التفاسير

< >
عرض

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
٨١
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً
٨٢
وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً
٨٣
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً
٨٤
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

بيان
الآيات لا تأبى عن الاتصال بما قبلها، فكأنها من تتمة القول في ملامة الضعفاء من المسلمين، وفائدتها وعظهم بما يتبصرون به لو تدبروا واستبصروا.
قوله تعالى: {ويقولون طاعة} (إلخ) {طاعة} مرفوع على الخبرية على ما قيل، والتقدير: أمرنا طاعة أي نطيعك طاعة، والبروز الظهور والخروج، والتبييت من البيتوتة، ومعناه إحكام الأمر وتدبيره ليلاً، والضمير في {تقول} راجع إلى {طائفة} أو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والمعنى - والله أعلم -: ويقول هؤلاء مجيبين لك فيما تدعوهم إليه من الجهاد: أمرنا طاعة، فإذا أخرجوا من عندك دبروا ليلاً أمراً غير ما أجابوك به وقالوا لك، أو غير ما قلته أنت لهم، وهو كناية عن عقدهم النية على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم أمر الله رسوله بالإِعراض عنهم والتوكل في الأمر والعزيمة فقال: {فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً} ولا دليل في الآية يدل على كون المحكي عنهم هم المنافقين، كما ذكره بعضهم، بل الأمر بالنظر إلى اتصال السياق على خلاف ذلك.
قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} الآية تحضيض في صورة الاستفهام. التدبر هو أخذ الشيء بعد الشيء، وهو في مورد الآية التأمل في الآية عقيب الآية أو التأمل بعد التأمل في الآية، لكن لما كان الغرض بيان أن القرآن لا اختلاف فيه، وذلك إنما يكون بين أزيد من آية واحدة كان المعنى الأول أعني التأمل في الآية عقيب الآية هو العمدة وإن كان ذلك لا ينفي المعنى الثاني أيضاً.
فالمراد ترغيبهم أن يتدبروا في الآيات القرآنية، ويراجعوا في كل حكم نازل أو حكمة مبينة أو قصة أو عظة أو غير ذلك، جميع الآيات المرتبطة به مما نزلت مكيتها ومدنيتها، ومحكمها ومتشابهها، ويضموا البعض إلى البعض حتى يظهر لهم أنه لا اختلاف بينها، فالآيات يصدق قديمها حديثها، ويشهد بعضها على بعض من غير أن يكون بينها أي اختلاف مفروض: لا اختلاف التناقض بأن ينفي بعضها بعضاً أو يتدافعا، ولا اختلاف التفاوت بأن يتفاوت الآيتان من حيث تشابه البيان أو متانة المعاني والمقاصد بكون البعض أحكم بياناً وأشد ركناً من بعض كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه الجلود. فارتفاع هذه الاختلافات من القرآن يهديهم إلى أنه كتاب منزل من الله، وليس من عند غيره، إذ لو كان من عند غيره لم يسلم من كثرة الاختلاف، وذلك أن غيره تعالى من هذه الموجودات الكونية - ولا سيما الإنسان الذي يرتاب أهل الريب أنه من كلامه - كلها موضوعة بحسب الكينونة الوجودية وطبيعة الكون على التحرك والتغير والتكامل، فما من واحد منها إلا أن امتداد زمان وجوده مختلف الأطراف، متفاوت الحالات.
ما من إنسان إلا وهو يرى كل يوم أنه أعقل من أمس، وأن ما ينشأه من عمل أو صنعة أو ما أشبه ذلك، أو يدبره من رأي أو نظر أو نحوهما، أخيراً أحكم وأمتن مما أتى به أولاً، حتى العمل الواحد الذي فيه شيء من الامتداد الوجودي كالكتاب يكتبه الكاتب، والشعر يقوله الشاعر، والخطبة يخطبها الخطيب، وهكذا يوجد عند الإمعان آخره خيراً من أوله، وبعضه أفضل من بعض.
فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه وما يأتي به من العمل من الاختلاف، وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض بل الاختلاف الكثير، وهذا ناموس كلي جار في الانسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت سيطرة التحول والتكامل العامّين لا ترى واحداً من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على حال واحد بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله.
