التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٩٠
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ
٩١
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ
٩٢
لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
٩٣
-المائدة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات متلائمة سياقاً فكأنها نزلت دفعة أو هي متقاربة نزولاً، والآية الأخيرة بمنزلة دفع الدخل على ما سنبينه تفصيلاً، فهي جميعاً تتعرض لحال الخمر، وبعضها يضيف إليها الميسر والأنصاب والأزلام.
وقد تقدم في قوله تعالى:
{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [البقرة: 219]، في الجزء الأول، وفي قوله تعالى: { يا أيُّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } } [النساء: 43]، في الجزء الرابع من هذا الكتاب، ان هاتين الآيتين مع قوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإِثم } [الأعراف: 33]، وهذه الآية المبحوث عنها: {يا أيُّها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} إذا انضم بعضها إلى بعض دلَّت سياقاتها المختلفة على تدرج الشارع في تحريم الخمر.
لكن لا بمعنى السلوك التدريجي في تحريمها من تنزيه وإعافة إلى كراهية إلى تحريم صريح حتى ينتج معنى النسخ، أو من إبهام في البيان إلى إيضاح أو كناية خفية إلى تصريح لمصلحة السياسة الدينية في إجراء الأحكام الشرعية فإن قوله تعالى: {والإِثم} آية مكية في سورة الأعراف إذا انضم إلى قوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير} وهي آية مدنية واقعة في سورة البقرة أول سورة مفصلة نزلت بعد الهجرة أنتج ذلك حرمة الخمر إنتاجاً صريحاً لا يدع عذراً لمعتذر، ولا مجالاً لمتأول.
بل بمعنى أن الآيات تدرجت في النهي عنها بالتحريم على وجه عام وذلك قوله تعالى: {والإِثم} ثم بالتحريم الخاص في صورة النصيحة وذلك قوله: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}، وقوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} إن كانت الآية ناظرة إلى سكر الخمر لا إلى سكر النوم، ثم بالتحريم الخاص بالتشديد البالغ الذي يدل عليه قوله: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} الآيتان.
فهذه الآيات آخر ما نزل في تحريم الخمر يدل على ذلك أقسام التأكيد المودعة فيها من {إنما} والتسمية بالرجس، ونسبته إلى عمل الشيطان، والأمر الصريح بالاجتناب، وتوقع الفلاح فيه، وبيان المفاسد التي تترتب على شربها، والاستفهام عن الانتهاء، ثم الأمر بطاعة الله ورسوله والتحذير عن المخالفة، والاستغناء عنهم لو خالفوا.
ويدل على ذلك بعض الدلالة أيضاً قوله تعالى في ذيل الآيات: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (الخ) بما سيأتي من الإِيضاح.
قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى آخر الآية، قد تقدم الكلام في أول السورة في معنى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام فالخمر ما يخمر العقل من كل مائع مسكر عمل بالتخمير، والميسر هو القمار مطلقاً، والأنصاب هي الأصنام أو الحجارة التي كانت تنصب لذبح القرابين عليها وكانت تحترم ويتبرك بها، والأزلام هي الأقداح التي كانت يستقسم بها، وربما كانت تطلق على السهام التي كانت يتفاءل بها عند ابتداء الأمور والعزيمة عليها كالخروج إلى سفر ونحوه لكن اللفظ قد وقع في أول السورة بالمعنى الأول لوقوعه بين محرمات الأكل فيتأيد بذلك كون المراد به ها هُنا هو ذلك.
فان قلت: الميسر بعمومه يشمل الأزلام بالمعنى الآخر الذي هو الاستقسام بالأقداح، ولا وجه لإِيراد الخاص بعد العام من غير نكتة ظاهرة فالمتعين حمل اللفظ على سهام التفؤل والخيرة التي كان العمل بها معروفاً عندهم في الجاهلية قال الشاعر:

فلئن جذيمة قتلت ساداتها فنساؤها يضربن بالأزلام

وهو - كما روي - أنهم كانوا يتخذون أخشاباً ثلاثة رقيقة كالسهام أحدها مكتوب عليه "افعل" والثاني مكتوب عليه "لا تفعل" والثالث غفل لا كتابة عليه فيجعلها الضارب في خريطة معه وهي متشابهة فإذا أراد الشروع في أمر يهمه كالسفر وغير ذلك أخرج واحداً منها فإن كان الذي عليه مكتوب "افعل" عزم عليه، وإن خرج الذي مكتوب عليه "لا تفعل" تركه، وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين، وسمي استقساماً لأن فيه طلب ما قسم له من رزق أو خير آخر من الخيرات.
فالآية تدل على حرمته لأن فيه تعرضاً لدعوى علم الغيب، وكذا كل ما يشاكله من الأعمال كأخذها الخيرة بالسبحة ونحوها.
قلت: قد عرفت أن الآية في أول السورة: {وأن تستقسموا بالأزلام} ظاهرة في الاستقسام بالأقداح الذي هو نوع من القمار لوقوعه في ضمن محرمات الأكل، ويتأيد به أن ذلك هو المراد بالأزلام في هذه الآية.
ولو سلم عدم تأيد هذه بتلك عاد إلى لفظ مشترك لا قرينة عليه من الكلام تبين المراد فيتوقف على ما يشرحه من السنة، وقد وردت عدة أخبار من أئمة أهل البيت عليهم السلام في جواز الأخذ بالخيرة من السبحة وغيرها عند الحيرة.
وحقيقته أن الإِنسان إذا أراد أن يقدم على أمر كان له أن يعرف وجه المصلحة فيه بما أغرز الله فيه من موهبة الفكر أو بالاستشارة ممن له صلاحية المعرفة بالصواب والخطأ، وإن لم يهده ذلك إلى معرفة وجه الصواب، وتردد متحيراً كان له أن يعين ما ينبغي أن يختاره بنوع من التوجه إلى ربه.
