التفاسير

< >
عرض

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢١
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٢٢
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
٢٣
ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٤
وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٥
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
٢٦
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٧
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٢٨
وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٢٩
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٣٠
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٣١
وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٣٢
-الأنعام

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تعود الآيات إلى أصل السياق وهو الحضور فتلتفت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخطاب فتذكر له مظالم المشركين في أُصول العقائد الطاهرة وهي التوحيد والاعتقاد بالنبوة والمعاد، و ذلك قوله تعالى: {ومن أظلم} الخ، وقوله: {ومنهم من يستمع إليك} الخ، وقوله: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} الخ.
ثم تبين أن ذلك منهم أشد الظلم وإهلاك لأنفسهم وخسران لها، وتبين كيف تنعكس إليهم وتوافيهم هذه المظالم يوم القيامة فيكذبون على أنفسهم بإنكار ما قالوا في الدنيا ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا الصالحات، ويبدون التحسر على ما فرّطوا في جنب الله سبحانه.
قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته} الظلم من أشنع الذنوب بل التحليل الدقيق يقضى أن سائر الذنوب إنما هي شنيعة مذمومة بمقدار ما فيها من معنى الظلم، وهو الانحراف والخروج عن الوسط العدل.
والظلم كما يكبر ويصغر من جهة خصوصيات من صدر عنه الظلم كذلك يختلف حاله بالكبر والصغر من جهة من وقع عليه الظلم أو أُريد إيقاعه عليه فكلما جل موقعه وعظم شأنه كان الظلم أكبر وأعظم، ولا أعز قدراً وأكرم ساحة من الله سبحانه ولا من آياته الدالة عليه فلا أظلم ممن ظلم هذه الساحة المنزهة أو ما ينتسب إليها بوجه، ولا يظلم إلا نفسه.
وقد صدّق الله سبحانه هذه النظرة العقلية بقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته} أما افتراء الكذب. عليه تعالى فبإثبات الشريك له، ولا شريك له، أو دعوى النبوة أو نسبة حكم إليه كذباً وابتداعاً، وأما تكذيب آياته الدالة عليه فكتكذيب النبي الصادق في دعواه المقارنة للآيات الإِلهية أو إنكار الدين الحق، ومنه إنكار الصانع أصلاً.
والآية تنطبق على المشركين، وهم أهل الأوثان الذين إليهم وجّه الاحتجاج من جهة أنهم أثبتوا لله سبحانه شركاء بعنوان أنهم شفعاء مصادر أمور في الكون، وإليهم ينتهي تدبير شؤون العالم مستقلين بذلك، ومن جهة أنهم أنكروا آياته تعالى الدالة على النبوة والمعاد.
وربما أَلحق بعضهم بذلك القائلين بجواز شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الطاهرين من ذريته أو الأولياء الكرام من أمته فقضى بكون الاستشفاع بهم في شيء من حوائج الدنيا أو الآخرة شركاً تشمله الآية وما يناظرها من الآيات الشريفة.
وكأنه خفي عليهم أنه تعالى إثبت الشفاعة إذا قارنت الإِذن في كلامه من غير أن يقيده بدنيا أو آخرة، فقال عز من قائل:
{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255]. على أنه تعالى قال: { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86] فأثبت الشفاعة حقاً للعلماء الشهداء بالحق، والقدر المتيقن منهم الأنبياء ومنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أثبت الله سبحانه شهادته بقوله: { وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } [النساء: 41] ونص على علمه حيث قال: { ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } [النحل: 89]، وقال: { نزل به الروح الأمين على قلبك } [الشعراء: 193] وهل يعقل نزول الكتاب الذي هو تبيان كل شيء على قلب من غير علم به، أو بعثه تعالى إياه شهيداً وليس بشهيد بالحق؟ وقال الله تعالى: { لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143]، وقال: { ويتخذ منكم شهداء } [آل عمران: 140] وقال تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } } [العنكبوت: 43] فأثبت في هذه الأمة شهداء علماء ولا يثبت إلا الحق.
وقال تعالى في أهل بيته عليه السلام:
{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } [الأحزاب: 33] فبين أنهم مطهرون بتطهيره، ثم قال: { إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون } [الواقعة: 77 - 79] فعدهم العلماء بالقرآن الذي هو تبيان كل شيء والمطهرون هم القدر المتيقن من هذه الأمة في الشهادة بالحق التي لا سبيل للغو والتأثيم إليها، وقد أشبعنا الكلام في معنى الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب فليراجع.
قوله تعالى: {إنه لا يفلح الظالمون} الفلاح والفوز والنجاح والظفر والسعادة ألفاظ قريبة المعنى، ولهذا فسر الراغب الفلاح بإدراك البغية الذي هو معنى السعادة تقريباً، قال في المفردات: الفلح: الشق، وقيل الحديد بالحديد يُفلح أي يشق، والفلاح الأكار لذلك والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان دنيوي وأُخروي:
فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز وإياه قصد الشاعر بقوله:

أفلـــح بمـــا شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب

وفلاح أخروي، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل. انتهى، فمن الممكن أن يقال: إن الفلاح هو السعادة سميت به لأن فيها الظفر وإدراك البغية بشق الموانع الحائلة دون المطلوب.
وهذا معنى جامع ينطبق على موارد الاستعمال كقوله:
{ قد أفلح المؤمنون } [المؤمنون: 1]، وقوله: { قد أفلح من زكاها } [الشمس: 9]، وقوله: { إنه لا يفلح الكافرون } [المؤمنون: 117] إلى غير ذلك من الموارد.
فقوله: {إنه لا يفلح الظالمون} - وقد أُخذ الظلم وصفاً - معناه أن الظالمين لا يدركون بغيتهم التي تشبثوا لأجل إدراكها بما تشبثوا به فإن الظلم لا يهدي الظالم إلى ما يبتغيه من السعادة والظفر بواسطة ظلمه.
وذلك أن السعادة لن تكون سعادة إلا إذا كانت بغية ومطلوباً بحسب واقع الأمر وخارج الوجود، ويكون حينئذ الشيء الذي يطلب هذه البغية والسعادة بحسب وجوده طبيعة كونه مجهزاً بما يناسب هذه السعادة المطلوبة من الأسباب والأدوات كالإِنسان الذي من سعادته المطلوبة أن يبقى بقاء بوضع البدل مكان ما تحلل من بنيته ثم هو مجهز بجهاز التغذي الدقيق الذي، يناسب ذلك، والأدوات والأسباب الملائمة له، ثم في المادة الخارجية ما يوافق مزاج بنيته فيأخذها بالأسباب والأدوات المهيأة لذلك، ثم يصفيه ويبدل صورته إلى ما يشابه صورة المتحلل من بدنه ثم يلصقه ببدنه فيعود البدن تاماً بعد نقصانه، وهذا حكم عام جار في جميع الأنواع الخارجية التي تناله حواسنا ويسعه استقراؤنا من غير تخلف واختلاف البتة.
وعلى هذا يجري نظام الكون في مسيره فلكل غاية مطلوبة وسعادة مقصودة طريق خاص لا يسلك إليها إلا منه، ولو توصل إليها من غير سببه الذي يإلفها النظام أوجب ذلك العطل في السبب وبطلان الطريق، وفي عطله وبطلانه فساد جميع ما يرتبط ويتعلق به من الأسباب والعلائق كالإِنسان الذي فرض توصله إلى إبقاء الوجود من غير طريق التناول والالتقام والهضم فإن ذلك يفضي إلى عطل قوته الغاذية، وفي عطله انحراف قوّتيه المنميّة والمولدة مثلاً جميعاً.
وقد اقتضت العناية الإِلهية في هذه الأنواع التي تعيش بالشعور والإِرادة أن تعيش بتطبيق أعمالها على ما حصلته من العلم بالخارج فلو انحرفت عن الخارج لعارض ما كان في ذلك بطلان العمل، ولو تكرر ذلك بطلت الذات كالإِنسان المريد للأكل إذا غلط وحسب السم غذاء أو الطين خبزاً ونحو ذلك.
وللإِنسان عقائد وآراء عامة متولدة من نظام الكون الخارجي يضعها أصلاً ويطبّق عمله عليها كالعائد الراجعة إلى المبدء والمعاد، والأحكام العملية التي يجعلها مقاييس لأعماله من العبادات والمعاملات.
وهذه طرق إلى السعادات الإِنسانية بحسب طبعها لا طريق إليها دونها إذا سلكها الإِنسان أدرك بغيته وظفر بسعادته، ولو انحرف عنها إلى غيرها - وهو الظلم - لم يوصله إلى بغيته ولئن أوصله إليه لم يثبت عليه، ولم يدم له ذلك فإن سائر الطرق والسبل مربوطة به فتنازعه في ذلك، وتخالفه وتضاده بجميع ما لها من الوسع والطاقة، ثم أجزاء الكون الخارجي الذي هو السبب لانتشاء هذه الآراء والأحكام لا توافقه في عملة، ولا تزال على هذا الحال حتى تقلب له الأمر، وتفسد عليه سعادته، وتنغص عليه عيشته.
فالظالم ربما دعته طاغية الشره إلى أن يستعمل ما له من العزة بالإِثم والقدرة الكاذبة في الحصول على بغية وسعادة من غير طريقه المشروع، فيخالف الاعتقاد الحق لتوحيد الله سبحانه، أو ينازع الحقوق المشروعة فيتعدى إلى أموال الناس فيغصبها ظلماً، أو إلى أعراض الناس فيهتك أستارهم عنوة، أو إلى دمائهم ونفوسهم فيتصرف فيها من غير حق أو يعصي في شيء من نواميس العبودية لله سبحانه بصلاة أو صوم أو حج أو غيرها، أو يقترف شيئاً من الذنوب، المتعلقه بذلك كالكذب والفرية والخدعة ونحوها.
يأتي بشيء من ذلك وربما أدرك ما قصده، وهو طيب النفس بما ظفر به من مطلوبه بحسب زعمه، وقد ذهب عن خسران صفقته وخيبة مسعاه في دنياه وآخرته.
أما في دنياه فلأن ما سلكه من الطريق إنما هو طريق الهرج والمرج واختلال النظام إذ لو كان طريقاً حقاً لعم ولو عم أبطل النظام، ولو بطل النظام بطلت حياة المجتمع الإِنساني فالنظام الذي يضمن بقاء النوع الإِنساني كائناً ما كان ينازعه فيما حازه بعمله غير المشروع و، لا يزال على المنازعة حتى يفسد عليه مقتضى عمله ونتيجة سعيه المشؤوم عاجلاً أو على مهل ولن يدوم ظلمه البتة.
