التفاسير

< >
عرض

شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ
١٣
وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
١٤
فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
١٥
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
١٦
-الشورى

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل ثالث من الآيات يعرف الوحي الإِلهي بأثره الذي هو مفاده وما احتوى عليه من المضمون وهو الدين الإِلهي الواحد الذي يجب على الناس أن يتخذوه سنة في الحياة وطريقة مسلوكة إلى سعادتهم.
وقد بين فيها بحسب مناسبة المقام أن الشريعة المحمدية أجمع الشرائع المنزلة وأن الاختلافات الواقعة في دين الله على وحدته ليست من ناحية الوحي السماوي وإنما هي من بغي الناس بعد علمهم، وفي الآيات فوائد أُخر أشير إليها في خلالها.
قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} يقال: شرع الطريق شرعاً أي سواه طريقاً واضحاً بيناً. قال الراغب: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل مقترناً بوعظ من قولهم: أرض واصية متصلة النبات ويقال: أوصاه ووصاه انتهى. وفي معناه إشعار بالأهمية فما كل أمر يوصى به وإنما يختار لذلك ما يهتم به الموصي ويعتني بشأنه.
فقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} أي بين وأوضح لكم من الدين وهو سنة الحياة ما قدم وعهد إلى نوح مهتماً به، واللائح من السياق أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته، وأن المراد مما وصى به نوحاً شريعة نوح عليه السلام.
وقوله: {والذي أوحينا إليك} ظاهر المقابلة بينه وبين نوح عليه السلام أن المراد بما أوحى إليه ما اختصت به شريعته من المعارف والأحكام، وإنما عبر عن ذلك بالإِيحاء دون التوصية لأن التوصية كما تقدم إنما تتعلق من الأمور بما يهتم به ويعتني بشأنه خاصة وهو أهم العقائد والأعمال، وشريعته صلى الله عليه وآله وسلم جامعة لكل ما جل ودق محتوية على الأهم وغيره بخلاف شرائع غيره فقد كانت محدودة بما هو الأهم المناسب لحال أممهم والموافق لمبلغ استعدادهم.
والالتفات في قوله: {والذي أوحينا} من الغيبة إلى التكلم مع الغير للدلالة على العظمة فإن العظماء يتكلمون عنهم وعن خدمهم وأتباعهم.
وقوله: {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} عطف على قوله: {وما وصى به} والمراد به ما شرع لكل واحد منهم عليهم السلام.
والترتيب الذي بينهم عليهم السلام في الذكر على وفق ترتيب زمنهم فنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام، وإنما قدم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتشريف والتفضيل كما في قوله تعالى:
{ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } [الأحزاب: 7] وإنما قدم نوحاً وبدأ به للدلالة على قدم هذه الشريعة وطول عهدها.
ويستفاد من الآية أمور:
أحدها: أن السياق بما أنه يفيد الامتنان وخاصة بالنظر إلى ذيل الآية والآية التالية يعطي أن الشريعة المحمدية جامعة للشرائع الماضية ولا ينافيه قوله تعالى:
{ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } [المائدة: 48] لأن كون الشريعة شريعة خاصة لا ينافي جامعيتها.
الثاني: أن الشرائع الإِلهية المنتسبة إلى الوحي إنما هي شريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام إذ لو كان هناك غيرها لذكر قضاء لحق الجامعية المذكورة.
ولازم ذلك أولاً: أن لا شريعة قبل نوح عليه السلام بمعنى القوانين الحاكمة في المجتمع الإِنساني الرافعة للاختلافات الاجتماعية وقد تقدم نبذة من الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى:
{ كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]. وثانياً: أن الأنبياء المبعوثين بعد نوح كانوا على شريعته إلى بعثة إبراهيم وبعدها على شريعة إبراهيم إلى بعثة موسى وهكذا.
