكبر, والغرور, واتباع الظالمين, وهضم حقوق المظلومين, والتعادي, والتنافس, والقمار, وشرب الخمر, والزنا, وأكل الميتة, والدم, وحشف التمر.
وأما النساء: فقد كن محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من أنفسهن إرادة, ولا من أعمالهن عملاً, ولا يملكن ميراثاً, ويتزوج بهن الرجال من غير تحديد بحد كما عند اليهود وبعض الوثنية, ومع ذلك فقد كن يتبرجن بالزينة, ويدعون من أحببن إلى أنفسهن, وفشا فيهن الزنا, والسفاح حتى في المحصنات المزوجات منهن, ومن عجيب بروزهن أنهن ربما كن يأتين بالحج عاريات.
وأما الأولاد: فكانوا ينسبون إلى الآباء, لكنهم لا يورثون صغاراً ويذهب الكبار بالميراث, ومن الميراث زوجة المتوفى, ويحرم الصغار ذكوراً وإناثاً والنساء.
غير أن المتوفى لو ترك صغيراً ورثه, لكن الأقوياء يتولون أمر اليتيم, ويأكلون ماله, ولو كان اليتيم بنتاً تزوجوها وأكلوا مالها ثم طلقوها وخلوا سبيلها فلا مال تقتات به, ولا راغب في نكاحها ينفق عليها, والابتلاء بأمر الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لمكان دوام الحروب, والغزوات, والغارات, فبالطبع كان القتل شائعاً بينهم.
وكان من شقاء أولادهم أن بلادهم الخربة, وأراضيهم القفرة البائرة كان يسرع الجدب والقحط إليها, فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإِملاق، وكانوا يئدون البنات، وكان من أبغض الأشياء عند الرجل أن يبشر بالأنثى.
وأما وضع الحكومة بينهم فأطراف شبه الجزيرة, وإن كانت ربما ملك فيها ملوك تحت حماية أقوى الجيران وأقربها, كإيران لنواحي الشمال, والروم لنواحي الغرب, والحبشة لنواحي الجنوب, إلا أن قرى الأوساط كمكة, ويثرب, والطائف وغيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهورية وليس بها, والعشائر في البدو, بل حتى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها, وشيوخها, وربما تبدل الوضع بالسلطنة.
فهذا هو الهرج العجيب الذي كان يبرز في كل عدة معدودة منهم بلون, ويظهر في كل ناحية من أرض شبه الجزيرة في شكل مع الرسوم العجيبة, والاعتقادات الخرافية الدائرة بينهم, وأضف إلى ذلك بلاء الامية, وفقدان التعليم, والتعلم في بلادهم فضلاً عن العشائر والقبائل.
وجميع ما ذكرناه من أحوالهم, وأعمالهم, والعادات, والرسوم الدائرة بينهم مما يستفاد من سياق الآيات القرآنية, والخطابات التي تخاطبهم بها أوضح استفادة, فتدبر في المقاصد التي ترومها الآيات والبيانات التي تلقيها إليهم بمكة أولاً ثم بعد ظهور الإسلام وقوته بالمدينة ثانياً, وفي الأوصاف التي تصفهم بها, والأمور التي تذمها منهم وتلومهم عليها, والنواهي المتوجهة إليهم في شدتها وضعفها, إذا تأملت كل ذلك تجد صحة ما تلوناه عليك. على أن التاريخ يذكر جميع ذلك, ويتعرض من تفاصيلها ما لم نذكره لإجمال الآيات الكريمة, وإيجازها القول فيه. وأوجز كلمة وأوفاها لإفادة جمل هذه المعاني ما سمى القرآن هذا العهد بعهد الجاهلية, فقد أُجمل في معناها جميع هذه التفاصيل. هذا حال عالم العرب ذلك اليوم.
وأما العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الروم, والفرس, والحبشة, والهند وغيرهم, فالقرآن يجمل القول فيه. أما أهل الكتاب منهم أعني اليهود والنصارى, ومن يلحق بهم, فقد كانت مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبدادية, والتحكمات الفردية من الملوك, والرؤساء, والحكام, والعمال, فكانت مقتسمة طبعاً إلى طبقتين: طبقة حاكمة فعالة لما تشاء تعبث بالنفس, والعرض, والمال وطبقة محكومة مستعبدة مستذلة لا أمن لها في مال وعرض ونفس, ولا حرية إرادة إلا ما وافق من يفوقها, وقد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين وحملة الشرع وائتلفت بهم, وأخذت مجامع قلوب العامة, وأفكارهم بأيديهم, فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس ودنياهم تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء, وأقلامهم, وفي دنياهم بالسوط والسيف.
وقد اقتسمت الطبقة المحكومة أيضاً على حسب قوتها في السطوة والجدة فيما بينهم نظير الاقتسام الأول (والناس على دين ملوكهم) إلى طبقتي: الأغنياء المترفين, والضعفاء والعجزة والعبيد, وكذا إلى رب البيت ومربوبيه من النساء والأولاد, وكذا إلى الرجال المالكين لحرية الإرادة والعمل في جميع شؤون الحياة, والنساء المحرومات من جميع ذلك التابعات للرجال محضاً الخادمات لهم في ما أرادوه منهن من غير استقلال ولو يسيراً.
وجوامع هذه الحقائق التاريخية ظاهرة من قوله تعالى:
{ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } [آل عمران: 64]، وقد أدرجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه إلى هرقل عظيم الروم, وقد قيل إنه كتب بها أيضاً إلى عظيم مصر وعظيم الحبشة وملك الفرس وإلى نجران.
وكذا قوله تعالى:
{ يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [الحجرات: 13]، وقوله في ما وصى به التزوج بالإِماء والفتيات: { بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن } [النساء: 25]، وقوله في النساء: { أَني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض } [آل عمران: 195]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما غير أهل الكتاب وهم يومئذ الوثنية ومن يلحق بهم, فقد كان الوضع فيهم أردأ وأشأم من وضع أهل الكتاب, والآيات النازلة في الاحتجاج عليهم تكشف عن خيبة سعيهم وخسران صفقتهم في جميع شؤون الحياة وضروب السعادة, قال تعالى:
{ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين * وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين * قل إنما يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء } [الأنبياء: 105 - 109]، وقال تعالى: { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } } [الأنعام: 19]. (كيف ظهرت الدعوة الإسلامية؟)
كان وضع المجتمع الإنساني يومئذ (عهد الجاهلية) ما سمعته من إكباب الناس على الباطل وسلطة الفساد والظلم عليهم في جميع شؤون الحياة, وهو ذا دين التوحيد وهو الدين الحق يريد أن يؤمّر الحق ويوليه عليهم تولية مطلقة, ويطهر قلوبهم من ألواث الشرك, ويزكي أعمالهم ويصلح مجتمعهم بعد ما تعرق الفساد في جذوره وأغصانه وباطنه وظاهره.
وبالجملة يريد الله ليهديهم إلى الحق الصريح, وما يريد ليجعل عليهم من حرج ولكن يريد ليطهرهم وليتم نعمته عليهم, فما هم عليه من الباطل وما يريد منهم كلمة الحق في نقطتين متقابلتين وقطبين متخالفين, فهل كان يجب أن يستمال منهم البعض ويصلح بهم الباقين من أهل الباطل, ثم بالبعض البعض حرصاً على ظهور الحق مهما كان وبأي وسيلة تيسر, كما قيل: إن أهمية الغاية تبيح المقدمة ولو كانت محظورة, وهذا هو السلوك السياسي الذي يستعمله أهل السياسة.
وهذا النحو من السلوك إلى الغرض قلما يتخلف عن الإيصال إلى المقاصد في أي باب جرى, غير أنه لا يجري في باب الحق الصريح وهو الذي تؤمّه الدعوة الإسلامية, فإن الغاية وليدة مقدماتها ووسائلها, وكيف يمكن أن يلد الباطل حقاً وينتج السقيم صحيحاً والوليد مجموعة مأخوذة من اللذين يلدانه؟
وبغية السياسة وهواها أن تبلغ السلطة والسيطرة, وتحوز السبق والتصدر والتعين والتمتع بأي نحو اتفق, وعلى أي وصف من أوصاف الخير والشر والحق والباطل انطبق, ولا هوى لها في الحق, ولكن الدعوة الحقة لا تبتغي إلا الغرض الحق, ولو توسلت إليه بباطل لكان ذلك منها إمضاءً وإنفاذاً للباطل فتصير دعوة باطلة لا دعوة حقة.
ولهذه الحقيقة ظهورات بارزة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والطاهرين من آله عليهم السلام.
وبذلك أمره صلى الله عليه وآله وسلم ربه ونزل به القرآن في مواطن راودوه فيها للمساهلة أو المداهنة (ولو يسيراً) في أمر الدين, قال تعالى:
{ قل يا أيُّها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين } [الكافرون: 1 - 6]، وقال تعالى: وفيه لحن التهديد { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } [الإسراء: 74 - 75]، وقال تعالى: { وما كنت متخذ المضلين عضداً } [الكهف: 51]، وقال تعالى ـ وهو مثل وسيع المعنى ـ: { والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلاَّ نكداً } [الأعراف: 58]. وإذ كان الحق لا يمازج الباطل ولا يلتئم به, فقد أمره الله سبحانه حينما أعياه ثقل الدعوة بالرفق والتدرج في أمرها بالنظر إلى نفس الدعوة والمدعو والمدعو إليه من ثلاث جهات.
الأولى: من جهة ما اشتمل عليه الدين من المعارف الحقة والقوانين المشرعة التي من شأنها إصلاح شؤون المجتمع الإنساني, وقطع منابت الفساد فإن من الصعب المستصعب تبديل عقائد الناس ولا سيما إذا كانت ناشبة في الأخلاق والأعمال, وقد استقرت عليها العادات, ودارت عليها القرون, وسارت عليها الأسلاف, ونشأت عليها الأخلاف, ولا سيما إذا عمت كلمة الدين ودعوته جميع شؤون الحياة, واستوعبت جميع الحركات الإنسانية وسكناتها في ظاهرها وباطنها في جميع أزمنتها ولجميع أشخاصها وأفرادها ومجتمعاتها من غير استثناء (كما أنه شأن الإسلام) فإن ذلك مما يدهش الفكرة تصوره أو هو محال عادي.
وصعوبة هذا الأمر ومشقته في الأعمال أزيد منها في الاعتقادات, فإن استيناس الإنسان واعتياده ومساسه بالعمل أقدم منه بالاعتقاد, وهو أظهر لحسه وآثر عند شهواته وأهوائه, ولذلك أظهرت الدعوة الاعتقادات الحقة في أول أمرها جملة, لكن القوانين والشرائع الإلهية ظهرت بالتدريج حكماً فحكماً.
وبالجملة تدرجت الدعوة في إلقاء مضمراتها إلى الناس لئلا يشمس عن تلقيها الطباع ولا تتزلزل النفوس في نضد بعض أجزاء الدعوة على بعض, وهذا الذي ذكرناه ظاهر للمتدبر الباحث في هذه الحقائق, فإنه يجد الآيات القرآنية مختلفة في إلقاء المعارف الإلهية والقوانين المشرعة في مكيتها ومدنيتها. الآيات المكية تدعو إلى كليات أُجمل فيها القول, والمدنية - ونعني بها ما نزلت بعد الهجرة أينما نزلت - تفصل القول وتأتي بالتفاصيل من الأحكام التي سبقت في المكية كلياتها ومجملاتها, قال تعالى:
{ كلاَّ إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى* أرأيت إن كذَّب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى } [العلق: 6 - 14]، والآيات نازلة في أول الرسالة بعد النبوة على ما مرّت إليه الإِشارة في آيات الصوم من الجزء الثاني, وفيها إجمال التوحيد والمعاد, وإجمال أمر التقوى والعبادة.
وقال تعالى:
{ يا أيُّها المدثر * قُمْ فأنذر * وربَّك فكبّر } [المدثر: 1 - 3]، وهي أيضاً من الآيات النازلة في أول البعثة, وقال تعالى: { ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها } [الشمس: 7 - 10]، وقال تعالى: { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } [الأعلى: 14 - 15]، وقوله تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } [فصلت: 6 - 8]، وهذه الآيات أيضاً من الآيات النازلة في أوائل البعثة.
وقال تعالى:
{ قل تعالوا أتل ما حرَّم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيّاهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق ذلكم وصاكم به لعلَّكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلاَّ وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلَّكم تذكرون * وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلَّكم تتقون } [الأنعام: 151 - 153]، فانظر إلى سياق الآيات الشريفة كيف أجمل القول فيها في النواهي الشرعية أولاً, وفي الأوامر الشرعية ثانياً, وإنما أُجمل بجمع الجميع تحت وصف لا يستنكف حتى العقل العامي من قبوله, فإن الفواحش لا يتوقف في شناعتها ولزوم اجتنابها والكف عنها ذو مسكة, وكذا الاجتماع على صراط مستقيم يؤمن به التفرق والضعف والوقوع في الهلكة والردى لا يرتاب فيه أحد بحكم الغريزة فقد استمد في هذه الدعوة من غرائز المدعوين, ولذلك بعينه ذكر ما ذكر من المحرمات بعنوان التفصيل كعقوق الوالدين والإِساءة إليهما, وقتل الأولاد من إملاق, وقتل النفس المحترمة, وأكل مال اليتيم إلى آخر ما ذكر, فإن العواطف الغريزية من الإنسان تؤيد الدعوة في أمرها لاشمئزازها في حالها العادي عن ارتكاب هذه الجرائم والمعاصي, وهناك آيات أُخر يعثر عليها المتدبر ويرى أن الحال فيها نظير ما ذكرناه فيما نقلنا من الآيات.