وليس في اختيار ما يختاره الإِنسان بهذا النوع من الاستخارة دعوى علم الغيب ولا تعرض لما يختص بالله سبحانه من شؤون الألوهية، ولا شرك بسبب تشريك غير الله تعالى إيَّاه في تدبير الأمور ولا أي محذور ديني آخر إذ لا شأن لهذا العمل إلاَّ تعين الفعل أو الترك من غير إيجاب ولا تحريم ولا أي حكم تكليفي آخر، ولا كشف عمّا وراء حجب الغيب من خير أو شر إلاَّ أن خير المستخير في أن يعمل أو يترك فيخرج عن الحيرة والتذبذب.
وأما ما يستقبل الفعل أو الترك من الحوادث فربما كان فيه خير وربما كان فيه شر على حد ما لو فعله أو تركه عن فكر أو استشارة، فهو كالتفكر والاستشارة طريق لقطع الحيرة والتردد في مقام العمل، ويترتب على الفعل الموافق له ما كان يترتب عليه لو فعله عن فكر أو مشورة.
نعم ربما أمكن لمتوهم أن يتوهم التعرض لدعوى علم الغيب فيما ورد من التفؤل بالقرآن ونحوه فربما كانت النفس تتحدث معه بيمن أو شأمة، وتتوقع خيراً أو شراً أو نفعاً أو ضراً، لكن قد ورد في الصحيح من طرق الفريقين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتفاءل بالخير ويأمر به، وينهى عن التطير ويأمر بالمضي معه والتوكل على الله تعالى.
فلا مانع من التفأل بالكتاب ونحوه فإن كان معه ما يتفأل به من الخير وإلاَّ مضى في الأمر متوكلاً على الله تعالى، وليس في ذلك أزيد مما يطيب به الإِنسان نفسه في الأمور والأعمال التي يتفرس فيها السعادة والنفع، وسنستوفي البحث المتعلق بهذا المقام في كلام موضوع لهذا الغرض بعينه.
فتبين أن ما وقع في بعض التفاسير من حمل الأزلام على سهم التفأل واستنتاج حرمة الاستخارة بذلك مما لا ينبغي المصير إليه.
وأما قوله: {رجس من عمل الشيطان} فالرجس الشيء القذر على ما ذكره الراغب في مفرداته فالرجاسة بالفتح كالنجاسة والقذارة هو الوصف الذي يبتعد ويتنزه عن الشيء بسببه لتنفر الطبع عنه.
وكون هذه المعدودات من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجساً هو اشتمالها على وصف لا تستبيح الفطرة الإِنسانية الاقتراب منها لأجله، وليس إلاَّ أنها بحيث لا تشتمل على شيء مما فيه سعادة إنسانية أصلاً سعادة يمكن أن تصفو وتتخلص في حين من الأحيان كما ربما أومأ إليه قوله تعالى:
{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إِثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } } [البقرة: 219]، حيث غلب الإِثم على النفع ولم يستثن.
ولعلَّه لذلك نسب هذه الأرجاس إلى عمل الشيطان ولم يشرك له أحداً، ثم قال في الآية التالية: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة}.
وذلك أن الله سبحانه عرف الشيطان في كلامه بأنه عدو للإِنسان لا يريد به خيراً البتة قال تعالى:
{ إن الشيطان للإِنسان عدو مبين } [يوسف: 5]، وقال: { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله } [الحج: 4]، وقال: { وإن يدعون إلاَّ شيطاناً مريداً * لعنه الله } [النساء: 117ـ118]، فأثبت عليه لعنته وطرده عن كل خير.
وذكر أن مساسه بالإِنسان وعمله فيه إنما هو بالتسويل والوسوسة والإِغواء من جهة الإِلقاء في القلب كما قال تعالى حكاية عنه:
{ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلاَّ عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط عليَّ مستقيم، وإن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاَّ من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 39ـ42]، فهددهم إبليس بالإِغواء فقط، ونفى الله سبحانه سلطانه إلاَّ عن متبعيه الغاوين، وحكى عنه فيما يخاطب بني آدم يوم القيامة قوله: { وما كان لي عليكم من سلطان إلاَّ أن دعوتكم فاستجبتم لي } [إبراهيم: 22]، وقال في نعت دعوته: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} إلى أن قال: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}، فبين أن دعوته لا كدعوة إنسان إنساناً إلى أمر بالمشافهة بل بحيث يرعى الداعي المدعو من غير عكس.
وقد فصل القول في جميع ذلك قوله تعالى:
{ من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس } [الناس: 4ـ5]، فبين أن الذي يعمل الشيطان بالتصرف في الإِنسان هو أن يلقي الوسوسة في قلبه فيدعوه بذلك إلى الضلال.
فيتبين بذلك كله أن كون الخمر وما ذكر بعدها رجساً من عمل الشيطان هو أنها منتهية إلى عمل الشيطان الخاص به، ولا داعي لها إلاَّ الإِلقاء والوسوسة الشيطانية التي تدعو إلى الضلال، ولذلك سماها رجساً وقد سمى الله سبحانه الضلال رجساً في قوله:
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون * وهذا صراط ربك مستقيماً } } [الأنعام: 125ـ126]. ثم بين معنى كونها رجساً ناشئاً من عمل الشيطان بقوله في الآية التالية: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} أي إنه لا يريد لكم في الدعوة إليها إلاَّ الشر ولذلك كانت رجساً من عمله.
