التفاسير

< >
عرض

قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
٦٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٦٩
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ
٧٠
وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٧١
لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
٧٢
لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٣
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٧٤
مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
٧٥
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٧٦
قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ
٧٧
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
٧٨
كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٧٩
تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ
٨٠
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
٨١
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
٨٢
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ
٨٣
وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ
٨٤
فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٥
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ
٨٦
-المائدة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات في نفسها تقبل الاتصال والاتساق بحسب النظم، ولا تقبل الاتصال بقوله تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإِنجيل} (الآية) مع الغض عن قوله تعالى: {يا أيُّها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك} (الآية) وأما ارتباط قوله تعالى: {يا أيُّها الرسول بلِّغ} (الآية) فقد عرفت الكلام فيه.
والأشبه أن تكون هذه الآيات جارية على سياق الآيات السابقة من أوائل السورة إلى هنا أعني ارتباط مضامين الآيات آخذة من قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} (الآية الـ 12 من السورة) إلى آخر هذه الآيات المبحوث عنها باستثناء نزرة مما تتخللها كآية الولاية وآية التبليغ وغيرهما مما تقدم البحث عنه، ومثله الكلام في اتصال آيات آخر السورة بهذه الآيات فإنها جميعاً يجمعها أنها كلام يتعلق بشأن أهل الكتاب.
قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإِنجيل} (إلى آخر الآية)، الإِنسان يجد من نفسه خلال أعماله أنه إذا أراد إعمال قوة وشدة فيما يحتاج إلى ذلك، وجب أن يعتمد على مستوى يستوي عليه أو يتصل به كمن أراد أن يجذب أو يدفع أو يحمل أو يقيم شيئاً ثقيلاً فإنه يثبت قدميه على الأرض أولاً ثم يصنع ما شاء لما يعلم أن لولا ذلك لم يتيسر له ما يريد، وقد بحث عنه في العلوم المربوطة به.
وإذا أجرينا هذا المعنى في الأمور المعنوية كأفعال الإِنسان الروحية أو ما يتعلق من أفعال الجوارح بالأمور النفسية كان ذلك منتجاً أن صدور مهام الأفعال وعظائم الأعمال يتوقف على أُس معنوي ومبنى قوي نفسي كتوقف جلائل الأمور على الصبر والثبات وعلو الهمة وقوة العزيمة وتوقف النجاح في العبودية على حق التقوى والورع عن محارم الله.
ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: {لستم على شيء} كناية عن عدم اعتمادهم على شيء يثبت عليه أقدامهم فيقدروا بذلك على إقامة التوراة والإِنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم تلويحاً إلى أن دين الله وحكمه لها من الثقل ما لا يتيسر حمله للإِنسان حتى يعتمد على أساس ثابت ولا يمكنه إقامته بمجرد هوى من نفسه كما يشير تعالى إلى ذلك بالنسبة إلى القرآن الكريم بقوله:
{ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } [المزمل: 5]، وقوله: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلَّهم يتفكرون } [الحشر: 21]، وقوله: { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } } [الأحزاب: 72] الآية.
وقال في أمر التوراة خطاباً لموسى عليه السلام:
{ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } [الأعراف: 145]، وقال خطاباً لبني إسرائيل: { خذوا ما آتيناكم بقوة } [الأعراف: 171] وقال خطاباً ليحيى عليه السلام: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } } [مريم: 12]. فيعود المعنى إلى أنكم فاقدوا العماد الذي يجب عليكم أن تعتمدوا عليه في إقامة دين الله الذي أنزله إليكم في كتبه وهو التقوى والإِنابة إلى الله بالرجوع إليه مرة بعد أخرى والاتصال به والإِيواء إلى ركنه بل مستكبرون عن طاعته ومتعدون حدوده.
ويظهر هذا المعنى من قوله تعالى خطاباً لنبيه والمؤمنين: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} فجمع الدين كله فيما ذكره، ثم قال: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} فبين أن ذلك كله يرجع إلى إقامة الدين كلمة واحدة من غير تفرق ثم قال: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} وذلك لكبر الاتفاق والاستقامة في اتباع الدين عليهم، ثم قال: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فأنبأ أن إقامة الدين لا يتيسر إلاَّ بهداية من الله، ولا يصلح لها إلاَّ المتصف بالإِنابة التي هي الاتصال بالله وعدم الانقطاع عنه بالرجوع إليه مرة بعد أخرى، ثم قال:
{ وما تفرقوا إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } [الشورى: 14] فذكر أن السبب في تفرقهم وعدم إقامتهم للدين هو بغيهم وتعديهم عن الوسط العدل المضروب لهم.
وقال أيضاً في نظيرتها من الآيات:
{ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون } [الروم: 30ـ32]، فذكر فيها أيضاً أن الوسيلة إلى إقامة دين الفطرة الإِنابة إلى الله، وحفظ الاتصال بحضرته، وعدم الانقطاع عن سببه.
وقد أشار إلى هذه الحقيقة في الآيات السابقة على هذه الآية المبحوث عنها أيضاً حيث ذكر أن الله لعن اليهود وغضب عليهم لتعديهم حدوده فألقى بينهم العداوة والبغضاء، وذكر هذا المعنى في غير هذا المورد في خصوص النصارى بقوله:
{ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } } [المائدة: 14]. وقد حذَّر الله سبحانه المسلمين عن مثل هذه المصيبة المؤلمة التي سيحلها على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأنبأهم أنهم لا يتيسر ولن يتيسر لهم إقامة التوراة والإِنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم، وقد صدق جريان التاريخ ما أخبر به الكتاب من تشتت المذاهب فيهم وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم، فحذَّر الأُمة الإِسلامية أن يردوا موردهم في الانقطاع عن ربهم، وعدم الإِنابة إليه في قوله: { فأَقم وجهك للدين حنيفاً } [الروم: 30]، في عدة آيات من السورة.
وقد تقدم البحث عن بعض الآيات الملوحة إلى ذلك في ما تقدم من أجزاء الكتاب وسيأتي الكلام على بعض آخر منها إن شاء الله تعالى.
وأما قوله تعالى: {وليزيدن كثيراً منهم ما أُنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} فقد تقدم البحث عن معناه، وقوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} تسلية منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في صورة النهي عن الأسى.
قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} (الآية) ظاهرها أن الصابئون عطف على {الذين آمنوا} بحسب موضعه وجماعة من النحويين يمنعون العطف على اسم إن بالرفع قبل مضي الخبر، والآية حجة عليهم.
والآية في مقام بيان أن لا عبرة في باب السعادة بالأسماء والألقاب كتسمي جمع بالمؤمنين وفرقة بالذين هادوا، وطائفة بالصابئين وآخرين بالنصارى، وإنما العبرة بالإِيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وقد تقدم البحث عن معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية الـ 62 في الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً} (إلى آخر الآية) هذه الآية وما بعدها إلى عدة آيات تتعرض لحال أهل الكتاب كالحجة على ما يشتمل عليه قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإِنجيل} (الخ)، فإن هذه الجرائم والآثام لا تدع للإِنسان اتصالاً بربه حتى يقيم كتب الله معتمداً عليه.
ويحتمل أن تكون الآيات مرتبطة بقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} (الخ)، فيكون تصديقاً بأن الأسماء والألقاب لا تنفع شيئاً في مرحلة السعادة إذ لو نفعت لصدت هؤلاء عن قتل الأنبياء وتكذيبهم والهلاك بمهلكات الفتن وموبقات الذنوب.
ويمكن أن يكون هذه الآيات كالمبينة لقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} (الخ)، وهو كالمبين لقوله: {يا أهل الكتاب لستم علي شيء} (الآية) والمعنى ظاهر.
وقوله: {فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون} الظاهر أن كلمتي {فريقاً} في الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما عليهما للعناية بأمرهما والتقدير: كذبوا فريقاً ويقتلون فريقاً، والمجموع جواب قوله: {كلما جاءهم} (الخ)، والمعنى نحو من قولنا: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساؤوا مواجهته وإجابته وجعلوا الرسل الآتين فريقين: فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون.
قال في المجمع: فإن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي يعني في قوله: {ففريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون}؟ فجوابه: ليدل على أن ذلك من شأنهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع أن قوله: {يقتلون} فاصلة يجب أن يكون موافقاً لرؤوس الآي، انتهى.
قوله تعالى: {وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا} (الخ)، متمم للكلام في الآية السابقة، والحسبان هو الظن، والفتنة هي المحنة التي تغرّ الإِنسان أو هي أعم من كل شر وبلية، والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من الشر، والصمم عدم سماع العظة وعدم الإِعباء بالنصيحة، وهذا العمى والصمم معلولاً حسبانهم أن لا تكون فتنة، والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل وأنهم أبناء الله وأحباؤه فلا يمسهم السوء وإن فعلوا ما فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا.
فمعنى الآية - والله أعلم - أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن إبصار الحق، وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم.
وهذا مما يرجح ما احتملناه أن الآيات كالحجة المبينة لقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} (الآية) فمحصل المعنى أن الأسماء والألقاب لا تنفع أحداً شيئاً فهؤلاء اليهود لم ينفعهم ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بالتسمي بل أعماهم وأوردهم مورد الهلكة والفتنة لما كذبوا أنبياء الله وقتلوهم.
قوله تعالى: {ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون} التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم، وهذا يدل على أن الله سبحانه قد كان بعدهم من رحمته وعنايته ولذلك أخذهم الحسبان المذكور ولزمهم العمى والصمم، لكن الله سبحانه رجع إليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم، والعمى والصمم عن أبصارهم وآذانهم، فعرفوا أنفسهم بأنهم عباد لا كرامة لهم على الله إلاَّ بالتقوى، وأبصروا الحق وسمعوا عظة الله لهم بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئاً.
ثم عموا وصموا كثير منهم، وإسناد العمى والصمم إلى جمعهم أولاً ثم إلى كثير منهم - بإتيان كثير منهم بدلاً من واو الجمع - أخذٌ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أن إسناد العمى والصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى الكل، والواقع أن المتصف بهاتين الصفتين كثير منهم لا كلهم أولاً، وإيماء إلى أن العمى والصمم المذكورين أولاً شملا جميعهم على ما يدل عليه المقابلة ثانياً، وأن التوبة الإِلهية لم يبطل أثرها ولم تذهب سدى بالمرة بل نجا بالتوبة بعضهم فلم يأخذهم العمى والصمم اللاحقان أخيراً ثالثاً.
ثم ختم تعالى الآية بقوله: {والله بصير بما يعملون} للدلالة على أن الله تعالى لا يغفله شيء، فغيره تعالى إذا أكرم قوماً بكرامة ضرب ذلك على بصره بحجاب يمنعه أن يرى منهم السوء والمكروه، وليس الله سبحانه على هذا النعت بل هو البصير لا يحجبه شيء عن شيء.
قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهذا كالبيان لكون النصارى لم تنفعهم النصرانية والانتساب إلى المسيح عليه السلام عن تعلق الكفر بهم إذ أشركوا بالله ولم يؤمنوا به حق إيمانه حيث قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.