ومن هنا يظهر وجه التقييد بالكثير في قوله: {اختلافاً كثيراً} فالوصف وصف توضيحي لا احترازي، والمعنى: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً، وكان ذلك الاختلاف كثيراً على حد الاختلاف الكثير الذي في كل ما هو من عند غير الله، وليس المعنى أن المرفوع من القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير.
وبالجملة لا يلبث المتدبر أن يشاهد أن القرآن كتاب يداخل جميع الشؤون المرتبطة بالانسانية من معارف المبدأ والمعاد والخلق والإيجاد، ثم الفضائل العامة الإنسانية، ثم القوانين الاجتماعية والفردية الحاكمة في النوع حكومة لا يشذ منها دقيق ولا جليل، ثم القصص والعبر والمواعظ ببيان دعا إلى مثلها أهل الدنيا، وبآيات نازلة نجوماً في مدة تعدّل ثلاثاً وعشرين سنة على اختلاف الأحوال من ليل ونهار، ومن حضر وسفر، ومن حرب وسلم، ومن ضراء وسراء، ومن شدة ورخاء، فلم يختلف حاله في بلاغته الخارقة المعجزة، ولا في معارفه العالية وحكمه السامية، ولا في قوانينه الاجتماعية والفردية، بل ينعطف آخره إلى ما قر عليه أوله، وترجع تفاصيله وفروعه إلى ما ثبت فيه أعراقه وأُصوله، يعود تفاصيل شرائعه وحكمه بالتحليل إلى حاق التوحيد الخالص، وينقلب توحيده الخالص بالتركيب إلى أعيان ما أفاده من التفاصيل، هذا شأن القرآن.
والإنسان المتدبر فيه هذا التدبر يقضي بشعوره الحي، وقضائه الجبلي أن المتكلم بهذا الكلام ليس ممن يحكم فيه مرور الأيام والتحوّل والتكامل العاملان في الأكوان بل هو الله الواحد القهار.
وقد تبين من الآية (أولاً): أن القرآن مما يناله الفهم العادي. و (ثانياً): أن الآيات القرآنية يفسر بعضها بعضاً. و (ثالثاً): أن القرآن كتاب لا يقبل نسخاً ولا إبطالاً ولا تكميلاً ولا تهذيباً، ولا أي حاكم يحكم عليه أبداً، وذلك أن ما يقبل شيئاً منها لا مناص من كونه يقبل نوعاً من التحوّل والتغير بالضرورة، وإذ كان القرآن لا يقبل الاختلاف فليس يقبل التحول والتغير فليس يقبل نسخاً ولا إبطالاً ولا غير ذلك، ولازم ذلك أن الشريعة الإسلامية مستمرة إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} الإذاعة هي النشر والاشاعة، وفي الآية نوع ذم وتعيير لهم في شأن هذه الاذاعة، وفي قوله في ذيل الآية {ولولا فضل الله} (إلخ) دلالة على أن المؤمنين كانوا على خطر الضلال من جهة هذه الإذاعة، وليس إلا خطر مخالفة الرسول، فإن الكلام في هذه الآيات موضوع في ذلك، ويؤيد ذلك ما في الآية التالية من أمر الرسول بالقتال ولو بقي وحده بلا ناصر.
ويظهر به أن الأمر الذي جاءهم من الأمن أو الخوف كان بعض الأراجيف التي كانت تأتي بها أيدي الكفار ورسلهم المبعوثون لإيجاد النفاق والخلاف بين المؤمنين، فكان الضعفاء من المؤمنين يذيعونه من غير تدبر وتبصّر فيوجب ذلك وهناً في عزيمة المؤمنين، غير أن الله سبحانه وقاهم من اتباع هؤلاء الشياطين الجائين بتلك الأخبار لاخزاء المؤمنين.
