التفاسير

< >
عرض

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
١٥١
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
١٥٢
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٥٣
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١٥٤
وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٥٥
أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ
١٥٦
أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ
١٥٧
-الأنعام

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تبين الآيات المحرمات العامة التي لا تختص بشريعة من الشرائع الإِلهية، وهي الشرك بالله، وترك الإِحسان بالوالدين، واقتراف الفواحش، وقتل النفس المحترمة بغير حق ويدخل فيه قتل الأولاد خشية إملاق واقتراب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وعدم إيفاء الكيل والميزان بالقسط، والظلم في القول، وعدم الوفاء بعهد الله، واتباع غير سبيل الله المؤدي إلى الاختلاف في الدين.
ومن شواهد أنها شرائع عامة أنا نجدها فيما نقله الله سبحانه من خطابات الأنبياء أُممهم في تبليغاتهم الدينية كالذي نقل من نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام، وقد قال تعالى:
{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [الشورى: 13] ومن ألطف الإِشارة التعبير عما أُوتى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام بالتوصية ثم التعبير في هذه الآيات الثلاث التي تقص أصول المحرمات الإِلهية أيضاً بالتوصية حيث قال: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.
على أن التأمل فيها يعطي أن الدين الإِلهي لا يتم أمره ولا يستقيم حاله بدون شيء منها وإن بلغ من الإِجمال والبساطة ما بلع وبلغ الإِنسان المنتحل به من السذاجة ما بلغ.
قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً} قيل: تعال مشتق من العلو وهو أمر بتقدير أن الأمر في مكان عال وإن لم يكن الأمر على ذلك بحسب الحقيقة، والتلاوة قريب المعنى من القراءة، وقوله: {عليكم} متعلق بقوله: {أتل} أو قوله: {حرم} على طريق التنازع في المتعلق، وربما قيل: إن {عليكم} اسم فعل بمعنى خذوا وقوله: {أن لا تشركوا} معموله والنظم: عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالولدين إحساناً "الخ"، وهو خلاف ما يسبق إلى الذهن من السياق.
ولما كان قوله: {تعالوا أتل ما حرم} الخ، دعوة إلى التلاوة وضع في الكلام عين ما جاء به الوحي في مورد المحرمات من النهي في بعضها والأمر بالخلاف في بعضها الآخر فقال: {أن لا تشركوا به شيئاً} كما قال: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} {ولا تقربوا الفواحش} الخ، وقال: {وبالوالدين إحساناً} كما قال: {وأوفوا الكيل والميزان} {وإذا قلتم فاعدلوا} الخ.
وقد قدم الشرك على سائر المحرمات لأنه الظلم العظيم الذي لا مطمع في المغفرة الإِلهية معه قال:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 116] وإليه ينتهي كل معصيه كما ينتهي إلى التوحيد بوجه كل حسنة.
قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} أي أحسنوا بالوالدين إحساناً، وفي المجمع: أي وأوصى بالوالدين إحساناً، ويدل على ذلك أن في "حرم كذا" معنى أوصى بتحريمه وأمر بتجنبه. انتهى.
وقد عدّ في مواضع من القرآن الكريم إحسان الوالدين تالياً للتوحيد ونفي الشرك فأمر به بعد الأمر بالتوحيد أو النهي عن الشرك به كقوله:
{ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً } [الإسراء: 23] وقوله: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإِنسان بوالديه } [لقمان: 13] وغير ذلك من الآيات.
ويدل ذلك على أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب أو هو أعظمها بعد الشرك بالله العظيم، والاعتبار يهدي إلى ذلك فإن المجتمع الإِنساني الذي لا يتم للإِنسان دونه حياة ولا دين هو أمر وضعي اعتباري لا يحفظه في حدوثه وبقائه إلا حب النسل الذي يتكئ على رابطة الرحمة المتكونة في البيت القائمة بالوالدين من جانب وبالأولاد من جانب آخر، والأولاد إنما يحتاجون إلى رحمتهما وإحسانهما في زمان تتوق أنفسهما إلى نحو الأولاد بحسب الطبع، وكفى به داعياً ومحرضاً لهما إلى الإِحسان إليهم بخلاف حاجتهم إلى رأفة الأولاد ورحمتهم فإنها بالطبع يصادف كبرهما ويوم عجزهما عن الاستقلال بالقيام بواجب حياتهما وشباب الأولاد وقوتهم على ما يعنيهم.