فإن قلت: ملخص هذا البيان أن معنى كون الخمر وأضرابها رجساً هو كون عملها أو شربها مثلاً منتهياً إلى وسوسة الشيطان وإضلاله فحسب، والذي تدل عليه عدة من الروايات أن الشيطان هو الذي ظهر للإِنسان وعملها لأول مرة وعلمه إياها.
قلت: نعم، وهذه الأخبار وإن كانت لا تتجاوز الآحاد بحيث يجب الأخذ بها إلاَّ أن هناك أخباراً كثيرة متنوعة واردة في أبواب متفرقة تدل على تمثل الشيطان للأنبياء والأولياء وبعض أفراد الإِنسان من غيرهم كأخبار أُخر حاكية لتمثل الملائكة، وأخرى دالة على تمثل الدنيا والأعمال وغير ذلك، والكتاب الإِلهي يؤيدها بعض التأييد كقوله تعالى:
{ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً } [مريم: 17]، وسنستوفي هذا البحث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإِسراء في الكلام على قوله تعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده } [الإسراء: 1]، أو في محل آخر مناسب لذلك.
والذي يجب أن يعلم أن ورود قصة ما في خبر أو أخبار لا يوجب تبدُّل آية من الآيات مما لها من الظهور المؤيد بآيات أُخر، وليس للشيطان من الإِنسان إلاَّ التصرف الفكري فيما كان له ذلك بمقتضى الآيات الشريفة، ولو أنه تمثل لواحد من البشر فعمل شيئاً أو علمه إياه لم يزد ذلك على التمثل والتصرف في فكره أو مساسه علماً فانتظر ما سيوافيك من البحث.
وأما قوله تعالى: {فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون} فتصريح بالنهي بعد بيان المفسدة ليكون أوقع في النفوس ثم ترج للفلاح على تقدير الاجتناب، وفيه أشد التأكيد للنهي لتثبيته ان لا رجاء لفلاح من لا يجتنب هذه الأرجاس.
قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات: العدو التجاوز ومنافاة الالتئام فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارة بالمشي فيقال له: العدو، وتارة في الإِخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان والعدو قال: {فيسبوا الله عدواً بغير علم} وتارة بأجزاء المقر فيقال له: العدواء يقال: مكان ذو عدواء أي غير متلائم الأجزاء فمن المعاداة يقال: رجل عدو وقوم عدو قال: {بعضكم لبعض عدو} وقد يجمع على عدى (بالكسر فالفتح) وأعداء قال: {ويوم يحشر أعداء الله}، انتهى.
والبغض والبغضاء خلاف الحب، والصد الصرف، والانتهاء قبول النهي وخلاف الابتداء.
ثم إن الآية - كما تقدم - مسوقة بياناً لقوله: {من عمل الشيطان} أو لقوله: {رجس من عمل الشيطان} أي إن حقيقة كون هذه الأمور من عمل الشيطان أو رجساً من عمل الشيطان ان الشيطان لا بغية له ولا غاية في الخمر والميسر - اللذين قيل: إنهما رجسان من عمله فقط - إلاَّ أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء بتجاوز حدودكم وبغض بعضكم بعضاً، وان يصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة في هذه الأمور جميعاً أعني الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.
وقصر إيقاع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر لكونهما من آثارهما الظاهرة؛ أما الخمر فلأن شربها تهيج سلسلة الأعصاب تهيجاً يخمر العقل ويستظهر العواطف العصيبة؛ فإن وقعت في طريق الغضب جوزت للسكران أي جناية فرضت وإن عظمت ما عظمت، وفظعت ما فظعت مما لا يستبيحه حتى السباع الضاريةَ، وإن وقعت في طريق الشهوة والبهيمية زينت للإِنسان أي شناعة وفجور في نفسه أو ماله أو عرضه وكل ما يحترمه ويقدسه من نواميس الدين وحدود المجتمع وغير ذلك من سرقة أو خيانة أو هتك محرم أو إفشاء سر أو ورود فيما فيه هلاك الإِنسانية، وقد دلَّ الإِحصاء على أن للخمر السهم الأوفر من أنواع الجنايات الحادثة وفي أقسام الفجورات الفظيعة في المجتمعات التي دار فيها شربها.
وأما الميسر وهو القمار فإنه يبطل في أيسر زمان مسعاة الإِنسان التي صرفها في اقتناء المال والثروة والوجاهة في أزمنة طويلة فيذهب به المال وربما تبعه العرض والنفس والجاه فإن تقمر وغلب وأحرز المال أداه ذلك إلى إبطال السير المعتدل في الحياة والتوسع في الملاهي والفجور، والكسل والتبطؤ عن الاشتغال بالمكسب واقتناء مواد الحياة من طرقها المشروعة، وإن كان هو المغلوب أداه فقدان المال وخيبة السعي إلى العداوة والبغضاء لقميره الغالب، والحسرة والحنق.
وهذه المفاسد وإن كانت لا تظهر للأذهان الساذجة البسيطة ذاك الظهور في النادر القليل والمرة والمرتين لكن النادر يدعو إلى الغالب، والقليل يهدي إلى الكثير والمرة تجر إلى المرات ولا تلبث إن لم تمنع من رأس أن تشيع في الملأ، وتسري إلى المجتمع فتعود بلوى همجية لا حكومة فيها إلاَّ للعواطف الطاغية والأهواء المردية.
فتبين من جميع ما تقدم أن الحصر في قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} راجع إلى مجموع المعدودات من حيث المجموع غير أن الصد عن ذكر الله وعن الصلاة من شأن الجميع، والعداوة والبغضاء يختصان بالخمر والميسر بحسب الطبع.