وكيف كان فالآيات المكية شأنها الدعوة إلى مجملات فصلتها بعد ذلك الآيات المدنية, ومع ذلك فالآيات المدنية نفسها لا تخلو عن مثل هذا التدرج, فما جميع الأحكام والقوانين الدينية نزلت في المدينة دفعة واحدة بل تدريجاً ونجوماً.
ويكفيك التدبر في أُنموذج منها قد تقدمت الإشارة اليها وهي آيات حرمة الخمر، فقد قال تعالى:
{ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } [النحل: 67]، والآية مكية ذكر فيها أمر الخمر وسكت عنه إلا ما في قوله: {ورزقاً حسناً} من الإيماء إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن ثم قال: { قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإِثم } } [الأنعام: 151]، والآية أيضاً مكية تحرم الإِثم صريحاً, لكن لم تبين أن شرب الخمر إثم إرفاقا في الدعوة إلى ترك عادة سيئة اجتذبتهم إليها شهواتهم ونبتت عليها لحومهم وشدت عظامهم, ثم قال: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [البقرة: 219]، والآية مدنية تبين أن شرب الخمر من الإثم الذي حرمته آية الأعراف, ولسان الآية - كما ترى - لسان رفق ونصح, ثم قال تعالى: { يا أيُّها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [المائدة: 90 - 91]، والآية مدنية ختم بها أمر التحريم.
ونظيرها الإِرث فقد آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولاً بين أصحابه وورّث أحد الأخوين الآخر في أول الأمر إعداداً لهم لما سيشرعه الله في أمر الوراثة, ثم نزل قوله تعالى:
{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } [الأحزاب: 6]، وعلى هذا النحو غالب الأحكام المنسوخة والناسخة.
ففي جميع هذه الموارد وأشباهها تدرجت الدعوة في إظهار الأحكام وإجرائها أخذاً بالإرفاق لحكمة الحفظ لسهولة التحميل وحسن التلقي بالقبول, قال تعالى:
{ وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً } [الإسراء: 106]، ولو كان القرآن نزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم دفعة واحدة ثم بين الرسول تفاصيل شرائعه على ما يوظفه عليه قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم } [النحل: 44]، فأتى ببيان جميع معارفه الاعتقادية والأخلاقية وكليات الأحكام العبادية والقوانين الجارية في المعاملات والسياسات, وهكذا لم تستطع الأفهام عندئذ تصورها وحملها فضلاً عن قبول الناس لها وعملهم بها وحكومتها على قلوبهم في إرادتها, وعلى جوارحهم وأبدانهم في فعلها, فتنزيله على مكث هو الذي هيأ للدين إمكان القبول والوقوع في القلوب وقال تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً } [الفرقان: 32] وفي الآية دلالة على أن سبحانه كان يرفق برسوله صلى الله عليه وآله وسلم في إنزال القرآن نجوماً كما أرفق بأمته, فتدبر في ذلك وتأمله, وفي ذيل الآية قوله: {ورتلناه ترتيلاً}.
ومن الواجب أن يتذكر أن السلوك من الإجمال إلى التفصيل والتدرج في إلقاء الأحكام إلى الناس من باب الإرفاق وحسن التربية ورعاية المصلحة غير المداهنة والمساهلة وهو ظاهر.
الثانية: السلوك التدريجي من حيث انتخاب المدعوين وأخذ الترتيب فيهم, فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مبعوثاً إلى كافة البشر من غير اختصاص دعوته بقوم دون قوم, ولا بمكان دون مكان, ولا بزمان دون زمان (ومرجع الأخيرين إلى الأول في الحقيقة) البتة قال تعالى:
{ قل يا أيُّها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض } [الأعراف: 158]، وقال تعالى: { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } [الأنعام: 19]، وقال تعالى: { وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107]. على أن التاريخ يحكي دعوته صلى الله عليه وآله وسلم اليهود وهم من بني إسرائيل, والروم والعجم والحبشة ومصر وليسوا من العرب, وقد آمن به من المشاهير سلمان وهو من العجم, ومؤذنه بلال وهو من الحبشة, وصهيب وهو من الروم, فعموم نبوته صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه لا ريب فيه, والآيات السابقة تشمل بعمومها الأزمان والأمكنة أيضاً.
على أن قوله تعالى:
{ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } [فصلت: 41 - 42]، وقوله تعالى: { ولكن رسول الله وخاتم النبيين } [الأحزاب: 40]، تدلان على عموم النبوة وشمولها للأمكنة والأزمنة أيضاً, والبحث التفصيلي عن هذه الآيات يطلب من تفسيرها في مواردها.
وكيف كان فالنبوة عامة, والمتأمل في سعة المعارف والقوانين الإسلامية وما كان عليه الدنيا يوم ظهر الإسلام من ظلمة الجهل, وقذارة الفساد, والبغي, لا يرتاب في عدم إمكان مواجهة الدنيا ومكافحة الشرك والفساد حينئذ دفعة.
بل كان من الواجب في الحكمة أن تبدأ الدعوة بالبعض وأن يكون ذلك البعض هو قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ثم يظهر بركوز الدين فيهم على غيرهم وهكذا كان, قال تعالى:
{ وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبيّن لهم } [إبراهيم: 4]، وقال: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين } [الشعراء: 198 - 199]، والآيات التي تدل على ارتباط الدعوة والإنذار بالعرب لا تدل على أزيد من كونهم بعض من تعلقت بهم الدعوة والإنذار, وكذا الآيات النازلة في التحدي بالقرآن لو كان فيها ما ينحصر تحديه بالبلاغة فحسب, إنما هي لكون البلاغة إحدى جهات التحدي بالإعجاز, ولا دليل في ذلك على كون الأُمة العربية هي المقصودة بالدعوة فقط, نعم, اللسان مقصود بالاستقلال للبيان كما مرّ من قوله: {وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبيّن لهم} الآية، وقوله: { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن } [يوسف: 3]، وقوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } [الشعراء: 192 - 195]، فاللسان العربي هو المظهر للمعاني والمقاصد الذهنية أتم إظهار, ولذلك اختاره الله سبحانه لكتابه العزيز من بين الألسن وقال: { إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون } [الزخرف: 3]. وبالجملة أمره الله تعالى بعد القيام بأصل الدعوة أن يبدأ بعشيرته فقال: { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214]، فامتثل أمره وجمع عشيرته ودعاهم إلى ما بعث له ووعدهم أن أول من لباه فهو خليفته من بعده فأجابه إلى ذلك علي عليه السلام فشكر له ذلك واستهزأ به الباقون على ما في صحاح الروايات وكتب التاريخ والسير, ثم لحق به أناس من أهله كخديجة زوجته وعمه حمزة بن عبد المطلب وعبيد وعمه أبي طالب على ما روته الشيعة, وفي أشعاره تصريحات وتلويحات بذلك (وإنما لم يتظاهر بالإيمان ليتمكن من حمايته صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم أمره الله سبحانه أن يوسع الدعوة لقومه على ما يظهر من قوله:
{ وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أُم القرى ومن حولها } [الشورى: 7] وقوله: { لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلَّهم يهتدون } [السجدة: 3]، وقوله: {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}، وهذه الآية من الشواهد على أن الدعوة غير مقصورة عليهم, وإنما بدأ بهم حكمة ومصلحة.
ثم أمره الله سبحانه بتوسعة الدعوة للدنيا من جميع المليين وغيرهم, كما يدل عليه الآيات السابقة كقوله تعالى: {قل يا أيُّها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}, وقوله: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} وغيرهما مما تقدم.
الثالثة: الأخذ بالمراتب من حيث الدعوة والإرشاد والإجراء, وهي الدعوة بالقول والدعوة السلبية والجهاد.
أما الدعوة بالقول فهي مما يستفاد من جميع القرآن بالبداهة, وقد أمره الله سبحانه برعاية الكرامات الإنسانية والأخلاق الحسنة, في ذلك قال تعالى:
{ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ } [الكهف: 110]، وقال: { واخفض جناحك للمؤمنين } [الحجر: 88]، وقال: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } [فصلت: 34]، وقال: { ولا تمنن تستكثر } [المدثر: 6] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يستعمل جميع فنون البيان على حسب اختلاف الأفهام واستعدادات الأشخاص, قال تعالى:
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [النحل: 125]. وأما الدعوة السلبية, فهو اعتزال المؤمنين الكافرين في دينهم وأعمالهم وتكوين مجتمع إسلامي لا يمازجه دين غيرهم ممن لا يوحد الله سبحانه ولا أعمال غير المسلمين من المعاصي وسائر الرذائل الأخلاقية إلا ما أوجبته ضرورة الحياة من المخالطة, قال تعالى: { لكم دينكم ولي دين } [الكافرون: 6]، وقال: { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } [هود: 112 - 113]، وقال: { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } [الشورى: 15]، وقال تعالى: { يا أيُّها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق } [الممتحنة: 1] إلى أن قال: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } [الممتحنة: 8 - 9]، والآيات في معنى التبري والاعتزال عن أعداء الدين كثيرة, وهي - كما ترى - تشرح معنى هذا التبري وكيفيته وخصوصيته.
وأما الجهاد فقد تقدم الكلام فيه في ذيل آيات الجهاد من سورة البقرة, وهذه المراتب الثلاث من مزايا الدين الإسلامي ومفاخره, والمرتبة الأولى لازمة في الأخيرتين, وكذا الثانية في الثالثة, فقد كانت من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة والموعظة في غزواته قبل الشروع فيها على ما أمره به ربه سبحانه فقال: {فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء}.
ومن أخنى القول ما نبذوا به الإِسلام: أنه دين السيف دون الدعوة مع أن الكتاب والسيرة والتاريخ يشهد به وتنوره, ولكن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
وهؤلاء المنتقدون بعضهم من أهل الكنيسة التي كانت عقدت منذ قرون فيها محكمة دينية تقضي على المنحرفين عن الدين بالنار تشبهاً بالمحكمة الإلهية يوم القيامة, فكان عمالها يجولون في البلاد فيجلبون إليها من الناس من اتهموه بالردة ولو بالأقوال الحديثة في الطبيعيات والرياضيات مما لم يقل به الفلسفة الأسكو لاستيكية التي كانت الكنيسة تروجها.
فليت شعري هل بسط التوحيد وقطع منابت الوثنية وتطهير الدنيا من قذارة الفساد أهم عند العقل السليم, أو تخنيق من قال بمثل حركة الأرض أو نفي الفلك البطليموسي ورد أنفاسه إلى صدره, والكنيسة هي التي أثارت العالم المسيحي على المسلمين باسم الجهاد مع الوثنية, فأقامت الحروب الصليبية على ساقها مائتي سنة تقريباً وخربت البلاد وأفنت الملايين من النفوس وأباحت الأعراض.
وبعضهم من غير أهل الكنيسة من المدعين للتمدن والحرية!! وهؤلاء هم الذين يوقدون نار الحروب العالمية ويقلبون الدنيا ظهر البطن كلما هتفت بهم مزاعمهم توجه خطر يسير على بعض منافعهم المادية فهل استقرار الشرك في الدنيا وانحطاط الأخلاق وموت الفضائل وإحاطة الشؤم والفساد على الأرض ومن فيها أضر, أم زوال السلطة على أشبار من الأرض أو الخسارة في دريهمات يسيرة؟! نعم إن الإنسان لربه لكنود.
ويعجبني نقل ما ذكره بعض المحققين الأعاظم في هذا الباب في بعض رسائله قال رحمة الله: الوسائل المتبعة للإصلاح الاجتماعي وتحقيق العدل وتمزيق الظلم ومقاومة الشر والفساد تكاد تنحصر في ثلاثة أنواع:
1ـ وسائل الدعوة والإِرشاد بالخطب والمقالات والمؤلفات والنشرات, وهذه هي الخطة الشريفة التي أشار إليها الحق جل شأنه بقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}, وقوله: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وهذه هي الطريقة التي استعملها الإِسلام في أول البعثة.
2ـ وسائل المقاومة السلمية والسلبية كالمظاهرات والإِضرابات والمقاطعة الاقتصادية وعدم التعاون مع الظالمين, وعدم الاشتراك في أعمالهم وحكومتهم, وأصحاب هذه الطريقة لا يبيحون اتخاذ طريق الحرب والقتل والعنف, وهي المشار إليها بقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}, {ولا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير إلى هذه الطريقة, وأشهر من دعا إلى هذه الطريقة وأكد عليها النبي الهندي بوذا, والمسيح عليه السلام والأديب الروسي "تولستوي" والزعيم الهندي الروحي "غاندي".
3ـ الحرب والثورة والقتال.
والإسلام يتدرج في هذه الأساليب الثلاثة:
"الأولى" الموعظة الحسنة والدعوة السليمة فإن لم ينجح في دفع الظالمين ودرء فسادهم واستبدادهم "فالثانية" المقاطعة السلمية أو السلبية وعدم التعاون والمشاركة معهم فإن لم تجد وتنفع "فالثالثة" الثورة المسلحة, فإن الله لا يرضى بالظلم أبداً, بل والراضي الساكت شريك الظالم.