فتنطبق الآية على قصة بدر الصغرى، وقد تقدم الكلام فيها في سورة آل عمران، والآيات ها هنا تشابه الآيات هناك مضموناً، كما يظهر للمتدبر فيها، قال تعالى في سورة آل عمران:
{ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } } [آل عمران: 172 - 173] إلى قوله { { إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 175]. الآيات كما ترى تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو الناس بعد ما أصابهم القرح - وهو محنة أُحد - إلى الخروج إلى الكفار، وأن أُناساً كانوا يخذلون الناس ويخذلونهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويخوفونهم جمع المشركين.
ثم تذكر أن ذلك كله تخويفات من الشيطان يتكلم بها من أفواه أوليائه، وتعزم على المؤمنين أن لا يخافوهم ويخافوا الله إن كانوا مؤمنين.
والمتدبّر فيها وفي الآيات المبحوث عنها أعني قوله {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} (الآية) لا يرتاب في أن الله سبحانه في هذه الآية يذكّر قصة بدر الصغرى ويعدها في جملة ما يعد من الخلال التي يلوم هؤلاء الضعفاء عليها كقوله: {فلمّا كتب عليهم القتال} (الآية) وقوله: {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} (الآية) وقوله: {وإن تصبهم حسنة} (الآية) وقوله: {ويقولون طاعة} (الآية) ثم يجري على هذا المجرى قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} (الآية).
قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} لم يذكر ها هنا الردّ إلى الله، كما ذكر في قوله:
{ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [النساء: 59] (الآية) لأن الرد المذكور هناك هو رد الحكم الشرعي المتنازع فيه، ولا صنع فيه لغير الله ورسوله.
وأما الرد المذكور ها هنا فهو رد الخبر الشائع بين الناس من أمن أو خوف، ولا معنى لرده إلى الله وكتابه، بل الصنع فيه للرسول ولأولي الأمر منهم، لو رُدّ إليهم أمكنهم أن يستنبطوه ويذكروا للرادين صحته أو سقمه، وصدقه أو كذبه.
فالمراد بالعلم التمييز، تمييز الحق من الباطل، والصدق من الكذب على حدّ قوله تعالى:
{ ليعلم الله من يخافه بالغيب } [المائدة: 94] وقوله: { وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين } } [العنكبوت: 11]. والاستنباط استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة، وأصله من النبط (محركة)، وهو أول ما يخرج من ماء البئر، وعلى هذا يمكن أن يكون الاستنباط وصفاً للرسول وأُولي الأمر بمعنى أنهم يحقّقون الأمر فيحصلون على الحق والصدق وأن يكون وصفاً لهؤلاء الرادين لو ردوا فإنهم يعلمون حق الأمر وصدقه بإنباء الرسول وأُولي الأمر لهم.
فيعود معنى الآية، إن كان المراد بالذين يستنبطونه منهم الرسول وأُولي الأمر كما هو الظاهر من الآية: لعلمه من أراد الاستنباط من الرسول وأُولي الأمر، أي إذا استصوبه المسؤولون ورأوه موافقاً للصلاح، وإن كان المراد بهم الرادّين: لعلمه الذين يستفسرونه ويبالغون في الحصول على أصل الخبر من هؤلاء الرادين.
وأما أُولوا الأمر في قوله: {وأُولو الأمر منهم} فالمراد بهم هو المراد بأولي الأمر في قوله:
{ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59] على ما تقدم من اختلاف المفسرين في تفسيره، وقد تقدم أن أُصول الأقوال في ذلك ترجع إلى خمسة، غير أن الذي استفدناه من المعنى أظهر في هذه الآية.
أما القول بأن أُولي الأمر هم أُمراء السرايا، فإن هؤلاء لم يكن لهم شأن إلاَّ الإِمارة على سرية في واقعة خاصة لا تتجاوزها خبرتهم ودائرة عملهم، وأما أمثال ما هو مورد الآية، وهو الإخلال في الأمن، وإيجاد الخوف والوحشة العامة، التي كان يتوسل إليها المشركون ببعث العيون وإرسال الرسل السرية الذين يذيعون من الأخبار ما يخذلون به المؤمنين، فلا شأن لأمراء السرايا في ذلك حتى يمكنهم أن يبينوا وجه الحق فيه للناس إذا سألوهم عن أمثال تلك الأخبار.