والنصارى وإن اختلفوا في كيفية اشتمال المسيح ابن مريم على جوهرة الألوهية بين قائل باشتقاق اقنوم المسيح وهو العلم من اقنوم الرب (تعالى) وهو الحياة، وذلك الأبوة والبنوة، وقائل بأنه تعالى صار هو المسيح على نحو الانقلاب، وقائل بأنه حل فيه كما تقدم بيان ذلك تفصيلاً في الكلام على عيسى ابن مريم عليه السلام في تفسير سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب.
لكن الأقوال الثلاثة جميعاً تقبل الانطباق على هذه الكلمة {إن الله هو المسيح ابن مريم} فالظاهر أن المراد بالذين تفوهوا بهذه الكلمة جميع النصارى الغالين في المسيح عليه السلام لا خصوص القائلين منهم بالانقلاب.
وتوصيف المسيح بابن مريم لا يخلو من دلالة أو إشعار بسبب كفرهم وهو نسبة الألوهية إلى انسان ابن انسان مخلوقين من تراب، وأين التراب ورب الأرباب؟!
قوله تعالى: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} (إلى آخر الآية) احتجاج على كفرهم وبطلان قولهم بقول المسيح عليه السلام نفسه؛ فإن قوله عليه السلام: {اعبدوا الله ربي وربكم} يدل على أنه عبد مربوب مثلهم، وقوله: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} يدل على أن من يجعل لله شريكاً في ألوهيته فهو مشرك كافر محرم عليه الجنة.
وفي قوله تعالى حكاية عنه عليه السلام: {فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية، وأنه عليه السلام باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم فهم مغفور لهم مرفوع عنهم التكاليف الإِلهية ومصيرهم إلى الجنة ولا يمسون ناراً كما تقدم نقل ذلك عنهم في تفسير سورة آل عمران في قصة عيسى عليه السلام فقصة التفدية والصلب إنما سيقت لهذا الغرض.
وما تحكيه الآية من قوله عليه السلام موجود في متفرقات الأبواب من الأناجيل كالأمر بالتوحيد، وإبطال عبادة المشرك، والحكم بخلود الظالمين في النار.
قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أي أحد الثلاثة: الأب والابن والروح، أي هو ينطبق على كل واحد من الثلاثة، وهذا لازم قولهم: إن الأب إله، والابن إله، والروح إله، وهو ثلاثة، وهو واحد يضاهئون بذلك نظير قولنا: إن زيد بن عمرو إنسان، فهناك أمور ثلاثة هي: زيد وابن عمرو والإِنسان، وهناك أمر واحد وهو المنعوت بهذه النعوت، وقد غفلوا عن أن هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، وأن المنعوت إن كان واحداً حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقية فالجمع بين هذه الكثرة العددية والوحدة العددية في زيد المنعوت بحسب الحقيقة مما يستنكف العقل عن تعقله.
ولذا ربما ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية، ولم يتنبه أن عليه أن يطالب الدليل على كل دعوى يقرع سمعه سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف.
قوله تعالى: {وما من إله إلاَّ إله واحد} (إلى آخر الآية) رد منه تعالى لقولهم: {إن الله ثالث ثلاثة} بأن الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى في ذاته واحد، وإذا اتصف بصفاته الكريمة وأسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئاً، ولا الصفة إذا أُضيفت إلى الصفة أورث ذلك كثرة وتعدداً فهو تعالى أحديّ الذات لا ينقسم لا في خارج ولا في وهم ولا في عقل.
فليس الله سبحانه بحيث يتجزؤ في ذاته إلى شيء وشيء قط، ولا أن ذاته بحيث يجوز أن يضاف إليه شيء فيصير اثنين أو أكثر، كيف؟ وهو تعالى مع هذا الشيء الذي تراد إضافته إليه تعالى في وهم أو فرض أو خارج.
فهو تعالى واحد في ذاته لكن لا بالوحدة العددية التي لسائر الأشياء المتكون منها الكثرات، ولا منعوت بكثرة في ذات أو اسم، أو صفة، كيف؟ وهذه الوحدة العددية والكثرة المتألفة منها كلتاهما من آثار صنعه وإيجاده فكيف يتصف بما هو من صنعه؟.
وفي قوله تعالى: {وما من إله إلاَّ إله واحد} من التأكيد في إثبات التوحيد ما ليس في غيره حيث سيق الكلام بنحو النفي والاستثناء، ثم أُدخل {من} على النفي لإِفادة تأكيد الاستغراق، ثم جيء بالمستثنى وهو قوله: {إله واحد} بالتنكير المفيد للتنويع ولو أُورد معرفة كقولنا "إلاَّ الإِله الواحد" لم يفد ما يرام من حقيقة التوحيد.
فالمعنى: ليس في الوجود شيء من جنس الإِله أصلاً إلاَّ إله واحد نوعاً من الوحدة لا يقبل التعدد أصلاً لا تعدد الذات ولا تعدد الصفات، لا خارجاً ولا فرضاً، ولو قيل: وما من إله إلاَّ الله الواحد لم يدفع به قول النصارى {إن الله ثالث ثلاثة} فإنهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى، وإنما يقولون: إنه ذات واحدة لها تعين بصفاتها الثلاث، وهي واحدة في عين أنها كثيرة حقيقة.
ولا يندفع ما احتملوه من المعنى إلاَّ بإثبات وحدة لا تتألف منه كثرة أصلاً، وهو الذي يتوخاه القرآن الكريم بقوله: {وما من إله إلاَّ إله واحد}.
وهذا من لطائف المعاني التي يلوح إليها الكتاب الإِلهي في حقيقة معنى التوحيد وسنغور في البحث المستوفى عنه في بحث قرآني خاص ثم في بحث عقلي وآخر نقلي إيفاء لحقه.
قوله تعالى: {وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} تهديد لهم بالعذاب الأليم الأخروي الذي هو ظاهر الآية الكريمة.
ولما كان القول بالتثليث الذي تتضمنه كلمة: {إن الله ثالث ثلاثة} ليس في وسع عقول عامة الناس أن تتعقله فأغلب النصارى يتلقونه قولاً مذهبياً مسلماً بلفظه من غير أن يعقلوا معناه، ولا أن يطمعوا في تعقله كما ليس في وسع العقل السليم أن يعقله عقلاً صحيحاً، وإنما يتعقل كتعقل الفروض المحالة كالإِنسان اللاإنسان، والعدد الذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد فلذلك تتسلمه العامة تسلماً من غير بحث عن معناه، وإنما يعتقدون في البنوة والأبوة شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث، وإنما يمضغون الكلمة مضغاً، وينتمون إليها انتماء بخلاف غير العامة منهم وهم الذين ينسب الله سبحانه إليهم اختلاف المذاهب ويقرر أن ذلك ببغيهم كما قال تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} إلى أن قال:
{ وما تفرقوا إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } } [الشروى: 14]. فالكفر الحقيقي الذي لا ينتهي إلى استضعاف - وهو الذي فيه إنكار التوحيد والتكذيب بآيات الله - إنما يتم في بعضهم دون كلهم، وإنما أوعد الله بالنار الخالد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، قال: { والذين كفروا وكذبوا بِآيَاتِنَآ أُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 39]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد مرَّ الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: { إلاَّ المستضعفين } } [النساء: 98] (الآية).
ولعلَّ هذا هو السر في التبعيض الظاهر من قوله: {ليمسن الذين كفروا منهم} أو أن المراد به الإِشارة إلى أن من النصارى من لا يقول بالتثليث، ولا يعتقد في المسيح إلاَّ أنه عبد الله ورسوله، كما كانت على ذلك مسيحيوا الحبشة وغيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى: لئن لم ينته النصارى عما يقولون (نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم) ليمسن الذين كفروا منهم - وهم القائلون بالتثليث منهم - عذاب أليم.
وربما وجهوا الكلام أعني قوله: {ليمسن الذين كفروا منهم} بأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل: ليمسنهم (انتهى)، وإنما عدل إلى وضع الموصول وصلته مكانه ليدل على أن ذلك القول كفر بالله، وأن الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به.
وهذا وجه لا بأس به لولا أن الآية مصدرة بقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ونظيره في البعد قول بعض آخر: إن "من" في قوله {منهم} بيانية فإنه قول من غير دليل.
قوله تعالى: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} تحضيض على التوبة والاستغفار، وتذكير بمغفرة الله ورحمته، أو إنكار أو توبيخ.
قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأُمه صديقة كانا يأكلان الطعام} رد لقولهم: {إن الله ثالث ثلاثة} أو لقولهم هذا وقولهم المحكي في الآية السابقة: {إن الله هو المسيح ابن مريم} جميعاً، ومحصله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهية، بأن المسيح لا يفارق سائر رسل الله الذين توفاهم الله من قبله كانوا بشراً مرسلين من غير أن يكونوا أرباباً من دون الله سبحانه، وكذلك أُمه مريم كانت صديقة تصدق بآيات الله تعالى وهي بشر، وقد كان هو وأُمه جميعاً يأكلان الطعام، وأكل الطعام مع ما يتعقبه مبني على أساس الحاجة التي هو أول إمارة من إمارات الإِمكان والمصنوعية فقد كان المسيح عليه السلام ممكناً متولداً من ممكن، وعبداً ورسولاً مخلوقاً من أُمه كانا يعبدان الله، ويجريان في سبيل الحاجة والافتقار من دون أن يكون رباً.
وما بيد القوم من كتب الإِنجيل معترفة بذلك تصرح بكون مريم فتاة كانت تؤمن بالله وتعبده، وتصرح بأن عيسى تولد منها كالإِنسان من الإِنسان، وتصرح بأن عيسى كان رسولاً من الله إلى الناس كسائر الرسل وتصرح بأن عيسى وأُمه مريم كانا يأكلان الطعام.
فهذه أمور صرحت بها الأناجيل، وهي حجج على كونه عليه السلام عبداً رسولاً.
ويمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي أُلوهية المسيح وأُمه كليهما على ما يظهر من قوله تعالى:
{ أأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، أنه كان هناك من يقول بألوهيتها كالمسيح أو أن المراد به اتخاذها إلهاً كما ينسب إلى أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وذلك بالخضوع لها ولهم بما لا يخضع لبشر بمثله.
وكيف كان فالآية على هذا التقدير تنفي عن المسيح وأُمه معاً الأُلوهية بأن المسيح كان رسولاً كسائر الرسل، وأُمه كانت صديقة، وهما معاً كانا يأكلان الطعام، وذلك كله ينافي الأُلوهية.
وفي قوله تعالى: {قد خلت من قبله الرسل} حيث وصف الرسل بالخلو من قبله، وهو الموت تأكيد للحجة بكونه بشراً يجوز عليه الموت والحياة كما جاز على الرسل من قبله.
