التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٣٣
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٤
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ
٣٥
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
٣٦
-الأنعام

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هفوات المشركين في أمر دعوته، وتطييب لنفسه بوعد النصر الحتمى، وبيان أن الدعوة الدينية إنما ظرفها الاختيار الإِنساني فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فالقدرة والمشيئة الإِلهية الحاتمتان لا تداخلان ذلك حتى تجبراهم على القبول، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى.
قوله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} إلى آخر الآية، {قد} حرف تحقيق في الماضي، وتفيد في المضارع التقليل وربما استعملت فيه أيضاً للتحقيق، وهو المراد في الآية، وحزنه كذا وأحزنه بمعنى واحد، وقد قرئ بكلا الوجهين.
وقوله: {فإنهم لا يكذبونك} قرئ بالتشديد من باب التفعيل، وبالتخفيف، والظاهر أن الفاء في قوله: {فإنهم} للتفريع وكأن المعنى قد نعلم إن قولهم ليحزنك لكن لا ينبغي أن يحزنك ذلك فإنه ليس يعود تكذيبهم إليك لأنك لا تدعو إلا إلينا، وليس لك فيه إلا الرسالة بل هم يظلمون بذلك آياتنا ويجحدونها.
فما في هذه الآية مع قوله في آخر الآيات: {ثم إليه يرجعون} في معنى قوله تعالى:
{ ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور } } [لقمان: 23] وقوله: { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } [يس: 76] وغير ذلك من الآيات النازلة في تسليته صلى الله عليه له وسلم، هذا على قراءة التشديد.
وأما على قراءة التخفيف فالمعنى: لا تحزن فإنهم لا يظهرون عليك بإثبات كذبك فيما تدعو إليه، ولا يبطلون حجتك بحجة وإنما يظلمون آيات الله بجحدها وإليه مرجعهم.
وقوله: {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} كان ظاهر السياق أن يقال: ولكنهم، فالعدول إلى الظاهر للدلالة على أن الجحد منهم إنما هو عن ظلم منهم لا عن قصور وجهل وغير ذلك فليس إلا عتواً وبغياً وطغياناً وسيبعثهم الله ثم إليه يرجعون.
ولذلك وقع الالتفات في الكلام من التكلم إلى الغيبة فقيل: {بآيات الله} ولم يقل: بآياتنا، للدلالة على أن ذلك منهم معارضة مع مقام الألوهية واستعلاء عليه وهو المقام الذي لا يقوم له شيء.
وقد قيل في تفسير معنى الآية وجوه أُخرى:
أحدها: ما عن الأكثر أن المعنى: لا يكذبونك بقلوبهم اعتقاداً، وإنما يظهرون التكذيب بأفواههم عناداً.
وثانيها: أنهم لا يكذبونك وإنما يكذبونني فإن تكذيبك راجع إلي ولست مختصاً به، وهذا الوجه غير ما قدمناه من الوجه وإن كان قريباً منه، والوجهان جميعاً على قراءة التشديد.
وثالثها: أنهم لا يصادفونك كاذباً تقول العرب: قاتلناهم فما أجبناهم أي ما صادفناهم جبناء، والوجه ما تقدم.
قوله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا} إلى آخر الآية. هداية له صلى الله عليه وآله وسلم إلى سبيل من تقدمه من الأنبياء، وهو سبيل الصبر في ذات الله، وقد قال تعالى:
{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]. وقوله: {حتى أتاهم نصرنا} بيان غاية حسنة لصبرهم، وإشارة إلى الوعد الإِلهي بالنصر، وفي قوله: {ولا مبدل لكلمات الله} تأكيد لما يشير إليه الكلام السابق من الوعد وحتم له، وإشارة إلى ما ذكره بقوله: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } [المجادلة: 21]، وقوله: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون } [الصافات: 171 - 172]. ووقوع المبدل في قوله: {ولا مبدل لكلمات الله} في سياق النفي ينفي أي مبدل مفروض سواء كان من ناحيته تعالى بأن يتبدل مشيئته في خصوص كلمة بأن يمحوها بعد إثباتها أو ينقضها بعد إبرامها أو كان من ناحية غيره تعالى بأن يظهر عليه ويقهره على خلاف ما شاء فيبدل ما أحكم ويغيره بوجه من الوجوه.