وأما القول بأن أُولي الأمر هم العلماء فعدم مناسبته للآية أظهر، إذ العلماء - وهم يومئذ المحدثون والفقهاء والقراء والمتكلمون في أُصول الدين - إنما خبرتهم في الفقه والحديث ونحو ذلك، ومورد قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف}، هي الأخبار التي لها اعراق سياسية ترتبط بأطراف شتى، ربما افضى قبولها أو ردها، أو الإِهمال فيها من المفاسد الحيوية والمضار الاجتماعية، إلى ما يمكن أن لا يستصلح بأي مصلح آخر، أو يبطل مساعي أُمة في طريق سعادتها، أو يذهب بسؤددهم ويضرب بالذل والمسكنة والقتل والأسر عليهم، وأي خبرة للعلماء من حيث إنهم محدثون أو فقهاء أو قراء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر الله سبحانه بإرجاعها وردها إليهم؟ وأي رجاء في حل أمثال هذه المشكلات بأيديهم؟.
وأما القول بأن أُولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً، فمع كونه لا دليل عليه من كتاب أو سنّة قطعيّة، يرد عليه أن حكم الآية إما مختص بزمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عام يشمله وما بعده، وعلى الأول كان من اللازم أن يكونوا معروفين بهذا الشأن بما أنهم هؤلاء الأربعة من بين الناس ومن بين الصحابة خاصة، والحديث والتاريخ لا يضبطان لهم بخصوصهم شأناً من هذا القبيل، وعلى الثاني كان لازمه انقطاع حكم الآية بانقطاع زمان حياتهم، وكان لازمه أن تتصدى الآية لبيان ذلك، كما في جميع الأحكام الخاصة بشطر من الزمان المذكورة في القرآن كالأحكام الخاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أثر في الآية من ذلك.
وأما القول بأن المراد بأُولي الأمر أهل الحل والعقد، وهذا القائل لما رأى أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة مشخصة هم أهل الحل والعقد على حد ما يوجد بين الأمم المتمدنة ذوات المجتمعات المتشكلة كهيئة الوزراء، وجمعية المبعوثين إلى المنتدى وغير ذلك فإن الأمة لم يكن يجري فيها إلا حكم الله ورسوله، اضطر إلى تفسيره بأهل الشورى من الصحابة وخاصة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم.
وكيف كان، يرد عليه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجمع في مشاورته المؤمنين والمنافقين كعبد الله ابن أُبي وأصحابه، وحديث مشاورته يوم أُحد معروف، وكيف يمكن أن يأمر الله سبحانه بالرد إلى أمثاله.
على أن ممن لا كلام في كونه ذا هذا الشأن عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده عبد الرحمن ابن عوف، وهذه الآيات المسرودة في ذمِّ ضعفاء المؤمنين وتعييرهم على ما وقع منهم إنما ابتدأت به وبأصحابه أعني قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا} (الآيات) فقد ورد في الصحيح أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له، رواه النسائي في صحيحه، ورواه الحاكم في مستدركه، وصححه، ورواه الطبري وغيره في تفاسيرهم، وقد مرت الرواية في البحث الروائي السابق. وإذا كان الأمر على هذه الوتيرة، فكيف يمكن أن يؤمر في الآية بإرجاع الأمر ورده إلى مثل هؤلاء؟.
فالمتعيِّن هو الذي رجّحناه في قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم} (الآية).
قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً} قد تقدم أن الأظهر كون الآيات مشيرة إلى قصة بدر الصغرى، وبعث أبي سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة لبسط الخوف والوحشة بين الناس واخزائهم في الخروج إلى بدر، فالمراد باتباع الشيطان التصديق بما جاء به من النبأ، واتباعه في التخلف عن الخروج إلى بدر.