قوله تعالى: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في مقام التعجيب أي تعجب من كيفية بياننا لهم الآيات، وهو أوضح بيان لأظهر آية في بطلان دعواهم ألوهية المسيح، وكيفية صرفهم عن تعقل هذه الآيات؛ فإلى أي غاية يصرفون عنها، ولا تلتفت إلى نتيجتها - وهي بطلان دعواهم - عقولهم؟.
قوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم} كان الخضوع لأمر الربوبية إنما انتشر بين البشر في أقدم عهوده، وخاصة بين العامة منهم - وعامتهم كانوا يعبدون الأصنام - طمعاً في أن يدفع الرب عنهم الشر ويوصل إليهم النفع كما يتحصل من اللأبحاث التاريخية، وأما عبادة الله لأنه الله عزّ اسمه فلم يكن يعدو الخواص منهم كالأنبياء والربانيين من أممهم.
فأمر الله سبحانه رسوله أن يخاطبهم خطاب البشر الساذج الجاري على ما تلهمه فطرته الساذجة في عبادة الله كما خاطب الوثنيين وعباد الأصنام بذلك فيذكرهم أن الذي يضطر الإِنسان بعبادة الرب هو أنه يرى أزمة الخير والشر والنفع والضر بيده فيعبده لأنه يملك الضر والنفع طمعاً في أن يدفع عنه الضر ويوصل إليه الخير لعبادته له.
وكل ما هو دون الله تعالى لا يملك شيئاً من ضر ولا نفع لأنه مملوك لله محضاً مسلوب عنه القدرة في نفسه فكيف يسوغ تخصيصه بالعبادة، وإشراكه مع ربه الذي هو المالك له ولغيره، وقد كان من الواجب أن يخص هو تعالى بالعبادة، ولا يتعدى عنه إلى غيره لأنه هو الذي يختص به السمع والإِجابة فيسمع ويجيب المضطر إذا دعاه، وهو الذي يعلم حوائج عباده ولا يغفل عنها ولا يغلط فيها بخلاف غيره تعالى فإنه إنما يملك ما ملكه الله، ويقوى على ما قواه الله سبحانه.
فقد تبيّن بهذا البيان: أولاً: أن الحجة التي تشتمل عليها هذه الآية غير الحجة التي تشتمل عليها الآية السابقة وإن توقفتا معاً على مقدمة مشتركة، وهي كون المسيح وأُمه ممكنين محتاجين، فالآية السابقة حجتها أن المسيح وأُمه كانا بشرين محتاجين عبدين مطيعين لله سبحانه، ومن كان حاله هذا الحال لم يصح أن يكون إلهاً معبوداً، وحجة هذه الآية: أن المسيح ممكن محتاج مملوك بنفسه لا يملك ضراً ولا نفعاً، ومن كان حاله هذا الحال لم يستقم ألوهيته وعبادته من دون الله.
وثانياً: أن الحجة مأخوذة مما يدركه الفهم البسيط والعقل الساذج من جهة غرض الإِنسان البسيط في عبادته فإنه إنما يتخذ رباً ويعبده ليدفع عنه الضر ويجلب إليه النفع، وهذا إنما يملكه الله تعالى دون غيره، فلا غرض يتعلق بعبادة غير الله فمن الواجب أن يرفض عبادته.
وثالثاً: أن قوله: {ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} إنما أُخذت فيه لفظة "ما" دون لفظة "من" مع أن المسيح من أولي العقل لأن الحجة بعينها هي التي تقام على الوثنيين وعبدة الأصنام التي لا شعور لها، ولا دخل في كون المسيح عليه السلام من أولي العقل في تمام الحجة فهي تامة في كل معبود مفروض دون الله سبحانه.
على أن غيره تعالى وإن كان من أولي العقل والشعور لا يملكون شيئاً من العقل والشعور من عند أنفسهم كسائر ما ينسب إليهم من شؤون وجودهم؛ قال تعالى:
{ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } } [الأعراف: 194ـ195]. وكذلك تقديم الضر على النفع في قوله: {ضراً ولا نفعاً} للجري على وفق ما تدركه وتدعوا إليه الفطرة الساذجة كما مرَّ، فإن الإِنسان بحسب الطبع يرى ما تلبس به من النعم الموجودة عنده ما دامت عنده مملوكة لنفسه لا تلتفت نفسه إلى إمكان فقدها ولا تتصور ألمه عند فقدها بخلاف المضار التي يجدها بالفعل، والنعم التي يفتقدها ويجد ألم فقدها، فإن الفطرة تنبهها إلى الالتجاء إلى رب يدفع عنها الضر والضير، ويجلب إليها النعمة المسلوبة كما قال تعالى: { وإذا مس الإِنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مرَّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } [يونس: 12]، وقال تعالى: { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي } [فصلت: 50]، وقال تعالى: { وإذا أنعمنا على الإِنسان أعرض ونآى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } } [فصلت: 51]. فتحصل أن مس الضر أبعث للإِنسان إلى الخضوع للرب وعبادته من وجدان النفع، ولذلك قدم الله سبحانه الضر على النفع في قوله: {ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} وكذا في سائر الموارد التي تماثله كقوله: { واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً } } [الفرقان: 3]. ورابعاً: أن مجموع الآية: {أتعبدون من دون الله} إلى آخرها حجة على وجوب قصر العبادة في الله سبحانه من دون إشراك غيره معه وهي منحلة إلى حجتين ملخصهما: أن اتخاذ الإِله وعبادة الرب إنما هو لغرض دفع الضر وجلب النفع فيجب أن يكون الإِله المعبود مالكاً لذلك ولا يجوز عبادة من لا يملك شيئاً، والله سبحانه هو السميع المجيب للدعوة العليم بكنه الحاجة من غير جهل دون غيره؛ فوجب عبادته من غير إشراك غيره.
قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} خطاب آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمره أن يدعو أهل الكتاب إلى عدم الغلو في دينهم، وأهل الكتاب وخاصة النصارى مبتلون بذلك، و "الغالي" المتجاوز عن الحد بالإِفراط، ويقابله "القالي" في طرف التفريط.
ودين الله الذي يفسره كتبه المنزلة يأمر بالتوحيد ونفي الشريك وينهى عن اتخاذ الشركاء لله سبحانه، وقد ابتلي بذلك أهل الكتاب عامة اليهود والنصارى، وإن كان أمر النصارى في ذلك أشنع وأفظع قال تعالى:
{ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباًَ من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاَّ هو سبحانه عمّا يشركون } } [التوبة: 30ـ31]. والقول بأن عزيراً ابن الله وإن كان غير ظاهر اليوم عند اليهود لكن الآية تشهد بأنهم كانوا يقولون ذلك في عصر النزول.
والظاهر أن ذلك كان لقباً تشريفياً يلقبونه به قبال ما خدمهم وأحسن إليهم في إرجاعهم إلى أورشليم (بيت المقدس) بعد اسارة بابل، وجمع لهم التوراة ثانياً بعد ضياعه في قصة بخت نصر، وقد كانوا يعدون بنوة الله لقباً تشريفياً كما يتخذ النصارى اليوم الأبوة كذلك ويسمون الباباوات والبطارقة والقسيسين بالآباء (الباب والبابا: الأب) وقد قال تعالى:
{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } } [المائدة: 18]. بل الآية الثانية أعني قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم} تدل على ذلك حيث اقتصر فيها على ذكر المسيح عليه السلام، ولم يذكر عزيراً فدل على دخوله في عموم قوله: {أحبارهم ورهبانهم} وأنهم إنما كانوا يسمونه ابن الله كما يسمون أحبارهم أبناء الله، وقد خصوه بالذكر وحده شكراً لإِحسانه إليهم كما تقدمت الإِشارة إليه.
وبالجملة وضعهم بعض أنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم موضع الربوبية وخضوعهم لهم بما لا يخضع بمثله إلاَّ لله سبحانه غلو منهم في دينهم ينهاهم الله عن ذلك بلسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
وتقييد الغلو في الدين بغير الحق - ولا يكون الغلو إلاَّ كذلك - إنما هو للتأكيد وتذكير لازم المعنى مع ملزومه لئلا يذهل عنه السامع وقد ذهل حين غلا أو كان كالذاهل.
وإطلاق الأب على الله سبحانه بتحليل معناه وتجريده عن وسمة نواقص المادة الجسمانية أي من بيده الإِيجاد والتربية، وكذلك الابن بمعناه المجرد التحليلي وإن لم يمنعه العقل لكنه ممنوع شرعاً لتوقيفية أسماء الله سبحانه لما في التوسع في إطلاق الأسماء المختلفة عليه تعالى من المفاسد، وكفى مفسدة في إطلاق الأب والابن ما لقيته الامتان: اليهود والنصارى وخاصة النصارى من أولياء الكنيسة خلال قرون متمادية ولن يزال الأمر على ذلك.
قوله تعالى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل} ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء القوم الذين نهواعن اتباع أهوائهم هم المتبعون المطاعون في آرائهم وأوامرهم فيكون ضلالهم لمكان التزامهم بآرائهم؛ إضلالهم كثيراً هو اتباع غيرهم لهم، وضلالهم عن سواء السبيل هو المتحصل لهم من ضلالهم وإضلالهم، وهو ضلال على ضلال.
وكذلك ظاهر السياق أن المراد بهم هم الوثنية وعبدة الأصنام فإن ظاهر السياق أن الخطاب إنما هو لجميع أهل الكتاب لا للمعاصرين منهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يكون نهياً لمتأخريهم عن اتباع متقدميهم.
ويؤيده بل يدل عليه قوله تعالى:
{ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } } [التوبة: 30]. فيكون ذلك حقيقة تحليلية تاريخية أشار إليها القرآن الكريم هي أن القول بالأبوة والبنوة مما تسرب إلى أهل الكتاب من قِبَل من تقدمهم من الوثنية، وقد تقدم في الكلام على قصص المسيح عليه السلام في سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب أن هذا القول في جملة من الأقوال والآراء موجود عند الوثنية البرهمنية والبوذية في الهند والصين، وكذلك مصر القديم وغيرهم، وإنما أخذ بالتسرب في الملة الكتابية بيد دعاتها، فظهر في زي الدين وكان الاسم لدين التوحيد والمسمى للوثنية.
قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} إلى آخر الآيتين إخبار بأن الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم، وفيه تعريض لهؤلاء الذين كفرهم الله في هذه الآيات من اليهود ملعونين بدعوة أنبيائهم أنفسهم، وذلك بسبب عصيانهم لأنبيائهم، وهم كانوا مستمرين على الاعتداء وقوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} "الخ" بيان لقوله: {وكانوا يعتدون}.
قوله تعالى: {ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا} "الخ"، وهذا من قبيل الاستشهاد بالحس على كونهم معتدين فإنهم لو قدروا دينهم حق قدره لزموه ولم يعتدوه، ولازم ذلك أن يتولوا أهل التوحيد ويتبرئوا من الذين كفروا لأن أعداء ما يقدسه قوم أعداء لذلك القوم، فإذا تحابوا وتوالوا دل ذلك على إعراض ذلك القوم وتركهم ما كانوا يقدسونه ويحترمونه، وصديق العدو عدو، ثم ذمهم الله تعالى بقوله: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} وهو ولاية الكفار عن هوى النفس، وكان جزاؤه ووباله {أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون}، ففي الآية وضع جزاء العمل وعاقبته موضع العمل كأن أنفسهم قدمت لهم جزاء العمل بتقديم نفس العمل.
قوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون} أي ولو كان أهل الكتاب هؤلاء يؤمنون بالله والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أُنزل إليه، أو نبي أنفسهم كموسى مثلاً وما أنزل إليه كالتوراة مثلاً ما اتخذوا أولئك الكفار أولياء لأن الإِيمان يجبّ سائر الأسباب، ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون عن الإِيمان.
وفي الآية وجه آخر احتملوه، وهو أن يرجع ضمائر قوله: {كانوا} و {يؤمنون} و {هم} في قوله: {ما اتخذوهم} راجعة إلى الذين كفروا، والمعنى: ولو كان الذين كفروا أولئك الكفار الذين يتولاهم أهل الكتاب يؤمنون بالله والنبي والقرآن ما اتخذتهم أهل الكتاب أولياء، وإنما تولوهم لمكان كفرهم، وهذا وجه لا بأس به غير أن الإِضراب في قوله: {ولكن أكثرهم فاسقون} لا يلائمه.
قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} إلى قوله {نصارى} لما بين سبحانه في الآيات السابقة الرذائل المشتركة بين أهل الكتاب عامة، وبعض ما يختص ببعضهم كقول اليهود: {يد الله مغلولة} وقول النصارى: {إن الله هو المسيح ابن مريم} ختم الآيات بما يختص به كل من الطائفتين إذا قيس حالهم من المؤمنين ودينهم، وأضاف إلى حالهم حال المشركين ليتم الكلام في وقع الإِسلام من قلوب الأمم غير المسلمة من حيث قربهم وبعدهم من قبوله.
ويتم الكلام في أن النصارى أقرب تلك الأمم مودة للمسلمين وأسمع لدعوتهم الحقة.
وإنما عدهم الله سبحانه أقرب مودة للمسلمين لما وقع من إيمان طائفة منهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يدل عليه قوله في الآية التالية: {وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول} "الخ"، لكن لو كان إيمان طائفة تصحح هذه النسبة إلى جميعهم كان من الواجب أن تعد اليهود والمشركون كمثل النصارى وينسب إليهما نظير ما نسب إليهم لمكان إسلام طائفة من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه، وإسلام عدة من مشركي العرب وهم عامة المسلمين اليوم فتخصيص النصارى بمثل قوله: {وإذا سمعوا ما أُنزل} "الخ"، دون اليهود والمشركين يدل على حسن إقبالهم على الدعوة الإِسلامية وإجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم ويؤدوا الجزية، وبين أن يقبلوا الإِسلام، أو يحاربوا.
وهذا بخلاف المشركين فإنهم لم يكن يقبل منهم إلا قبول الدعوة فكثرة المؤمنين منهم لا يدل على حسن الإِجابة، على ما كابد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جفوتهم ولقاه المسلمون من أيديهم بقسوتهم ونخوتهم.
وكذلك اليهود وإن كانوا كالنصارى في إمكان إقامتهم على دينهم وتأدية الجزية إلى المسلمين لكنهم تمادوا في نخوتهم، وتصلبوا في عصبيتهم، وأخذوا بالمكر والمكيدة، ونقضوا عهودهم، وتربصوا الدوائر على المسلمين، ومسوهم بأمر المس وآلمه.
وهذا الذي جرى من أمر النصارى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة الإِسلامية، وحسن إجابتهم، وكذا من أمر اليهود والمشركين في التمادي على الاستكبار والعصبية جرى بعينه بعده صلى الله عليه وآله وسلم على حذو ما جرى في عهده فما أكثر من لبى الدعوة الإِسلامية من فرق النصارى خلال القرون الماضية، وما أقل ذلك من اليهود والوثنيين! فاحتفاظ هذه الخصيصة في هؤلاء وهؤلاء يصدق الكتاب العزيز في ما أفاده.
ومن المعلوم أن قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا} من قبيل بيان الضابط العام في صورة خطاب خاص نظير ما مر في الآيات السابقة: {ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا} و {ترى كثيراً منهم يسارعون في الإِثم}.
قوله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} القسيس معرب "كشيش" والرهبان جمع الراهب وقد يكون مفرداً، قال الراغب: الرهبة والرهب مخافة مع تحرز - إلى أن قال - والترهب التعبد، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة، قال تعالى: {ورهبانية ابتدعوها} والرهبان يكون واحداً وجمعاً فمن جعله واحداً جمعه على رهابين، انتهى.
علل تعالى ما ذكره من كون النصارى أقرب مودة وآنس قلوباً للذين آمنوا بخصال ثلاث يفقدها غيرهم من اليهود والمشركين، وهي أن فيهم علماء وأن فيهم رهباناً وزهاداً، وأنهم لا يستكبرون وذلك مفتاح تهيؤهم للسعادة.
وذلك أن سعادة حياة الدين أن تقوم بصالح العمل عن علم به، وإن شئت فقل: أن يذعن بالحق فيطبّق عمله عليه؛ فله حاجة إلى العلم ليدرك به حق الدين وهو دين الحق، ومجرد إدراك الحق لا يكفي للتهيؤ للعمل على طبقه حتى ينتزع الإِنسان من نفسه الهيئة المانعة عنه، وهو الاستكبار عن الحق بعصبية وما يشابهها، وإذا تلبس الإِنسان بالعلم النافع والنصفة في جنب الحق برفع الاستكبار تهيأ للخضوع للحق بالعمل به لكن بشرط عدم منافاة الجو لذلك فإن لموافقة الجو للعمل تأثيراً عظيماً في باب الأعمال فإن الأعمال التي يعتورها عامة المجتمع وينمو عليها أفراده، وتستقر عليهم عادتهم خلفاً عن سلف لا يبقى للنفس فراغ أن تتفكر في أمرها أو تتدبر وتدبر في التخلص عنها إذا كانت ضارة مفسدة للسعادة، وكذلك الحال في الأعمال الصالحة إذا استقر التلبس بها في مجتمع يصعب على النفس تركها، ولذا قيل: إن العادة طبيعة ثانية، ولذا كان أيضاً أول فعل مخالف حرجاً على النفس في الغاية وهو عند النفس دليل على الإِمكان، ثم لا يزال كلما تحقق فعل زاد في سهولة التحقق ونقص بقدره من صعوبته.
فإذا تحقق الإِنسان أن عملاً كذا حق صالح ونزع عن نفسه أغراض العناد واللجاج بإماتة الاستكبار والاستعلاء على الحق كان من العون كل العون على إتيانه أن يرى إنساناً يرتكبه فتتلقى نفسه إمكان العمل.
ومن هنا يظهر أن المجتمع إنما يتهيأ لقبول الحق إذا اشتمل على علماء يعلمونه ويعلّمونه، وعلى رجال يقومون بالعمل به حتى يذعن العامة بإمكان العمل ويشاهدوا حسنه، وعلى اعتياد عامتهم على الخضوع للحق وعدم الاستكبار عنه إذا انكشف لهم.
ولهذا علل الله سبحانه قرب النصارى من قبول الدعوة الحقة الدينية بأن فيهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون؛ ففيهم علماء لا يزالون يذكرونهم مقام الحق ومعارف الدين قولاً، وفيهم زهاد يذكرونهم عظمة ربهم وأهمية سعادتهم الأخروية والدنيوية عملاً، وفيهم عدم الاستكبار عن قبول الحق.
وأما اليهود فإنهم وإن كانوا فيهم أحبار علماء لكنهم مستكبرون لا تدعهم رذيلة العناد والاستعلاء أن يتهيأوا لقبول الحق.
وأما الذين أشركوا فإنهم يفقدون العلماء والزهاد، وفيهم رذيلة الاستكبار.
قوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} "الخ"، فاضت العين بالدمع سال دمعها بكثرة، و {من} في قوله: {من الدمع} للابتداء، وفي قوله: {مما} للنشوء، وفي قوله: {من الحق} بيانية.
قوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن بالله} "الخ"، لفظة {يدخلنا} كأنها مضمنة معنى الجعل، ولذلك عدي بمع، والمعنى: يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مدخلاً لنا فيهم.
وفي هذه الأفعال والأقوال التي حكاها الله تعالى عنهم تصديق ما ذكره عنهم أنهم أقرب مودة للذين آمنوا، وتحقيق أن فيهم العلم النافع والعمل الصالح والخضوع للحق حيث كان فيهم قسيسون ورهبان وهم لا يستكبرون.
قوله تعالى: {فأثابهم الله} إلى آخر الآيتين، الإِثابة المجازاة، والآية الأولى ذكر جزائهم، والآية الثانية فيها ذكر جزاء من خالفهم على طريق المقابلة استيفاء للأقسام.
(بحث روائي)
في معاني الأخبار بإسناده عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليه السلام في قوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} معناه أنهما كانا يتغوّطان.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره مرفوعاً.
وفي الكافي بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} قال: الخنازير على لسان داود، والقردة على لسان عيسى ابن مريم.
أقول: ورواه القمي والعياشي عنه عليه السلام، وروي بطرق أهل السنة عن مجاهد وقتادة وغيرهما: لعن القردة على لسان داود، والخنازير على لسان عيسى ابن مريم، ويوافقه بعض روايات الشيعة كما يأتي.
وفي المجمع عن أبي جعفر عليه السلام: أما داود فإنه لعن أهل إيلة لما اعتدوا في سبتهم، وكان اعتداؤهم في زمانه فقال: اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء، ومثل المنطقة على الخصرين؛ فمسخهم الله قردة، وأما عيسى فإنه لعن الذين نزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك، قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: يتولون الملوك الجبارين، ويزينون لهم هواهم ليصيبوا من دنياهم.
أقول: والقرآن يؤيد كون أصحاب السبت ممسوخين إلى القردة قال تعالى:
{ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } [البقرة: 65] وقال تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} إلى أن قال {وإذ قالت أُمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربهم ولعلهم يتقون} إلى أن قال { فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } } [الأعراف: 166]. وفي الدر المنثور: أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن بني إسرائيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيراً ثم جالسوهم وآكلوهم وشاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة؛ فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبي من الأنبياء، ثم (قال، ظ) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأطرنهم على الحق أطراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم" ]. وفيه: أخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوا ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة إن بني يأجوج قد جاؤا، وإن رحى الإِسلام سيدور فحيثما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا؛ إنه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره فإن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم"
]. قالوا: يا رسول الله كيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: "تكونوا كأصحاب عيسى نشروا بالمناشير، ورفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية إن أول ما نقص في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر سنة التعزير فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه وكأنه لم يعب عليه شيئاً فلعنهم الله على لسان داود، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لكم.
والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم فلتأطرنه عليه أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض"
]. وفيه أيضاً: أخرج ابن راهويه والبخاري في الوحدانيات، وابن السكن وابن منده والباوردي في معرفة الصحابة، والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن أبزى، عن أبيه:
قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً، ثم قال:
"ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون؟ والذي نفسي بيده ليعلمن جيرانه (جيرانهم، ظ) أو ليتفقهن أو ليتفطنن أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا" ، ثم نزل ودخل بيته فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من يعني بهذا الكلام؟ قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلاَّ الأشعريين فقهاء علماء، ولهم جيران جفاة جهلة.
فاجتمع جماعة من الأشعريين فدخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا بشر فما بالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهنهم أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا، فقالوا: يا رسول الله فأمهلنا سنة ففي سنة ما نعلمهم ويتعلمون فأمهلهم سنة ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون* كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}"
]. وفي تفسير العياشي عن محمد بن الهيثم التميمي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}، قال: أما إنهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجالسون مجالسهم ولكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم.
وفيه أيضاً: عن مروان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر النصارى وعداوتهم فقال: قول الله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} قال: أُولئك كانوا قوماً بين عيسى ومحمد ينتظرون مجيء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أقول: ظاهر الآية العموم دون الخصوص، ولعلَّ المراد أن المدح إنما هو لهم ما لم يغيروا كما أن الذي مدح الله به المسلمين كذلك.
وفي الدر المنثور: أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه إسلام قومه؛ كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه والسن.
وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين رجلاً فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة "يس" فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق.
فأنزل الله فيهم: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} الآية، ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {أُولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}.
وفيه: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر ابن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة.
فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي فقالوا: إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها؛ زعم أنه نبي، وإنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم.
قال: إن جاؤني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا: استأذن لأولياء الله فقال: ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك أنا صدقناك، وأنهم لم يحييوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة.
فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأُمه؟ قالوا: يقول: عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول؛ قال: فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأُمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير له وجوههم.
فقال: هل تقرأون شيئاً مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: فاقرؤوا، فقرؤوا - وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى - فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق قال الله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}.
أقول: وروى القمي في تفسيره القصة مفصلة في خبر طويل، وفي آخره: ورجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرأوا عليه ما قرأ عليهم فبكى النجاشي وبكى القسيسون، وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه، وخافهم على نفسه فخرج من بلاد الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما عبر البحر توفي، الحديث.
(كلام في معنى التوحيد في القرآن)
لا يرتاب الباحث المتعمق في المعارف الكلية أن مسألة التوحيد من أبعدها غوراً، وأصعبها تصوراً وإدراكاً، وأعضلها حلاً لارتفاع كعبها عن المسائل العامة العامية التي تتناولها الأفهام، والقضايا المتداولة التي تألفها النفوس، وتعرفها القلوب.
وما هذا شأنه تختلف العقول في إدراكه والتصديق به للتنوع الفكري الذي فطر عليه الإِنسان من اختلاف أفراده من جهة البنية الجسمية وأداء ذلك إلى اختلاف أعضاء الإِدراك في أعمالها، ثم تأثير ذلك في الفهم والتعقل من حيث الحدة والبلادة، والجودة والرداءة، والاستقامة والانحراف.
فهذا كله مما لا شك فيه، وقد قرر القرآن هذا الاختلاف في موارد من آياته الكريمة كقوله تعالى:
{ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب } [الزمر: 9]، وقوله تعالى: { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلاَّ الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم } [النجم: 29ـ30]، وقوله تعالى: { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً } [النساء: 78]، وقوله تعالى في ذيل الآية الـ 75 من المائدة (وهي من جملة الآيات التي نحن فيها): {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون}.
ومن أظهر مصاديق هذا الاختلاف الفهمي اختلاف أفهام الناس في تلقي معنى توحده تعالى لما في أفهامهم من الاختلاف العظيم والنوسان الوسيع في تقرير مسألة وجوده تعالى على ما بينهم من الاتفاق على ما تعطيه الفطرة الإِنسانية بإلهامها الخفي وإشارتها الدقيقة.
فقد بلغ فهم آحاد من الإِنسان في ذلك أن جعل الأوثان المتخذة، والأصنام المصنوعة من الخشب والحجارة حتى من نحو الأقط والطينة المعمولة من أبوال الغنم شركاء لله، وقرناء له، يعبد كما تعبد هؤلاء، ويسأل كما تسأل هؤلاء، ويخضع له كما يخضع لها، ولم يلبث هذا الإِنسان دون أن غلب هذه الأصنام عليه تعالى بزعمه، وأقبل عليها وتركه، وأمرها على حوائجه وعزله.
فهذا الإِنسان قصارى ما يراه من الوجود له تعالى هو مثل ما يراه لآلهته التي خلقها بيده، أو خلقها إنسان مثله بيده، ولذلك كانوا يثبتون له تعالى من صفة الوحدة مثل ما يصفون به كل واحد من أصنامهم، وهي الوحدة العددية التي تتألف منها الأعداد، قال تعالى:
{ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب } } [ص: 4ـ5]. فهؤلاء كانوا يتلقون الدعوة القرآنية إلى التوحيد دعوة إلى القول بالوحدة العددية التي تقابل الكثرة العددية كقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد لا إله إلاَّ هو } [البقرة: 163] وقوله تعالى: { هو الحى لا إله إلاَّ هو فادعوه مخلصين له الدين } [غافر: 65ِ] وغير ذلك من الآيات الداعية إلى رفض الآلهة الكثيرة، وتوجيه الوجه لله الواحد، وقوله تعالى: { وإلهنا وإلهكم واحد } [العنكبوت: 46]، وغيره من الآيات الداعية إلى رفض التفرق في العبادة للإِله، حيث كانت كل أُمة أو طائفة أو قبيلة تتخذ إلهاً تختص به، ولا تخضع لإِله الآخرين.
والقرآن ينفي في عالي تعليمه الوحدة العددية عن الإِله جلَّ ذكره، فإن هذه الوحدة لا تتم إلاَّ بتميّز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمحدودية التي تقهره، والمقدرية التي تغلبه، مثال ذلك ماء الحوض إذا فرَّقناه في آنية كثيرة كان ماء كل إناء ماء واحداً غير الماء الواحد الذي في الإِناء الآخر، وإنما صار ماء واحداً يتميز عمّا في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه غير مجتمع معه، وكذلك هذا الإِنسان إنما صار إنساناً واحداً لأنه مسلوب عنه ما للإِنسان الآخر، ولولا ذلك لم يأت للإِنسانية الصادقة على هذا وذاك أن تكون واحدة بالعدد ولا كثيرة بالعدد.
فمحمودية الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحداً ثم بانسلاب هذه الوحدة من بعض الجهات تتألف كثرة عددية كما عند عروض صفة الاجتماع بوجه.
وإذ كان الله سبحانه قاهراً غير مقهور، وغالباً لا يغلبه شيء البتة كما يعطيه التعليم القرآني لم تتصور في حقه وحدة عددية ولا كثرة عددية، قال تعالى:
{ وهو الواحد القهار } [الرعد: 16]، وقال: { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلاَّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } [يوسف: 39ـ40]، وقال: { وما من إله إلاَّ الله الواحد القهار } [ص: 65]، وقال: { لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار } } [الزمر: 4]. والآيات بسياقها - كما ترى - تنفي كل وحدة مضافة إلى كثرة مقابلة لها سواء كانت وحدة عددية كالفرد الواحد من النوع الذي لو فرض بإزائه فرد آخر كانا اثنين فإن هذا الفرد مقهور بالحد الذي يحده به الفرد الآخر المسلوب عنه المفروض قباله، أو كانت وحدة نوعية أو جنسية أو أي وحدة كلية مضافة إلى كثرة من سنخها كالإِنسان الذي هو نوع واحد مضاف إلى الأنواع الكثيرة الحاصلة منه ومن الفرس والبقر والغنم وغيرها فإنه مقهور بالحد الذي يحده به ما يناظره من الأنواع الأخر، وإذ كان تعالى لا يقهره شيء في شيء البتة من ذاته ولا صفته ولا فعله وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء يرجع إليه، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحق لا يعرضه بطلان، وهو الحي لا يخالطه موت، والعليم لا يدب إليه جهل، والقادر لا يغلبه عجز، والمالك والملك من غير أن يملك منه شيء، والعزيز الذي لا ذل له، وهكذا.
فله تعالى من كل كمال محضه، وإن شئت زيادة تفهم وتفقه لهذه الحقيقة القرآنية فافرض أمراً متناهياً وآخر غير متناه تجد غير المتناهي محيطاً بالمتناهي بحيث لا يدفعه المتناهي عن كماله المفروض أي دفع فرضته، بل غير المتناهي مسيطر عليه بحيث لا يفقده المتناهي في شيء من أركان كماله، وغير المتناهي هو القائم على نفسه، الشهيد عليه، المحيط به، ثم انظر في ذلك إلى ما يفيده قوله تعالى:
{ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد * ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } } [فصلت: 53ـ54]. وهذا هو الذي يدل عليه عامة الآيات الواصفة لصفاته تعالى الواقعة في سياق الحصر أو الظاهر فيه كقوله تعالى: { الله لا إله إلاَّ هو له الأسماء الحسنى } [طه: 8]، وقوله: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [النور: 25]، وقوله: { هو الحي لا إله إلاَّ هو } [غافر: 65]، وقولـــه: { وهو العليم القدير } [الروم: 54]، وقولــه: { أن القوة لله جميعاً } [البقرة: 145]، وقوله: { له الملك وله الحمد } [التغابن: 1]، وقوله: { إن العزة لله جميعاً } [يونس: 65]، وقوله: { الحق من ربك } [يونس: 94]، وقوله: { أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني } [فاطر: 15]، إلى غير ذلك من الآيات.
فالآيات - كما ترى - تنادي بأعلى صوتها أن كل كمال مفروض فهو لله سبحانه بالأصالة، وليس لغيره شيء إلاَّ بتمليكه تعالى له ذلك من غير أن ينعزل عمّا يملكه ويملكه كما ننعزل نحن معاشر الخليقة عما ملكناه غيرنا.
فكلما فرضنا شيئاً من الأشياء ذا شيء من الكمال في قباله تعالى ليكون ثانياً له وشريكاً عاد ما بيده من معنى الكمال لله سبحانه محضاً، وهو الحق الذي يملك كل شيء، وغيره الباطل الذي لا يملك لنفسه شيئاً قال تعالى:
{ لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً } } [الفرقان: 3]. وهذا المعنى هو الذي ينفي عنه تعالى الوحدة العددية إذ لو كان واحداً عددياً أي موجوداً محدوداً منعزل الذات عن الإِحاطة بغيره من الموجودات صح للعقل أن يفرض مثله الثاني له سواء كان جائز التحقق في الخارج أو غير جائز التحقق، وصح عند العقل أن يتصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فرض امتناعه في الواقع، وليس كذلك.