وفي إفراز الصلاة عن الذكر في قوله تعالى: {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} مع كون الصلاة من أفراد الذكر دلالة على مزيد الاهتمام بأمرها لكونها فرداً كاملاً من الذكر، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال:
"الصلاة عمود الدين" ، ودلالة القرآن الكريم في آيات كثيرة جداً على الاهتمام بأمر الصلاة بما لا مزيد عليه مما لا يتطرق إليه شك وفيها مثل قوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون } } [المؤمنون: 1ـ2] (إلى آخر الآيات)، وقوله تعالى: { والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين } [الأعراف: 170]، وقوله تعالى: { إن الإِنسان خلق هلوعاً * إذا مسّه الشر جزوعاً * وإذا مسّه الخير منوعاً، إلاَّ المصلين } } [المعارج: 19ـ22] الآيات، وقوله: { اتل ما أُوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } [العنكبوت: 45]، وقال تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله } [الجمعة: 9]، يريد به الصلاة وقال: { وأقم الصلاة لذكري } [طه: 14]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ذكر سبحانه أولاً ذكره وقدمه على الصلاة لأنها هي البغية الوحيدة من الدعوة الإِلهية، وهو الروح الحية في جثمان العبودية، والخميرة لسعادة الدنيا والآخرة؛ يدل على ذلك قوله تعالى لآدم أول يوم شرع فيه الدين:
{ قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً * ونحشره يوم القيامة أعمى } [طه: 123ـ124]، وقوله تعالى: { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً } [الفرقان: 17ـ18]، وقوله تعالى: { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلاَّ الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم } } [النجم: 29ـ30]. فالذكر في الآيات إنما هو ما يقابل نسيان جانب الربوبية المستتبع لنسيان العبودية وهو السلوك الديني الذي لا سبيل إلى إسعاد النفس بدونه قال تعالى: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } } [الحشر: 19]. وأما قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} فهو استفهام توبيخي فيه دلالة ما على أن المسلمين لم يكونوا ينتهون عن المناهي السابقة على هذا النهي، والآية أعني قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع} (الخ)، كالتفسير يفسر بها قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} أي إن النفع الذي فرض فيهما مع الإِثم ليس بحيث يمكن أن يفرز أحياناً من الإِثم أو من الإِثم الغالب عليه كالكذب الذي فيه إثم ونفع، وربما أفرز نفعه من إثمه كالكذب لمصلحة إصلاح ذات البين.
وذلك لمكان الحصر في قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} (الخ)، بعد قوله: {رجس من عمل الشيطان} فالمعنى أنها لا تقع إلاَّ رجساً من عمل الشيطان، وأن الشيطان لا يريد بها إلاَّ إيقاع العداوة والبغضاء بينكم في الخمر والميسر وصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فلا يصاب لها مورد يخلص فيه النفع عن الإِثم حتى تباح فيه، فافهم ذلك.
قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} إلى آخر الآية، تأكيد للأمر السابق باجتناب هذه الأرجاس أولاً بالأمر بطاعة الله سبحانه وبيده أمر التشريع، وثانياً بالأمر بطاعة الرسول وإليه الإِجراء، وثالثاً بالتحذير صريحاً.
ثم في قوله: {فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} تأكيد فيه معنى التهديد وخاصة لاشتماله على قوله: {فاعلموا} فإن فيه تلويحاً إلى أنكم إن توليتم واقترفتم هذه المعاصي فكأنكم ظننتم أنكم كابرتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نهيه عنها وغلبتموه، وقد جهلتم أو نسيتم أنه رسول من قبلنا ليس له من الأمر شيء إلاَّ بلاغ مبين لما يوحى إليه ويؤمر بتبليغه، وإنما نازعتم ربكم في ربوبيته.
وقد تقدم في أول الكلام أن الآيات تشتمل على فنون من التأكيد في تحريم هذه الأمور، وهي الابتداء بقوله: يا أيها الذين آمنوا، ثم الإِتيان بكلمة الحصر، ثم التوصيف بالرجس، ثم نسبتها إلى عمل الشيطان، ثم الأمر بالاجتناب صريحاً، ثم رجاء الفلاح في الاجتناب، ثم ذكر مفاسدها العامة من العداوة والبغضاء والصرف عن ذكر الله وعن الصلاة، ثم التوبيخ على عدم انتهائهم، ثم الأمر بطاعة الله ورسوله والتحذير عن المخالفة، ثم التهديد على تقدير التولي بعد البلاغ المبين.
قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} إلى آخر الآية الطعم والطعام هو التغذي، ويستعمل في المأكول دون المشروب، وهو في لسان المدنيين البرُ خاصة، وربما جاء بمعنى الذوق، ويستعمل حينئذٍ بمعنى الشرب كما يستعمل بمعنى الأكل قال تعالى:
{ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني } [البقرة: 249]، وفي بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في ماء زمزم: "إنه طعام طعم وشفاء سقم"
]. والآية لا تصلح بسياقها إلاَّ أن تتصل بالآيات السابقة فتكون دفع دخل تتعرض لحال المؤمنين ممن ابتلي بشرب الخمر قبل نزول التحريم أو قبل نزول هذه الآيات، وذلك أن قوله فيها: {فيما طعموا} مطلق غير مقيد بشيء مما يصلح لتقييده، والآية مسوقة لرفع الحظر عن هذا الطعام المطلق، وقد قيد رفع الحظر بقوله: {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} والمتيقن من معنى هذا القيد - وقد ذكر فيه التقوى ثلاث مرات - هو التقوى الشديد الذي هو حق التقوى.