الإسلام عقيدة, وقد غلط وركب الشطط من قال: إن الإسلام نشر دعوته بالسيف والقتال, فإن الإسلام إيمان وعقيدة, والعقيدة لا تحصل بالجبر والإكراه وإنما تخضع للحجة والبرهان, والقرآن المجيد ينادي بذلك في عدة آيات منها {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي}.
والإسلام إنما استعمل السيف وشهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا بالآيات والبراهين, استعمل القوة في سبيل من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة إلى الحق, أجهز السلاح لدفع شر المعاندين لا إلى إدخالهم في حظيرة الإسلام, يقول جل شأنه: {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة}, فالقتال إنما هو لدفع الفتنة لا لاعتناق الدين والعقيدة.
فالإسلام لا يقاتل عبطة واختياراً, وإنما يحرجه الأعداء فيلتجئ إليه اضطراراً, ولا يأخذ منه إلا بالوسائل الشريفة, فيحرم في الحرب والسلم التخريب والإحراق والسم وقطع الماء عن الأعداء, كما يحرم قتل النساء والأطفال وقتل الأسرى ويوصي بالرفق بهم والإِحسان إليهم مهما كانوا من العداء والبغضاء للمسلمين, ويحرم الاغتيال في الحرب والسلم, ويحرم قتل الشيوخ والعجزة ومن لم يبدأ بالحرب ويحرم الهجوم على العدو ليلاً {وانبذ إليهم على سواء}, ويحرم القتل على الظنة والتهمة والعقاب قبل ارتكاب الجريمة إلى أمثال ذلك من الأعمال التي يأباها الشرف والمروءة والتي تنبعث من الخسة والقسوة والدناءة والوحشية.
كل تلك الأعمال التي أبى شرف الإسلام ارتكاب شيء منها مع الأعداء في كل ما كان له من المعارك والحروب, قد ارتكبتها بأفظع صورها وأهول أنواعها الدول المتمدنة في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور, نعم أباح عصر النور قتل النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والتثبيت ليلاً والهجوم بالسلاح والقنابل على العزل والمدنيين الآمنين, وأباح القتل بالجملة.
ألم يرسل الألمان في الحرب العالمية الثانية القنابل الصاروخية إلى لندن فهدمت المباني وقتلت النساء والأطفال والسكان الآمنين؟! ألم يرسل الحلفاء في الحرب الماضية ألوف الطائرات إلى ألمانيا لتخريب مدنها؟! ألم يرم الأمريكان القنابل الذرية إلى المدن اليابانية؟!.
وبعد اختراع وسائل الدمار الحديثة كالصواريخ والقنابل الذرية والهيدروجينية لا يعلم إلا الله ماذا يحل بالأرض من عذاب وخراب ومآسي وآلام, إذا حدثت حرب عالمية ثالثة ولجأت الدول المتحاربة إلى استعمال تلك الوسائل, أرشد الله الإنسان إلى طريق الصواب وهداه الصراط المستقيم, انتهى.
قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} إلى آخر الآية، أمر بإيتاء اليتامى أموالهم وهو توطئة للجملتين اللاحقتين: {ولا تتبدلوا} "الخ" أو الجملتان كالمفسر لهذه الجملة, غير أن التعليل الذي في آخر الآية لكونه راجعاً إلى الجملتين أو الجملة الأخيرة يؤيد أن الجملة الأولى موضوعة في الكلام تمهيداً للنهي الذي في الجملتين اللاحقتين.
وأصل النهي عن التصرف المضار في أموال اليتامى - كما تقدّم بيانه - توطئة وتمهيد لما سيذكر من أحكام الإِرث, ولما سيذكر في الآية التالية من حكم التزوج.
وأما قوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} أي لا تتبدلوا الخبيث من أموالكم من الطيب من أموالهم بأن يكون لهم عندكم مال طيب فتعزلوه لأنفسكم وتردوا إليهم ما يعادله من ردي أموالكم. ويمكن أن يكون المراد: لا تتبدلوا أكل الحرام من أكل الحلال - كما قيل - لكن المعنى الأول أظهر فإن الظاهر أن كلاً من الجملتين أعني قوله: "ولا تتبدلوا" الخ وقوله: "ولا تأكلوا" الخ بيان لنوع خاص من التصرف غير الجائز, وقوله: "وآتوا اليتامى" الخ. تمهيد لبيانهما معاً, وأما قوله: {إنه كان حوباً كبيراً} الحوب الإِثم مصدر واسم مصدر.
قوله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانحكوا ما طاب لكم من النساء} قد مرت الإشارة فيما مر إلى أن أهل الجاهلية من العرب - وكانوا لا يخلون في غالب الأوقات عن الحروب والمقاتل والغيلة والغارة وكان يكثر فيهم حوادث القتل - كان يكثر فيهم الأيتام, وكانت الصناديد والأقوياء منهم يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فيتزوجون بهن ويأكلون أموالهن إلى أموالهن ثم لا يقسطون فيهن وربما أخرجوهن بعد أكل مالهن, فيصرن عاطلات ذوات مسكنة لا مال لهن يرتزقن به ولا راغب فيهن فيتزوج بهن وينفق عليهن, وقد شدد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث والظلم الفاحش, وأكد النهي عن ظلم اليتامى وأكل أموالهم كقوله تعالى:
{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } [النساء: 10]، وقوله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً } [النساء: 2] الآية، فأعقب ذلك أن المسلمين أشفقوا على أنفسهم - كما قيل - وخافوا خوفاً شديداً حتى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفاً من الابتلاء بأموالهم والتفريط في حقهم, ومن أمسك يتيماً عنده أفرز حظه من الطعام والشراب, وكان إذا فضل من غذائهم شيء لم يدنوا منه حتى يبقى ويفسد, فأصبحوا متحرجين من ذلك وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وشكوا إليه فنزل: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } [البقرة: 220]، فأجاز لهم أن يأووهم ويمسكوهم إصلاحاً لشأنهم, أن يخالطوهم فإنهم إخوانهم فجلى عنهم وفرج همهم.
إذا تأملت في ذلك ثم رجعت إلى قوله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا} "الخ" وهو واقع عقيب قوله: {وآتوا اليتامى أموالهم} الآية, اتضح لك أن الآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في الآية السابقة والمعنى - والله أعلم -: اتقوا أمر اليتامى, ولا تتبدلوا خبيث أموالكم من طيب أموالهم, ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى أنكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات منهم ولم تطب نفوسكم أن تنكحوهن وتتزوجوا بهن فدعوهن وانكحوا نساءً غيرهن ما طاب لكم مثنى وثلاث ورباع.
فالشرطية أعني قوله: {إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء}, في معنى قولنا إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهن وانكحوا نساءً غيرهن فقوله: {فانكحوا} ساد مسد الجزاء الحقيقي, وقوله: {ما طاب لكم}, يغني عن ذكر وصف النساء أعني لفظ غيرهن؛ وقد قيل: ما طاب لكم ولم يقل: من طاب لكم إشارة إلى العدد الذي سيفصله بقوله: {مثنى وثلاث} إلخ ووضع قوله: {إن خفتم أن لا تقسطوا} موضع عدم طيب النفس من وضع السبب موضع المسبب مع الإشعار بالمسبب في الجزاء بقوله: {ما طاب لكم} هذا.
وقد قيل في معنى الآية أمور أخر غير ما مر على ما ذكر في مطولات التفاسير وهي كثيرة, منها: أنه كان الرجل منهم يتزوج بالأربع والخمس وأكثر ويقول: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان؛ فإذا فنى ماله مال إلى مال اليتيم الذي في حجره فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ظلماً.
ومنها: أنهم كانوا يشددون في أمر اليتامى ولا يشددون في أمر النساء, فيتزوجون منهن عدداً كثيراً ولا يعدلون بينهن, فقال تعالى: إن كنتم تخافون أمر اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا منهن واحدة إلى أربع.
ومنها: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى وأكل أموالهم فقال سبحانه: إن كنتم تحرجتم من ذلك فكذلك تحرجوا من الزنا وانكحوا ما طاب لكم من النساء.
ومنها: أن المعنى إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قرباتكم مثنى وثلاث ورباع.
ومنها: أن المعنى إن كنتم تتحرجون عن مواكلة اليتامى فتحرجوا من الجمع بين النساء وأن لا تعدلوا بينهن ولا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور, فهذه وجوه ذكروها لكنك بصير بأن شيئاً منها لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق, فالمصير إلى ما قدمناه.
قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} بناء مفعل وفعال في الأعداد تدلان على تكرار المادة, فمعنى مثنى وثلاث ورباع اثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً ولما كان الخطاب متوجهاً إلى أفراد الناس وقد جيء بواو التفصيل بين مثنى وثلاث ورباع الدال على التخيير أفاد الكلام أن لكل واحد من المؤمنين أن يتخذ لنفسه زوجتين أو ثلاثاً أو أربعاً فيصرن بالإضافة إلى الجميع مثنى وثلاث و رباع.
وبذلك وبقرينة قوله بعده: {وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}، وكذا آية المحصنات بجميع ذلك يدفع أن يكون المراد بالآية أن تنكح الاثنتان بعقد واحد أو الثلاث بعقد واحد مثلاً, أو يكون المراد اشتراك أزيد من رجل واحد في الزوجد الواحدة مثلاً, فهذه محتملات لا تحتملها الآية.
على أن الضرورة قاضية أن الإسلام لا ينفذ الجمع بين أزيد من أربع نسوة أو اشتراك أزيد من رجل في زوجة واحدة.
وكذا يدفع بذلك احتمال أن يكون الواو للجمع, فيكون في الكلام تجويز الجمع بين تسع نسوة, لأن مجموع الاثنتين والثلاث والأربع تسع, وقد ذكر في المجمع: أن الجمع بهذا المعنى غير محتمل البتة فإن من قال: دخل القوم البلد مثنى وثلاث ورباع لم يلزم منه اجتماع الأعداد فيكون دخولهم تسعة تسعة, ولأن لهذا العدد لفظاً موضوعاً وهو تسع, فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع نوع من العي - جل كلامه عن ذلك وتقدس -.
قوله تعالى: {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة} أي فانكحوا واحدة لا أزيد, وقد علقه تعالى على الخوف من ذلك دون العلم في هذه الأمور - ولتسويل النفس فيها أثر بين - لا يحصل غالباً فتفوت المصلحة.
قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم}، وهي الإِماء فمن خاف أن لا يقسط فيهن فعليه أن ينكح واحدة, وإن أحب أن يزيد في العدد فعليه بالإِماء إذ لم يشرع القسم في الإِماء.
ومن هنا يظهر أن ليس المراد التحضيض على الإماء بتجويز الظلم والتعدي عليهن, فإن الله لا يحب الظالمين, وليس بظلام للعبيد, بل لما لم يشرع القسم فيهن فأمر العدل فيهن أسهل؛ ولهذه النكتة بعينها كان المراد بذكر ملك اليمين الاكتفاء باتخاذهن وإتيانهن بملك اليمين دون نكاحهن بما يبلغ العدد أو يكثر عليه, فإن مسألة نكاحهن سيتعرض لها في ما سيجيء من قوله:
{ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } [النساء: 25] الآية.
قوله تعالى: {ذلك أدنى أن لا تعولوا} العول هو الميل أي هذه الطريقة على ما شرعت أقرب من أن لا تميلوا عن العدل ولا تتعدوا عليهن في حقوقهن, وربما قيل: إن العدل بمعنى الثقل وهو بعيد لفظاً ومعنى.
وفي ذكر هذه الجملة التي تتضمن حكمة التشريع دلالة على أن أساس التشريع في أحكام النكاح على القسط ونفي العول والإجحاف في الحقوق.
قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} الصدقة بضم الدال وفتحها والصداق هو المهر, والنحلة هي العطية من غير مثامنة.
وفي إضافة الصدقات إلى ضميرهن دلالة على أن الحكم بوجوب الإيتاء مبني على المتداول بين الناس في سنن الازدواج من تخصيص شيء من المال أو أي شيء له قيمة, مهراً لهن كأنه يقابل به البضع مقابلة الثمن المبيع, فإن المتداول بين الناس أن يكون الطالب الداعي للازدواج هو الرجل على ما سيأتي في البحث العلمي التالي, وهو الخطبة كما أن المشتري يذهب بالثمن إلى البائع ليأخذ سلعته, وكيف كان ففي الآية إمضاء هذه العادة الجارية عند الناس.
ولعل إمكان توهم عدم جواز تصرف الزوج في المهر أصلاً حتى برضى من الزوجة هو الموجب للإتيان بالشرط في قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} مع ما في اشتراط الأكل بطيب النفس من تأكيد الجملة السابقة المشتملة على الحكم, والدلالة على أن الحكم وضعي لا تكليفي.
والهناء سهولة الهضم وقبول الطبع ويستعمل في الطعام, والمريء من الري وهو في الشراب كالهنيء في الطعام غير أن الهناء يستعمل في الطعام والشراب معاً؛ فإذا قيل: "هنيئاً مريئاً" اختص الهناء بالطعام والري بالشراب.
قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} السفه خفة العقل, وكأن الأصل في معناه مطلق الخفة, فيما من شأنه أن لا يخف, ومنه الزمام السفيه, أي كثير الاضطراب, وثوب سفيه أي رديء النسج ثم غلب في خفة النفس واختلف باختلاف الأغراض والمقاصد فقيل: سفيه لخفيف الرأي في الأمور الدنيوية, وسفيه للفاسق غير المبالي في أمر دينه وهكذا.
وظاهر ما يتراءى من الآية أنه نهي عن الإكثار في الإنفاق على السفهاء وإعطائهم من المال أزيد من حاجاتهم الضرورية في الارتزاق, غير أن وقوع الآية في سياق الكلام في أموال اليتامى التي يتولى أمر إدارتها وإنمائها الأولياء قرينة معينة على كون المراد بالسفهاء هم السفهاء من اليتامى, وأن المراد بقوله: "أموالكم", في الحقيقة أموالهم أضيف إلى الأولياء بنوع من العناية كما يشهد به أيضاً قوله بعد: وارزقوهم فيها واكسوهم, وإن كان ولا بد من دلالة الآية على أمر سائر السفهاء غير اليتامى, فالمراد بالسفهاء ما يعم اليتيم وغير اليتيم لكن الأول أرجح.
وكيف كان فلو كان المراد بالسفهاء سفهاء اليتامى, فالمراد بقوله: "أموالكم", أموال اليتامى وإنما أضيفت إلى الأولياء المخاطبين بعناية أن مجموع المال والثروة الموجودة في الدنيا لمجموع أهلها, وإنما اختص بعض أفراد المجتمع ببعض منه وآخر بآخر للصلاح العام الذي يبتني عليه أصل الملك والاختصاص فيجب أن يتحقق الناس بهذه الحقيقة ويعلموا أنهم مجتمع واحد والمال كله لمجتمعهم, وعلى كل واحد منهم أن يكلأه ويتحفظ به ولا يدعه يضيع بتبذير نفوس سفيهة, وتدبير كل من لا يحسن التدبير كالصغير والمجنون, وهذا من حيث الإضافة كقوله تعالى:
{ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم } [النساء: 25]، ومن المعلوم أن المراد بالفتيات ليس الإماء اللاتي يملكها من يريد النكاح.
ففي الآية دلالة على حكم عام موجه إلى المجتمع, وهو أن المجتمع ذو شخصية واحدة له كل المال الذي أقام الله به صلبه وجعله له معاشاً, فيلزم على المجتمع أن يدبره ويصلحه ويعرضه معرض النماء ويرتزق به ارتزاقاً معتدلاً مقتصداً ويحفظه عن الضيعة والفساد, ومن فروع هذا الأصل أنه يجب على الأولياء أن يتولوا أمر السفهاء فلا يؤتوهم أموالهم فيضيعوها بوضعها في غير ما ينبغي أن توضع فيه, بل عليهم أن يحبسوها عنهم ويصلحوا شأنها, وينموها بالكسب والإِتجار والاسترباح ويرزقوا أولئك السفهاء من فوائدها ونمائها دون أصلها حتى لا ينفد رويداً رويداً وينتهي إلى مسكنة صاحب المال وشقوته.
ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم} أن يرتزق السفيه في المال بأن يعيش من نمائه ونتاجه وأرباحه لا من المال بأن يشرع في الأكل من أصله على ركود منه من غير جريان ودوران فينفد عن آخره, وهذه هي النكتة في قوله: "فيها" دون أن يقول: "منها" كما ذكره الزمخشري.
ولا يبعد أن يستفاد من الآية عموم ولاية المحجور عليهم بمعنى أن الله لا يرضى بإهمال أمر هؤلاء, بل على المجتمع الإسلامي تولي أمرهم, فإن كان هناك واحد من الأولياء الأقربين كالأب والجد فعليه التولي والمباشرة, وإلا فعلى الحكومة الشرعية أو على المؤمنين أن يقوموا بالأمر على التفصيل المذكور في الفقه.
(كلام في أن جميع المال لجميع الناس)
هذه حقيقة قرآنية هي أصل لأحكام وقوانين هامة في الإسلام, أعني ما تفيده هذه الآية: أن المال لله ملكاً حقيقياً جعله قياماً ومعاشاً للمجتمع الإنساني من غير أن يقفه على شخص دون شخص وقفاً لا يتغير ولا يتبدل وهبة تنسلب معها قدرة التصرف التشريعي, ثم أذن في اختصاصهم بهذا الذي خوله الجميع على طبق نسب مشرعة كالوراثة والحيازة والتجارة وغير ذلك وشرط لتصرفهم أموراً كالعقل والبلوغ ونحو ذلك.
والأصل الثابت الذي يراعى حاله ويتقدر به فروعه هو كون الجميع للجميع, فإنما تراعى المصالح الخاصة على تقدير انحفاظ المصلحة العامة التي تعود إلى المجتمع وعدم المزاحمة, وأما مع المزاحمة والمفاوتة فالمقدم هو صلاح المجتمع من غير تردد.
ويتفرع على هذا الأصل الأصيل في الإسلام فروع كثيرة هامة: كأحكام الإنفاق ومعظم أحكام المعاملات وغير ذلك, وقد أيده الله تعالى في موارد من كتابه كقوله تعالى:
{ خلق لكم ما في الأرض جميعاً } } [البقرة: 29]، وقد أوردنا بعض الكلام المتعلق بهذا المقام في البحث عن آيات الإنفاق من سورة البقرة فليراجع هناك.
قوله تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً} قد تقدم استيفاء الكلام في معنى الرزق في قوله تعالى:
{ وترزق من تشاء بغير حساب } [آل عمران: 27]. وقوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم}, كقوله: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } [البقرة: 233] فالمراد بالرزق هو الغذاء الذي يغتذي به الإنسان, والكسوة ما يلبسه مما يقيه الحر والبرد (غير أن لفظ الرزق والكسوة في عرف القرآن كالكسوة والنفقة في لساننا) كالكناية تكنى بها عن مجموع ما ترتفع به حوائج الإنسان المادية الحيوية, فيدخل فيه سائر ما يحتاج إليه الإنسان كالمسكن ونحوه, كما أن الأكل ذو معنى خاص بحسب أصله ثم يكنى به عن مطلق التصرفات كقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} الآية.
وأما قوله: {وقولوا لهم قولاً معروفاً}، فإنما هو كلمة أخلاقية يصلح بها أمر الولاية, فأن هؤلاء وإن كانوا سفهاء محجورين عن التصرف في أموالهم غير أنهم ليسوا حيواناً أعجم ولا من الأنعام السائمة, بل بشر يجب أن يعامل معهم معاملة الإنسان فيكلموا بما يكلم به الإنسان لا بالمنكر من القول, ويعاشروا بما يعاشر به الإنسان.
ومن هنا يظهر أن من الممكن أن يكون قوله: {وقولوا لهم قولاً معروفاً}, كناية عن المعاملة الحسنة والمعاشرة الممدوحة غير المذمومة كما في قوله تعالى:
{ وقولوا للناس حسناً } [البقرة: 83].
قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم} إلى قوله: {أموالهم} الابتلاء الامتحان, والمراد من بلوغ النكاح بلوغ أوانه ففيه مجاز عقلي, والإيناس المشاهدة وفيه شوب من معنى الإلفة فإن مادته الأنس, والرشد خلاف الغي وهو الاهتداء إلى مقاصد الحياة, ودفع مال اليتيم إليه كناية عن إعطائه إياه وإقباضه له كأن الولي يدفعه إليه ويبعده من نفسه فهو على ابتذاله كناية لطيفة.
وقوله: {حتى إذا بلغوا النكاح}، متعلق بقوله: {وابتلوا}, ففيه دلالة ما على الاستمرار بأن يشرع الولي في ابتلائه من أول ما يأخذ في التمييز ويصلح للابتلاء حتى ينتهي إلى أوان النكاح ويبلغ مبلغ الرجال, ومن طبع هذا الحكم ذلك فإن إيناس الرشد لا يحصل بابتلاء الصبي في واقعة أو واقعتين, بل يجب تكراره إلى أن يحصل الإِيناس ويتمشى بالطبع في مدة مديدة حتى يبلغ الرهاق ثم النكاح.
وقوله: {فإن آنستم} الخ. تفريع على قوله: {وابتلوا}, والمعنى: وامتحنوهم فإن آنستم منهم الرشد فادفعوا إليهم أموالهم, والكلام يؤذن بأن بلوغ النكاح بمنزلة المقتضي لدفع المال إلى اليتيم واستقلاله بالتصرف في مال نفسه, والرشد شرط لنفوذ التصرف؛ وقد فصل الإسلام النظر في أمر البلوغ من الإنسان فاكتفى في أمر العبادات وأمثال الحدود والديات بمجرد السن الشرعي الذي هو سن النكاح, واشترط في نفوذ التصرفات المالية والأقارير ونحوها مما تفصيل بيانه في الفقه مع بلوغ النكاح الرشد, وذلك من لطائف سلوكه في مرحلة التشريع, فإن إهمال أمر الرشد وإلغاءه في التصرفات المالية ونحوها مما يختل به نظام الحياة الاجتماعية في قبيل الأيتام ويكون نفوذ تصرفاتهم وأقاريرهم مفضياً إلى غرور الأفراد الفاسدة إياهم وإخراج جميع وسائل الحياة من أيديهم بأدنى وسيلة بالكلمات المزيفة والمواعيد الكاذبة والمعاملات الغررية إلى ذلك, فالرشد لا محيص من اشتراطه في هذا النوع من الأمور, وأما أمثال العبادات فعدم الحاجة فيها إلى الاشتراط ظاهر, وكذا أمثال الحدود والديات فإن إدراك قبح هذه الجنايات والمعاصي وفهم وجوب الكف عنها لا يحتاج فيه إلى الرشد, بل الإنسان يقوى على تفهم ذلك قبله ولا يختلف حاله في ذلك قبل الرشد و بعده.
قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا} الإسراف هو التعدي عن الاعتدال في العمل, والبدار هو المبادرة إلى الشيء, وقوله: {وبداراً أن يكبروا} في معنى حذر أن يكبروا فلا يدعوكم أن تأكلوا, وحذف النفي أو ما في معناه قبل "أن" وأن قياسي على ما ذكره النحاة قال تعالى:
{ يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء: 176] أي لئلا تضلوا أو حذر أن تضلوا.
والتقابل الواقع بين الأكل إسرافاً والأكل بداراً أن يكبروا يعطي أن الأكل إسرافاً هو التعدي إلى أموالهم من غير حاجة ولا شائبة استحقاق, بل إجحافاً من غير مبالاة, والأكل بداراً أن يأكل الولي منها مثل ما يعد أجرة لعمله فيها عادة, غير أن اليتيم لو كبر أمكن أن يمنعه عن مثل هذا الأكل, فالجميع ممنوع إلا أن يكون الولي فقيراً لا محيص له من أن يشتغل بالاكتساب لسد جوعه أو يعمل لليتيم ويسد حاجته الضرورية من ماله, وهذا بالحقيقة يرجع إلى ما يأخذ العامل للتجارة والبناية ونحوهما, وهو الذي ذكره بقوله: {ومن كان غنياً}, أي لا يحتاج في معاشه إلى الأخذ من مال اليتيم فليستعفف أي ليطلب طريق العفة وليلزمه فلا يأخذ من أموالهم, ومن كان فقيراً فليأكل منها بالمعروف, وذكر بعض المفسرين أن المعنى: فليأكل بالمعروف من مال نفسه لا من أموالهم وهو لا يلائم التفصيل بين الغني والفقير.
وأما قوله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} فتشريع للاستشهاد عند الدفع تحكيماً للأمر ورفعاً لغائلة الخلاف والنزاع, فمن الممكن أن يدعي اليتيم بعد الرشد وأخذ المال من الولي عليه؛ ثم ذيل الجميع بقوله تعالى: {وكفى بالله حسيباً}, ربطاً للحكم بمنشأه الأصلي الأولي أعني محتد كل حكم من أسمائه وصفاته تعالى, فإنه تعالى لما كان حسيباً لم يكن ليخلي أحكام عباده من غير حساب دقيق وهو تشريعه المحكم, وتتميماً للتربية الدينية الإسلامية, فإن الإسلام يأخذ في تربية الناس على أساس التوحيد, إذ الإشهاد وإن كان رافعاً غالباً للخلاف والنزاع لكن ربما تخلف عنه لانحراف من الشهود في عدالتهم, أو غير ذلك من متفرقات العوامل, لكن السبب المعنوي العالي القوي هو تقوى الله الذي كفى به حسيباً, فلو جعل الولي والشهود واليتيم الذي دفع إليه المال هذا المعنى نصب أعينهم لم يقع هناك اختلاف ولا نزاع البتة.
فانظر إلى الآيتين كيف أبدعتا في البيان فقد بينتا أولاً رؤوس مسائل الولاية على أموال اليتامى والمحجور عليهم ومهماتها: من كيفية الأخذ والحفظ والإنماء والتصرف والرد, ووقت الأخذ والدفع وتحكيم مبناه ببيان وجه المصلحة العامة في ذلك كله, وهو أن المال لله جعله قياماً للإنسان على ما تقدم بيانه.