فهو تعالى واحد بمعنى أنه من الوجود بحيث لا يحد بحد حتى يمكن فرض ثان له فيما وراء ذلك الحد وهذا معنى قوله تعالى:
{ قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد } [الإخلاص: 1ـ4] (سورة التوحيد) فإن لفظ أحد إنما يستعمل استعمالاً يدفع إمكان فرض العدد في قباله يقال: "ما جاءني أحد" وينفى به أن يكون قد جاء الواحد وكذا الاثنان والأكثر وقال تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك } [التوبة: 6]، فشمل الواحد والاثنين والجماعة ولم يخرج عن حكمه عدد، وقال تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فشمل الواحد وما وراءه، ولم يشذ منه شاذ.
فاستعمال لفظ أحد في قوله: {هو الله أحد} في الإِثبات من غير نفي ولا تقييد بإضافة أو وصف يفيد أن هويته تعالى بحيث يدفع فرض من يماثله في هويته بوجه سواء كان واحداً أو كثيراً فهو محال بحسب الفرض الصحيح مع قطع النظر عن حاله بحسب الخارج.
ولذلك وصفه تعالى أولاً بأنه صمد، وهو المصمت الذي لا جوف له ولا مكان خالياً فيه، وثانياً بأنه لم يلد، وثالثاً بأنه لم يولد، ورابعاً بأنه لم يكن له كفواً أحد، وكل هذه الأوصاف مما يستلزم نوعاً من المحدودية والانعزال.
وهذا هو السر في عدم وقوع توصيفات غيره تعالى عليه حق الوقوع والاتصاف قال تعالى:
{ سبحان الله عمّا يصفون إلاَّ عباد الله المخلصين } [الصافات: 159ـ160] وقال تعالى: { ولا يحيطون به علماً } [طه: 110]، فإن المعاني الكمالية التي نصفه تعالى بها أوصاف محدودة، وجلت ساحته سبحانه عن الحد والقيد، وهو الذي يرومه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلمته المشهورة: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"
]. وهذا المعنى من الوحدة هو الذي يدفع به تثليث النصارى فإنهم موحدون في عين التثليث لكن الذي يذعنون به من الوحدة وحدة عددية لا تنفي الكثرة من جهة أخرى فهم يقولون: إن الأقانيم (الأب والابن والروح) (الذات والعلم والحياة) ثلاثة وهي واحدة كالإِنسان الحي العالم فهو شيء واحد لأنه إنسان حي عالم وهو ثلاثة لأنه إنسان وحياة وعلم.
لكن التعليم القرآني ينفي ذلك لأنه يثبت من الوحدة ما لا يستقيم معه فرض أي كثرة وتمايز لا في الذات ولا في الصفات، وكل ما فرض من شيء في هذا الباب كان عين الآخر لعدم الحد فذاته تعالى عين صفاته، وكل صفة مفروضة له عين الأخرى، تعالى الله عمّا يشركون، وسبحانه عمّا يصفون.
ولذلك ترى أن الآيات التي تنعته تعالى بالقهارية تبدأ أولاً بنعت الوحدة ثم تصفه بالقهارية لتدل على أن وحدته لا تدع لفارض مجال أن يفرض له ثانياً مماثلاً بوجه فضلاً عن أن يظهر في الوجود، وينال الواقعية والثبوت، قال تعالى:
{ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلاَّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } [يوسف: 39]، فوصفه بوحدة قاهرة لكل شريك مفروض لا تبقي لغيره تعالى من كل معبود مفروض إلاَّ الاسم فقط، وقال تعالى: { أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } [الرعد: 16]، قال تعالى: { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } [غافر: 16]، إذ ملكه تعالى المطلق لا يخلي مالكاً مفروضاً غيره دون أن يجعله نفسه وما يملكه ملكاً لله سبحانه، وقال تعالى: { وما من إله إلاَّ الله الواحد القهار } [ص: 65]، وقال تعالى: { لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار } [الزمر: 4]، فرتب القهارية في جميع الآيات على صفة الوحدة.
(بحث روائي)
في التوحيد والخصال بإسناده عن المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه قال: إن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إن الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم!.
ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل، ووجهان يثبتان فيه؛ فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنه كفر من قال: إنه ثالث ثلاثة؟ وقول القائل: هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه، وجل ربنا وتعالى عن ذلك.
وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا، وقول القائل: إنه عز وجل أحديّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا عز وجل.
أقول: ورواه أيضاً في المعاني بسند آخر عن أبي المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه عنه عليه السلام.
وفي النهج: أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإِخلاص له، وكمال الإِخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده (الخطبة).
أقول: وهو من أبدع البيان، ومحصل الشطر الأول من الكلام أن معرفته تنتهي في استكمالها إلى نفي الصفات عنه، ومحصل الشطر الثاني المتفرع على الشطر الأول - أعني قوله عليه السلام: فمن وصف الله فقد قرنه (الخ) - أن إثبات الصفات يستلزم إثبات الوحدة العددية المتوقفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى، وتنتج المقدمتان أن كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العددية منه، وإثبات الوحدة بمعنى آخر، وهو مراده عليه السلام من سرد الكلام.
أما مسألة نفي الصفات عنه فقد بيّنه عليه السلام بقوله: "أول الدين معرفته" لظهور أن من لم يعرف الله سبحانه ولو بوجه لم يحل بعد في ساحة الدين، والمعرفة ربما كانت مع عمل بما يرتبط به من الأفعال وترتب آثار المعروف، وربما كانت من غير عمل، ومن المعلوم أن العلم فيما يتعلق نوع تعلق بالأعمال إنما يثبت ويستقر في النفس إذا ترتب عليه آثاره العملية، وإلاَّ فلا يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالفة حتى يبطل أو يصير سدى لا أثر له، ومن كلامه عليه السلام في هذا الباب - وقد رواه في النهج -: "العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاَّ ارتحل عنه".
فالعلم والمعرفة بالشيء إنما يكمل إذا أخذ العارف معروفه صدقاً، وأظهر ذلك في باطنه وظاهره، وجنانه وأركانه بأن يخضع له روحاً وجسماً، وهو الإِيمان المنبسط على سره وعلانيته، وهو قوله: "وكمال معرفته التصديق به".
ثم هذا الخضوع المسمى بالتصديق به وإن جاز تحققه مع إثبات الشريك للرب المخضوع له كما يخضع عبدة الأصنام لله ولسائر آلهتهم جميعاً لكن الخضوع بشيء لا يتم من غير انصراف عن غيره بالبداهة، فالخضوع لواحد من الآلهة في معنى الإِعراض عن غيره والاستكبار في الجملة عنه فلا يكمل التصديق بالله والخضوع لمقامه إلاَّ بالإِعراض عن عبادة الشركاء، والانصراف عن دعوة الآلهة الكثيرة، وهو قوله: "وكمال التصديق به توحيده".
ثم إن للتوحيد مراتب مختلفة بعضها فوق بعض، ولا يكمل حتى يعطى الإِله الواحد حقه من الألوهية المنحصرة، ولا يقتصر على مجرد تسميته إلهاً واحداً بل ينسب إليه كل ما له نصيب من الوجود والكمال كالخلق والرزق والإِحياء والإِماتة والإِعطاء والمنع، وأن يخص الخضوع والعبادة به فلا يتذلل لغيره بوجه من الوجوه بل لا يرجى إلاَّ رحمته، ولا يخاف إلاَّ سخطه، ولا يطمع إلاَّ فيما عنده، ولا يعكف إلاَّ على بابه.
وبعبارة أُخرى أن يخلص له علماً وعملاً، وهو قوله عليه السلام: "وكمال توحيده الإِخلاص له".
وإذا استوى الإِنسان على أريكة الإِخلاص، وضمته العناية الإِلهية إلى أولياء الله المقربين لاحت على بصيرته لوائح العجز عن القيام بحق المعرفة، وتوصيفه بما يليق بساحة كبريائه وعظمته فإنه ربما شاهد أن الذي يصفه تعالى به معان مدركة مما بين يديه من الأشياء المصنوعة، وأمور ألَّفها من مشهوداته الممكنة، وهي صور محدودة مقيدة يدفع بعضها بعضاً، ولا تقبل الائتلاف والامتزاج، انظر إلى مفاهيم الوجود والعلم والقدرة والحياة والرزق والعزة والغنى وغيرها.
والمعاني المحدودة يدفع بعضها بعضاً لظهور كون كل مفهوم خلواً عن المفهوم الآخر كمعنى العلم عن معنى القدرة فإنا حين ما نتصور العلم نصرف عن القدرة فلا نجد معناها في معنى العلم، وإذا تصورنا معنى العلم وهو وصف من الأوصاف ننعزل عن معنى الذات وهو الموصوف.
فهذه المفاهيم والعلوم والإِدراكات تقصر عن الانطباق عليه جل شأنه حق الانطباق، وعن حكاية ما هو عليه حق الحكاية؛ فتمس حاجة المخلص في وصفه ربه إلى أن يعترف بنقص لا علاج له، وعجز لا جابر دونه؛ فيعود فينفي ما أثبته، ويتيه في حيرة لا مخلص منها، وهو قوله عليه السلام: "وكمال الإِخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنها غير الصفة".
وهذا الذي فسّرنا به هذا العقد من كلامه عليه السلام هو الذي يؤيده أول الخطبة حيث يقول: "الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود" على ما يظهر للمتأمل الفطن.
وأما قوله عليه السلام: "فمن وصف الله فقد قرنه" (إلخ)، فهو توصل منه إلى المطلوب - وهو أن الله سبحانه لا حد له ولا عد - من طريق تحليل إثبات الوصف كما كان البيان الأول توصلاً منه من طريق تحليل المعرفة إلى نفي الوصف.
فمن وصف الله فقد قرنه لما عرفت من المغايرة بين الموصوف والصفة، والجمع بين المتغايرين قرن، ومن قرنه فقد ثناه لأخذه إياه موصوفاً وصفة وهما اثنان، ومن ثناه فقد جزأه إلى جزأين، ومن جزأه فقد جهله بالإِشارة إليه إشارة عقلية، ومن أشار إليه فقد حده لكون الإِشارة مستلزمة لانفصال المشار إليه عن المشير حتى تتوسط بينهما الإِشارة التي هي إيجاد بعد ما بين المشير والمشار إليه - يبتدئ من الأول وينتهي إلى الثاني - "ومن حده فقد عده" وجعله واحداً عددياً لأن العدد لازم الانقسام والانعزال الوجودي تعالى الله عن ذلك.
وفي النهج: من خطبة له عليه السلام: "الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالاً فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً، كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن، وكل باطن غيره ظاهر".
أقول: بناء البيان على كونه تعالى غير محدود وكون غيره محدوداً فإن هذه المعاني والنعوت وكل ما كان من قبيلها إذا طرأ عليها الحد كانت لها إضافة ما إلى غيرها، ويستوجب التحدد حينئذٍ أن تنقطع وتزول عمّا أُضيفت إليه، وتتبدل إلى ما يقابلها من المعنى.