فنفي الجناح للمؤمنين المتقين عن مطلق ما طعموا (الطعام المحلل) إن كان لغرض إثبات المفهوم في غيرهم أي إثبات مطلق المنع لغير أهل التقوى من سائر المؤمنين والكفار ناقضه أمثال قوله تعالى:
{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } [الأعراف: 32]، على أن من المعلوم من مذاق هذا الدين أنه لا يمنع أحداً عن الطيبات المحللة التي تضطر الفطرة إلى استباحتها في الحياة.
وإن لم تكن الآية مسوقة لتحريمه على غير من ذكر عاد المعنى إلى مثل قولنا: يجوز الطعام للذين آمنوا وعملوا الصالحات بشرط أن يتقوا ثم يتقوا، ثم يتقوا، ومن المعلوم أن الجواز لا يختص بالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل يعمهم وغيرهم، وعلى تقدير اختصاصه بهم لا يشترط فيه هذا الشرط الشديد.
ولا يخلو عن أحد هذين الإِشكالين جميع ما ذكروه في توجيه الآية بناء على حمل قوله: {فيما طعموا} على مطلق الطعام المحلل فإن المعنى الذي ذكروه لا يخرج عن حدود قولنا: لا جناح على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذا اتقوا المحرمات أن يطعموا المحللات، ولا يسلم هذا المعنى عن أحد الإِشكالين كما هو واضح.
وذكر بعضهم: أن في الآية حذفاً، والتقدير: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا المحارم، وفيه أنه تقدير من غير دليل مع بقاء المحذور على حاله.
وذكر بعضهم: أن الإِيمان والعمل الصالح جميعاً ليس بشرط حقيقي بل المراد بيان وجوب اتقاء المحارم فشرّك معه الإِيمان والعمل الصالح للدلالة على وجوبه، وفيه أن ظاهر الآية أنها مسوقة لنفي الجناح فيما طعموا، ولا شرط له من إيمان أو عمل صالح أو اتقاء محارم على ما تقدم، وما أبعد المعنى الذي ذكره عن ظاهر الآية.
وذكر بعضهم: أن المؤمن يصح أن يطلق عليه أنه لا جناح عليه، والكافر مستحق للعقاب فلا يصح أن يطلق عليه هذا اللفظ، وفيه أنه لا يصحح تخصيص المؤمنين بالذكر فليكن مثل قوله تعالى:
{ قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]، وقوله: { قل لا أجد فيما أُوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه إلاَّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً } } [الأنعام: 145]، حيث لم يذكر في الخطاب مؤمن ولا كافر، أو مثل قوله: { يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى } [الحجرات: 13] إلى قوله: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } } [الحجرات: 13]، حيث وجه الخطاب إلى الناس الشامل للمؤمن والكافر.
وذكر بعضهم: أن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة التحريم والتحليل فلذلك خص المؤمن بالذكر، وفيه ما في سابقه من الإِشكال مع أنه لا يرفع الإِشكال الناشئ من قوله: {إذا ما اتقوا} (الخ).
فالذي ينبغي أن يقال: إن الآية في معنى الآيات السابقة عليها على ما هو ظاهر اتصالها بها، وهي متعرضة لحال من ابتلي من المسلمين بشرب الخمر وطعمها، أو بالطعم لشيء منها أو مما اقتناه بالميسر أو من ذبيحة الأنصاب كأنهم سألوا بعد نزول التحريم الصريح عن حال من ابتلي بشرب الخمر، أو بها وبغيرها مما ذكره الله تعالى في الآية قبل نزول التحريم من إخوانهم الماضين أو الباقين المسلمين لله سبحانه في حكمه.
فاجيب عن سؤالهم أن ليس عليهم جناح إن كانوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إن كانوا جارين على صراط التقوى بالإِيمان بالله والعمل الصالح ثم الإِيمان بكل حكم نازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم الإِحسان بالعمل على طبق الحكم النازل.
وبذلك يتبين أن المراد بالموصول في قوله: {فيما طعموا} هو الخمر من حيث شربها أو جميع ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من حيث ما يصح أن يتعلق بها من معنى الطعم، والمعنى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ذاقوه قبل نزول التحريم من خمر أو منها ومن غيرها من المحرمات المذكورة.
وأما قوله: {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} فظاهر قوله: {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} أنه إعادة لنفس الموضوع المذكور في قوله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} للدلالة على دخالة الوصف في الحكم الذي هو نفي الجناح كقوله تعالى في خطاب المؤمنين:
{ ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، وهو شائع في اللسان.
وظاهر قوله: {ثم اتقوا وآمنوا} اعتبار الإِيمان بعد الإِيمان، وليس إلاَّ الإِيمان التفصيلي بكل حُكم حَكم مما جاء به الرسول من عند ربه من غير رد وامتناع، ولازمه التسليم للرسول فيما يأمر به وينهى عنه قال تعالى:
{ يا أيُّها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله } [الحديد: 28]، وقال تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلاَّ ليطاع بإذن الله } النساء: 64] إلى أن قال: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } [النساء: 65]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وظاهر قوله: {ثم اتقوا وأحسنوا} إضافة الإِحسان إلى الإِيمان بعد الإِيمان اعتباراً، والإِحسان هو إتيان العمل على وجه حسنه من غير نية فاسدة كما قال تعالى:
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } [الكهف: 30]، وقال: { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } [آل عمران: 172]، أي يكون استجابتهم ابتغاء لوجه الله وتسليماً لأمره لا لغرض آخر، ومن الإِحسان ما يتعدى إلى الغير، وهو أن يوصل إلى الغير ما يستحسنه، قال تعالى: { وبالوالدين إحساناً } [النساء: 36]، وقال: { وأحسن كما أحسن الله إليك } } [القصص: 77]. والمناسب لمورد الآية هو المعنى الأول من معنيي الإِحسان، وهو إتيان الفعل على جهة حسنه فإن التقوى الديني لا يوفى حقه بمجرد الإِيمان بالله وتصديق حقية دينه ما لم يؤمن تفصيلاً بكل واحد واحد من الأحكام المشرعة في الدين فإن رد الواحد منها رد لأصل الدين، ولا أن الإِيمان التفصيلي بكل واحد واحد يوفى به حق التقوى ما لم يحسن بالعمل بها وفي العمل بها بأن يجري على ما يقتضيه الحكم من فعل أو ترك، ويكون هذا الجري ناشئاً من الانقياد والاتباع لا عن نية نفاقية فمن الواجب على المتزود بزاد التقوى أن يؤمن بالله ويعمل صالحاً، وأن يؤمن برسوله في جميع ما جاء به، وأن يجري في جميع ذلك على نهج الاتباع والإِحسان.