وجفاء الأولاد للوالدين وعقوقهم لهما يوم حاجتهما إليهم ورجائهما منهم وانتشار ذلك بين النوع يؤدي بالمقابلة إلى بطلان عاطفة التوليد والتربية، ويدعو ذلك من جهة إلى ترك التناسل وانقطاع النسل، ومن جهة إلى كراهية تأسيس البيت والتكاهل في تشكيل المجتمع الصغير، والاستنكاف عن حفظ سمة الابوة والأمومة، وينجر إلى تكون طبقة من الذرية الإِنسانية لا قرابة بينهم ولا أثر من رابطه الرحم فيهم، ويتلاشى عندئذ أجزاء المجتمع، ويتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، ويفسد أمرهم فساداً لا يصلحه قانون جار ولا سنة دائرة، ويرتحل عنهم سعادة الدنيا والآخرة، وسنقدم إليك بحثاً إضافياً في هذه الحقيقة الدينية إن شاء الله.
قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} الإِملاق الإِفلاس من المال والزاد ومنه التملق، وقد كان هذا كالسنة الجارية بين العرب في الجاهلية لتسرع الجدب والقحط إلى بلادهم فكان الرجل إذا هدّده الإِفلاس بادر إلى قتل أولاده تأنفاً من أن يراهم على ذلة العدم والجوع.
وقد علل النهي بقوله: {نحن نرزقكم وإياهم} أي إنما تقتلونهم مخافه أن لا تقدروا على القيام بأمر رزقهم ولستم برازقين لهم بل الله يرزقكم وإياهم جميعاً فلا تقتلوهم.
قوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} الفواحش جمع فاحشة وهي الأمر الشنيع المستقبح، وقد عدّ الله منها في كلامه الزنا واللواط وقذف المحصنات، والظاهر أن المراد مما ظهر ومما بطن العلانية والسر كالزنا العلني واتخاذ الأخدان والأخلاء سراً.
وفي استباحة الفاحشة إبطال فحشها وشناعتها، وفي ذلك شيوعها لأنها من أعظم ما تتوق إليه النفس الكارهة لأن يضرب عليها بالحرمان من ألذ لذائذها وتحجب عن أعجب ما تتعلق به وتعزم به شهوتها، وفي شيوعها انقطاع النسل وبطلان المجتمع البيتي وفي بطلانه بطلان المجتمع الكبير الإِنساني، وسوف نستوفي هذا البحث إن شاء الله فيما يناسبه من المحل.
وكذلك استباحة القتل وما في تلوه من الفحشاء إبطال للأمن العام وفي بطلانه انهدام بنية المجتمع الإِنساني وتبدد أركانه.
قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} أي حرم الله قتلها أو حرمها بالحرمة المشرعة لها التي تقيها وتحميها من الضيعة في دم أو حق، قيل: إنه تعالى أعاد ذكر القتل وإن كان داخلاً في الفواحش تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره، ونظيره الكلام في قتل الأولاد خشية الإِملاق اختص بالذكر عناية به، وقد كانت العرب يفعل ذلك بزعمهم أن خشية الإِملاق تبيح للوالد أن يقتل أولادة، ويصان به ماء وجهه من الابتذال، والابوة عندهم من أسباب الملك.
وقد استثنى الله تعالى من جهة قتل النفس المحترمة التي هي نفس المسلم والمعاهد قتلها بالحق وهو القتل بالقود والحد الشرعي.
ثم أكد تحريم المذكورات في الآية بقوله: {ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} سيجيء الوجه في تعليل هذه المناهي الخمس بقوله: {لعلكم تعقلون}.
قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} النهي عن القرب للدلالة على التعميم فلا يحل أكل ماله ولا استعماله ولا أي تصرف فيه إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق المتصورة لحفظه، ويمتد هذا النهي وتدوم الحرمة إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغ أشده لم يكن يتيماً قاصراً عن إدارة ماله وكان هو المتصرف في مال نفسه من غير حاجة بالطبع إلى تدبير الولي لماله.