ومن هنا يظهر أن هذه الكلمات التي أنبأ سبحانه عن كونها لا تقبل التبديل أُمور خارجة عن لوح المحو والإِثبات، فكلمة الله وقوله وكذا وعده في عرف القرآن هو القضاء الحتم الذي لا مطمع في تغييره وتبديله، قال تعالى:
{ قال فالحق والحق أقول } } [ص: 84] وقال تعالى: { والله يقول الحق } [الأحزاب: 4]، وقال تعالى: { ألا إن وعد الله حق } [يونس: 55] وقال تعالى: { لا يخلف الله الميعاد } [الزمر: 20] وقد مر البحث المستوفى في معنى كلمات الله تعالى وما يرادفها من الألفاظ في عرف القرآن في ذيل قوله تعالى: { منهم من كلم الله } [البقرة: 253]. وقوله في ذيل الآية: {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} تثبيت واستشهاد لقوله: {ولقد كذبت رسل من قبلك} الخ، ويمكن أن يستفاد منه أن هذه السورة نزلت بعد بعض السور المكية التي تقص قصص الأنبياء كسورة الشعراء ومريم وأمثالهما، وهذه السور نزلت بعد أمثال سورة العلق والمدثر قطعاً فتقع سورة الأنعام على هذا في الطبقة الثالثة من السورة النازلة بمكة قبل الهجرة، والله أعلم.
قوله تعالى: {وإن كان كبر عليك إعراضهم - إلى قوله - فتأتيهم بآية} قال الراغب: النفق الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: {فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض}، ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبَّه بقوله: إن المنافقين هم الفاسقون أي الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شراً من الكافرين فقال: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ونيفق السراويل معروف، انتهى.
وقال: السلم ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية فيرجى به السلامة ثم جعل اسماً لكل ما يتوصل به إلى شيء رفيع كالسبب، قال تعالى: أم لهم سلم يستمعون به، وقال: {أو سلماً في السماء}، وقال الشاعر: ولو نال أسباب السماء بسلم، انتهى.
وجواب الشرط في الآية محذوف للعلم به، والتقدير كما قيل: وإن استطعت أن تبتغي كذا وكذا فافعل.
والمراد بالآية في قوله تعالى: {فتأتيهم بآية} الآية التي تضطرهم إلى الإِيمان فإن الخطاب أعني قوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} الخ، إنما أُلقي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق القرآن الذي هو أفضل آية إلهية تدل على حقية دعوته، ويقرب إعجازه من فهمهم وهم بلغاء عقلاء فالمراد أنه لا ينبغي أن يكبر ويشق عليك إعراضهم فإن الدار دار الاختيار، والدعوة إلى الحق وقبولها جاريان على مجرى الاختيار، وإنك لا تقدر على الحصول على آية توجب عليهم الإِيمان وتلزمهم على ذلك فإن الله سبحانه لم يرد منهم الإِيمان إلا على اختيار منهم فلم يخلق آية تجبر الناس على الإِيمان والطاعة، ولو شاء الله لآمن الناس جميعاً فالتحق هؤلاء الكافرون بالمؤمنين بك فلا تبتئس ولا تجزع بإعراضهم فتكون من الجاهلين بالمعارف الإِلهية.
وأما ما احتمله بعضهم: أن المراد فتأتيهم بآية هي أفضل من الآية التي أرسلناك بها أي القرآن فلا يلائمه سياق الآية وخاصة قوله {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} فإنه ظاهر في الاضطرار.
ومن هنا يظهر أن المراد بالمشيئة أن يشاء الله منهم الاهتداء إلى الإِيمان فيضطروا إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من الآية الشريفة.
لكنه سبحانه فيما يشابه الآية من كلامه لم يبن عدم مشيئته ذلك على لزوم الاضطرار كقوله تعالى:
{ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } } [السجدة: 13] يشير تعالى بذلك إلى نحو قوله: { قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ص: 84 - 85] فبين تعالى أن عدم تحقق مشيئته لهداهم جميعاً إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ما أقسم عليه إبليس أنه سيغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين.
وقد أسند القضاء في موضع آخر إلى غوايتهم قال تعالى في قصة آدم وإبليس:
{ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط عليّ مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، وإن جهنم لموعدهم أجمعين } [الحجر: 39 - 43] وقد نسب ذلك إليهم إبليس أيضاً فيما حكى الله سبحانه من كلامه لهم يوم القيامة: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } [إبراهيم: 22] - إلى أن قال - { إني كفرت بما أشركتمون من قبل } [إبراهيم: 22]. فالآيات تبين أن المعاصي ومنها الشرك تنتهي إلى غواية الإِنسان والغواية تنتهي إلى نفس الإِنسان، ولا ينافي ذلك ما يظهر من آيات أُخر أن الإِنسان ليس له أن يشاء إلا أن يشاء الله منه المشيئة كقوله تعالى: { إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، وما تشاؤُن إلا أن يشاء الله } [الإنسان: 29 - 30]، وقال تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاؤُن إلا أن يشاء الله رب العالمين } [التكوير: 27 - 29]. فمشيئة الإِنسان في تحققها وإن توقفت على مشيئة الله سبحانه إلا أن الله سبحانه لا يشاء منه المشيئة إلا إذا استعد لذلك بحسن سريرته، وتعرض منه لرحمته، قال تعالى: { { ويهدي إليه من أناب } [الرعد: 27] أي انعطف ورجع إليه، وأما الفاسق الزائغ قلبه المخلد إلى الأرض المائل إلى الغواية فإن الله لا يشاء هدايته ولا يغشاه برحمته كما قال: { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين } } [البقرة: 26] وقال: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } } [الصف: 5] وقال: { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } [الأعراف: 176]. وبالجملة فالدعوة الدينية لا تسلك إلا سبيل الاختيار، والآيات الإِلهية لا تنزل إلا مع مراعاة الاختيار، ولا يهدي الله سبحانه إليه إلا من تعرض لرحمته واستعد لهدايته من طريق الاختيار.