وأما تكرار التقوى ثلاث مرات، وتقييد المراتب الثلاث جميعاً به فهو لتأكيد الإِشارة إلى وجوب مقارنة المراتب جميعاً للتقوى الواقعي من غير غرض آخر غير ديني، وقد مرَّ في بعض المباحث السابقة أن التقوى ليس مقاماً خاصاً دينياً بل هو حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية أي إن لكل مقام معنوي تقوى خاصاً يختص به.
فتلخص من جميع ما مرَّ أن المراد بالآية أعني قوله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} إلى آخر الآية، أنه لا جناح على الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما ذاقوه من خمر أو غيره من المحرمات المعدودة بشرط أن يكونوا ملازمين للتقوى في جميع أطوارهم ومتلبسين بالإِيمان بالله ورسوله، ومحسنين في أعمالهم عاملين بالواجبات وتاركين لكل محرم نهوا عنه فإن اتفق لهم أن ابتلوا بشيء من الرجس الذي هو من عمل الشيطان قبل نزول التحريم أو قبل وصوله إليهم أو قبل تفقههم به لم يضرهم ذلك شيئاً.
وهذا نظير قوله تعالى في آيات تحويل القبلة في جواب سؤالهم عن حال الصلوات التي صلوها إلى غير الكعبة:
{ وما كان الله ليضيع إيمانكم } } [البقرة: 143]. وسياق هذا الكلام شاهد آخر على كون هذه الآية: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} الخ، متصلة بما قبلها من الآيات وانها نازلة مع تلك الآيات التي لسانها يشهد أنها آخر الآيات المحرمة للخمر نزولاً، وأن بعض المسلمين كما يشعر به لسان الآيات - على ما استفدناه آنفاً - لم يكونوا منتهين عن شربها ما بين الآيات السابقة المحرمة وبين هذه الآيات.
ثم وقع السؤال بعد نزول هذه الآيات عن حال من ابتلي بذلك وفيهم من ابتلي به قبل نزول التحريم، ومن ابتلي به قبل التفقه، ومن ابتلي به لغير عذر فاجيبوا بما يتعين به لكل طائفة حكم مسألته بحسب خصوص حاله، فمن طعمها وهو على حال الإِيمان والإِحسان، ولا يكون إلاَّ من ذاقها من المؤمنين قبل نزول التحريم أو جهلاً به فليس عليه جناح، ومن ذاقها على غير هذا النعت فحكمه غير هذا الحكم.
وللمفسرين في الآية أبحاث طويلة، منها ما يرجع إلى قوله: {فيما طعموا} وقد تقدم خلاصة الكلام في ذلك.
ومنها ما يرجع إلى ذيل الآية من حيث تكرر التقوى فيه ثلاث مرات، وتكرر الإِيمان وتكرر العمل الصالح وختمها بالإِحسان.
فقيل: إن المراد بقوله: {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} اتقوا المحرم وثبتوا على الإِيمان والأعمال الصالحة، وبقوله: {ثم اتقوا وآمنوا} ثم اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر وآمنوا بتحريمه، وبقوله: {ثم اتقوا وأحسنوا} ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي واشتغلوا بالأعمال الجميلة.
وقيل: إن هذا التكرار باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإِنسان التقوى والإِيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله تعالى، والإِحسان على هذا هو الإِحسان إلى الناس ظاهراً.
وقيل: إن التكرار باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ والوسط والمنتهى، وهو حق التقوى.
وقيل: التكرار باعتبار ما يتقى فإنه ينبغي أن تترك المحرمات توقياً من العقاب، والشبهات تحرزاً عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظاً للنفس عن الخسة، وتهذيباً عن دنس الطبيعة.
وقيل: إن الاتقاء الأول اتقاء عن شرب الخمر والإِيمان الأول هو الإِيمان بالله، والاتقاء الثاني هو إدامة الاتقاء الأول والإِيمان الثاني إدامة الإِيمان الأول، والاتقاء الثالث هو فعل الفرائض، والإِحسان فعل النوافل.
وقيل: إن الاتقاء الأول اتقاء المعاصي العقلية، والإِيمان الأول هو الإِيمان بالله وبقبح هذه المعاصي، والاتقاء الثاني اتقاء المعاصي السمعية والإِيمان الثاني هو الإِيمان بوجوب اجتناب هذه المعاصي، والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد وما يتعلق بالغير من الظلم والفساد، والمراد بالإِحسان الإِحسان إلى الناس.
وقيل: إن الشرط الأول يختص بالماضي، والشرط الثاني بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد، إلى غير ذلك من أقوالهم.