ومن هنا يظهر أن المراد ببلوغه أشده هو البلوغ والرشد كما يدل عليه أيضاً قوله:
{ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا } [النساء: 6]. ويظهر أيضاً أنه ليس المراد بتحديد حرمة التصرف في مال اليتيم بقوله: {حتى يبلغ أشده} رفع الحرمة بعد بلوغ الأشد وإباحة التصرف حينئذ بل المراد بيان الوقت الذي يصلح للاقتراب من ماله، وارتفاع الموضوع بعده فإن الكلام في معنى: وأصلحوا مال اليتيم الذي لا يقدر على إصلاح ماله وإنمائه حتى يكبر ويقدر.
قوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها} الإِيفاء بالقسط هو العمل بالعدل فيهما من غير بخس وقوله: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} بمنزلة دفع الدخل كأنه قيل: إن الإِيفاء بالقسط والوقوع في العدل الحقيقي الواقعي لا يمكن للنفس الإِنسانية التي لا مناص لها عن أن تلتجئ في أمثال هذه الأمور إلى التقريب فأجيب بأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها، ومن الجائز أن يتعلق قوله: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} بالحكمين جميعاً أعني قوله: {ولا تقربوا مال اليتيم} الخ، وقوله: {وأوفوا الكيل والميزان}.
قوله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} ذكر ذي القربى وهو الذي تدعو عاطفة القرابة والرحم إلى حفظ جانبه وصيانته من وقوع الشر والضرر في نفسه وماله يدل على أن المراد بالقول هو القول الذي يمكن أن يترتب عليه انتفاع الغير أو تضرره كما أن ذكر العدل في القول يؤيد ذلك، ويدل على أن هناك ظلماً، وإن القول متعلق ببعض الحقوق كالشهادة والقضاء والفتوى ونحو ذلك.
فالمعنى: وراقبوا أقوالكم التي فيها نفع أو ضرر للناس واعدلوا فيها، ولا يحملنكم رحمة أو رأفة أو أي عاطفة على أن تراعوا جانب أحد فتحرّفوا الكلام وتجاوزوا الحق فتشهدوا أو تقضوا بما فيه رعاية لجانب من تحبونه وإبطال حق من تكرهونه.
قال في المجمع: وهذا من الأوامر البليغة التي يدخل فيها مع قلة حروفها الأقارير والشهادات، والوصايا، والفتاوى، والقضايا، والأحكام، والمذاهب، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
قوله تعالى: {وبعهد الله أوفوا} قال الراغب في المفردات: العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال. انتهى. ولذا يطلق على الفرامين والتكاليف المشرّعة والوظائف المحولة وعلى العهد الذي هو الموثق وعلى النذر واليمين.
وكثرة استعماله في القرآن الكريم في الفرامين الإِلهية وإضافته في الآية إلى الله سبحانه، ومناسبة المورد وفيه بيان الأحكام والوصايا الإِلهية كل ذلك يؤيد أن يكون المراد بقوله: {وبعهد الله أوفوا} التكاليف الدينية الإِلهية، وإن كان من الممكن أن يكون المراد بالعهد هو الميثاق المعقود بمثل قولنا: عاهدت الله على كذا وكذا، قال تعالى:
{ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً } [الإسراء: 34] فيكون إضافته إلى الله نظير إضافة الشهادة إليه في قوله: { ولا نكتم شهادة الله } [المائدة: 106] للإِشارة إلى أن المعاملة فيه معه سبحانه. ثم أكد التكاليف المذكورة في الآية بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}.
قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} إلى آخر الآية. قرئ: {وأن} بفتح الهمزة وتشديد النون وتخفيفها وكأنه بالعطف على موضع قوله: {أن لا تشركوا به شيئاً} وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف.