وبهذا تنحل شبهة أُخرى لا تخلو عن إعضال، وهى أنا سلمنا أن إنزاله تعالى آية تجبرهم على الإِيمان وتضطرهم إلى قبول الدعوة الدينيه ينافي أساس الاختيار الذي تبتنى عليه بنية الدعوة الدينية لكن لمَ لا يجوز أن يشاء الله إيمان الناس جميعاً على حد مشيتئه إيمان من آمن منهم بأن يشاء من الجميع أن يشاءوا كما شاء من المؤمنين خاصه أن يشاءوا ثم ينزل آية تسوقهم إلى الهدى، وتلبسهم الإِيمان من غير أن يبطل بذلك اختيارهم وحريتهم في العمل.
وذلك أنه وإن أمكن ذلك بالنظر إلى نفسه لكنه ينافي الناموس العام في عالم الأسباب، ونظام الاستعداد والإِفاضة فالهدى إنما يفاض على من اتقى الله وزكى نفسه وقد أفلح من زكاها، ولا يصيب الضلال إلا من أعرض من ذكر ربه ودسى نفسه وقد خاب من دساها، وإصابة الضلال هو أن يمنع الإِنسان الهدى قال تعالى:
{ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً، كلاً نمد هٰؤلاء وهٰؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً } [الإسراء: 18 - 20]، أي ممنوعاً فالله سبحانه يمد كل نفس من عطائه بما يستحقه فإن أراد الخير أُوتيه وإن أراد الشر أُوتيه أي منع من الخير، ولو شاء الله لكل نفس صالحة أو طالحة أن تشاء الخير وتنكب على الإِيمان والتقوى من طريق الاختبار كان في ذلك إبطال النظام العام وإفساد أمر الأسباب.
وتؤيد ما ذكر الآية التالية أعني قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} إلى آخر الآية على ما سيجيء من معناها.
قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} الآية كالبيان لقوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} إلى آخر الآية فإن ملخصه إنك لا تستطيع صرفهم عن هذا الإِعراض، والحصول على آية تسوقهم إلى الإِيمان، فبين في هذه الآية أنهم بمنزلة الموتى لا شعور لهم ولا سمع حتى يشعروا بمعنى الدعوة الدينية ويسمعوا دعوة الداعي وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فهذه الهياكل المتراءات من الناس صنفان: صنف منهم أحياء يسمعون، وإنما يستجيب الذين يسمعون، وصنف منهم أموات لا يسمعون وإن كانوا ظاهراً في صور الأحياء وهؤلاء يتوقف سمعهم الكلام على أن يبعثهم الله، وسوف يبعثهم فيسمعون ما لم يستطيعوا سمعه في الدنيا كما حكاه الله عنهم بقوله:
{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا إبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون } [السجدة: 12]. فالكلام مسوق سوق الكناية، والمراد بالذين يسمعون المؤمنون وبالموتى المعرضون عن استجابة الدعوة من المشركين وغيرهم، وقد تكرر في كلامه تعالى وصف المؤمنين بالحياة والسمع، ووصف الكفار بالموت والصمم كما قال تعالى: { أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } [الأنعام: 122] وقال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } [النمل: 80 - 81] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقد تكرر في بعض الأبحاث السابقة معنى آخر لهذه الأوصاف التي حملها الجمهور من المفسرين على الكناية والتشبيه، وأن لها معنى من الحقيقة فليراجع.
وفي الآية دلالة على أن الكفار والمشركين سيفهمهم الله الحق ويسمعهم دعوته في الآخرة كما فهّم المؤمنين وأسمعهم في الدنيا، فالإِنسان مؤمناً كان أو كافراً لا مناص له عن فهم الحق عاجلاً أو آجلاً.
(بحث روائي)
في تفسير القمي قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب إسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهد به أن يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} إلى قوله {نفقاً في الأرض}، يقول: سرباً.
أقول: والرواية على ما بها من ضعف وإرسال لا تلائم ظاهر الروايات الكثيرة الدالة على نزول السورة دفعة، وإن كان يمكن توجيهها بوقوع السبب قبل نزول السورة ثم الإِشارة بالآية إلى السبب المحقق بعنوان الانطباق.