الثالث: أن الأنبياء أصحاب الشرائع وأولي العزم هم هؤلاء الخمسة المذكورون في الآية إذ لو كان معهم غيرهم لذكر فهؤلاء سادة الأنبياء ويدل على تقدمهم أيضاً قوله:
{ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } [الأحزاب: 7]. وقوله: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا} أن تفسيرية، وإقامة الدين حفظه بالاتباع والعمل واللام في الدين للعهد أي أقيموا هذا الدين المشروع لكم، وعدم التفرق فيه حفظ وحدته بالاتفاق عليه وعدم الاختلاف فيه.
لما كان شرع الدين لهم في معنى أمرهم جميعاً باتباعه والعمل به من غير اختلاف فسره بالأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه فكان محصله أن عليهم جميعاً إقامة الدين جميعاً وعدم التفرق والتشتت فيه بإقامة بعض وترك بعض، وإقامته الإِيمان بجميع ما أنزل الله والعمل بما يجب عليه العمل به.
فجميع الشرائع التي أنزلها الله على أنبيائه دين واحد يجب إقامته وعدم التفرق فيه فأما الأحكام السماوية المشترك فيها الباقية ببقاء التكليف فمعنى الإِقامة فيها ظاهر وأما الأحكام المشرعة في بعض هذه الشرائع المنسوخة في الشريعة اللاحقة فحقيقة الحكم المنسوخ أنه حكم ذو أمد خاص بطائفة من الناس في زمن خاص ومعنى نسخه تبين انتهاء أمده لا ظهور بطلانه قال تعالى:
{ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } [الأحزاب: 4] فالحكم المنسوخ حق دائماً غير أنه خاص بطائفة خاصة في زمن خاص يجب عليهم أن يؤمنوا به ويعملوا به ويجب على غيرهم أن يؤمنوا به فحسب من غير عمل وهذا معنى إقامته وعدم التفرق فيه.
فتبين أن الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه في قوله: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} مطلق شامل لجميع الناس في جميع الأزمان.
وبذلك يظهر فساد قول جمع إن الأمر بالإِقامة وعدم التفرق إنما يشمل الأحكام المشتركة بين الشرائع دون المختصة فهي أحكام متفاوتة مختلفة باختلاف الأمم من حيث أحوالها ومصالحها.
وذلك أنه لا موجب لتقييد إطلاق قوله: {أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ولو كان كما يقولون كان الأمر بالإِقامة مختصاً بأصول الدين الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، وأما غيرها من الأحكام الفرعية فلا يكاد يوجد هناك حكم واحد مشترك فيه في جميع خصوصياته بين جميع الشرائع وهذا مما يأباه قطعاً سياق قوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به} الخ، ومثل قوله:
{ وإن هذه أُمتكم أُمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً } [المؤمنون: 52 - 53]، وقوله: { إن الدين عند الله الإِسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } [آل عمران: 19]. قوله: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} المراد بقوله: {ما تدعوهم إليه} دين التوحيد الذي كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أصل التوحيد فحسب على ما تشهد به الآية التالية، والمراد بكبره على المشركين تحرجهم من قبوله.
وقوله: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} الاجتباء هو الجمع والاجتلاب، ومقتضى اتساق الضمائر أن يكون ضمير {إليه} الثاني والثالث راجعاً إلى ما يرجع إليه الأول والمعنى الله يجمع ويجتلب إلى دين التوحيد - وهو ما تدعوهم إليه - من يشاء من عباده ويهدي إليه من يرجع إليه فيكون مجموع قوله: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء} في معنى قوله:
{ هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم } [الحج: 78]. وقيل: الضميران لله تعالى، ولا بأس به لكن ما تقدم هو الأنسب، وعلى أي حال قوله: {الله يجتبي إليه} إلى آخر الآية موضوع موضع الاستغناء عن إيمان المشركين المستكبرين للإِيمان نظير قوله تعالى: { فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون } [فصلت: 38]. وقيل: المراد بما تدعوهم إليه ما تدعوهم إلى الإِيمان به وهو الرسالة أي إن رسالتك كبرت عليهم، وقوله: {الله يجتبي} الخ في معنى قوله: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] وهو خلاف الظاهر.