وثانياً الأصل الأخلاقي الذي يربي الإنسان على وفق هذه الشرائع, وهو الذي ذكره تعالى بقوله: {وقولوا لهم قولاً معروفاً}.
وثالثاً ببناء الجميع على أصل التوحيد الحاكم بوحدته في جميع الأحكام العملية والأخلاقية, والباقي على حسن تأثيره في جميع الموارد, لو فرض ضعف الأحكام العملية والدستورات الأخلاقية من حيث الأثر, وهو الذي ذكره بقوله: {وكفى بالله حسيباً}.
(بحث روائي)
في الدر المنثور في قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} الآية, أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية: {وآتوا اليتامى أموالهم} الحديث.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر.
وفي الكافي عنه عليه السلام: إذا جمع الرجل أربعاً فطلق إحداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق.
أقول: والروايات في الباب كثيرة.
وفي العلل بإسناده عن محمد بن سنان: أن الرضا عليه السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله علة تزويج الرجل أربع نسوة وتحريم أن تتزوج المرأة أكثر من واحد لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوبا إليه, والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو؟ إذ هم مشتركون في نكاحها وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف؛ قال محمد بن سنان: ومن علل النساء الحرائر وتحليل أربع نسوة لرجل واحد أنهن أكثر من الرجال فلما نظر - والله أعلم - يقول الله عز وجل: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}, فذلك تقدير قدره الله تعالى ليتسع فيه الغني والفقير فيتزوج الرجل على قدر طاقته, الحديث.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: في حديث قال: والغيرة للرجال, ولذلك حرم على المرأة إلا زوجها, وأحل للرجل أربعاً, فإن الله أكرم من أن يبتليهن بالغيرة ويحل للرجل معها ثلاثاً.
أقول: ويوضح ذلك أن الغيرة هي إحدى الأخلاق الحميدة, والملكات الفاضلة, وهي تغير الإنسان عن حاله المعتاد, ونزوعه إلى الدفاع والانتقام عند تعدي الغير إلى بعض ما يحترمه لنفسه من دين أو عرض أو جاه ويعتقد كرامته عليه, وهذه الصفة الغريزية لا يخلو عنها في الجملة إنسان أي إنسان فرض فهي من فطريات الإنسان, والإسلام دين مبني على الفطرة تؤخذ فيه الأمور التي تقضي بها فطرة الإنسان, فتعدل بقصرها فيما هو صلاح الإنسان في حياته, ويحذف عنها ما لا حاجة إليه فيها من وجوه الخلل والفساد كما في اقتناء المال والمأكل والمشرب والملبس والمنكح وغير ذلك.
فإذا فرض أن الله سبحانه أحل للرجل مع المرأة الواحدة ثلاثاً أخرى - والدين مبني على رعاية حكم الفطرة - كان لازم ذلك أن يكون ما يتراءى من حال النساء وتغيرهن على الرجال في أمر الضرائر حسداً منهن لا غيرة, وسيتضح مزيد اتضاح في البحث الآتي عن تعدد الزوجات, أن هذا الحال حال عرضي طار عليهن لا غريزي فطري.
وفي الكافي بإسناده عن زرارة عن الصادق عليه السلام قال: لا يرجع الرجل فيما يهب لأمرأته, ولا المرأة فيما تهب لزوجها جيزت أو لم تجز أليس الله تبارك وتعالى يقول: ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً؟ وقال: فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً؟ وهذا يدخل في الصداق والهبة.
وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن القداح عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين بي وجع في بطني, فقال له أمير المؤمنين عليه السلام ألك زوجة؟ قال: نعم قال: استوهب منها شيئاً طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلاً ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله يقول في كتابه: {وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً}, وقال: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس}, وقال: {فإن طبن لكم منه شيئاً فكلوه هنيئاً مريئاً}؛ شفيت إن شاء الله تعالى, قال: ففعل فشفي.
أقول: ورواه أيضاً في الدر المنثور عن عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه عليه السلام وهو نوع من الاستفادة لطيف, وبناؤه على التوسعة في المعنى ويوجد له نظائر في الأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام سنورد بعضها في الموارد المناسبة له.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله, ثم قال في بعض حديثه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن القيل والقال, وفساد المال, وكثرة السؤال؛ فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ قال: إن الله عز وجل يقول: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}, وقال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً}, وقال: {ولا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}.
وفي تفسير العياشي عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}, قال: من لا تثق به.
وفيه عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: كل من يشرب الخمر فهو سفيه.
وفيه عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: هم اليتامى لا تعطوهم أموالهم حتى تعرفوا منهم الرشد فقلت: فكيف يكون أموالهم أموالنا؟ قال: إذا كنت أنت الوارث لهم.
وفي تفسير القمي عن الباقر عليه السلام في الآية: فالسفهاء النساء والولد إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لم ينبغ له أن يسلط واحداً منهما على ماله الذي جعل الله له قياماً يقول: معاشاً؛ الحديث.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة, وهي تؤيد ما قدمناه أن السفه معنى وسيع ذو مراتب, كالسفيه المحجور عليه, والصبي قبل أن يرشد, والمرأة المتلهية المتهوسة, وشارب الخمر, ومطلق من لا تثق به, وبحسب اختلاف هذه المصاديق يختلف معنى إيتاء المال, وكذا معنى إضافة "أموالكم" وعليك بالتطبيق والاعتبار.
وقوله في رواية ابن أبي حمزة: إذا كنت أنت الوارث لهم إشارة إلى ما قدمناه أن المال كله للمجتمع بحسب الأصل ثم لكل من الأشخاص ثانياً وللمصالح الخاصة, فإن اشتراك المجتمع في المال أولاً هو الموجب لانتقاله من واحد إلى آخر.
وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام: انقطاع يتم اليتيم الاحتلام وهو أشده, وإن احتلم ولم يؤنس منه رشد وكان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليه ماله.
وفيه عنه عليه السلام في قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى}, الآية قال: إيناس الرشد حفظ المال.
أقول: وقد تقدم وجه دلالة الآية عليه.
وفي التهذيب عنه عليه السلام في قول الله: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف}, قال: فذاك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم, فإن كان المال قليلاً فلا يأكل منه شيئاً.
وفي الدر المنثور: أخرج أحمد, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجة, وابن أبي حاتم, والنحاس في ناسخه عن ابن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم فقال:
"كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالاً, ومن غير أن تقي مالك بماله"
. أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق أهل البيت عليهم السلام وغيرهم, وهناك مباحث فقهية وأخبار ناظرة إليها من أرادها فعليه بجوامع الحديث وكتب الفقه.
وفي تفسير العياشي عن رفاعة عنه عليه السلام في قوله تعالى: {فليأكل بالمعروف}, قال عليه السلام: كان أبي يقول: إنها منسوخة.
وفي الدر المنثور: أخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس: ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف قال: نسختها: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} الآية.
أقول: وكون الآية منسوخة لا يلائم ميزان النسخ إذ ليس بين الآيات الكريمة ما نسبتها إلى هذه الآية نسبة الناسخة إلى المنسوخة, وأما قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً}, الآية فهو لا ينافي بمضمونه مضمون هذه الآية فإن الأكل في هذه الآية المجوزة مقيد بالمعروف, وفي تلك الآية المحرمة بالظلم, ولا تنافي بين تجويز الأكل بالمعروف وتحريم الأكل ظلماً؛ فالحق أن الآية غير منسوخة, والروايتان لا توافقان الكتاب على ما فيهما من الضعف.
وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن المغيرة عن جعفر بن محمد عليه السلام في قول الله: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} قال: فقال: إذا رأيتموهم يحبون آل محمد فارفعوهم درجة.
أقول: وهو من الجري من باطن التنزيل فإن أئمة الدين آباء المؤمنين والمؤمنون أيتام المعارف عند انقطاعهم عنهم فإذا صحَّ انتسابهم إليهم بالحب فليرفعوا درجة بتعليم المعارف الحقة التي هي ميراث آبائهم.
(بحث علمي في فصول ثلاثة)
1ـ النكاح من مقاصد الطبيعة: أصل التواصل بين الرجل والمرأة مما تبينه الطبيعة الإنسانية بل الحيوانية بأبلغ بيانها, والإسلام دين الفطرة فهو مجوزه لا محالة.
وأمر الإيلاد والإفراخ الذي هو بغية الطبيعة وغرض الخلقة في هذا الاجتماع هو السبب الوحيد والعامل الأصلي في تقليب هذا العمل في قالب الازدواج وإخراجه من مطلق الاختلاط للسفاد والمقاربة إلى شكل النكاح والملازمة, ولهذا ترى أن الحيوان الذي يشترك في تربيته الوالدان معاً كالطيور في حضانة بيضها وتغذية أفراخها وتربيتها, وكالحيوان الذي يحتاج في الولادة والتربية إلى وكر تحتاج الإناث منه في بنائه وحفظه إلى معاونة الذكور, يختار لهذا الشأن الازدواج وهو نوع من الملازمة والاختصاص بين الزوجين الذكور والإناث منه فيتواصلان عندئذ ويتشاركان في حفظ بيض الإناث وتدبيرها وإخراج الأفراخ منها, وهكذا إلى آخر مدة تربية الأولاد ثم ينفصلان إن انفصلا, ثم يتجدد الازدواج وهكذا, فعامل النكاح والازدواج هو الإيلاد وتربية الأولاد, وأما إطفاء ثائرة الشهوة أو الاشتراك في الأعمال الحيوية, كالكسب وجمع المال, وتدبير الأكل, والشرب, والأثاث, وإدارة البيت, فأمور خارجة عن مستوى غرض الطبيعة والخلقة, وإنما هي أمور مقدمية أو فوائد مترتبة.
ومن هنا يظهر أن الحرية والاسترسال من الزوجين بأن يتواصل كل من الزوجين مع غير زوجه أينما أراد ومهما أراد من غير امتناع, كالحيوان العجم الذي ينزو الذكور منه على الإِناث أينما وجدها على ما يكاد يكون هو السنة الجارية بين الملل المتمدنة اليوم, وكذا الزنا وخاصة زنا المحصنة منه.
وكذا تثبيت الازدواج الواقع وتحريم الطلاق والانفصال بين الزوجين, وترك الزوج واتخاذ زوج آخر ما دامت الحياة تجمع بينهما.
وكذا إلغاء التوالد وتربية الأولاد وبناء الازدواج على أساس الاشتراك في الحياة المنزلية على ما هو المتداول اليوم بين الملل الراقية, ونظيره إرسال المواليد إلى المعاهد العامة المعدة للرضاع والتربية كل ذلك على خلاف سنة الطبيعة, وقد جهز الإنسان بما ينافي هذه السنن الحديثة على ما مرت الإشارة إليه.
نعم الحيوان الذي لا حاجة في ولادته وتربيته إلى أزيد من حمل الأم إياه وإرضاعها له وتربيته بمصاحبتها فلا حاجة طبيعية فيه إلى الازدواج والمصاحبة والاختصاص, فهذا النوع من الحيوان له حرية السفاد بمقدار ما لا يضر بغرض الطبيعة من جهة حفظ النسل.
وإياك أن تتوهم أن الخروج عن سنة الخلقة وما تستدعيه الطبيعة لا بأس به بعد تدارك النواقص الطارئة بالفكر والروية مع ما فيه من لذائذ الحياة والتنعم, فإن ذلك من أعظم الخبط, فإن هذه البنيات الطبيعية التي منها البنية الإنسانية مركبات مؤلفة من أجزاء كثيرة تستوجب بوقوع كل في موقعه الخاص على شرائطه المخصوصة به وضعاً, هو الملائم لغرض الطبيعة والخلقة, وهو المناسب لكمال النوع, كالمعاجين والمركبات من الأدوية التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف ومقادير وأوزان وشرائط خاصة, لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج وانحراف سقط الأثر.
فالإنسان مثلاً موجود طبيعي تكويني ذو أجزاء مركبة تركيباً خاصاً يستتبع أوصافاً داخلية وخواص روحية تستعقب أفعالاً وأعمالاً, فإذا حول بعض أفعاله وأعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها يستتبع ذلك انحرافاً وتغيراً في صفاته وخواصه الروحية, وانحرف بذلك جميع الخواص والصفات عن مستوى الطبيعة وصراط الخلقة, وبطل بذلك ارتباطه بكماله الطبيعي والغاية التي يبتغيها بحسب الخلقة.
وإذا بحثنا في المصائب العامة التي تستوعب اليوم الإنسانية وتحبط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة وتهدد الإنسانية بالسقوط والانهدام, وجدنا أن أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة التقوى, وتمكن الخرق, والقسوة, والشدة, والشره, من نفوس الجوامع البشرية, وأعظم أسبابه وعلله الحرية, والاسترسال, والإهمال, في نواميس الطبيعة في أمر الزوجية وتربية الأولاد, فإن سنة الاجتماع المنزلي وتربية الأولاد اليوم تميت قرائح الرأفة, والرحمة, والعفة, والحياء, والتواضع من الإنسان من أول حين يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش.