وأما في الآخرة فلأن ظلمه مكتوب في صحيفة عمله، وهو منقوش في لوح نفسه بما يورد عليها من الأثر ثم هو مجزى به عائش على وتيرته، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله.
قال الله تعالى:
{ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 85]، وقال: { كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } [الزمر: 25 - 26]، وقال: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلاّم للعبيد } [الحج: 8 - 10] إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة.
والآيات - كما ترى - تشمل المظالم الاجتماعية والفردية فهي تصدق ما تقدم من البحث، وأشملها مضموناً الآية المبحوث عنها: {إنه لا يفلح الظالمون}.
قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً} إلى آخر الآيتين، الظرف متعلق بمقدر والتقدير: واذكر يوم "الخ"، وقد تعلقت العناية في الكلام بقوله: {جميعاً} للدلالة على أن العلم والقدرة لا يتخلفان عن أحد منهم، فالله سبحانه محيط بجميعهم علماً وقدرة سيحصيهم ويحشرهم ولا يغادر منهم أحداً.
والجملة في مقام بيان قوله: {إنه لا يفلح الظالمون} كأنه لما قيل: {إنه لا يفلح الظالمون} سئل فقيل، وكيف ذلك؟ فقيل: لأن الله سيحشرهم ويسألهم عن شركائهم فيضلون عنهم ويفقدونهم فينكرون شركهم ويقسمون لذلك بالله كذباً، ولو أفلح هؤلاء الظالمون في اتخاذهم لله شركاء لم يضل عنهم شركاؤهم، ولم يكذبوا على أنفسهم بل وجدوهم على ما ادعوا من الشركة والشفاعة ونالوا شفاعتهم.
وقوله: {ثم لم تكن فتنتهم} الخ، قيل: المراد بالفتنه الجواب أي لم يكن جوابهم إلا أن أقسموا بالله على أنهم ما كانوا مشركين، وقيل الكلام على تقدير مضاف والمراد: لم تكن عاقبة افتتانهم بالأوثان إلا أن قالوا "الخ"، وقيل: المراد بالفتنة المعذرة، لكل من الوجوه وجه.
قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} بيان لمحل الاستشهاد فيما قص من حالهم يوم القيامة، والمراد أنهم سيكذبون على أنفسهم ويفقدون ما افتروا به، ولو أفلحوا في ظلمهم وسعدوا فيما طلبوا لم ينجر أمرهم إلى فقد ذلك وإنكاره على أنفسهم.
أما كذبهم على أنفسهم فلأنهم لما أقسموا بالله أنهم ما كانوا مشركين أنكروا ما أدعوه في الدنيا من أن لله سبحانه شركاء، وهم كانوا يصرون عليه ويعرضون فيه عن كل حجة واضحة وآية بينة ظلماً وعتواً، وهذا كذب منهم على أنفسهم.
وأما ضلال ما كانوا يفترونه عنهم فلأن اليوم يوم ينجلي فيه عياناً أن الأمر والملك والقوة لله جميعاً ليس لغيره من شيء إلا ذله العبودية، والفقر والحاجة من غير أي استقلال قال تعالى:
{ ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب } [البقرة: 165]، وقال: { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } [غافر: 16]، وقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذ لله } [الإنفطار: 19]. فيشاهدون عندئذ مشاهدة عيان أن الالوهية لله وحده لا شريك له، ويظهر لهم أوثانهم وشركاؤهم وهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً لأنفسهم ولا لغيرهم، ووجدوا الأوصاف التي أثبتوها لهم من الربوبية والشفاعة وغيرهما إنما هي لله وحده، وقد كان اشتبه عليهم الأمر فتوهموها لغيره وضل عنهم ما كانوا يفترون.
فإن استمدوا منهم ردوا عليهم رداً لا مطمع معه بعد قال تعالى:
{ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالو ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون، وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون } } [النحل: 86 - 87] وقال تعالى: { ذٰلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم } [فاطر: 13 - 14] وقال تعالى: { ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون، فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين، هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } [يونس: 28 - 30]. وبالتدبر في هذه الآيات يظهر أن المراد بضلال ما افتروا به هو ظهور حقيقة شركائهم فاقدة لوصف الشركة والشفاعة وتبينهم أن ما ظهر لهم من ذلك في الدنيا لم يكن إلا ظهوراً سرابياً كما قال تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه } [النور: 39]. فإن قلت: إن الآيات المتعرضة لوصف يوم القيامة - كما تقدم - ظاهرة في بروز الحقائق وخروجها عن مكمن الخفاء والالتباس الذي هو من لوازم النشأة الأولى الدنيوية كما قال تعالى: { يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء } [غافر: 16] فأي نفع حينئذ لكذبهم؟ وكيف يكذبون وما أخبروا به من الكذب مشهود خلافه عياناً؟ وقد قال تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء } [آل عمران: 30]. قلت: كذبهم وحلفهم على الكذب يوم القيامة مما وقع في كلامه تعالى غير مرة، ومثل الآية قوله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم } [المجادلة: 18] وليس كذبهم وحلفهم عليه للتوصل به إلى الأغراض الفاسدة وستر الحق كما يتوصل إليها بالكذب في الدنيا فإن الآخرة دار جزاء لا دار عمل واكتساب.
لكنهم لكونهم اعتادوا أن يتقصوا من المخاطرات والمهالك ويجلبوا المنافع إليهم بالأيمان الكاذبة والاخبار المزورة خدعة وغروراً رسخت في نفوسهم ملكة الكذب، والملكة إذا رسخت في النفس اضطرت النفس إلى إجابتها إلى ما تدعو إليه وذلك كما أن البذي الفحاش إذا استقرت في نفسه ملكة السب لا يقدر على الكف عنه وإن عزم عليه والمستكبر اللجوج العنود لا يملك من نفسه أن يتواضع، وإن خضع في موقف المهلكة والذلة أحياناً فإنما يخضع ظاهراً وبلسانه، وأما باطناً وفي قلبه فهو على حاله لم يتغير ولن يتغير البتة.
وهذا هو السر في كذبهم يوم القيامة لأنه يوم تبلى فيه السائر والسريرة المعقودة على الكذب ليس فيها إلا الكذب فيظهر ما استقر فيه كما قال تعالى:
{ ولا يكتمون الله حديثاً } [النساء: 42] ونظيره التخاصم الدائر بين أهل الدنيا فإنه يظهر بعينه يوم القيامة بينهم، وقد قص الله سبحانه ذلك في مواضع كثيرة من كلامه، وأجمله في قوله: { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } [ص: 64]، هذا في أهل العذاب وأما أهل المغفرة والجنة فيظهر منهم هناك ما كان في نفوسهم ها هنا من الصفا والسلامة، قال تعالى: { لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً، إلا قيلاً سلاماً سلاماً } [الواقعة: 25 - 26]، فافهم ذلك.
قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} إلى آخر الآية، الأكنة جمع كن بكسر الكاف وهو الغطاء الذي يكن فيه الشيء ويغطى، والوقر هو الثقل في السمع، والأساطير جمع اسطورة بمعنى الكذب والمين على ما نقل عن المبرد، وكأن أصله السطر وهو الصف من الكتابة أو الشجر إو الناس غلب استعماله فيما جمع ونظم ورتب من الأخبار الكاذبة.
وكان ظاهر السياق أن يقال: يقولون أن هذا إلا أساطير الأولين، ولعل الإِظهار للإِشعار بالسبب في هذا الرمي وهو الكفر.
قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} ينهون عنه أي عن أتباعه، والنأي الابتعاد، والقصر في قوله: {وإن يهلكون إلا أنفسهم} من قصر القلب فإنهم كانوا يحسبون أن النهي عنه والنأي عنه إهلاك له وإبطال للدعوة الإِلهية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره فهم هم الهالكون من حيث لا يشعرون.
قوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} إلى آخر الآيتين. بيان لعاقبة جحودهم وإصرارهم على الكفر والإِعراض عن آيات الله تعالى.
وقوله: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} الخ، على قراءة النصب في "نكذب" و "نكون" تمن منهم للرجوع إلى الدنيا والانسلاك في سلك المؤمنين ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة، وهذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك بالله وحلفهم بالله على ذلك كذباً من باب ظهور ملكاتهم النفسانية يوم القيامة فإنهم قد اعتادوا التمني فيما لا سبيل لهم إلى حيازته من الخيرات والمنافع الفائتة عنهم، وخاصة إذا كان فوتها مستنداً إلى سوء اختيارهم وقصور تدبيرهم في العمل، ونظيره أيضاً ما سيجيء من تحسرهم على ما فرطوا في أمر الساعة.
على أن التمني يصح في المجالات المتعذرة كما يصح في الممكنات المتعسرة كتمني رجوع الأيام الخالية وغير ذلك قال الشاعر:

ليــت وهــل ينفع شيئاً ليت ليت الشباب بيع فاشتريت

وقوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} الخ، ظاهر الكلام أن مرجع الضمائر أعني ضمائر {لهم} و {كانوا} و {يخفون} واحد وهو المشركون السابق ذكرهم، وأن المراد بالقبل هو الدنيا فالمعنى أنه ظهر لهؤلاء المشركين حين وقفوا على النار ما كانوا هم أنفسهم يخفونه في الدنيا فبعثهم ظهور ذلك على أن تمنوا الرد إلى الدنيا، والإِيمان بآيات الله، والدخول في جماعة المؤمنين.
ولم يبدلهم إلا النار التي وقفوا عليها يوم القيامة فقد كانوا اخفوها في الدنيا بالكفر والستر للحق والتغطية عليه بعد ظهوره لهم كما يشير إليه نحو قوله تعالى:
{ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } [ق: 22]. وأما نفس الحق الذي كفروا به في الدنيا مع ظهوره لهم فهو كان بادئاً لهم من قبل والسياق يأبى أن يكون مجرد ظهور الحق لهم مع الغض عن ظهور النار وهول يوم القيامة باعثاً لهم على هذا التمني.
ويشعر بذلك بعض ما في نظير المقام من كلامه تعالى كقوله:
{ وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } [الجاثية: 32 - 33] وقوله: { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون } [الزمر: 47 - 48]. وقد ذكروا في الآية أعني قوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} وجوهاًَ كثيرة أنهاها في المنار إلى تسعة أوجه قال: وفيه أقوال:
الأول: أنه أعمالهم السيئة وقبائحهم الشائنة ظهرت لهم في صحائفهم، وشهدت بها عليهم جوارحهم.
الثاني: أنه أعمالهم التي كانوا يفترون بها ويظنون أن سعادتهم فيها إذ يجعلها الله تعالى هباء منثوراً.
الثالث: أنه كفرهم وتكذيبهم الذي أخفوه في الآخرة من قبل أن يوقفوا على النار كما تقدم حكايته عنهم في قوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}.
الرابع: أنه الحق أو الإِيمان الذي كانوا يسرونه ويخفونه بإظهار الكفر والتكذيب عناداً للرسول واستكباراً عن الحق، وهذا إنما ينطبق على أشد الناس كفراً من المعاندين المتكبرين الذين قال في بعضهم: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً}.
الخامس: أنه ما كان يخفيه الرؤساء عن أتباعهم من الحق الذي جاءت به الرسل بدا للأتباع الذين كانوا مقلدين لهم، ومنه كتمان بعض أهل الكتاب لرسالة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وصفاته وبشارة أنبيائهم به.
السادس: أنه ما كان يخفيه المنافقون في الدنيا من إسرار الكفر وإظهار الإِيمان والإِسلام.
السابع: أنه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنم، وأن إخفاءهم له عبارة عن تكذيبهم به، وهو المعنى الأصلي لمادة الكفر.
الثامن: أن في الكلام مضافاً محذوفاً أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرموا وتضجروا وتمنوا التقصي منه بالرد إلى الدنيا، وترك ما أفضي إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإِيمان كما يتمنى الموت من أمضه الداء العضال لأنه ينقذه من الآلام لا لأنه محبوب في نفسه، ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الأقوال بل الصواب عندنا قول آخر، وهو:
التاسع: أنه يظهر يومئذ لكل من أُولئك الذين ورد الكلام فيهم ولأشباههم من الكفار ما كان يخفيه في الدنيا ما هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم، انتهى، ثم عمم الكلام لرؤساء الكفار وأتباعهم المقلدة وللمنافقين والفساق ممن يقترف الفواحش ويخفيها عن الناس أو يترك الواجبات ويعتذر بأعذار كاذبة ويخفي حقيقة الحال في كلام طويل.
وبالرجوع إلى ما قدمناه من الوجه والتأمل فيه يظهر ما في كل واحد من هذه الأقوال من وجوه الخلل فلا نطيل.
وقوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تذكير لفعل ما تقرر في نفوسهم من الملكات الرذيله في نشأة الدنيا فإن الذي بعثهم إلى تمني الرجوع إلى الدنيا والإِيمان فيها بآيات الله والدخول في جماعة المؤمنين إنما هو ظهور الحق المتروك بجميع ما يستتبعه من العذاب يوم القيامة، وهو من مقتضيات نشأة الآخرة المستلزمة لظهور الحقائق الغيبية ظهور عيان.
ولو عادوا إلى الدنيا لزمهم حكم النشأة، وأُسدلت عليهم حجب الغيب، ورجعوا إلى اختيارهم، ومعه هوى النفس ووسوسة الشيطان وقرائح العباد والاستكبار والطغيان فعادوا إلى سابق شركهم وعنادهم مع الحق فإن الذي دعاهم وهم في الدنيا إلى مخالفة الحق والتكذيب بآيات الله تعالى هو على حاله مع فرض ردهم إلى الدنيا بعد البعث، فحكمه حكمه من غير فرق.
وقوله: {وإنهم لكاذبون} أي في قولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} الخ، والتمني وإن كان إنشاء لا يقع فيه الصدق والكذب إلا أنهم لما قالوا: {نرد ولا نكذب}، أي ردنا الله إلى الدنيا ولو ردنا لم نكذب، ولم يقولوا: نعود ولا نكذب، كان كلامهم مضمناً للمسألة والوعد أعني مسألة الرد ووعد الإِيمان والعمل الصالح كما صرح بذلك في قوله:
{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون } } [السجدة: 12] وقوله: { وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل } [فاطر: 37]. وبالجملة قولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب} الخ، في معنى قولهم ربنا ردنا إلى الدنيا لا نكذب بآياتك ونكن من المؤمنين، وبهذا الاعتبار يحتمل الصدق والكذب، ويصح عدهم كاذبين.
وربما وجه نسبة الكذب إليهم في تمنيهم بأن المراد كذب الأمل والتمني وهو عدم تحققه خارجاً كما يقال: كذبك أملك، لمن تمنى ما لا يدرك.
وربما قيل: إن المراد كذبهم في سائر ما يخبرون به عن أنفسهم من إصابة الواقع واعتقاد الحق، هو كما ترى.
قوله تعالى: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} إلى آخر الآيتين. ذكر لإِنكارهم الصريح للحشر وما يستتبعه يوم القيامة من الإِشهاد وأخذ الاعتراف بما أنكروه، والوثنية كانت تنكر المعاد كما حكى الله عنهم ذلك في كلامه غير مرة، وقولهم بشفاعة الشركاء إنما كان في الأمور الدنيوية من جلب المنافع إليهم ودفع المضار والمخاوف عنهم.
فقوله: {وقالوا إن هي} الخ، حكاية لإِنكارهم أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد الممات، وقوله: {ولو ترى إذ وقفوا} كالجواب وهو بيان ما يستتبعه قولهم: إن هي إلا، "الخ" للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة التمني لمكان قوله: {ولو ترى} وهو أنهم سيصدقون بما جحدوه، ويعترفون بما أنكروه بقولهم: {وما نحن بمبعوثين} إذ يوقفون على ربهم فيشاهدون عياناً هذا الموقف الذي أخبروا به في الدنيا، وهو أنهم مبعوثون بعد الموت فيعترفون بذلك بعد ما أنكروه في الدنيا.
ومن هنا يظهر أن الله سبحانه فسر البعث في قوله: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} بلقاء الله، ويؤيده أيضاً قوله في الآية التالية: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة} الخ، حيث بدل الحشر والبعث والقيامة المذكورات في سابق الكلام لقاء ثم ذكر الساعة أي ساعة اللقاء.
قوله: {أليس هذا} أي أليس البعث الذي أنكرتموه في الدنيا وهو لقاء الله {بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} به وتسترونه.
قوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} إلى آخر الآية، قال في المجمع: كل شيء أتى فجأه فقد بغت يقال: بغتة الأمر يبغته بغتة انتهى، وقال الراغب في المفردات: الحسر كشف الملبس عما عليه يقال: حسرت عن الذراع، والحاسر من لا درع عليه ولا مغفر، والمحسرة المكنسة - إلى أن قال - والحاسر المعيا لانكشاف قواه - إلى أن قال - والحسرة الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه أو انحسر قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرّط منه. انتهى موضع الحاجة.
