التفاسير

< >
عرض

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
١٠٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
١٠٤
-المائدة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} هذه أصناف من الأنعام كان أهل الجاهلية يرون لها أحكاماً مبنية على الاحترام ونوع من التحرير، وقد نفى الله سبحانه أن يكون جعل من ذلك شيئاً، فالجعل المنفي متعلق بأوصافها دون ذواتها فإن ذواتها مخلوقة لله سبحانه من غير شك، وكذلك أوصافها من جهة أنها أوصاف فحسب، وإنما الذي تقبل الإِسناد إليه تعالى ونفيه هي أوصافها ومن جهة كونها مصادر لأحكام كانوا يدعونها لها فهي التي تقبل الإِسناد ونفيه، فنفي جعل البحيرة وأخواتها في الآية نفي لمشروعية الأحكام المنتسبة إليها المعروفة عندهم.
وهذه الأصناف الأربعة من الأنعام وإن اختلفوا في معنى أسمائها ويتفرع عليه الاختلاف في تشخيص أحكامها كما ستقف عليه، لكن من المسلم أن أحكامها مبنية على نوع من تحريرها والاحترام لها برعاية حالها، ثلاثة منها وهي البحيرة والسائبة والحامي من الإِبل، وواحدة وهي الوصيلة من الشاة.
أما البحيرة ففي المجمع: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً بحروا أُذنها (أي شقوها شقاً واسعاً) وامتنعوا عن ركوبها ونحرها، ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى، فإذا لقيها المعيي لم تركبها، عن الزجاج.
وقيل: إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء جميعاً، وإن كانت أُنثى شقو أُذنها فتلك البحيرة ثم لا يجزّ لها وبر، ولا يذكر لها اسم الله إن ذكيت، ولا حمل عليها، وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئاً، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت فإذا ماتت اشتركت الرجال والنساء في أكلها، عن ابن عباس، وقيل: "إن البحيرة بنت السائبة"، عن محمد بن إسحاق.
وأما السائبة ففي المجمع أنها ما كانوا يسيبونه فإن الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها، وإن لا تخلى عن ماء ولا تمنع من مرعى، عن الزجاج، وهو قول علقمة.
وقيل: هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة - وهم خدمة آلهتهم - فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ونحو ذلك عن ابن عباس وابن مسعود.
وقيل: إن السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم تركبوها، ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إلاَّ ضيف فما نتجت بعد ذلك من انثى شق اذنها ثم تخلى سبيلها مع أُمها، وهي البحيرة، عن محمد بن إسحاق.
وأما الوصيلة ففي المجمع: وهي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت انثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، عن الزجّاج.
وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع جدياً ذبحوه لآلهتهم ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقاً، استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جدياً وعناقاً قالوا: إن الاخت وصلت أخاها لحرمته علينا فحرما جميعاً فكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود ومقاتل.
وقيل: الوصيلة الشاة إذا تأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة فقالوا: قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإِناث، عن محمد بن إسحاق.
وأما الحامي ففي المجمع: هو الذكر من الإِبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمي ظهره فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا من مرعى، عن ابن عباس وابن مسعود، وهو قول أبي عبيدة والزجاج.
وقيل: إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب، عن الفراء.
وهذه الأسماء وإن اختلفوا في تفسيرها إلاَّ أن من المحتمل قريباً أن يكون ذلك الاختلاف ناشئاً من اختلاف سلائق الأقوام في سننهم؛ فإن أمثال ذلك كثيرة في السنن الدائرة بين الأقوام الهمجية.
وكيف كان فالآية ناظرة إلى نفي الأحكام التي كانوا قد اختلقوها لهذه الأصناف الأربعة من الأنعام، ناسبين ذلك إلى الله سبحانه بدليل قوله أولاً: {ما جعل الله} الخ، وثانياً: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} الخ.
ولذلك كان قوله: {ولكن الذين كفروا} الخ، بمنزلة الجواب عن سؤال مقدّر كأنه لما قيل: {ما جعل الله من بحيرة} الخ، سئل فقيل: فما هذا الذي يدعيه هؤلاء الذين كفروا؟ فأُجيب بأنه افتراء منهم على الله الكذب ثم زيد في البيان فقيل: {وأكثرهم لا يعقلون} ومفاده أنهم مختلفون في هذا الافتراء فأكثرهم يفترون ما يفترون وهم لا يعقلون، والقليل من هؤلاء المفترين يعقلون الحق وأن ما ينسبونه إليه تعالى من الافتراء، وهم المتبوعون المطاعون لغيرهم المديرون لأزمة أمورهم فهم أهل عناد ولجاج.
قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} إلى آخر الآية، في حكاية دعوتهم إلى ما أنزل الله إلى الرسول الذي شأنه البلاغ، فقط فالدعوة دعوة إلى الحق وهو الصدق الخالي عن الفرية، والعلم المبرىء من الجهل فإن الآية السابقة تجمع الافتراء وعدم التعقل في جانبهم فلا يبقى لما يدعون إليه - أعني جانب الله سبحانه - إلاَّ الصدق والعلم.