وبذلك يظهر استقامة معنى الاستثناء من غير حاجة إلى تكلف أو تمحل، فإن نعيماً كان يخبرهم أن أبا سفيان جمع الجموع وجهز الجيوش فاخشوهم ولا تلقوا بأنفسكم إلى حياض القتل الذريع، وقد أثر ذلك في قلوب الناس فتعلّلوا عن الخروج إلى موعدهم ببدر، ولم يسلم من ذلك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعض خاصته، وهو المراد بقوله تعالى: {إلا قليلاً}، فقد كان الناس تزلزلوا إلا القليل منهم ثم لحقوا بذلك القليل وساروا.
وهذا الذي استظهرناه من معنى الاستثناء هو الذي يؤيده ما مر ذكره من القراءين على ما فيه من الاستقامة.
وللمفسرين في أمر هذا الاستثناء مذاهب شتى لا يخلو شيء منها من فساد أو تكلف، فقد قيل: ان المراد بالفضل والرحمة ما هداهم الله إليه من إيجاب طاعته وطاعة رسوله وأُولي الأمر منهم، والمراد بالمستثنى هم المؤمنون أُولوا الفطرة السليمة والقلوب الطاهرة، ومعنى الآية: ولولا هذا الذي هداكم الله إليه من وجوب الطاعة، وإرجاع الأمر إلى الرسول وإلى أُولي الأمر لاتبعتم الشيطان جميعاً بالوقوع في الضلال إلا قليلاً منكم من أهل الفطرة السليمة، فإنهم لا يزيغون عن الحق والصلاح. وفيه أنه تخصيص الفضل والرحمة بحكم خاص من غير دليل يدل عليه، وهو بعيد من البيان القرآني، مع أن ظاهر الآية أنه امتنان في أمر ماض منقض.
وقيل: ان الآية على ظاهرها، والمؤمنون غير المخلصين يحتاجون إلى فضل ورحمة زائدين، وان كان المخلصون أيضاً لا يستغنون عن العناية الإِلهية، وفيه أن الذي يوهمه الظاهر حينئذ ممَّا يجب في بلاغة القرآن دفعه ولم يدفع في الآية. وقد قال تعالى:
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً } [النور: 21] وقال مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهو خير الناس: { ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } [الإسراء: 74 - 75]. وقيل: إن المراد بالفضل والرحمة القرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: المراد بهما الفتح والظفر، فيستقيم الاستثناء لأن الأكثرين إنما يثبتون على الحق بما يستطاب به قلوبهم من فتح وظفر وما أشبههما من العنايات الظاهرية الإلهية، ولا يصبر على مرِّ الحق إلا القليل من المؤمنين الذين هم على بصيرة من أمرهم. وقيل: الاستثناء إنما هو من قوله: {أذاعوا به}، وقيل: الاستثناء من قوله {الذين يستنبطونه}،. وقيل: إن الاستثناء إنما هو في اللفظ، وهو دليل على الجمع والإحاطة، فمعنى الآية: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعاً، وهذا نظير قوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } [الأعلى: 6 - 7] فاستثناء المشيئة يفيد عموم الحكم بنفي النسيان، وجميع هذه الوجوه لا تخلو من تكلف ظاهر.
قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلَّف إلا نفسك وحرّض المؤمنين}، التكليف من الكلفة، بمعنى المشقة لما فيه من تحميل المشقة على المكلَّف، والتنكيل من النكال، وهو على ما في المجمع: ما يمتنع به من الفساد خوفاً من مثله من العذاب، فهو عقاب المتخلف لئلا يعود إلى مثله ولعيتبر به غيره من المكلَّفين.
والفاء في قوله: {فقاتل في سبيل الله}. للتفريع والأمر بالقتال متفرّع على المتحصل من مضامين الآيات السابقة. وهو تثاقل القوم في الخروج إلى العدو وتبطئتهم في ذلك، ويدل عليه ما يتلوه من الجمل أعني قوله {لا تكلَّف إلا نفسك} (الخ) فإن المعنى: فإذا كانوا يتثاقلون في أمر الجهاد، ويكرهون القتال، فقاتل أنت يا رسول الله بنفسك، ولا يشق عليك تثاقلهم ومخالفتهم لأمر الله سبحانه، فإن تكليف غيرك لا يتوجه إليك، وإنما يتوجه إليك تكليف نفسك لا تكليفهم، وإنما عليك في غيرك أن تحرضهم، فقاتل وحرّض المؤمنين عسى الله أن يكفّ بأس الذين كفروا وقوله: {لا تكلف إلا نفسك} أي لا تكلف أنت شيئاً إلا عمل نفسك فالاستثناء بتقدير مضاف.