وقال: الوزر (بفتحتين) الملجأ الذي يتلجأ إليه من الجبل، قال: {كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر} والوزر (بالكسر فالسكون) الثقل تشبيهاً بوزر الجبل، ويعبّر بذلك عن الإِثم كما يعبّر عنه بالثقل، قال {ليحملوا أوزارهم كاملة} الآية كقوله: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم}، انتهى.
والآية تبين تبعة أخرى من تبعات إنكارهم البعث وهو أن الساعة سيفاجئهم فينادون بالحسرة على تفريطهم فيها ويتمثل لهم أوزارهم وذنوبهم وهم يحملونها على ظهورهم وهو أشق أحوال الإِنسان وأردؤها ألا ساء ما يزرون ويحملونه من الثقل أو من الذنب أو من وبال الذنب.
والآية أعني قوله: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} بمنزلة النتيجة المأخوذة من قوله: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} إلى آخر الآيتين، وهى أنهم بتعويضهم راحة الآخرة وروح لقاء الله من إنكار البعث وما يستتبعه من أليم العذاب خسروا صفقة.
قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير} الخ، تتمة للكلام فيه بيان حال الحياتين: الدنيا والآخرة والمقايسة بينهما فالحياة الدنيا لعب ولهو ليس إلا فإنها تدور مدار سلسلة من العقائد الاعتبارية والمقاصد الوهمية كما يدور عليه اللعب فهي لعب، ثم هي شاغلة للإِنسان عما يهمه من الحياة الأخرى الحقيقية الدائمة فهي لهو، والحياة الآخرة لكونها حقيقية ثابتة فهي خير ولا ينالها إلا المتقون فهي خير لهم.
(بحث روائي)
وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يعفو يوم القيامة عفواً لا يخطر على بال أحد حتى يقول أهل الشرك: {والله ربنا ما كنا مشركين}.
وفي المجمع في قوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} الآية: إن المراد: لم تكن معذرتهم إلا أن قالوا، الخ، قال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} الآية، قال: قال: بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويمنعون قريشاً، وينأون أي يباعدون عنه ولا يؤمنون.
أقول: والرواية تقرب مما روى عن عطاء ومقاتل: أن المراد أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كان ينهي قريشاً عن النبي وينآى عن النبي ولا يؤمن به.
والسياق يأبى ذلك فإن ظاهر الآية أن الضمير راجع إلى القرآن دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن الروايات من طرق أهل البيت عليهم السلام متظافرة بإيمانه.
قال في المجمع: قد ثبت إجماع أهل البيت عليهم السلام بإيمان أبي طالب، وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهما بقوله: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه ابن عمر: أن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ألا تركت الشيخ فآتيه؟ وكان أعمى، فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله تعالى، والذى بعثك بالحق لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحاً مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرّه عينك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صدقت.
وروى الطبري بإسناده أن رؤساء قريش لما رأوا ذبّ أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتمعوا عليه وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالاً وجوداً وشهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك وتدفع إلينا ابن أخيك الذي فرق جماعتنا، وسفه أحلامنا فنقتله، فقال أبو طالب ما أنصفتموني تعطونني ابنكم فأغذوه، واعطيكم ابني فتقتلونه بل فليأت كل امرئ منكم بولده فأقتله، وقال:

منعنا الرسول رسول المليك ببيــض تلألأ كلمـــع البروق
أذود وأحمـي رســول المليك حمايــــة حـــــام عليـه شفيق

وأقواله وأشعاره المنبئة عن إسلامه كثيره مشهورة لا تحصى فمن ذلك قوله:

ألــــم تعلمـــوا أنا وجدنا محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب
أليــــس أبونــــا هاشم شد أزره وأوصى بنيه بالطعان وبالحرب

وقوله من قصيدة:

وقالــــوا لأحمـــــد أنت امرؤ خلوف اللسان ضعيف السبب
ألا إن أحمـــــد قــــــد جاءهم بحـــــق ولـــــم يأتهم بالكذب

وقوله في حديث الصحيفة وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

وقــد كان في أمر الصحيفة عبرة متــى ما يخبّر غائب القوم يعجب
محــا الله منهـــا كفرهم وعقوقهــم ومـا نقموا من ناطق الحق معرب
وأمســى ابــن عبد الله فينا مصدّقاً علــى سخط من قومنا غير معتب

وقوله في قصيدة يحض أخاه حمزة على اتباع النبي والصبر في طاعته:

صبـراً أبا يعلـى علـى دين أحمد وكن مظهراً للدين وفقت صابراً
فقــد سرنـــي إذ قلـت إنك مؤمن فكــن لرسـول الله في الله ناصراً

وقوله من قصيدة:

أقيم على نصر النبي محمد أُقاتــــل عنـه بالقنا والقنابل

وقوله يحض النجاشي على نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

تعلـــم مليــك الحبش أن محمداً وزير لموسى والمسيح بن مريم
أتـــى بهــــدى مثل الذي أتيا به وكـــــل بأمــر الله يهدي ويعصم
وإنكـــم تتلونـــــه فــــي كتابكم بصـــدق حديث لا حديث المرجَّم
فــــلا تجعلــــوا لله نداً وأسلموا وإن طريـــق الحق ليس بمظلم

وقوله في وصيته وقد حضرته الوفاة:

أُوصى بنصر النبي الخير مشهده عليـــاً ابنـــــي وشيخ القوم عباسا
وحمـــــزة الأسد الحامــي حقيقته وجعفــــراً أن يـذودوا دونه الناسا
كونـــوا فـدى لكم أمي وما ولدت فـي نصر أحمد دون الناس أتراسا

وأمثال هذه الأبيات مما هو موجود في قصائده المشهورة ووصاياه وخطبه يطول بها الكتاب، انتهى.
والعمدة في مستند من قال بعدم إسلامه بعض روايات واردة من طريق الجمهور في ذلك، وفي الجانب الآخر إجماع أهل البيت عليهم السلام وبعض الروايات من طريق الجمهور، وأشعاره المنقولة عنه، ولكل امرئ ما اختار.
وفي تفسير العياشي عن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم ملعونون في الأصل.
وفيه عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عنه عليه السلام، قال: إن الله قال للماء: كن عذباً فراتاً أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال للماء: كن ملحاً أُجاجاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي فأجرى المائين على الطين ثم قبض قبضة بيده وهي يمين فخلقهم خلقاً كالذر ثم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وعليكم طاعتي؟ قالوا: بلى، فقال للنار: كوني ناراً فإذا ناراً تأجج، وقال لهم: قعوا فيها فمنهم من أسرع، ومنهم من أبطأ في السعي، ومنهم من لم يبرح مجلسه فلما وجدوا حرها رجعوا فلم يدخلها منهم أحد.
ثم قبض قبضة بيده فخلقهم خلقاً مثل الذر مثل أولئك ثم أشهدهم على أنفسهم مثل ما أشهد الآخرين، ثم قال: لهم قعوا في هذه النار فمنهم من أبطأ، ومنهم من أسرع ومنهم من مر بطرف العين فوقعوا فيها كلها، فقال: اخرجوا منها سالمين فخرجوا لم يصبهم شيء.
وقال الآخرون: ياربنا أقلنا نفعل كما فعلوا، قال: قد أقلتكم فمنهم من أسرع في السعي، ومنهم من لم يبرح مجلسه مثل ما صنعوا في المرة الأولى، فذلك قوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}.
أقول: هذه الرواية والتي قبلها من روايات الذر وسيأتي استيفاء البحث عنها في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى} الآية.
ومحصّلها أنه كما أن لنظام الثواب والعقاب في الآخرة ارتباطاً تاماً بنشأة اخرى قبلها وهي نشأة الدنيا من حيث الطاعة والمعصية كذلك للطاعة والمعصية في الدنيا ارتباط تام بنشأة أخرى قبلها رتبة، وهي عالم الذر.
فالمراد بقوله في الرواية: فذلك قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا} الخ، أن معنى الآية ولو ردوا من عرصات الحشر إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون من عالم الذر إذ كذبوا الله فيه، وهذا هو المراد بعينه بقوله عليه السلام في الرواية الأولى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم ملعونون في الأصل أي في عالم الذر لكذبهم فيه.
وعلى هذا فالروايتان تشتملان على وجه رابع في تفسير الآية غير الوجوه الثلاثة المتقدمة في البيان السابق.
وفي المجمع عن الأعمش عن أبي صالح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: {يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها} الآية، قال:
"يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا" ، اهـ.