لكنهم ما دفعوه إلاَّ بالتقليد حيث قالوا: حسبنا وجدنا عليه آباءنا، والتقليد وإن كان حقاً في بعض الأحيان وعلى بعض الشروط وهو رجوع الجاهل إلى العالم، وهو مما استقر عليه سير المجتمع الإِنساني في جميع أحكام الحياة التي لا يتيسر فيها للإِنسان أن يحصّل العلم بما يحتاج إلى سلوكه من الطريق الحيوي، لكن تقليد الجاهل في جهله بمعنى رجوع الجاهل إلى جاهل آخر مثله مذموم في سنة العقلاء كما يذم رجوع العالم إلى عالم آخر بترك ما يستقلّ بعمله من نفسه والأخذ بما يعلم غيره.
ولذلك ردّه تعالى بقوله: {أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعلمون ولا يهتدون} ومفاده أن العقل - لو كان هناك عقل - لا يبيح للإِنسان الرجوع إلى من لا علم عنده ولا اهتداء فهذه سنّة الحياة لا تبيح سلوك طريق لا تؤمن مخاطره، ولا يعلم وصفه لا بالاستقلال ولا باتباع من له به خبرة.
ولعلَّ إضافة قوله: {ولا يهتدون} إلى قوله: {لا يعلمون شيئاً} لتتميم قيود الكلام بحسب الحقيقة، فإن رجوع الجاهل إلى مثله وإن كان مذموماً لكنه إنما يذم إذا كان المسؤول المتبوع مثل السائل التابع في جهله لا يمتاز عنه بشيء، وأما إذا كان المتبوع نفسه يسلك الطريق بهداية عالم خبير به ودلالته فهو مهتد في سلوكه، ولا ذمّ على من اتبعه في مسيره وقلده في سلوك الطريق، فإن الأمر ينتهي إلى العلم بالآخرة كمن يتبع عالماً بأمر الطريق ثم يتبعه آخر جاهل به.
ومن هنا يتضح أن قوله: {أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً} غير كاف في تمام الحجة عليهم لاحتمال أن يكون آباءهم الذين اتبعوهم بالتقليد مهتدين بتقليد العلماء الهداة فلا يجري فيهم حكم الذم، ولا تتم عليهم الحجة فدفع ذلك بأن آباءهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، ولا مسوغ لاتباع من هذا حاله.
ولما تحصل من الآية الأولى أعني قوله: {ما جعل الله من بحيرة} الخ، أنهم بين من لا يعقل شيئاً وهم الأكثرون، ومن هو معاند مستكبر تحصل أنهم بمعزل من أهلية توجيه الخطاب وإلقاء الحجة ولذلك لم تلق إليهم الحجة في الآية الثانية بنحو التخاطب بل سيق الكلام على خطاب غيرهم والصفح عن مواجهتهم فقيل: {أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون}.
وقد تقدم في الجزء الأول من أجزاء هذا الكتاب بحث علمي أخلاقي في معنى التقليد يمكنك أن تراجعه.
ويتبين من الآية أن الرجوع إلى كتاب الله وإلى رسوله - وهو الرجوع إلى السنة - ليس من التقليد المذموم في شيء.
(بحث روائي)
في تفسير البرهان عن الصدوق بإسناده إلى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} قال: إن أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن واحد قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها، وإذا ولدت عشراً جعلوها سائبة، ولا يستحلون ظهرها ولا أكلها، والحام فحل الإِبل لم يكونوا يستحلونه فأنزل الله: أنه لم يكن يحرم شيئاً من ذلك.
قال: ثم قال ابن بابويه: وقد روي: أن البحيرة الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن وإن كان الخامس ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أُذنها أي شقوها وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها فإذا ماتت حلت للنساء، والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك.
والوصيلة من الغنم، كانوا إذا ولدت شاة سبعة أبطن فكان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم تذبح وكان لحمها حراماً على النساء إلاَّ أن تموت منها شيء فيحلُّ أكلها للرجال والنساء.
والحام الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره، قال: وقد يروى: أن الحام هو من الإِبل إذا أنتج عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء.
أقول: ومن طرق الشيعة وأهل السنة روايات أُخر في معاني هذه الأسماء: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقد مرَّ شطر منها في الكلام المنقول عن الطبرسي في مجمع البيان في البيان المتقدم.
والمتيقن من معانيها - كما عرفت - أن هذه الأصناف من الأنعام كانت في الجاهلية محررة نوعاً من التحرير ذات أحكام مناسبة لذلك كحماية الظهر وحرمة أكل اللحم وعدم المنع من الماء والكلأ، وأن الوصيلة من الغنم والثلاثة الباقية من الإِبل.
وفي المجمع: روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
"أن عمرو بن لُحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة، وكان أول من غيّر دين اسماعيل، واتخذ الأصنام ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي"
]. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" ، ويروى يجر قصبه في النار.
أقول: وروي في الدر المنثور هذا المعنى بعدة طرق عن ابن عباس وغيره.
وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إني لأعرف أول من سيب السوائب، ونصب النصب، وأول من غير دين إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لحي أخو بني كعب لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه.
وإني لأعرف من نحر النحائر، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجذع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما وركب ظهورهما.
قال: فلقد رأيته في النار، وهما يقصمانه بأفواههما ويطئانه بأخفافهما"
]. وفيه: أخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب فقال لى: "هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال: من أيّ المال؟ قلت: من كل المال: من الإِبل والغنم والخيل والرقيق قال: فإذا آتاك الله فلير عليك.
ثم قال: تنتج إبلك رافية آذانها؟ قلت: نعم وهل تنتج الإِبل إلاَّ كذلك؟ قال: فلعلك تأخذ موسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحر، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه الصرم؟ قلت: نعم، قال: فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حل، ثم قال: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"
].