والذي يعطيه سياق الآيات أن يكون مضمون هذه الآية أحد الوصايا التي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتلوها عليهم ويخبرهم بها حيث قيل: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}، ولازم ذلك أن يكون قوله: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} مسوقاً لا لتعلق الغرض به بنفسه لأن كليات الدين قد تمت في الآيتين السابقتين عليه بل ليكون توطئه وتمهيداً لقوله بعده: {ولا تتبعوا السبل} كما أن هذه الجملة بعينها كالتوطئة لقوله: {فتفرق بكم عن سبيله} فالمراد بالآية أن لا تتفرقوا عن سبيله ولا تختلفوا فيه، فتكون الآية مسوقة سوق قوله:
{ شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [الشورى: 13] فالأمر في الآية بإقامة الدين هو ما وصى من الدين المشروع كأنه أُعيد ليكون تمهيداً للنهي عن التفرق بالدين.
فالمعنى: ومما حرم ربكم عليكم ووصاكم به أن لا تتبعوا السبل التي دون هذا الصراط المستقيم الذي لا يقبل التخلف والاختلاف وهي غير سبيل الله فإن اتباع السبل دونه يفرقكم عن سبيله فتختلفون فيه فتخرجون من الصراط المستقيم إذ الصراط المستقيم لا اختلاف بين أجزائه ولا بين سالكيه.
ومقتضى ظاهر السياق أن يكون المراد بقوله: {صراطي} صراط النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه هو الذي يخاطب الناس بهذه التكاليف عن أمر من ربه إذ يقول: {قل تعالوا أتل} الخ، فهو المتكلم معهم المخاطب لهم، والله سبحانه في الآيات مقام الغيبة حتى في ذيل هذه الآية إذ يقول: {فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم} به ولا ضير في نسبة الصراط المستقيم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد نسب الصراط المستقيم إلى جمع من عباده الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في قوله:
{ اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 5 - 6]. لكن المفسرين كأنهم تسلموا أن ضمير التكلم في قوله: {صراطي} لله سبحانه ففي الآية نوع من الالتفات لكن لا في قوله: {صراطي} بل في قوله: {عن سبيله} فإن معنى الآية: تعالوا أتل عليكم ما وصاكم به ربكم وهو أنه يقول لكم: {إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} أو وصيته {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} فالالتفات - كما مر - إنما هو في قوله: {عن سبيله}.
وكيف كان فهو تعالى في الآية يسمي ما ذكره من كليات الدين بأنه صراطه المستقيم الذي لا تخلف في هداية سالكيه وإيصالهم إلى المقصد ولا اختلاف بين أجزائه ولا بين سالكيه ما داموا عليه فلا يتفرقون البتة ثم ينهاهم عن اتباع سائر السبل فإن من شأنها إلقاء الخلاف والتفرقة لأنها طرق الأهواء الشيطانية التي لا ضابط يضبطها بخلاف سبيل الله المبني على الفطرة والخلقة ولا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. ثم أكد سبحانه حكمه في الآية بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.
وقد اختلفت الخواتيم في الآيات الثلاث فختمت الآية الأولى بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} والثانية بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} والثالثة بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.
ولعل الوجه في ذلك أن الأمور المذكورة في الآية الأولى وهي الشرك بالله العظيم وعقوق الوالدين وقتل الأولاد من إملاق وقربان الفواحش الشنيعة وقتل النفس المحترمة من غير حق مما تدرك الفطرة الإِنسانية حرمتها في بادئ نظرها ولا يجترئ عليها الإِنسان الذي يتميز من سائر الحيوان بالعقل إلا إذا اتبع الأهواء وأحاطت به العواطف المظلمة التي تضرب بحجاب ثخين دون العقل. فمجرد الاعتصام بعصمة العقل في الجملة والخروج عن خالصة الأهواء يكشف للإِنسان عن حرمتها وشآمتها على الإِنسان بما هو إنسان، ولذلك ختمت بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تعقلون}.
وما ذكر منها في الآية الثانية وهي الاجتناب عن مال اليتيم، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط، والعدل في القول، والوفاء بعهد الله أُمور ليست بمثابة ما تليت في الآية الأولى من الظهور بل يحتاج الإِنسان مع تعبيه بالعقل في إدراك حالها إلى التذكر وهو الرجوع إلى المصالح والمفاسد العامة المعلومة عند العقل الفطري حتى يدرك ما فيها من المفاسد الهادمة لبنيان مجتمعه المشرفة به وبسائر بني نوعه إلى التهلكة فما ذا يبقى من الخير في مجتمع إنساني لا يرحم فيه الصغير والضعيف، ويطفف فيه الكيل والوزن، ولا يعدل فيه في الحكم والقضاء، ولا يصغى فيه إلى كلمة الحق، ولهذه النكتة ختمت الآية بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}.