وجميع ما ذكروه مما لا دليل عليه من لفظ الآية أو غيرها يوجب حمل الآية عليه، وهو ظاهر بالتأمل في سياق القول فيها والرجوع إلى ما قدمناه.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: بينا حمزة بن عبد المطلب وأصحاب له على شراب لهم يقال له السكركة. قال: فتذاكروا الشريف فقال لهم حمزة: كيف لنا به؟ فقالوا: هذه ناقة ابن أخيك علي، فخرج إليها فنحرها ثم أخذ كبدها وسنامها فأدخل عليهم، قال: وأقبل علي عليه السلام فأبصر ناقته فدخله من ذلك، فقالوا له: عمك حمزة صنع هذا، قال: فذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكا ذلك إليه.
قال: فأقبل معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لحمزة: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالباب، قال: فخرج حمزة وهو مغضب فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغضب في وجهه انصرف قال: فقال له حمزة: لو أراد ابن أبي طالب أن يقودك بزمام فعل، فدخل حمزة منزله وانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: وكان قبل أُحد، قال: فأنزل الله تحريم الخمر فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآنيتهم فاكفئت، قال: فنودي في الناس بالخروج إلى أُحد فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرج الناس وخرج حمزة فوقف ناحية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فلما تصافحوا حمل في الناس حتى غيب فيهم، ثم رجع إلى موقفه، فقال له الناس: الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شيء، قال: ثم حمل الثانية حتى غيب في الناس ثم رجع إلى موقفه فقالوا له: الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شيء.
فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآه نحوه أقبل مقبلاً إليه فعانقه وقبَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين عينيه ثم قال: احمل على الناس فاستشهد حمزة، وكفنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تمرة.
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: نحو من سرياني هذا، فكان إذا غطى وجهه انكشف رجلاه وإذا غطى رجلاه انكشف وجهه قال: فغطى بها وجهه، وجعل على رجليه اذخر.
قال فانهزم الناس وبقي علي عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما صنعت؟ قال: يا رسول الله لزمت الأرض فقال: ذلك الظن بك، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أنجز لي يا رب ما وعدتني فإنك إن شئت لم تعبد"
]. وعن الزمخشري في ربيع الأبرار قال: أُنزل في الخمر ثلاث آيات: {يسألونك عن الخمر والميسر} فكان المسلمون بين شارب وتارك إلى أن شربها رجل فدخل في صلاته فهجر فنزل: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فشربها من شربها من المسلمين حتى شربها عمر فأخذ لحى بعير فشج رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يغفر:

وكايــــن بالقليـب قليب بـدر مـن القنيات والشرب الكرام
وكايـــن بالقليـــب قليب بـدر من الســرى المكامل بالسنام
أيوعدنـــا ابن كبشة أن نحيّى وكيـــف حيـــاة أصداء وهام
أيعجـــز أن يرد الموت عني وينشرنـــي إذا بليـت عظامي
ألا مــن مبلــغ الرحمن عني بأنــي تارك شهـــــر الصيام
فقــــل لله: يمنعنـــي شرابـي وقل لله: يمنعنــي طعامـــــي

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج مغضباً يجر رداءه فرفع شيئاً كان في يده ليضربه، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فأنزل الله سبحانه وتعالى: {إنما يريد الشيطان} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} فقال عمر: انتهينا.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص قال: في نزل تحريم الخمر؛ صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا فأتاه ناس فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر، وذلك قبل أن تحرم الخمر فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار: خير، وقالت قريش: قريش خير، فأهوى رجل بلحى جزور فضرب على أنفي ففزره - فكان سعد مفزور الأنف - قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فنزلت هذه الآية: {يا أيُّها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى آخر الآية.
أقول: والروايات في القصص التي أعقبت تحريم الخمر في الإِسلام كثيرة من طرق الجمهور على ما فيها من الاختلاف الشديد.
أما هؤلاء الذين ذكر منهم الشرب من الصحابة فلا شأن لنا في البحث عنهم فيما نحن بصدده من البحث المرتبط بالتفسير غير أن هذه الروايات تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق: أن في الآيات إشعاراً أو دلالة على أن رهطاً من المسلمين ما تركوا شرب الخمر بعد نزول آية البقرة حتى نزلت آية المائدة.
نعم ورد في بعض الروايات أن علياً عليه السلام وعثمان بن مظعون كانا قد حرما الخمر على أنفسهما قبل نزول التحريم، وقد ذكر في الملل والنحل رجالاً من العرب حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، وقد وفق الله سبحانه بعض هؤلاء أن أدرك الإِسلام ودخل فيه، منهم عامر بن الظرب العدواني، ومنهم قيس بن عامر التميمي وقد أدرك الإِسلام، ومنهم صفوان بن أُمية بن محرث الكناني وعفيف بن معدي كرب الكندي والاسلوم اليامي وقد حرم الزنا والخمر معاً، وهؤلاء آحاد من الرجال جرى كلمة الحق على لسانهم، وأما عامتهم في الجاهلية كعامة أهل الدنيا يومئذٍ إلاَّ اليهود فقد كانوا يعتادون شربها من غير بأس حتى حرمها الله سبحانه في كتابه.
والذي تفيده آيات الكتاب العزيز أنها حرمت في مكة قبل الهجرة كما يدل عليه قوله تعالى:
{ قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإِثم والبغي } [الأعراف: 33] والآية مكية، وإذا انضمت إلى قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [البقرة: 219]، وهي آية مدنية نازلة في أوائل الهجرة لم يبق شك في ظهور حرمتها للمسلمين يومئذٍ، وإذا تدبرنا في سياق آيات المائدة، وخاصة فيما يفيده قوله: {فهل أنتم منتهون} وقوله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا} الآية، انكشف أن ما ابتلي به رهط منهم من شربها فيما بين نزول آية البقرة وآية المائدة إنما كان كالذنابة لسابق العادة السيئة نظير ما كان من النكاح في ليلة الصيام عصياناً حتى نزل قوله تعالى: { أُحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم } } [البقرة: 187]. فقد تبيّن أن في هذه الروايات كلاماً من وجهين:
احدهما: من جهة اختلافها في تاريخ تحريم الخمر فقد مرّ في الرواية الأولى أنها قبيل غزوة أُحد، وفي بعض الروايات: أن ذلك بعد غزوة الأحزاب لكن الأمر في ذلك سهل في الجملة لإِمكان حملها على كون المراد بتحريم الخمر فيها نزول آية المائدة وإن لم يوافقه لفظ بعض الروايات كل الموافقة.