وقوله: {عسى الله أن يكفّ} (الخ) قد تقدم أن {عسى} تدل على الرجاء أعم من أن يكون ذلك الرجاء قائماً بنفس المتكلم أو المخاطب أو بمقام التخاطب، فلا حاجة إلى ما ذكروه من أن {عسى} من الله حتم.
وفي الآية دلالة على زيادة تعيير من الله سبحانه للمتثاقلين من الناس حيث أدى تثاقلهم إلى أن أمر الله نبيَّه بالقيام بنفسه، وأن يعرض عن المتثاقلين ولا يلحَّ عليهم بالإجابة ويخليهم وشأنهم، ولا يضيق بذلك صدره فليس عليه إلا تكليف نفسه وتحريض المؤمنين أطاع من أطاع، وعصى من عصى.
(بحث روائي)
وفي الكافي بإسناده عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ان الله عيَّر أقواماً بالإِذاعة في قوله عزَّ وجلَّ: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} فإياكم والإذاعة.
وفيه بإسناده عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزَّ وجلَّ: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم}، وقال {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فرد أمر الناس إلى أُولي الأمر منهم الذين أمر بطاعتهم والرد إليهم.
أقول: والرواية تؤيد ما قدمناه من أن المراد بأُولي الأمر في الآية الثانية، هم المذكورون في الآية الأولى.
وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام في قوله {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم} قال: هم الأئمة.
أقول: وروي هذا المعنى أيضاً عن عبد الله بن جندب عن الرضا عليه السلام في كتاب كتبه إليه في أمر الواقفيَّة، وروى هذا المعنى أيضاً المفيد في الاختصاص عن إسحاق ابن عمَّار عن الصادق عليه السلام في حديث طويل.
وفي تفسير العياشي: عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام في قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} قال: الفضل رسول الله، ورحمته أمير المؤمنين.
وفيه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، وحمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: {لولا فضل الله عليكم ورحمته} قال: فضل الله رسوله، ورحمته ولاية الأئمة.
وفيه عن محمد بن الفضيل عن العبد الصالح عليه السلام قال: الرحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والفضل علي بن أبي طالب عليه السلام.
أقول: والروايات من باب الجري، والمراد النبوَّة والولاية، فإنهما السببان المتصلان اللذان أنقذنا الله بهما من مهبط الضلال ومصيدة الشيطان، إحداهما: سبب مبلَّغ، والأخرى: سبب مجر، والرواية الأخيرة أقرب من الاعتبار فإن الله سمَّى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه بالرحمة حيث قال:
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] (الآية).
وفي الكافي بإسناده عن علي بن حديد عن مرازم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله كلَّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يكلَّف به أحداً من خلقه، ثم كلَّفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه وإن لم يجد فئة تقاتل معه، ولم يكلَّف هذا أحداً من خلقه لا قبله ولا بعده، ثم تلا هذه الآية: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك}.
ثم قال: وجعل الله له أن يأخذ ما أخذ لنفسه، فقال عزَّ وجلَّ: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وجعل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعشر حسنات.
وفي تفسير العيَّاشي عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام قول الناس لعلي عليه السلام: إن كان له حق فما منعه أن يقوم به؟ قال: فقال إن الله لا يكلف هذا لإنسان واحد إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرّض المؤمنين} فليس هذا إلا للرسول، وقال لغيره: {إلا متحرفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة} فلم يكن يومئذ فئة يعينونه على أمره.
وفيه عن زيد الشحّام عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً قطّ فقال: لا، إن كان عنده أعطاه، وإن لم يكن عنده قال: يكون إن شاء الله، ولا كافى بالسيئة قط، وما لقي سرية مذ نزلت عليه {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} إلا ولى بنفسه.
أقول: وفي هذه المعاني روايات أُخر.