والغرض المسوق له الآية الثالثة هو النهي عن التفرق والاختلاف في الدين باتباع سبل غير سبيل الله، واتباع هاتيك السبل من شأنه أن التقوى الديني لا يتم إلا بالاجتناب عنه.
وذلك أن التقوى الديني إنما يحصل بالتبصر في المناهي الإِلهية والورع عن محارمه بالتعقل والتذكر، وبعبارة أُخرى بالتزام الفطرة الإِنسانية التي بني عليها الدين، وقد قال تعالى:
{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 7 - 8] وقد وعد الله المتقين إن اتقوا يمددهم بما يتضح به سبيلهم ويفرق به بين الحق والباطل عندهم فقال: { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } [الطلاق: 2] وقال: { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } [الأنفال: 29]. فهو على صراط التقوى ما دام ملازماً لطريق التعقل والتذكر جارياً على مجرى الفطرة، وإذا انحرف إلى الخارج من هذا الصراط وليس إلا اتباع الأهواء والإِخلاد إلى الأرض والاغترار بزينة الحياة الدنيا جذبته الأهواء والعواطف إلى الاسترسال والعكوف على مخالفة العقل السليم وترك التقوى الديني من غير مبالاة بما يهدده من شؤم العاقبة كالسكران لا يدري ما يفعل ولا ما يفعل به.
والأهواء النفسانية مختلفة لا ضابط يضبطها ولا نظام يحكم عليها يجتمع فيه أهلها ولذلك لا تكاد ترى اثنين من أهل الأهواء يتلازمان في طريق أو يتصاحبان إلى غاية، وقد عد الله سبحانه لهم في كلامه سبلاً شتى كقوله:
{ ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55] وقوله: { ولا تتبع سبيل المفسدين } [الأعراف: 142] وقوله: { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } [يونس: 89] وقوله في المشركين: { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } [النجم: 23] وأنت إن تتبعت آيات الهدى الضلال والاتباع والإِطاعة وجدت في هذا المعنى شيئاً كثيراً.
وبالجملة التقوى الديني لا يحصل بالتفرق والاختلاف، والورود في أي مشرعة شرعت، والسلوك من أي واد لاح لسالكه بل بالتزام الصراط المستقيم الذي لا تخلف فيه ولا اختلاف فذلك هو الذي يرجى معه التلبس بلباس التقوى، ولذلك عقب الله سبحانه قوله: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} بقوله: {ذٰلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.
وقال في روح المعاني: وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه: {لعلكم تعقلون} وهذه - يعني الثانية - بقوله: {لعلكم تذكرون} لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان، قاله القطب الرازي. انتهى.
وأنت خبير بأن الذي ذكره من اتصافهم بحفظ أموال اليتامى وإيفاء الكيل والعدل في القول لا يوافق ما ضبط التاريخ من خصال عرب الجاهلية، على أن الذي فسر به التذكر إنما هو معنى الذكر دون التذكر في عرف القرآن.
ثم قال: وقال الإِمام - يعني الرازي - في التفسير الكبير: السبب في ختم كل آية بما ختمت أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذة الآية - يعني الثانية - أُمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضوع الاعتدال وهو التذكر. انتهى.
وما ذكره من الوجه قريب المأخذ مما قدمناه غير أن الأمور الأربعة المذكورة في الآية الثانية مما يناله الإِنسان بأدنى تأمل، وليست بذاك الخفاء والغموض الذي وصفه، ولذا التجأ إلى إرجاع التذكر إلى الوقوف على حد الاعتدال فيها دون أصلها فأفسد بذلك معنى الآية فإن مقتضى السياق رجوع رجاء التذكر إلى أصل ما وصي به فيها، والذى يحتاج منها بحسب الطبع إلى الوقوف حد اعتداله هما الأمران الأولان أعني قربان مال اليتيم وإيفاء الكيل والوزن، وقد تدورك أمرهما بقوله: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} فافهم ذلك.