فالظهور إذا فرض محدوداً كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شيء دون جهة أخرى وشيء آخر، وصار الأمر الظاهر باطناً خفياً بالنسبة إلى تلك الجهة الأخرى والشيء الآخر، والعزة إذا أخذت بحد بطلت فيما وراء حدها فكانت ذلة بالنسبة إليه، والقوة إذا كانت مقيدة تبدلت بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفاً، والظهور بطون في غير محله، والبطون ظهور في الخارج عن مستواه.
والملك إذا كان محدوداً كان من يحده مهيمناً على هذا المالك؛ فهو وملكه تحت ملك غيره، والعلم إذا كان محدوداً لم يكن من صاحبه لأن الشيء لا يحد نفسه، فكان بإفاضة الغير وتعليمه، وهكذا.
والدليل على أنه عليه السلام بنى بيانه على معنى الحد قوله: "وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات" (الخ)، فإنه وما بعده ظاهر في الإِشارة إلى محدودية المخلوقات، والسياق واحد.
وأما قوله عليه السلام: "وكل مسمى بالوحدة غيره قليل" - والجملة هي المقصودة من نقل الخطبة - فبناؤه على معنى الحد ظاهر فإن الوحدة العددية المتفرعة على محدودية المسمى بالواحد لازمه تقسم المعنى وتكثره، وكلما زاد التقسم والتكثر أمعن الواحد في القلة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة، فكل واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ولو بالفرض.
وأما الواحد الذي لا حد لمعناه ولا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة لعدم احتماله طرو الحد وعروض التميز ولا يشذ عن وجوده شيء من معناه حتى يكثر ويقوى بضمه، ويقل ويضعف بعزله، بل كلما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو.
وفي النهج: ومن خطبة له عليه السلام: "الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له، لا يستلمه المشاعر، ولا يحجبه السواتر لافتراق الصانع والمصنوع، والحاد والمحدود، والرب والمربوب، الأحد لا بتأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسميع لا بأداة، والبصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة، والبائن لا بتراخي مسافة، والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة؛ بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه، من وصفه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله".
أقول: أول كلامه عليه السلام مبني على أن جميع المعاني والصفات المشهودة في الممكنات أمور محدودة لا تتم إلاَّ بحاد يحدها وصانع يصنعها، ورب يربها، وهو الله سبحانه، وإذ كان الحد من صنعه فهو متأخر عنه غير لازم له، فقد تنزهت ساحة كبريائه عن هذه الحدود.
وإذا كان كذلك كان ما يوصف به من الصفات غير محدود بحد - وإن كان لفظنا قاصراً عنه، والمعنى غير واف به - فهو تعالى أحد لا بتأويل عدد يقضي بالمحدودية، وعلى هذا النهج خلقه وسمعه وبصره وشهوده وغير ذلك.
ومن فروع ذلك أن بينونته من خلقه ليس بمعنى الانفصال والانعزال تعالى عن الاتصال والانفصال، والحلول والانعزال، بل بمعنى قهره لها وقدرته عليها، وخضوعهم له ورجوعهم إليه.
وقوله عليه السلام: "من وصفه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله " فرَّع على إثبات الوحدة العددية إبطال الأزل لأن حقيقة الأزل كونه تعالى غير متناه في ذاته وصفاته ولا محدود فإذا اعتبر من حيث إنه غير مسبوق بشيء يتقدم عليه كان هو أزله، وإذا اعتبر من حيث إنه غير ملحوق بشيء يتأخر عنه كان هو أبده، وربما اعتبر من الجانبين فكان دواماً.
وأما ما يظهر من عدة من الباحثين أن معنى كونه تعالى أزلياً أنه سابق متقدم على خلقه المحدث تقدماً في أزمنة غير متناهية لا خبر فيها عن الخلق ولا أثر منهم فهو من أشنع الخطأ، وأين الزمان الذي هو مقدار حركة المتحركات والمشاركة معه تعالى في أزله؟!.
وفي النهج: ومن خطبة له عليه السلام: "الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسبل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لأوليته ابتداء، ولا لأزليته انقضاء، هو الأول لم يزل، والباقي بلا أجل، خرّت له الجباه، ووحّدته الشفاه، حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها، لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقال: متى؟ ولا يضرب له أمد بحتى، الظاهر لا يقال: مما؟ والباطن لا يقال: فيما؟ لا شبح فيتقضّى ولا محجوب فيحوى، لم يقرب من الأشياء بالتصادق، ولم يبعد عنها بافتراق، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة، ولا كرور لفظة، ولا ازدلاف ربوة، ولا انبساط خطوة في ليل داج، ولا غسق ساج، يتفيؤ عليه القمر المنير، وتعقبه الشمس ذات النور في الأفول والكرور وتقلب الأزمنة والدهور من إقبال ليل مقبل وإدبار نهار مدبر، قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار، ونهايات الأقطار، وتأثّل المساكن، وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولا أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده، وصوّر ما صور فأحسن صورته".
وفي النهج: من خطبة له عليه السلام: "ما وحّده من كيّفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدر لا بجول فكرة، غني لا باستفادة، لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له؛ ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبائناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها، لا يشمل بحدّ، ولا يحسب بعدّ، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الالة إلى نظائرها، منعتها "منذ" القدمة، وحمتها "قد" الأزلية، وجنبتها "لولا" التكملة، بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون، لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟ ويعود فيه ما هو أبداه؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذا وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذاً لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه".
أقول: أول كلامه عليه السلام مسوق لبيان امتناع ذاته المقدسة عن الحد، ولزمه في جميع ما عداه، وقد تقدم توضيحه الإِجمالي فيما تقدم.
وقوله: "لا يشمل بحد ولا يحسب بعد" كالنتيجة لما تقدمه من البيان، وقوله: "وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها" بمنزلة بيان آخر لقوله: "لا يشمل بحد، الخ" فإن البيان السابق إنما سيق من مسلك أن هذه الحدود المستقرة في المصنوعات مجعولة للذات المتعالية متأخرة عنها تأخر الفعل عن فاعله فلا يمكن أن تتقيد بها الذات إذ كان ذات ولا فعل.
وأما ما في قوله: "وإنما تحد"الخ"، من البيان فهو مسوق من طريق آخر، وهو أن التقدير والتحديد الذي هو شأن هذه الأدوات والحدود إنما هو بالمسانخة النوعية كما أن المثقال الذي هو واحد الوزن مثلاً توزن به الأثقال دون الألوان والأصوات مثلاً، والزمان الذي هو مقدار الحركة إنما تحد به الحركات، والإِنسان مثلاً إنما يقدر بما له من الوزن الاجتماعي المتوسط مثلاً من يماثله في الإِنسانية، وبالجملة كل حد من هذه الحدود يعطي لمحدوده شبيه معناه، وكل صفة إمكانية كائنة ما كانت مبنية على قدر وحد، وملزومة لأمد ونهاية، وكيف يمكن أن يحمل معناها المحدود على ذات أزلية أبدية غير متناهية؟.
فهذا هو مراده عليه السلام، ولذلك أردفه بقوله: "منعتها منذ القدمة"الخ"، أي صدق كلمة "منذ" وكلمة "قد" الدالتين على الحدوث الزماني، على الأشياء منعتها وحمتها أن تتصف بالقدمة، وكذلك صدق كلمة "لولا" في الأشياء وهي تدل على النقص واقتران المانع جنّبتها وبعّدتها أن تكون كاملة من كل وجه.
وقوله: "بها تجلى صانعها للعقول وبها امتنع من نظر العيون" الضميران للأشياء أي إن الأشياء بما هي آيات له تعالى والآية لا ترى إلاَّ ذا الآية فهي كالمرائي لا تجلي إلاَّ إياه تعالى فهو بها تجلى للعقول وبها أيضاً امتنع عن نظر العيون إذ لا طريق إلى النظر إليه تعالى إلاَّ هذه الآيات وهي محدودة لا تنال إلاَّ مثلها لا ربها المحيط بكل شيء.
وهذا المعنى بعينه هو الموجب لامتناعه عن نظر العيون فإنها آلات مركبة مبنية على الحدود لا تعمل إلاَّ في المحدود، وجلت ساحة رب العزة عن الحد.
وقوله عليه السلام: "لا يجري عليه السكون والحركة"الخ"، بمنزلة العود إلى أول الكلام ببيان آخر يبين به أن هذه الأفعال والحوادث التي هي تنتهي إلى الحركة والسكون لا تجري عليه، ولا تعود فيه ولا تحدث فإنها آثاره التي تترتب على تأثيره في غيره، ومعنى تأثير المؤثر توجيهه أثره المتفرع على نفسه إلى غيره، ولا معنى لتأثير الشيء في نفسه إلاَّ بنوع من التجزي والتركيب العارض لذاته كالإِنسان مثلاً يدبر بنفسه بدنه، ويضرب بيده على رأسه، والطبيب يداوي بطبه مرضه، فكل ذلك إنما يصح لاختلاف في الأجزاء أو الحيثيات، ولولا ذلك لامتنع وقوع التأثير.
فالقوة الباصرة مثلاً لا تبصر نفسها، والنار لا تحرق ذاتها، وهكذا جميع الفواعل لا تفعل إلاَّ في غيرها إلاَّ مع التركيب والتجزئة كما عرفت؛ وهذا معنى قوله: "إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه" (الخ).
وقوله عليه السلام: "وإذاً لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه" أي إذا لزمه النقص من تطرق هذه الحدود والأقدار عليه، والنقص من علائم المصنوعية وإمارات الإِمكان كان (تعالى وتقدس) مقارناً لما يدل على كونه مصنوعاً وكان نفسه كسائر المصنوعات دليلاً على موجود آخر أزلي كامل الوجود غير محدود الذات هو الإِله المنزه عن كل نقص مفروض، المتعالي عن أن تناله أيدي الحدود والأقدار.
واعلم أن ما يدل عليه قوله - من كون الدلالة هي من شؤون المصنوع الممكن - لا ينافي ما يستفاد من سائر كلامه وكلام سائر أئمة أهل البيت عليهم السلام: أنه تعالى معلوم بنفس ذاته، وغيره معلوم به، وأنه دال على ذاته، وهو الدليل على مخلوقاته فإن العلم غير العلم والدلالة غير الدلالة، وأرجو أن يوفقني الله تعالى لإِيضاحه وبسط الكلام فيه في بعض ما يرتبط به من الأبحاث الآتية إن شاء الله العزيز.
وفي التوحيد بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له "ذعلب" ذرب اللسان، بليغ في الخطاب، شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب لم أكن لأعبد رباً لم أره!.
فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال: يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإِيمان، ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شيء لا يقال شيء قبله، وبعد كل شيء لا يقال له بعد، شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة، هو في الأشياء غير متمازج بها ولا بائن عنها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، ولا تصحبه الأوقات، ولا تحده الصفات، ولا تأخذه السنات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجسوء بالبلل، والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله عز وجل: {ومن كل شيء جعلنا زوجين لعلَّكم تذكرون}، ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه، كان رباً ولا مربوب، وإلهاً إذ لا مألوه، وعالماً إذ لا معلوم، وسميعاً إذ لا مسموع. ثم أنشأ يقول:

ولــم يزل سيدي بالحمد معروفـاً ولم يزل سيدي بالجود موصوفاً
وكـــان إذ ليس نور يستضاء بـه ولا ظــلام علــــى الآفاق معكوفـاً
فربنـــا بخــــــلاف الخلـــق كلهم وكل ما كان في الأوهام موصوفاً

(الأبيات)
أقول: وكلامه عليه السلام - كما ترى - مسوق لبيان معنى أحدية الذات في جميع ما يصدق عليه ويرجع إليه، وأنه تعالى غير متناهي الذات ولا محدودها، فلا يقابل ذاته وإلاَّ لهدده بالتحديد وقهره بالتقدير، فهو المحيط بكل شيء، المهيمن على كل أمر، ولا يلحقه صفة تمتاز ذاته، فإن في ذلك بطلان أزليته وعدم محدوديته.
وأن صفته تعالى الكمالية غير محدودة بحد يدفع الغير أو يدفعه الغير كما أن العلم فينا غير القدرة لما بينهما من المدافعة مفهوماً ومصداقاً، ولا تدافع بينهما فيه تعالى، بل الصفة عين الصفة وعين كل صفة من صفاته العليا، والاسم عين كل اسم من أسمائه الحسنى.
بل إن هنالك ما هو ألطف معنى وأبعد غوراً من ذلك وهو أن هذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة الموازين والمكائيل يوزن ويكتال بها الوجود الخارجي والكون الواقعي؛ فهى حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض، واستمددنا من أحدها للآخر، لا يغترف بأوعيتها إلاَّ ما يقاربها في الحد، فإذا فرضنا أمراً غير محدود ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلاَّ المحدود وهو غيره، وكلما زدنا في الإِمعان في نيله زاد تعالياً وابتعاداً.
فمفهوم العلم مثلاً هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعده كمالاً لما يوجد له، وفي هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة والحياة مثلاً، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثم عدلنا محدوديته بالتقييد في نحو قولنا: علم لا كالعلوم فهب أنه يخلص من بعض التحديد لكنه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه وهو عدم شموله ما وراءه (ولكل مفهوم وراء يقصر عن شموله) وإضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدي إلى بطلان خاصة المفهومية، وهو ظاهر.
وهذا هو الذي يحير الإِنسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبه وعقله، وهو المستفاد من قوله عليه السلام: "لا تحده الصفات" ومن قوله فيما تقدم من خطبته المنقولة: "وكمال الإِخلاص له نفي الصفات عنه" وقوله أيضاً في تلك الخطبة: "الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود" وأنت ترى أنه عليه السلام يثبت الصفة في عين أنه ينفيها أو ينفي حدها، ومن المعلوم أن إثباتها هي لا تنفك عن الحد فنفي الحد عنها إسقاط لها بعد إقامتها، ويؤول إلى أن إثبات شيء من صفات الكمال فيه لا ينفي ما وراءها فتتحد الصفات بعضها مع بعض ثم تتحد مع الذات ولا حد، ثم لا ينفي ما وراءها مما لا مفهوم لنا نحكي عنه، ولا إدراك لنا يتعلق به فافهم ذلك.
ولولا أن المفاهيم تسقط عند الإِشراف على ساحة عظمته وكبريائه بالمعنى الذي تقدم لأمكن للعقل أن يحيط به بما عنده من المفاهيم العامة المبهمة كوصفه بأنه ذات لا كالذوات، وله علم لا كالعلوم، وقدرة لا كقدرة غيره، وحياة لا كسائر أقسام الحياة، فإن هذا النحو من الوصف لا يدع شيئاً إلاَّ أحصاه وأحاط به إجمالاً فهل يمكن أن يحيط به سبحانه شيء؟ أو أن الممنوع هو الإِحاطة به تفصيلاً، وأما الإِحاطة الإِجمالية فلا بأس بها؟ وقد قال تعالى:
{ ولا يحيطون به علماً } [طه: 110]، وقال: { ألا إنه بكل شيء محيط } [فصلت: 54]، والله سبحانه لا يحيط به شيء من جهة من الجهات بنحو من أنحاء الإِحاطة، ولا يقبل ذاته المقدسة إجمالاً وتفصيلاً حتى يتبعض فيكون لاجماله حكم ولتفصيله حكم آخر فافهم ذلك.
وفي الاحتجاج عنه عليه السلام في خطبة: "دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة إنه رب خالق، غير مربوب مخلوق، ما تصور فهو بخلافه - ثم قال عليه السلام: - ليس بإله من عرف بنفسه، هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة إليه".
أقول: التأمل فيما تقدم يوضح أن الخطبة مسوقة لبيان كون وحدته تعالى وحدة غير عددية لصراحته في أن معرفته تعالى عين توحيده أي إثبات وجوده عين إثبات وحدته، ولو كانت هذه الوحدة عددية لكانت غير الذات فكانت الذات في نفسها لا تفي بالوحدة إلاَّ بموجب من خارج عن جهة ثبوت الذات.
وهذا من عجيب المنطق وأبلغ البيان في باب التوحيد الذي يحتاج شرحه إلى مجال وسيع لا يسعه طراز البحث في هذا الكتاب، ومن ألطف المقاصد الموضوعة فيه قوله عليه السلام: "وجوده إثباته" يريد به أن البرهان عليه نفس وجوده الخارجي أي إنه لا يدخل الذهن، ولا يسعه العقل.
قوله: "ما تصور فهو بخلافه" ليس المراد به أنه غير الصورة الذهنية فإن جميع الأشياء الخارجية على هذا النعت، بل المراد أنه تعالى بخلاف ما يكشف عنه التصور الذهني أياً ما كان، فلا يحيط به صورة ذهنية، ولا ينبغي لك أن تغفل عن أنه أنزه ساحة حتى من هذا التصور أعني تصور انه بخلاف كل تصور.
وقوله: "ليس باله من عرف بنفسه" مسوق لبيان جلالته تعالى عن أن يتعلق به معرفة، وقهره كل فهم وإدراك؛ فإن كل من يتعلق بنفسه معرفتنا هو في نفسه غير نفسنا ومعرفتنا ثم يتعلق به معرفتنا، لكنه تعالى محيط بنا وبمعرفتنا، قيم على ذلك فلا معصم تعتصم به أنفسنا ولا معرفتنا عن إحاطة ذاته وشمول سلطانه حتى يتعلق به تعلق منعزل بمنعزل.
وبيّن عليه السلام ذلك بقوله: "هو الدال بالدليل عليه والمؤدي بالمعرفة إليه" أي إنه تعالى هو الدليل يدل الدليل على أن يدل عليه، ويؤدي المعرفة إلى أن يتعلق به تعالى نوع تعلق لمكان إحاطته تعالى وسلطانه على كل شيء، فكيف يمكن لشيء أن يهتدي إلى ذاته ليحيط به وهو محيط به وباهتدائه؟.
وفي المعاني بإسناده عن عمر بن علي عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"التوحيد ظاهره في باطنه، وباطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى، وباطنه موجود لا يخفى، يطلب بكل مكان، ولم يخل عنه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، وغائب غير مفقود"
]. أقول: كلامه صلى الله عليه وآله وسلم مسوق لبيان وحدته تعالى غير العددية المبنية على كونه تعالى غير محدود بحد، فإن عدم المحدودية هو الموجب لعدم انعزال ظاهر توحيده وتوصيفه تعالى عن باطنه، وباطنه عن ظاهره فإن الظاهر والباطن إنما يتفاوتان وينعزل كل منهما عن الآخر بالحد فإذا ارتفع الحد اختلطا واتحدا.
وكذلك الظاهر الموصوف إنما يحاط به، والباطن الموجود إنما يخفى ويتحجب إذا تحددا فلم يتجاوز كل منهما حده المضروب له، وكذلك الحاضر إنما يكون محدوداً مجموعاًَ وجوده عند من حضر عنده، والغائب يكون مفقوداً لمكان المحدودية، ولولا ذلك لم يجتمع الحاضر بتمام وجوده عند من حضر عنده، ولم يستر الغائب حجاب الغيبة ولا ساتر دونه عمن غاب عنه، وهو ظاهر.
(بحث تاريخي)
القول بأن للعالم صانعاً ثم القول بأنه واحد من أقدم المسائل الدائرة بين متفكري هذا النوع تهديه إليه فطرته المركوزة فيه، حتى أن الوثنية المبنية على الإِشراك، إذا أمعنا في حقيقة معناها وجدناها مبنية على أساس توحيد الصانع، وإثبات شفعاء عنده؛ (ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله زلفى) وإن انحرفت بعد عن مجراها، وآل أمرها إلى إعطاء الاستقلال والأصالة لآلهة دون الله.
وللفطرة الداعية إلى توحيد الإِله وإن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود العظمة والكبرياء ذاتاً وصفة - على ما تقدم بيانه بالاستفادة من الكتاب العزيز - غير أن أُلفة الإِنسان وأُنسه في ظرف حياته بالآحاد العددية من جانب، وبلاء المليين بالوثنيين والثنويين وغيرهم لنفي تعدد الآلهة من جانب آخر سجل عددية الوحدة وجعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه.
ولذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم واليونان وإسكندرية وغيرهم ممن بعدهم يعطي الوحدة العددية حتى صرَّح بها مثل الرئيس أبي علي بن سينا في كتاب الشفاء، وعلى هذا المجرى يجري كلام غيره ممن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبوية.
وأما أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من الوحدة العددية أيضاً في عين أن هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامة؛ فهذا ما يتحصل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة.
فالذي بينه القرآن الكريم من معنى التوحيد أول خطوة خطيت في تعليم هذه الحقيقة من المعرفة، غير أن أهل التفسير والمتعاطين لعلوم القرآن من الصحابة والتابعين ثم الذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف، فهذه جوامع الحديث وكتب التفسير المأثورة منهم لا ترى فيها أثراً من هذه الحقيقة لا ببيان شارح، ولا بسلوك استدلالي.
ولم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلاَّ ما ورد في كلام الإِمام علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام خاصة، فإن كلامه هو الفاتح لبابها، والرافع لسترها وحجابها على أهدى سبيل وأوضح طريق من البرهان، ثم ما وقع في كلام الفلاسفة الإِسلاميين بعد الألف الهجري، وقد صرحوا بأنهم إنما استفادوه من كلامه عليه السلام.
وهذا هو السر في اقتصارنا في البحث الروائي السابق على نقل نماذج من غرر كلامه عليه السلام الرائق، لأن السلوك في هذه المسألة وشرحها من مسلك الاحتجاج البرهاني لا يوجد في كلام غيره عليه السلام.
ولهذا بعينه تركنا عقد بحث فلسفي مستقل لهذه المسألة فإن البراهين الموردة في هذا الغرض مؤلفة من هذه المقدمات المبينة في كلامه لا تزيد على ما في كلامه بشيء، والجميع مبنية على صرافة الوجود وأحدية الذات جلَّت عظمته.