قوله تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} إلى آخر الآية ضمير {تفرقوا} للناس المفهوم من السياق، والبغي الظلم أو الحسد، وتقييده بقوله: {بينهم} للدلاله على تداوله، والمعنى وما تفرق الناس الذين شرعت لهم الشريعة باختلافهم وتركهم الاتفاق إلا حال كون تفرقهم آخذاً - أو ناشئاً - من بعد ما جاءهم العلم بما هو الحق ظلماً أو حسداً تداولوه بينهم.
وهذا هو الاختلاف في الدين المؤدي إلى الانشعابات والتحزبات الذي ينسبه الله سبحانه في مواضع من كلامه إلى البغي، وأما الاختلاف المؤدي إلى نزول الشريعة وهو الاختلاف في شؤون الحياة والتفرق في أمور المعاش فهو أمر عائد إلى اختلاف طبائع الناس في مقاصدهم وهو الذريعة إلى نزول الوحي وتشريع الشرع لرفعه كما يشير إليه قوله:
{ كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين } [البقرة: 213] كما تقدم في تفسير الآية.
وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم} المراد بالكلمة مثل قوله حين إهباط آدم عليه السلام إلى الأرض:
{ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36]. والمعنى: ولولا أن الله قضى فيهم الاستقرار والتمتع في الأرض إلى أجل سماه وعينه لقضى بينهم إثر تفرقهم في دينه وانحرافهم عن سبيله فأهلكهم باستدعاء من هذا الذنب العظيم.
وقول القائل: إن الله قد قضى وأهلك كما يقصه في قصص نوح وهود وصالح عليه السلام وقد قال تعالى:
{ ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قُضيَ بينهم بالقسط } [يونس: 47]. مدفوع بأن ما قصه تعالى من القضاء والإِهلاك إنما هو في أمم الأنبياء في زمانهم من المكذبين بين الرادين عليهم وما نحن فيه من قوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك} الآية في أممهم بعدهم وهو واضح من السياق.
وقوله: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب} ضمير {من بعدهم} لأولئك الذين تفرقوا من بعد علم بغياً بينهم وهم الأسلاف، والذين أورثوا الكتاب من بعدهم أخلافهم فمفاد الآية أن البادئين بالاختلاف المؤسسين للتفرقة كانوا على علم من الحق وإنما أبدعوا ما أبدعوا، بغياً بينهم، وأخلافهم الذين أُورثوا الكتاب من بعدهم في شك مريب - موقع في الريب - منه.
وما أوردناه في معنى الآية هو الذي يعطيه السياق، ولهم في تفسيرها أقاويل كثيرة لا جدوى في إسقاطها فليرجع في الوقوف عليها إلى كتبهم.
قوله تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم} إلى آخر الآية. تفريع على ما ذكر من شرع دين واحد لجميع الأنبياء وأممهم ثم انقسام أممهم إلى أسلاف اختلفوا في الدين عن علم بغياً، وإلى أخلاف شاكين مرتابين فيما أورثوه من الكتاب أي فلأجل أنه شرع لكم جميع ما شرع لمن قبلكم فادع ولأجل ما ذكر من تفرّق بعضهم بغياً وارتياب آخرين فاستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم.
واللام في قوله: {فلذلك} للتعليل، وقيل: اللام بمعنى إلى أي إلى ما شرع لكم من الدين فادع واستقم كما أُمرت، والاستقامة - كما ذكره الراغب - لزوم المنهاج المستقيم، وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} كالمفسر له.
وقوله: {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} تسوية بين الكتب السماوية من حيث تصديقها والإِيمان بها وهي الكتب المنزلة من عند الله المشتملة على الشرائع.
وقوله: {وأُمرت لأعدل بينكم} قيل: اللام زائدة للتأكيد نظير قوله:
{ وأُمرنا لنسلم لرب العالمين } [الأنعام: 71]، والمعنى: وأُمرت أن أعدل بينكم أي أسوّي بينكم فلا أقدّم قوياً على ضعيف ولا غنياً على فقير ولا كبيراً على صغير، ولا أفضّل أبيض على أسود ولا عربياً على عجمي ولا هاشمياً أو قرشياً على غيره فالدعوة متوجهة إلى الجميع، والناس قبال الشرع الإِلهي سواء.