ثم قال في الآية الثالثة: قال أبو حيّان: ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف وأمر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق ختم ذلك بالتقوى التي هي اتقاء النار إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية انتهى.
وهو مبني على جعل الأمر باتباع الصراط المستقيم في الآية مما تعلق به القصد بالأصالة وقد تقدم أن مقتضى السياق كونه مقدمة للنهي عن التفرق باتباع السبل الأخرى. وتوطئة لقوله: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.
قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن} إلى آخر الآية، لما كان ما ذكره ووصى به من كليات الشرائع تكاليف مشرعة عامة لجميع ما أُوتى الأنبياء من الدين، وهي أمور كلية مجملة صحح ذلك الالتفات إلى بيان أنه تعالى بعد ما شرعها للجميع إجمالاً فصلها حيث اقتضت تفصيلها لموسى عليه السلام أولاً فيما أنزل عليه من الكتاب، وللنبي صلى لله عليه وآله وسلم ثانياً فيما أنزله عليه من كتاب مبارك فقال تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء} الخ.
فمعنى الآية: أنا بعد ما شرعنا من إجمال الشرائع الدينية آتينا موسى الكتاب تماماً تتم به نقيصة من أحسن منهم من حيث الشرع الإِجمالي وتفصيلاً يفصل به كل شيء من فروع هذه الشرائع الإِجمالية مما يحتاج إليه بنو إسرائيل وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون. هذا هو الذي يعطيه سياق الآية المتصل بسياق الآيات الثلاث السابقة.
فقوله: {ثم آتينا موسى الكتاب} رجوع إلى السياق السابق الذي قبل قوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات، وهو خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة المتكلم مع الغير، وقد أفيد بالتأخير المستفاد من لفظة {ثم} أن هذا الكتاب إنما أنزل ليكون تماماً وتفصيلاً للإِجمال الذي في تلك الشرائع العامة الكلية.
وقد وجه المفسرون قوله: {ثم آتينا موسى الكتاب} بوجوه غريبة:
منها: أن في الكلام حذفاً والتقدير: ثم قل يا محمد آتينا موسى الكتاب.
ومنها: أن التقدير: ثم أُخبركم أن موسى أُعطي الكتاب.
ومنها: أن التقدير: ثم أتل عليكم: آتينا موسى الكتاب.
ومنها: أنه متصل بقوله في قصة إبراهيم: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} والنظم: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} {ثم آتينا موسى الكتاب}.
والذي دعاهم إلى هذه التكلفات أن التوراة قبل القرآن ولفظة {ثم} تقتضي التراخي ولازمه نزول التوراة بعد القرآن وقد قيل قبل ذلك: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}. وما تقدم من البيان يكفيك مؤنة هذه الوجوه.
وقوله: {تماماً على الذي أحسن} يبيّن أن إنزال الكتاب لتتم به نقيصة الذين أحسنوا من بني إسرائيل في العمل بهذه الشرائع الكلية العامة، وقد قال تعالى في قصة موسى بعد نزول الكتاب:
{ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأْمر قومك يأخذوا بأحسنها } [الأعراف: 145] وقال: { وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58] وعلى هذا فالموصول في قوله: {على الذي أحسن} يفيد الجنس.
وقد ذكروا في معنى الجملة وجوهاً أُخرى فقيل: المعنى: تماماً على إحسان موسى بالنبوة والكرامة، وقيل: المعنى: إتماماً للنعمة على الذين أحسنوا من المؤمنين، وقيل: المعنى: إتماماً للنعمة على الأنبياء الذين أحسنوا، وقيل: المعنى: تماماً لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا، وقيل: المعنى تماماً على الذي أحسن الله إلى موسى من الكرامة بالنبوة وغيرها، وقيل: إنه متصل بقصة إبراهيم والمعنى: تماماً للنعمة على إبراهيم. وضعف الجميع ظاهر.