وثانيهما: من جهة دلالتها على أن الخمر لم تكن بمحرمة قبل نزول آية المائدة أو انها لم تظهر حرمتها قبلئذٍ للناس وخاصة للصحابة مع صراحة آية الأعراف المحرمة للإِثم وآية البقرة المصرحة بكونها إثماً، وهي صراحة لا تقبل تأويلاً.
بل من المستبعد جداً أن تنزل حرمة الإِثم بمكة قبل الهجرة في آية تتضمن جمل المحرمات أعني قوله:
{ قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإِثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 33]، ثم يمر عليه زمان غير يسير، ولا يستفسر المؤمنون معناه من نبيهم ولا يستوضحه المشركون وأكبر همهم النقض والاعتراض على كتاب الله مهما توهموا إليه سبيلاً.
بل المستفاد من التاريخ أن تحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخمر كتحريمه الشرك والزنا كان معروفاً عند المشركين يدل على ذلك ما رواه ابن هشام في السيرة عن خلاد بن قرة وغيره من مشائخ بكر بن وائل من أهل العلم: أن أعشى بني قيس خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإِسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبـت كمـا بات السليم مسهداً

(القصيدة)
فلما كان بمكة أو قريباً منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال له: يا أبا بصير فإنه يحرم الزنا فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من إرب، فقال له: يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر فقال الأعشى: أما هذه فإن في النفس منها لعُلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فاسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلا يبقى لهذه الروايات إلاَّ أن تحمل على استفادتهم ذلك باجتهادهم في الآيات مع الذهول عن آية الأعراف، وللمفسرين في تقريب معنى هذه الروايات توجيهات غريبة.
وبعد اللتيا والتي فالكتاب نص في تحريم الخمر في الإِسلام قبل الهجرة، ولم تنزل آية المائدة إلاَّ تشديداً على الناس لتساهلهم في الانتهاء عن هذا النهي الإِلهي وإقامة حكم الحرمة.
وفي تفسير العياشي: عن هشام عن الثقة رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه قيل له: روي عنكم: أن الخمر والأنصاب والأزلام رجال؟ فقال: ما كان ليخاطب الله خلقه بما لا يعقلون.
وفيه: عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أُتي عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر وقامت عليه البينة فسأل عليّاً فأمره أن يجلده ثمانين جلدة، فقال قدامة: يا أمير المؤمنين ليس عليَّ حد أنا من أهل هذه الآية: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} فقرأ الآية حتى استتمها فقال له علي عليه السلام: كذبت لست من أهل هذه الآية ما طعم أهلها فهو حلال لهم، وليس يأكلون ولا يشربون إلاَّ ما يحل لهم.
أقول: وروى هذا المعنى أيضاً عن أبي الربيع عنه عليه السلام، ورواه أيضاً الشيخ في التهذيب بإسناده عن ابن سنان عنه عليه السلام، وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضاً.
وقوله عليه السلام: [ما طعم أهلها فهو حلال لهم، الخ] منطبق على ما قررناه في البيان السابق من معنى الآية فراجع.
وفي تفسير الطبري عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية، فتركوها ثم نزلت: {تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} فشربوها ثم نزلت الآيتان في المائدة: {إنما الخمر والميسر} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون}.
أقول: ظاهره نسخ آية النحل لآية البقرة ثم نسخ آيتي المائدة لآية النحل، وأنت لا تحتاج في القضاء على بطلانه إلى بيان زائد.
وفي الكافي والتهذيب بإسنادهما عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما بعث الله نبياً قط إلاَّ وفي علم الله أنه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم يزل الخمر حراماً وإنما ينقلون من خصلة ثم خصلة، ولو حمل ذلك جملة عليهم لقطع بهم دون الدين، قال: وقال أبو جعفر عليه السلام: ليس أحد أرفق من الله تعالى فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ولو حمل عليهم جملة لهلكوا.
وفي الكافي بإسناده عن عمرو بن شمر عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ قال: كلما تقمرت به حتى الكعاب والجوز، قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم قيل: فما الأزلام؟ قال: قداحهم التي يستقسمون بها.
وفيه: بإسناده عن عطاء بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر"
]. أقول: والرواية مروية من طرق أهل السنة أيضاً عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولفظها: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام رواها البيهقي وغيره، وقد استفاضت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بأن كل مسكر حرام، وأن كلما يقامر عليه فهو ميسر.
وفي تفسير العياشي: عن أبي الصباح عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: سألته عن النبيذ والخمر بمنزلة واحدة هما؟ قال: لا، إن النبيذ ليس بمنزلة الخمر، إن الله حرم الخمر قليلها وكثيرها كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، وحرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأشربة المسكر، وما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد حرم الله.
وفي الكافي والتهذيب بإسنادهما عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: إن الله لم يحرم الخمر لاثمها ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبتها عاقبة الخمر فهو خمر، وفي رواية: فما فعل فعل الخمر فهو خمر.
أقول: والأخبار في ذم الخمر والميسر من طرق الفريقين فوق حد الإِحصاء من أراد الوقوف عليها فعليه بجوامع الحديث.