وأما تدارك هذه النواقص بالفكر والروية فهيهات ذلك, فإنما الفكر كسائر لوازم الحياة وسيلة تكوينية اتخذتها الطبيعة وسيلة لرد ما خرج وانحرف عن صراط الطبيعة والتكوين إليه, لا لإبطال سعي الطبيعة والخلقة وقتلها بنفس السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشر عنها, ولو استعمل الفكر الذي هو أحد وسائل الطبيعة في تأييد ما أفسد من شؤون الطبيعة عادت هذه الوسيلة أيضاً فاسدة منحرفة كسائر الوسائل, ولذلك ترى أن الإنسان اليوم كلما أصلح بقوة فكره واحداً من المفاسد العامة التي تهدد اجتماعه أنتج ذلك ما هو أمر وأدهى وزاد البلاء والمصيبة شيوعاً وشمولاً.
نعم ربما قال القائل من هؤلاء: إن الصفات الروحية التي تسمى فضائل نفسانية هي بقايا من عهد الأساطير والتوحش, لا تلائم حياة الانسان الراقي اليوم كالعفة, والسخاء, والحياء, والرأفة, والصدق, فإن العفة تقييد لطبيعة النفس فيما تشتهيه من غير وجه, والسخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال وما قاساه من المحن في طريق اكتسابه على أنه تعويد للمسكين بالبطالة في الاكتساب وبسط يده لذل السؤال, والحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه وإظهار ما في ضميره, والرأفة تضعف القلب, والصدق لا يلائم الحياة اليومية, وهذا الكلام بعينه من مصاديق الانحراف الذي ذكرناه.
ولم يدر هذا القائل أن هذه الفضائل في المجتمع الإنساني من الواجبات الضرورية التي لو ارتفعت من أصلها لم يعش المجتمع بعدها في حال الاجتماع ولا ساعة.
فلو ارتفعت هذه الخصال وتعدى كل فرد إلى ما لكل فرد من مختصات الحقوق والأموال والأعراض, ولم يسخ أحد ببذل ما مست إليه حاجة المجتمع, ولم ينفعل أحد من مخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين, ولم يرأف أحد بالعجزة الذين لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال ومن في تلوهم, وكذب كل أحد لكل أحد في جميع ما يخبر به ويعده وهكذا تلاشى المجتمع الإنساني من حينه.
فينبغي لهذا القائل أن يعلم أن هذه الخصال لا ترتحل ولن ترتحل عن الدنيا, وأن الطبيعة الإنسانية مستمسكة بها حافظة لحياتها ما دامت داعية للإنسان إلى الاجتماع, وإنما الشأن كل الشأن في تنظيم هذه الصفات وتعديلها, بحيث توافق غرض الطبيعة والخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة, ولو كانت الخصال الدائرة في المجتمع المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو الحري من التعديل, لما أوردت المجتمع مورد الفساد والهلكة ولأقر الناس في مستقر أمن وراحة وسعادة.
ولنعد إلى ما كنا فيه من البحث فنقول: الإسلام وضع أمر الازدواج فيما ذكرناه موضعه الطبيعي فأحل النكاح وحرم الزنا والسفاح, ووضع علقة الزوجية على أساس جواز المفارقة وهو الطلاق, ووضع هذه العلقة على أساس الاختصاص في الجملة على ما سنشرحه, ووضع عقد هذا الاجتماع على أساس التوالد والتربية, ومن الأحاديث النبوية المشهورة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
"تناكحوا تناسلوا تكثروا" , الحديث.
2ـ استيلاء الذكور على الإناث: ثم إن التأمل في سفاد الحيوانات يعطي أن للذكور منها شائبة استيلاء على الإِناث في هذا الباب فإنا نرى أن الذكر منها كأنه يرى نفسه مالكاً للبضع مسلطاً على الأنثى, ولذلك ما ترى أن الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الإِناث من غير عكس فلا تثور الأنثى على مثلها إذا مال إليها الذكر بخلاف العكس, وكذا ما يجري بينها مجرى الخطبة من الإنسان إنما يبدأ من ناحية الذكران دون الإناث, وليس إلا أنها ترى بالغريزة أن الذكور في هذا العمل كالفاعل المستعلي والإناث كالقابل الخاضع, وهذا المعنى غير ما يشاهد من نحو طوع من الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه نفسها ويستلذه طبعها, فإن ذلك راجع إلى مراعاة جانب العشق والشهوة واستزادة اللذة, وأما نحو الاستيلاء والاستعلاء المذكور فإنه عائد إلى قوة الفحولة وإجراء ما تأمر به الطبيعة.
وهذا المعنى أعني لزوم الشدة والبأس لقبيل الذكور واللين والانفعال لقبيل الإناث مما يوجد الاعتقاد به قليلاً أو كثيراً عند جميع الأمم حتى سرى إلى مختلف اللغات, فسمى كل ما هو شديد صعب الانقياد بالذكر وكل لين سهل الانفعال بالأنثى يقال: حديد ذكر وسيف ذكر ونبت ذكر ومكان ذكر وهكذا.
وهذا الأمر جار في نوع الإنسان دائر بين المجتمعات المختلفة والأمم المتنوعة في الجملة, وإن كان ربما لم يخل من الاختلاف زيادة ونقيصة.
وقد اعتبره الإسلام في تشريعه قال الله تعالى:
{ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } [النساء: 34] فشرع وجوب إجابتها له إذا دعاها إلى المواقعة إن أمكنت لها.
3ـ تعدد الزوجات: وأمر الوحدة والتعدد فيما نشاهده من أقسام الحيوان غير واضح, ففيما كان بينها اجتماع منزلي تتأحد الإناث وتختص بالذكور لما أن الذكور في شغل شاغل في مشاركتها في تدبير المنزل وحضانة الأفراخ وتربيتها كما يشاهد من أمر الديك والدجاج والحمام ونحوها.
وأما الإنسان: فاتخاذ الزوجات المتعددة كانت سنة جارية في غالب الأمم القديمة كمصر, والهند, والصين, بل والروم, واليونان, فإنهم كانوا ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدنا يصاحبونها, بل وكان ذلك عند بعض الأمم لا ينتهي إلى عدد يقف عليه كاليهود والعرب, فكان الرجل منهم ربما تزوج العشرة والعشرين وأزيد, وقد ذكروا أن سليمان الملك تزوج مئات من النساء.
وأغلب ما كان يقع تعدد الزوجات إنما هو في القبائل ومن يحذو حذوهم من سكان القرى والجبال, فإن لرب البيت منهم حاجة شديدة إلى الجمع وكثرة الأعضاء, فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة الاستيلاد ليهون لهم أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم وليكون ذلك وسيلة يتوسلون بها إلى الترؤس والسؤدد في قومهم على ما في كثرة الازدواج من تكثر الأقرباء بالمصاهرة.
وما ذكره بعض العلماء أن العامل في تعدد الزوجات في القبائل وأهل القرى, إنما هو كثرة المشاغل والأعمال فيهم, كأعمال الحمل, والنقل, والرعي, والزراعة, والسقاية, والصيد, والطبخ, والنسج وغير ذلك, فهو وإن كان حقاً في الجملة إلا أن التأمل في صفاتهم الروحية يعطي أن هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمية عندهم, وما ذكرناه هو الذي يتعلق به قصد الإنسان البدوي أولاً وبالذات, كما أن شيوع الادعاء والتبني أيضاً بينهم سابقاً كان من فروع هذا الغرض.
على أنه كان في هذه الأمم عامل أساسي آخر لتداول تعدد الزوجات بينهم, وهو زيادة عدة النساء على الرجال بما لا يتسامح فيه, فإن هذه الأمم السائرة بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات وقتل الفتك والغيلة, فكان القتل يفني الرجال, ويزيد عدد النساء على الرجال زيادة لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلا بتعدد الزوجات. هذا.
والإسلام شرع الازدواج بواحدة, وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط التمكن من القسط بينهن مع إصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد على ما سنشير إليها, قال الله تعالى:
{ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } [البقرة: 228]. وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات:
أولاً: أنه يضع آثاراً سيئة في المجتمع, فإنه يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيب آمالهن ويسكن فورة الحب في قلوبهن فينعكس حس الحب إلى حس الانتقام فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد ويقابلن الرجال بمثل ما أساؤا إليهن فيشيع الزنا والسفاح والخيانة في المال والعرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت.
وثانياً: أن التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود المتراءى من عمل الطبيعة, فإن الإحصاء في الأمم والأجيال يفيد أن قبيلي الذكورة والإناث متساويان عدداً تقريباً, فالذي هيأته الطبيعة هو واحدة لواحد, وخلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة.
وثالثاً: أن في تشريع تعدد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة, وتقوية لهذه القوة في المجتمع.
ورابعاً: أن في ذلك حطاً لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال, وهو تقويم جائر حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوي فيه بين امرأتين ورجل, كما في الإرث والشهادة وغيرهما, ولازمه تجويز التزوج باثنتين منهن لا أزيد, ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه, وهذه الإشكالات مما اعترض بها النصارى على الإسلام أو من يوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع.
والجواب عن الأول ما تقدم غير مرة في المباحث المتقدمة: أن الإسلام وضع بنية المجتمع الإِنساني على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإِِحساسية, فالمتبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الاجتماعية دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف.
وليس في ذلك إماتة العواطف والإحساسات الرقيقة وإبطال حكم المواهب الإلهية والغرائز الطبيعية, فإن من المسلم في الأبحاث النفسية أن الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة تختلف كما وكيفاً باختلاف التربية والعادة, كما أن كثيراً من الآداب والرسوم الممدوحة عند الشرقيين مثلاً مذمومة عند الغربيين وبالعكس, وكل أمة تختلف مع غيرها في بعضها.
والتربية الدينية في الإسلام تقيم المرأة الإسلامية مقاماً لا تتألم بأمثال ذلك عواطفها. نعم المرأة الغربية حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة ولقنت بذلك جيلاً بعد جيل, استحكم في روحها عاطفة نفسانية تضاد التعدد. ومن الدليل على ذلك الاسترسال الفظيع الذي شاعت بين الرجال والنساء في الأمم المتمدنة! اليوم.
أليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة من كل من هووها وهوتهم من نسائهم من محارم وغيرها, ومن بكر أو ثيب, ومن ذات بعل أو غيرها, حتى أن الإنسان لا يقدر أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا سواء في ذلك الرجال والنساء ولم يقنعوا بذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعاً قل ما يسلم منه فرد حتى بلغ الأمر مبلغاً رفعوا قبيل سنة إلى برلمان بريطانيا العظمى أن يبيح لهم اللواط سنة قانونية, وذلك بعد شيوعه بينهم من غير رسمية, وأما النساء وخاصة الأبكار وغير ذوات البعل من الفتيات فالأمر فيهن أغرب وأفظع.
فليت شعري كيف لا تأسف النساء هناك ولا يتحرجن ولا تنكسر قلوبهن ولا تتألم عواطفهن حين يشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن؟ وكيف لا تتألم عواطف الرجل وإحساساته حين يبني بفتاة ثم يجدها ثيباً فقدت بكارتها وافترشت لا للواحد والاثنين من الرجال, ثم لا يلبث حتى يباهي بين الأقران أن السيدة ممن توفرت عليها رغبات الرجال وتنافس في القضاء منها العشرات والمئات!! وهل هذا إلا أن هذه السيئات تكررت بينهم, ونزعه الحرية تمكنت من أنفسهم حتى صارت عادة عريقة مألوفة لا تمتنع منها العواطف والإحساسات ولا تستنكرها النفوس؟ فليس إلا أن السنن الجارية تميل العواطف والإحساسات إلى ما يوافقها ولا يخالفها.
وأما ما ذكروه من استلزام ذلك إهمالهن في تدبير البيت وتثاقلهن في تربية الأولاد وشيوع الزنا والخيانة, فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك, فإن هذا الحكم جرى في صدر الإسلام وليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتاريخ أن يدعي حصول وقفة في أمر المجتمع من جهته, بل كان الأمر بالعكس.
على أن هذه النساء اللاتي يتزوج بهن على الزوجة الأولى في المجتمع الإسلامي وسائر المجتمعات التي ترى ذلك - أعني الزوجة الثانية والثالثة والرابعة, إنما يتزوج بهن عن رضاء ورغبة منهن وهن من نساء هذه المجتمعات, ولم يسترققهن الرجال من مجتمعات أخرى, ولا جلبوهن من غير هذه الدنيا, وإنما رغبن في مثل هذا الازدواج لعلل اجتماعية, فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدد الزوجات, ولا قلوبهن تتألم منها, بل لو كان شيء من ذلك فهو من لوازم أو عوارض الزوجية الأولى, أعني أن المرأة إذا توحدت للرجل لا تحب أن ترد عليها وعلى بيتها أخرى لخوفها أن تميل عنها بعلها أو تترأس عليها غيرها أو يختلف الأولاد ونحو ذلك, فعدم الرضاء والتألم فيما كان إنما منشأه حالة عرضية (التوحد بالبعل) لا غريزة طبيعية.
والجواب عن الثاني أن الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في العدد مختل من وجوه.
منها أن أمر الازدواج لا يتكي على هذا الذي ذكروه فحسب, بل هناك عوامل وشرائط أخرى لهذا الأمر فأولاً الرشد الفكري والتهيؤ لأمر النكاح أسرع إلى النساء منها إلى الرجال, فالنساء وخاصة في المناطق الحارة إذا جزن التسع صلحن للنكاح, والرجال لا يتهيؤون لذلك غالباً قبل الست عشرة من السنين (وهو الذي اعتبره الإسلام للنكاح).