فقوله: {آمنت بما أنزل الله من كتاب} تسوية بين الكتب المنزلة من حيث الإِيمان بها، وقوله: {وأُمرت لأعدل بينكم} تسوية بين الناس من حيث الدعوة وتوجه ما جاء به من الشرع.
وقيل: اللام في {لأعدل بينكم} للتعليل، والمعنى: وأُمرت بما أُمرت لأجل أن أعدل بينكم، وكذا قيل: المراد بالعدل العدل في الحكم، وقيل: العدل في القضاء بينكم، وقيل غير ذلك؛ وهذه معان بعيدة لا يساعد عليها السياق.
وقوله: {الله ربنا وربكم} الخ، في مقام التعليل لما ذكر من التسوية بين الكتب والشرائع في الإِيمان بها وبين الناس في دعوتهم وشمول الأحكام لهم، ولذا جيء في الكلام بالفصل من غير عطف.
فقوله: {الله ربنا وربكم} يشير إلى أن رب الكل هو الله الواحد تعالى فليس لها أرباب كثيرون حتى يلحق كلٌ بربه ويتفاضلوا بالأرباب ويقتصر كلٌ منهم بالإِيمان بشريعة ربه بل الله هو رب الجميع وهم جميعاً عباده المملوكون له المدبرون بأمره والشرائع المنزلة على الأنبياء من عنده فلا موجب للإِيمان ببعضها دون بعض كما يؤمن اليهود بشريعة موسى دون من بعده وكذا النصارى بشريعة عيسى دون محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل الواجب الإِيمان بكل كتاب نازل من عنده لأنها جميعاً من عنده.
وقوله: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} يشير إلى أن الأعمال وإن اختلفت من حيث كونها حسنة أو سيئة ومن حيث الجزاء ثواباً أو عقاباً إلا أنها لا تتعدى عاملها فلكل امرىء ما عمل فلا ينتفع أحد بعمل آخر ولا يتضرر بعمل غيره فليس له أن يقدم امرء للانتفاع بعمله أو يؤخر امرء للتضرر بعمله نعم في الأعمال تفاضل تختلف به درجات العاملين لكن ذلك إلى الله فيما يحاسب به عباده لا إلى الناس - النبي فمن دونه - الذين هم جميعاً عباد مملوكون لا يملك منهم نفس من نفس شيئاً، وهذا هو الذي ذكره تعالى في محاورة نوح عليه السلام قومه:
{ قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } [الشعراء: 111 - 113]، وكذا قوله يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } [الأنعام: 52]. وقوله: {لا حجة بيننا وبينكم} لعل المراد أنه لا حجة تدل على تقدم بعض على بعض تكون فيما بيننا يقيمها بعض على بعض يثبت بها تقدمه عليه.
ويمكن أن يكون نفي الحجة كناية عن نفي لازمها وهو الخصومة أي لا خصومة بيننا بتفاوت الدرجات لأن ربنا واحد ونحن في أننا جميعاً عباده واحد ولكل نفس ما عملت فلا حجة في البين أي لا خصومة حتى تتخذ لها حجة.
ومن هنا يظهر أن لا وجه لقول بعضهم في تفسير الجملة: أي لا احتجاج ولا خصومة لأن الحق قد ظهر فلم يبق للاحتجاج حاجة ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة والعناد انتهى. إذ الكلام مسوق لبيان ما أُمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه وفي أُمته من سنة التسوية لا لإِثبات شيء من أُصول المعارف حتى تحمل الحجة على ما حملها عليه.
وقوله: {الله يجمع بيننا} المراد بضمير التكلم فيه مجموع المتكلم والمخاطب في الجمل السابقة، والمراد بالجمع جمعه تعالى إياهم يوم القيامة للحساب والجزاء على ما قيل.