وقوله: {وتفصيلاً لكل شيء} أي مما يحتاج إليه بنو إسرائيل أو ينتفع به غيرهم ممن بعدهم، وهدى يهتدى به ورحمة ينعمون بها. وقوله: {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} فيه إشارة إلى أن بني إسرائيل كانوا يتثاقلون أو يستنكفون عن الإِيمان بلقاء الله واليوم الآخر، ومما يؤيده أن التوراة الحاضرة التي يذكر القرآن أنها محرفة لا يوجد فيها ذكر من البعث يوم القيامة، وقد ذكر بعض المؤرخين منهم أن شعب إسرائيل ما كانت تعتقد المعاد.
قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} إلى آخر الآية، أي وهذا كتاب مبارك يشارك كتاب موسى فيما ذكرناه من الخصيصة فاتبعوه "الخ".
قوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} الخ، {أن تقولوا} معناه كراهة أن تقولوا، أو لئلا تقولوا، وهو شائع في الكلام، وهو متعلق بقوله في الآية السابقة: {أنزلناه}.
وقوله: {طائفتين من قبلنا} يراد به اليهود والنصارى أنزل عليهما التوراة والإِنجيل، وأما كتب الأنبياء النازلة قبلهما مما يذكره القرآن مثل كتاب نوح وكتاب إبراهيم عليهما السلام فلم يكن فيها تفصيل الشرائع وإن اشتملت على أصلها، وأما سائر ما ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام من الكتب كزبور داود عليه السلام وغيره فلم تكن فيها شرائع ولا لهم بها عهد.
والمعنى أنا أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا: إن الكتاب الإِلهي المفصل لشرائعه إنما أنزل على طائفتين من قبلنا هم اليهود والنصارى وإنا كنا غافلين عن دراستهم وتلاوتهم، ولا بأس علينا مع الغفلة.
قوله تعالى: {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} إلى آخر الآية، أي من الذين أُنزل إليهم الكتاب قبلنا، وقوله: {فقد جاءكم بيّنة من ربكم} تفريع لقوليه: {أن تقولوا} {أو تقولوا} جميعاً، وقد بدل الكتاب من البيّنة ليدل به على ظهور حجته ووضوح دلالته بحيث لا يبقى عذر لمعتذر ولا علة لمتعلل، والصدف الإِعراض ومعنى الآية ظاهر.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن أبي بصير قال: كنت جالساً عند أبي جعفر عليه السلام وهو متكٍ على فراشه إذ قرأ الآيات المحكمات التي لم ينسخهن شيء من الأنعام قال: شيّعها سبعون ألف ملك: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً}.
وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردودية والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلاه؟ {قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم} إلى ثلاث آيات.
ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفى عنه.
أقول: والرواية لا تخلو عن شيء فإن فيما ذكر في الآيات الشرك بالله ولا تكفي فيه عقوبة الدنيا ولا تناله مغفرة في الآخرة بنص القرآن، قال تعالى:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } [النساء: 116] وقال: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أُولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } [البقرة: 161 - 162]. على أن ظاهر الرواية كون هذه الأحكام مما يختص بهذه الشريعة كما يشعر به ما نقل عن بعض الصحابة والتابعين كالذي رواه في الدر المنثور عن جمع عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرء هؤلاء الآيات: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى قوله {لعلكم تتقون}، ونظيره ما روي عن منذر الثوري عن الربيع بن خيثم.
وفي تفسير العياشي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن علي بن الحسين عليه السلام: الفواحش ما ظهر منها وما بطن قال: ما ظهر من نكاح امرأة الأب وما بطن منها الزنا.
أقول: وهو من قبيل ذكر بعض المصاديق.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والبزاز وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.
وفيه أخرج أحمد وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال: هذا سبيل الله، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله فقال: هذا سبيل الشيطان ثم وضع يده في الخط الأوسط وقرأ: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} الآية.
وفي تفسير القمي: أخبرنا الحسن بن على عن أبيه عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن أبي خالد القمّاط عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} قال: نحن السبيل فمن أبى فهذه السبل فقد كفر.
أقول: وهو من الجري، والذي ذكره عليه السلام مستفاد من قوله تعالى:
{ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } [الشورى: 13]. إذا انضم إلى قوله: { قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً } [الفرقان: 57]. وقد وردت عدة روايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن عليّاً هو الصراط المستقيم، وقد تقدمت الإِشارة إليها في تفسير سورة الفاتحة في الجزء الأول من الكتاب.