ومن الدليل على ذلك السنة الجارية في فتيات الأمم المتمدنة, فمن الشاذ النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سن البلوغ القانوني, فليس إلا أن الطبيعة هيأتها للنكاح قبل تهيئتها الرجال لذلك.
ولازم هذه الخاصة أن لو اعتبرنا مواليد ست عشرة سنة من قوم (والفرض تساوي عدد الذكورة والإناث فيهم) كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال وهي سنة أول الصلوح مواليد سنة واحدة وهم مواليد السنة الأولى المفروضة, والصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين وهي مواليد السنة الأولى إلى السابعة, ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة وهي سن بلوغ الأشد من الرجال حصل في السنة الخامسة والعشرين على الصلوح من الرجال مواليد عشرة سنين ومن النساء مواليد خمس عشرة سنة, وإذا أخذنا بالنسبة الوسطى حصل لكل واحد من الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة.
وثانياً أن الإحصاء كما ذكروه يبين أن النساء أطول عمراً من الرجال ولازمه أن تهيئ سنة الوفاة والموت عدداً من النساء ليس بحذائهن رجال.
وثالثاً: أن خاصة النسل والتوليد تدوم في الرجال أكثر من النساء, فالأغلب على النساء أن يئسن من الحمل في سن الخمسين ويمكث ذلك في الرجال سنين عديدة بعد ذلك, وربما بقي قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي وهي مائة سنة, فيكون عمر صلاحية الرجال للتوليد وهو ثمانون سنة تقريباً ضعفه في المرأة وهو أربعون تقريباً, وإذا ضم هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج أن الطبيعة والخلقة أباح للرجال التعدي من الزوجة الواحدة إلى غيرها فلا معنى لتهيئة قوة التوليد والمنع عن الاستيلاد من محل شأنه ذلك, فإن ذلك مما تأباه سنة العلل والأسباب الجارية.
ورابعاً: أن الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتل وغيرهما تحل بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس كما تقدم أنه كان أقوى العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل فهذه الأرامل والنساء العزل لا محيص لهن عن قبول التعدد أو الزنا أو خيبة القوة المودعة في طبائعهن وبطلانها.
ومما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في الآلمان الغربي قبل عدة شهور من كتابة هذه الأوراق: أظهرت جمعية النساء العزل تحرجها من فقدان البعولة وسألت الحكومة أن يُسمح لهن بسنة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوج من شاء من الرجال بأزيد من واحدة ويرتفع بذلك غائلة الحرمان, غير أن الحكومة لم تجبهن في ذلك وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد النسل به.
ومنها أن الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد مع الغض عما تقدم إنما يستقيم فيما لو فرض أن يتزوج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء, لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك ولا يسع ذلك بالطبع إلا لبعضهم دون جميعهم, والإسلام لم يشرع تعدد الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال, بل إنما أباح ذلك لمن استطاع أن يقيم القسط منهم, ومن أوضح الدليل على استلزام هذا التشريع حرجاً ولا فساداً أن سير هذه السنة بين المسلمين وكذا بين سائر الأمم الذين يرون ذلك لم يستلزم حرجاً من قحط النساء وإعوازهن على الرجال. بل بالعكس من ذلك أعد تحريم التعدد في البلاد التي فيها ذلك أُلوفاً من النساء حرمن الأزواج والاجتماع المنزلي واكتفين بالزنا.
ومنها أن الاستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنما يستقيم لو لم يصلح هذا الحكم ولم يعدل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة, فقد شرط الإسلام على من يريد من الرجال التعدد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش وفرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن ولا يتيسر الإنفاق على أربع نسوة مثلاً ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك إلا لبعض أولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم.
على أن هناك طرقاً دينية شرعية يمكن أن تستريح اليها المرأة فتلزم الزوج على الاقتصار عليها والإغماض عن التكثير.
والجواب عن الثالث: أنه مبني على عدم التدبر في نحو التربية الإسلامية ومقاصد هذه الشريعة, فإن التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي يرتضيه الدين بالستر, والعفاف, والحياء, وعدم الخرق تنمي المرأة, وشهوة النكاح فيها أقل منها في الرجل (على الرغم مما شاع أن شهوة النكاح فيها أزيد وأكثر واستدل عليه بتولعها المفرط بالزينة والجمال طبعاً) وهذا أمر لا يكاد يشك فيه رجال المسلمين ممن تزوج بالنساء الناشئات على التربية الدينية, فشهوة النكاح في المتوسط من الرجال تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة, بل والمرأتين والثلاث.
ومن جهة أخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات الطبع ومشتهيات النفس, فاعتبر أن لا تختزن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها, فيدعوه ذلك إلى التعدي إلى الفجور والفحشاء, والمرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك, والإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم ما تكرر منا في المباحث السابقة من هذا الكتاب, أن الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياه التعقلية دون الحياة الإحساسية, فبقاء الإنسان على حالة الإحساس الداعية إلى الاسترسال في الأهواء والخواطر السوء كحال التعزب ونحوه من أعظم المخاطر في نظر الإسلام.
ومن جهة أخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثر نسل المسلمين وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحه ترفع الشرك والفساد.
فهذه الجهات وأمثالها هي التي أهتم بها الإسلام في تشريع تعدد الزوجات دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الانكباب عليها ولو أنصف هؤلاء المستشكلون كان هذه السنن الاجتماعية المعروفة بين هؤلاء البانين للاجتماع على أساس التمتع المادي أولى بالرمي بترويج الفحشاء والترغيب إلى الشره من الإسلام الباني للاجتماع على أساس السعادة الدينية.
على أن في تجويز تعدد الزوجات تسكيناً لثورة الحرص التي هي من لوازم الحرمان فكل محروم حريص, ولا هم للممنوع المحبوس إلا أن يهتك حجاب المنع والحبس, فالمسلم وإن كان ذا زوجة واحدة فإنه على سكن وطيب نفس من أنه ليس بممنوع عن التوسع في قضاء شهوته لو تحرجت نفسه يوماً إليه, وهذا نوع تسكين لطيش النفس, وإحصان لها عن الميل إلى الفحشاء وهتك الأعراض المحرمة.
وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال: لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات.
والجواب عن الرابع أنه ممنوع فقد بينا في بعض المباحث السابقة عند الكلام في حقوق المرأة في الإسلام: أنه لم يحترم النساء ولم يراع حقوقهن كل المراعاة أي سنة من السنن الدينية أو الدنيوية من قديمها وحديثها بمثل ما احترمهن الإسلام وسنزيد في ذلك وضوحاً.
وأما تجويز تعدد الزوجات للرجل فليس بمبني على ما ذكر من إبطال الوزن الاجتماعي وإماتة حقوقهن والاستخفاف بموقفهن في الحياة, وإنما هو مبني على جهات من المصالح تقدم بيان بعضها.
وقد اعترف بحسن هذا التشريع الإسلامي وما في منعه من المفاسد الاجتماعية والمحاذير الحيوية جمع من باحثي الغرب من الرجال والنساء من أراده فليراجع إلى مظانه.
وأقوى ما تشبث به مخالفوا سنة التعدد من علماء الغرب وزوقوه في أعين الناظرين ما هو مشهود في بيوت المسلمين, تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة: ضرتان أو ضرائر فإن هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة هنيئة, لا تلبث الضرتان من أول يوم حلتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد حتى أنهم سموا الحسد بداء الضرائر, وعندئذ تنقلب جميع العواطف والإحساسات الرقيقة التي جبلت عليها النساء من الحب ولين الجانب والرقة, والرأفة, والشفقة, والنصح, وحفظ الغيب, والوفاء, والمودة, والرحمة, والإخلاص بالنسبة إلى الزوج وأولاده من غير الزوجة وبيته وجميع ما يتعلق به إلى أضدادها, فينقلب البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي وتألم الروح والجسم من مشاق الأعمال والجهد في المكسب معركة قتال يستباح فيها النفس والعرض والمال والجاه, لا يؤمن فيه من شيء لشيء, ويتكدر فيه صفو العيش وترتحل لذة الحياة, ويحل محلها الضرب, والشتم, والسب, واللعن, والسعاية, والنميمة, والرقابة, والمكر, والمكيدة, واختلاف الأولاد وتشاجرهم, وربما انجر الأمر إلى هم الزوجة, بإهلاك الزوج, وقتل بعض الأولاد بعضاً أو أباهم, وتتبدل القرابة بينهم إلى الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء, وهلاك النسل, وفساد البيت, أضف إلى ذلك ما يسري من ذلك إلى المجتمع من الشقاء, وفساد الأخلاق, والقسوة, والظلم, والبغي, والفحشاء, وانسلاب الأمن, والوثوق, وخاصة إذا أضيف إلى ذلك جواز الطلاق فإباحة تعدد الزوجات والطلاق ينشئان في المجتمع رجالاً ذواقين مترفين لا هم لهم إلا اتباع الشهوات والحرص والتولع على أخذ هذه وترك تلك, ورفع واحدة ووضع أخرى, وليس فيه إلا تضييع نصف المجتمع وإشقاؤه وهو قبيل النساء, وبذلك يفسد النصف الآخر.
هذا محصل ما ذكروه, وهو حق غير أنه إنما يرد على المسلمين لا على الإسلام وتعاليمه, ومتى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام حتى يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم؟ وقد فقدوا منذ قرون الحكومة الصالحة التي تربي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة بل كان أسبق الناس إلى هتك الأستار التي أسدلها الدين ونقض قوانينه, وإبطال حدوده, هي طبقة الحكام والولاة على المسلمين, والناس على دين ملوكهم, ولو اشتغلنا بقص بعض السير الجارية في بيوت الملوك والفضائح التي كان يأتي بها ملوك الإسلام وولاته منذ أن تبدلت الحكومة الدينية بالملك والسلطنة المستبدة لجاء بحياله تأليفاً مستقلاً, وبالجملة لو ورد الإشكال فهو وارد على المسلمين في اختيارهم لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمن سعادة عيشتهم ونحو سياسة لا يقدرون على إنفاذها بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط, والذنب في ذلك عائد إلى الرجال دون النساء والأولاد وإن كان على كل نفس ما اكتسبت من إثم, وذلك أن سيرة هؤلاء الرجال وتفديتهم سعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم وصفاء جو مجتمعهم في سبيل شرههم وجهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد والمنبت لكل هذه الشقوة المبيدة.
وأما الإسلام فلم يشرع تعدد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كل رجل, وإنما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة, واعتبر الصلاح القاطع في ذلك (كما مر تفصيله) ثم استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها فأباح عند ذلك التعدد حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني, وقيده بما يرتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة وهو: وثوق الرجل بأنه سيقسط بينهن ويعدل, فمن وثق من نفسه بذلك ووفق له فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات, وأما هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم ولا كرامة عندهم إلا ترضية بطونهم وفروجهم, ولا مفهوم للمرأة عندهم إلاَّ أنها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذته, فلا شأن للإسلام فيهم, ولا يجوز لهم إلا الازدواج بواحدة لو جاز لهم ذلك والحال هذه.
على أن في أصل الإشكال خلطاً بين جهتين مفرقتين في الإسلام, وهما جهتا التشريع والولاية.
توضيح ذلك أن المدار في القضاء بالصلاح والفساد في القوانين الموضوعة والسنن الجارية عند الباحثين اليوم هو الآثار والنتائج المرضية أو غير المرضية الحاصلة من جريانها في الجوامع وقبول الجوامع لها بفعليتها الموجودة وعدم قبولها, وما أظن أنهم على غفلة من أن المجتمع ربما اشتمل على بعض سنن وعادات وعوارض لا تلائم الحكم المبحوث عنه وأنه يجب تجهيز المجتمع بما لا ينافي الحكم أو السنة المذكورة حتى يرى إلى ما يصير أمره؟ وماذا يبقى من الأثر خيراً أو شراً أو نفعاً أو ضراً؟ إلا أنهم يعتبرون في القوانين الموضوعة ما يريده ويستدعيه المجتمع بحاضر إرادته وظاهر فكرته كيفما كان, فما وافق إرادتهم ومستدعياتهم فهو القانون الصالح وما خالف ذلك فهو القانون غير الصالح.
ولذلك لما رأوا المسلمين تائهين في أودية الغي, فاسدين في معاشهم ومعادهم, نسبوا ما يشاهدونه منهم من الكذب والخيانة, والخنى, وهضم الحقوق, وفشو البغي, وفساد البيوت واختلال الاجتماع إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم زعماً منهم أن السنة الإسلامية في جريانها بين الناس وتأثيرها أثرها كسائر السنن الاجتماعية التي تحمل على الناس عن إحساسات متراكمة بينهم, ويستنتجون من ذلك أن الإسلام هو المولد لهذه المفاسد الاجتماعية, ومنه ينشأ هذا البغي والفساد (وفيهم أبغى البغي وأخنى الخنى, وكل الصيد في جوف الفراء) ولو كان ديناً واقعياً وكانت القوانين الموضوعة فيه جيدة متضمنة لصلاح الناس وسعادتهم لأثرت فيهم الآثار المسعدة الجميلة, ولم ينقلب وبالاً عليهم!.
