التفاسير

< >
عرض

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
٨
لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
١٠
-الفتح

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل ثان من آيات السورة يعرف سبحانه فيه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم تعريف إكبار وإعظام بأنه أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً طاعته طاعة الله وبيعته بيعة الله، وقد كان الفصل الأول امتناناً منه تعالى على نبيّه بالفتح والمغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر وعلى المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم وإدخال الجنة ووعيد المشركين والمنافقين بالغضب واللعن والنار.
قوله تعالى: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} المراد بشهادته صلى الله عليه وآله وسلم شهادته على الأعمال من إيمان وكفر وعمل صالح أو طالح، وقد تكرر في كلامه تعالى ذكر شهادته صلى الله عليه وآله وسلم، وتقدم استيفاء الكلام في معنى هذه الشهادة، وهي شهادة حمل في الدنيا، وأداء في الآخرة.
وكونه مبشراً تبشيره لمن آمن واتقى بالقرب من الله وجزيل ثوابه، وكونه نذيراً إنذاره وتخويفه لمن كفر وتولى بأليم عذابه.
قوله تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبّحوه بكرة وأصيلاً} القراءة المشهورة بتاء الخطاب في الأفعال الأربعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة في الجميع وقراءتهما أرجح بالنظر إلى السياق.
وكيف كان فاللام في {لتؤمنوا} للتعليل أي أرسلناك كذا وكذا لتؤمنوا بالله ورسوله.
والتعزير - على ما قيل - النصر والتوقير التعظيم كما قال تعالى:
{ ما لكم لا ترجون لله وقاراً } [نوح: 13]، والظاهر أن الضمائر في {تعزروه وتوقروه وتسبحوه} جميعاً لله تعالى والمعنى: إنا أرسلناك كذا وكذا ليؤمنوا بالله ورسوله وينصروه تعالى بأيديهم وألسنتهم ويعظموه ويسبحوه - وهو الصلاة - بكرة وأصيلاً أي غداة وعشيا.
وقيل: الضميران في {تعزروه وتوقروه} للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وضمير {تسبحوه} لله تعالى ويوهنه لزوم اختلاف الضمائر المتسقة.
قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} إلى آخر الآية. البيعة نوع من الميثاق ببذل الطاعة قال في المفردات: وبايع السلطان إذا تضمن بذل الطاعة له بما رضخ له انتهى، والكلمة مأخوذة من البيع بمعناه المعروف فقد كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا إنجاز البيع أعطى البايع يده للمشتري فكأنهم كانوا يمثلون بذلك نقل الملك بنقل التصرفات التي يتحقق معظمها باليد إلى المشتري بالتصفيق، وبذلك سمي التصفيق عند بذل الطاعة بيعة ومبايعة، وحقيقة معناه إعطاء المبايع يده للسلطان مثلاً ليعمل به ما يشاء.
فقوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تنزيل بيعته صلى الله عليه وآله وسلم منزلة بيعته تعالى بدعوى أنها هي فما يواجهونـــه صلى الله عليه وآله وسلم بـــه مـــــن بذل الطاعـــة لا يواجهـــون بـــه إلا الله سبحانـــه لأن طاعته طاعة الله ثم قرره زيادة تقرير وتأكيد بقوله: {يد الله فوق أيديهم} حيث جعل يده صلى الله عليه وآله وسلم يد الله كما جعل رميه صلى الله عليه وآله وسلم رمي نفسه في قوله:
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: 17]. وفي نسبة ما له صلى الله عليه وآله وسلم من الشأن إلى نفسه تعالى آيات كثيرة كقوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } [النساء: 80]، وقوله: { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33]، وقوله: { ليس لك من الأمر شيء } [آل عمران: 128]. وقوله: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} النكث نقض العهد والبيعة، والجملة تفريع على قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} والمعنى: فإذا كان بيعتك بيعة الله فالناكث الناقض لها ناقض لبيعة الله ولا يتضرر بذلك إلا نفسه كما لا ينتفع بالإِيفاء إلا نفسه لأن الله غني عن العالمين.
وقوله: {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً} وعد جميل على حفظ العهد والإِيفاء به.
والآية لا تخلو من إيماء إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عند البيعة يضع يده على أيديهم فكانت يده على أيديهم لا بالعكس.
وللمفسرين في قوله: {يد الله فوق أيديهم} أقوال أُخر.
فقيل: إنه من الاستعارة التخييلية والاستعارة بالكناية جيء به لتأكيد ما تقدمه وتقرير أن مبايعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كمبايعة الله من غير تفاوت فخيل أنه سبحانه كأحد المبايعين من الناس فأثبتت له يد تقع فوق أيدي المبايعين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكان يد الرسول وفيه أنه غير مناسب لساحة قدسه تعالى أن يخيل على وجه هو منزه عنه.
وقيل: المراد باليد القوة والنصرة أي قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم أي ثق بنصرة الله لا بنصرتهم.
وفيه أن المقام مقام إعظام بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن مبايعتهم له مبايعة لله، والوثوق بالله ونصرته وإن كان حسناً في كل حال لكنه أجنبي عن المقام.
وقيل: المراد باليد العطية والنعمة أي نعمة الله عليهم بالثواب أو بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم عليك بالمبايعة، وقيل: نعمته عليهم بالهداية أعظم من نعمتهم عليك بالطاعة إلى غير ذلك من الوجوه التي أوردوها ولا طائل تحتها.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية {وتعزروه} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه:
"ما ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: لتنصروه"
]. وفي العيون بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لعلي بن موسى الرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟ فقال: يا أبا الصلت إن الله تعالى فضّل نبيه محمداً على جميع خلقه من النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومبايعته مبايعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عز وجل: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله"
]. ودرجته في الجنة أعلى الدرجات، ومن زاره في درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى.
وفي إرشاد المفيد في حديث بيعة الرضا عليه السلام قال: وجلس المأمون ووضع للرضا عليه السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه، وأجلس الرضا عليه السلام في الحضرة وعليه عمامة وسيف. ثم أمر ابنه العباس بن المأمون أن يبايع له في أول الناس فرفع الرضا عليه السلام يده فتلقَّى بها وجهه وببطنها وجوههم فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة فقال الرضا عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا كان يبايع فبايعه الناس ويده فوق أيديهم.