وغير بعيد أن يراد بالجمع جمعه تعالى بينهم في الربوبية فهو رب الجميع والجميع عباده فيكون قوله: {الله يجمع بيننا} تأكيداً لقوله السابق: {الله ربنا وربكم} وتوطئة وتمهيداً لقوله: {وإليه المصير} ويكون مفاد الجملتين أن الله هو مبدؤنا لأنه ربنا جميعاً وإليه منتهانا لأنه إليه المصير فلا موجد لما بيننا إلا هو عز اسمه.
وكان مقتضى الظاهر في التعليل أن يقال: "الله ربي وربكم لي عملي ولكم أعمالكم لا حجة بيني وبينكم" على محاذاة قوله: {آمنت} {وأُمرت لأعدل} لكن عدل عن المتكلم وحده إلى المتكلم مع الغير لدلالة قوله لسابق: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} الخ، وقوله: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} أن هناك قوماً يؤمنون بما آمن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويلبون دعوته ويتبعون شريعته.
فالمراد بالمتكلم مع الغير في {ربنا} و {لنا أعمالنا} و {بيننا} هو صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون به، وبالمخاطبين في قوله: {وربكم} و {أعمالكم} و {بينكم} سائر الناس من أهل الكتاب والمشركين، والآية على وزان قوله تعالى:
{ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون } [آل عمران: 64]. قوله تعالى: {والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} الحجة هي القول الذي يقصد به إثبات شيء أو إبطاله من الحج بمعنى القصد، والدحض البطلان والزوال.
والمعنى: - على ما قيل - والذين يحاجون في الله أي يحتجون على نفي ربوبيته أو على إبطال دينه من بعد ما استجاب الناس له ودخلو في دينه لظهور الحجة ووضوح المِحَجة حجتهم باطلة زائلة عند ربهم وعليهم غضب منه تعالى ولهم عذاب شديد.
والظاهر أن المراد بالاستجابة له ما هو حق الاستجابة وهو التلقي بالقبول عن علم لا يداخله شك تضطر إليه الفطرة الإِنسانية السليمة فإن الدين بما فيه من المعارف فطري تصدقه وتستجيب له الفطرة الحية قال تعالى:
{ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } [الأنعام: 36]، وقال: { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 7 - 8]، وقال: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها } [الروم: 30]. ومحصل الآية على هذا: أن الذين يحاجون فيه تعالى أو في دينه بعد استجابة الفطرة السليمة له أو بعد استجابة الناس بفطرتهم السليمة له حجتهم باطلة زائلة عند ربهم وعليهم غضب منه ولهم عذاب شديد لا يقادر قدره.
ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد سياق الآيات السابقة حيث تذكر أن الله شرع ديناً ووصى به أنبياءه واجتبى إليه من شاء من عباده فالمحاجة في أن لله ديناً يستعبد به عباده داحضة ومن الممكن حينئذ أن يكون قوله: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} في مقام التعليل وحجة مدحضة لحجتهم فتدبر فيه.
وقيل: ضمير {له} للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمستجيب أهل الكتاب، استجابتهم له اعترافهم بورود أوصافه ونعوته في كتبهم والمراد أن محاجتهم في الله بعد اعترافهم له بما اعترفوا حجتهم باطلة عند ربهم.
وقيل: الضمير له صلى الله عليه وآله وسلم والمستجيب هو الله تعالى حيث استجاب دعاءه على صناديد قريش فقتلهم يوم بدر، ودعاءه على أهل مكة فابتلاهم بالقحط والسنة، ودعاءه على المستضعفين حتى خلصهم الله من يد قريش إلى غير ذلك من معجزاتة، والمعنيان بعيدان من السياق.
(بحث روائي)
في روح المعاني في قوله تعالى: {والذين يحاجون في الله} الآية عن ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني إسرائيل همّت برد الناس عن الإِسلام وإضلالهم فقالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فديننا أفضل من دينكم وفي رواية بدل "فديننا" الخ فنحن أولى بالله منكم.
وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجاً فاخرجوا من بين أظهرنا فعلام تقيمون بين أظهرنا فنزلت: {والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له} الآية.
أقول: مضمون الآية لا ينطبق على الرواية إذ لا محاجة في القصة، وكذا الخبر السابق لا يفي بتوجيه قوله: {من بعد ما استجيب له}.