ولكنهم خلطوا بين طبيعة الحكم الصالحة المصلحة, وبين طبيعة الناس الفاسدة المفسدة, والإسلام مجموع معارف أصلية وأخلاقية وقوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء إذا أفسد بعض أجزائها أوجب ذلك فساد الجميع وانحرافها في التأثير, كالأدوية والمعاجين المركبة التي تحتاج في تأثيرها الصحي إلى سلامة أجزائها وإلى محل معد مهيأ لورودها وعملها, ولو أفسد بعض أجزائها أو لم يعتبر في الإنسان المستعمل لها شرائط الاستعمال بطل عنها وصف التأثير, وربما أثرت ما يضاد أثرها المترقب منها.
هب أن السنة الإسلامية لم تقو على إصلاح الناس ومحق الذمائم والرذائل العامة لضعف مبانيها التقنينية فما بال السنة الديموقراطية لا تنجع في بلادنا الشرقية أثرها في البلاد الأوروبية؟ وما بالنا كلما أمعنا في السير والكدح بالغنا في الرجوع على أعقابنا القهقرى ولا يشك شاك أن الذمائم والرذائل اليوم أشد تصلباً وتعرقاً فينا, ونحن مدنيون متنورون منها قبل نصف قرن ونحن همجيون, وليس لنا حظ من العدل الاجتماعي وحياة الحقوق البشرية والمعارف العامة العالية وكل سعادة اجتماعية إلا أسماءً نسميها وألفاظاً نسمعها.
فهل يمكن لمعتذر عن ذلك إلا بأن هذه السنن المرضية إنما لم تؤثر أثرها لأنكم لا تعملون بها, ولا تهتمون بإجرائها فما بال هذا العذر يجري فيها وينجع ولا يجري في الإسلام ولا ينجع؟.
وهب أن الإسلام لوهن أساسها (والعياذ بالله) عجز عن التمكن في قلوب الناس والنفوذ الكامل في أعماق المجتمع فلم تدم حكومته ولم يقدر على حفظ حياته في المجتمع الإسلامي فلم يلبث دون أن عاد مهجوراً, فما بال السنة الديموقراطية وكانت سنة مرضية عالمية ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الأولى عن روسيا وانمحت آثارها وخلفتها السنة الشيوعية؟ وما بالها انقلبت إلى السنة الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين, ولتوني, واستوني, وليتواني, ورومانيا, والمجر, ويوغوسلاوي وغيرها, وهي تهدد سائر الممالك وقد نفذت فيها نفوذاً؟.
وما بال السنة الشيوعية بعد ما عمرت ما يقرب من أربعين سنة, وانبسطت وحكمت فيما يقرب من نصف المجتمع الإنساني ولم يزل دعاتها وأولياؤها يتباهون في فضيلتها أنها المشرعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكم الاستبداد ولا استثمار الديموقراطية, وأن البلاد التي تعرقت فيها هي الجنة الموعودة ثم لم يلبث هؤلاء الدعاة والأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح حكومة قائدها الوحيد (ستالين) الذي كان يتولى إمامتها وقيادتها منذ ثلاثين سنة, وأوضحوا أن حكومته كانت حكومة تحكم واستبداد واستعباد في صورة الشيوعية, ولا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة وإجرائها وسائر ما يتعلق بذلك, فلم ينتش شيء من ذلك إلا عن إرادة مستبدة مستعبدة وحكومة فردية تحيي أُلوفاً وتسعد أقواماً وتشقي آخرين. والله يعلم من الذي يأتي بعد هؤلاء ويقضي عليهم بمثل ما قضوا به على من كان قبلهم.
والسنن والآداب والرسوم الدائرة في المجتمعات (أعم من الصحيحة والفاسدة) ثم المرتحلة عنها لعوامل متفرقة أقواها خيانة أولياؤها, وضعف إرادة الأفراد المستنين بها كثيرة يعثر عليها من راجع كتب التواريخ.
فليت شعري ما الفارق بين الإسلام من حيث إنها سنة اجتماعية وبين هذه السنن المتقلبة المتبدلة حيث يقبل العذر فيها ولا يقبل في الإسلام؟ نعم كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية وجهالة تقليد شرقية فلا سماء تظلها ولا أرض تقلها وعلى أي حال يجب أن يتنبه مما فصلناه أن تأثير سنة من السنن أثرها في الناس وعدمه وكذا بقاؤها بين الناس وارتحالها لا يرتبط كل الارتباط بصحتها وفسادها حتى يستدل عليه بذلك, بل لسائر العلل والأسباب تأثير في ذلك فما من سنة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار والعهود إلا وهي تنتج يوماً وتعقم آخر وتقيم بين الناس برهة من الزمان وترتحل عنهم في أُخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها, وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء.
وبالجملة: القوانين الإسلامية والأحكام التي فيها, تخالف بحسب المبنى والمشرب سائر القوانين الاجتماعية الدائرة بين الناس فإن القوانين الإجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار وتتبدل بتبدل المصالح, لكن القوانين الإسلامية لا تحتمل الاختلاف والتبدل من واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه أو مباح غير أن الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها وكل تصرف له أن يتصرف به أو يدعه فلوالي الأمر أن يأمر الناس بها أو ينهاهم عنها ويتصرف في ذلك كأن المجتمع فرد والوالي نفسه المتفكرة المريدة.
فلو كان للإسلام وال أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها باسم تعدد الزوجات وغير ذلك من غير أن يتغير الحكم الإلهي بإباحته, وإنما هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدد الزوجات لمصلحة يراها لا لتغيير في الحكم, بل لأنه حكم إباحي له أن يعزم على تركه.
(بحث علمي آخر ملحق به)
(في تعدد أزواج النبي)
ومما اعترضوا عليه تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: إن تعدد الزوجات لا يخلو في نفسه عن الشره والانقياد لداعي الشهوة: وهو صلى الله عليه وآله وسلم لم يقنع بما شرعه لأمته من الأربع حتى تعدى إلى التسع من النسوة.
والمسألة ترتبط بآيات متفرقة كثيرة في القرآن, والبحث من كل جهة من جهاتها يجب أن يستوفى عند الكلام على الآية المربوطة بها, ولذلك أخرنا تفصيل القول إلى محاله المناسبة له, وإنما نشير ها هُنا إلى ذلك إشارة إجمالية.
فنقول: من الواجب أن يلفت نظر هذا المعترض المستشكل إلى أن قصة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست على هذه السذاجة (أنه صلى الله عليه وآله وسلم بالغ في حب النساء حتى أنهى عدة أزواجه إلى تسع نسوة), بل كان اختياره لمن اختارها منهن على نهج خاص في مدى حياته فهو صلى الله عليه وآله وسلم كان تزوج - أول ما تزوج - بخديجة رضي الله عنها وعاش معها مقتصراً عليها نيفاً وعشرين سنة (وهي ثلثا عمره الشريف بعد الازدواج) منها ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة ثم هاجر إلى المدينة وشرع في نشر الدعوة وإعلاء كلمة الدين, وتزوج بعدها من النساء منهن البكر ومنهن الثيب ومنهن الشابة ومنهن العجوز والمكتهلة وكان على ذلك ما يقرب من عشرة سنين ثم حرم عليه النساء بعد ذلك إلا من هي في حبالة نكاحه, ومن المعلوم أن هذا الفعال على هذه الخصوصيات لا يقبل التوجيه بمجرد حب النساء والولوع بهن والوله بالقرب منهن فأول هذه السيرة وآخرها يناقضان ذلك.
على أنا لا نشك بحسب ما نشاهده من العادة الجارية أن المتولع بالنساء المغرم بحبهن والخلاء بهن والصبوة إليهن مجذوب إلى الزينة, عشيق للجمال, مفتون بالغنج والدلال, حنين إلى الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة, وهذه الخواص أيضاً لا تنطبق على سيرته صلى الله عليه وآله وسلم فإنه بنى بالثيب بعد البكر, وبالعجوز بعد الفتاة الشابة, فقد بنى بأم سلمة وهي مسنة, وبنى بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يربو على خمسين بعدما تزوج بمثل عائشة وأم حبيبة وهكذا.
وقد خير صلى الله عليه وآله وسلم نساءه بين التمتيع والسراح الجميل وهو الطلاق, إن كن يردن الدنيا وزينتها وبين الزهد في الدنيا وترك التزيين والتجمل, إن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة على ما يشهد به قوله تعالى في القصة:
{ يا أيُّها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُمتعكن وأُسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً } [الأحزاب: 28 - 29]، وهذا المعنى أيضاً - كما ترى - لا ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب إلى وصلهن.
فلا يبقى حينئذٍ للباحث المتعمق إذا أنصف إلاَّ أن يوجه كثرة ازدواجه صلى الله عليه وآله وسلم فيما بين أول أمره وآخر أمره بعوامل اخر غير عامل الشره والشبق والتلهي.
فقد تزوج صلى الله عليه وآله وسلم ببعض هؤلاء الأزواج اكتساباً للقوة وازدياداً للعضد والعشيرة, وببعض هؤلاء استمالة للقلوب وتوقياً من بعض الشرور, وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة المعاش وليكون سنة جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة, وببعضها لتثبيت حكم مشروع وإجرائه عملاً لكسر السنن المنحطة والبدع الباطلة الجارية بين الناس كما في تزوجه بزينب بنت جحش, وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم طلقها زيد, وقد كان زيد هذا يدعى ابن رسول الله على نحو التبني وكانت زوجة المدعو ابناً عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب فتزوج بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونزل فيها الآيات.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم تزوج لأول مرة بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة وقد توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية, وكانت سودة هذه مؤمنة مهاجرة ولو رجعت إلى أهلها وهم يومئذ كفار لفتنوها كما فتنوا غيرها من المؤمنين والمؤمنات بالزجر والقتل والإكراه على الكفر.
وتزوج بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبد الله بن جحش في أُحد وكانت من السيدات الفضليات في الجاهلية تدعى أُم المساكين لكثرة برها للفقراء والمساكين وعطوفتها بهم فصان بازدواجها ماء وجهها.
وتزوج بأُم سلمة واسمها هند وكانت من قبل زوجة عبد الله أبي سلمة ابن عمة النبي وأخيه من الرضاعة أول من هاجر إلى الحبشة وكانت زاهدة فاضلة ذات دين ورأي فلما توفي عنها زوجها كانت مسنة ذات أيتام فتزوج بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وتزوج بصفية بنت حيّي بن أخطب سيد بني النضير قتل زوجها يوم خيبر وقتل أبوها مع بني القريظة, وكانت في سبي خيبر فاصطفاها وأعتقها وتزوج بها فوقاها بذلك من الذل ووصل سببه ببني إسرائيل.
وتزوج بجويرية واسمها برة بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد وقعة بني المصطلق, وقد كان المسلمون أسروا منهم مئتي بيت بالنساء والذراري, فتزوج صلى الله عليه وآله وسلم بها فقال المسلمون: هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم واعتقوهم جميعاً, فأسلم بنو المصطلق بذلك, ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جماً غفيراً, وأثر ذلك أثراً حسناً في سائر العرب.
وتزوج بميمونة واسمها برة بنت الحارث الهلالية وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى فاستنكحها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتزوج بها وقد نزل فيها القرآن.
وتزوج بأُم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان وكانت زوجة عبيد الله بن جحش, وهاجر معها إلى الحبشة الهجرة الثانية, فتنصر عبيد الله هناك وثبتت هي على الإسلام وأبوها أبو سفيان يجمع الجموع على الإسلام يومئذ فتزوج بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحصنها.
وتزوج بحفصة بنت عمر وقد قتل زوجها خنيس بن حذاقة ببدر وبقيت أرملة وتزوج بعائشة بنت أبي بكر وهي بكر.
فالتأمل في هذه الخصوصيات مع ما تقدم في صدر الكلام من جمل سيرته في أول أمره وآخره وما سار به من الزهد وترك الزينة وندبه نساءه إلى ذلك لا يبقي للمتأمل موضع شك في أن ازدواجه صلى الله عليه وآله وسلم بمن تزوج بها من النساء لم يكن على حد غيره من عامة الناس, أضف إلى ذلك جمل صنائعه صلى الله عليه وآله وسلم في النساء, وإحياء ما كانت قرون الجاهلية وأعصار الهمجية أماتت من حقوقهن في الحياة, وأخسرته من وزنهن في المجتمع الإنساني حتى روي أن آخر ما تكلم به صلى الله عليه وآله وسلم هو توصيتهن لجامعة الرجال, قال صلى الله عليه وآله وسلم:
"الصلاة الصلاة, وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون, الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم" الحديث.
وكانت سيرته صلى الله عليه وآله وسلم في العدل بين نسائه, وحسن معاشرتهن, ورعاية جانبهن, مما يختص به صلى الله عليه وآله وسلم (على ما سيأتي شذرة منه في الكلام على سيرته في مستقبل المباحث إن شاء الله) وكان حكم الزيادة على الأربع كصوم الوصال من مختصاته التي منعت عنها الأُمة, وهذه الخصال وظهورها على الناس هي التي منعت أعداءه من الاعتراض عليه بذلك مع تربصهم الدوائر به.