التفاسير

< >
عرض

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ
٥٦
قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ
٥٧
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ
٥٨
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ
٥٩
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٦٠
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ
٦١
ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ
٦٢
قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٦٣
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ
٦٤
قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
٦٥
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
٦٦
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٦٧
وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
٦٨
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
٦٩
وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧١
وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
-الأنعام

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات من تتمة الاحتجاجات على المشركين في التوحيد وما يرتبط به من المعارف في النبوة والمعاد، وهى ذات سياق متصل متسق.
قوله تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} إلى آخر الآية. أمر بأن خبرهم بورود النهي عليه عن عبادة شركائهم هو نهي عن عبادتهم بنوع من الكناية ثم أشار إلى ملاك النهي عنها بقوله: {قل لا أتبع أهواءكم} وهو أن عبادتهم اتباع للهوى وقد نهى عنه ثم أشار بقوله: {قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين} إلى سبب الاستنكاف عن اتباع الهوى وهو الضلال والخروج عن جماعة المهتدين وهم الذين اتصفوا بصفة قبول هداية الله سبحانه، وعرفوا بذلك، فاتباع الهوى ينافي استقرار صفة الاهتداء في نفس الإِنسان، ويمانع إشراق نور التوحيد على قلبه إشراقاً ثابتاً ينتفع به.
وقد تلخص بذلك كله بيان تام معلل للنهي أو الانتهاء عن عبادة أصنامهم، وهو أن في عبادتها اتباعاً للهوى، وفي اتباع الهوى الضلال والخروج عن صف المهتدين بالهداية الإِلهية.
قوله تعالى: {قل إني على بينة من ربي وكذبتم به} إلى آخر الآية. البينة هو الدلالة الواضحة من البيان وهو الوضوح، والأصل في معنى هذه المادة هو إنعزال شيء عن شيء وانفصاله عنه بحيث لا يتصلان ولا يختلطان، ومنه البين والبون والبينونة وغير ذلك، قد سميت البينة بينة لأن الحق يبين بها عن الباطل فيتضح ويسهل الوقوف عليه من غير تعب ومؤنة.
والمراد بمرجع الضمير في قوله: {وكذبتم به} هو القرآن وظاهر السياق أن يكون التكذيب إنما تعلق بالبينة التي هو صلى الله عليه وآله وسلم عليها على ما هو ظاهر اتصال المعنى، ويؤيده قوله بعده: {ما عندي ما تستعجلون به} الخ، فإن المحصل من الكلام مع انضمام هذا الذيل: أن الذي أيّد الله به رسالتي من البينات وهو القرآن تكذبون به، والذي تقترحونه علي وتستعجلون به من الآيات ليس في اختياري ولا مفوضاً أمره إلي فليس بيننا ما نتوافق فيه لما أني أُوتيت ما لا تريدون وأنتم تريدون ما لم أُوت.
فمن هنا يظهر أن الضمير المجرور في قوله: {وكذبتم به} راجع إلى البينة لكون المراد به القرآن، وأن قوله: {ما عندي ما تستعجلون به} أُريد به نفي التسلط على ما يستعجلون به بالتكنية فإن الغالب فيما يقدر الإِنسان عليه وخاصة في باب الإِعطاء والإِنفاق أن يكون ما يعطيه وينفقه حاضراً عنده أو مذخوراً لديه وتحت تسلطه ثم ينفق منه ما ينفق فقد أريد بقوله: {ما عندي} نفي التسلط والقدرة من باب نفي الملزوم بنفي اللازم.
وقوله: {إن الحكم إلا لله} الخ، بيان لسبب النفي، ولذلك جيء فيه بالنفي والاستثناء المفيد للحصر ليدل بوقوع النفي على الجنس على أن ليس لغيره تعالى من سنخ الحكم شيء قط وأنه إلى الله سبحانه فحسب.
(كلام في معنى الحكم وأنه لله وحده)
مادة الحكم تدل على نوع من الإِتقان يتلاءَم به أجزاء الشيء وينسدّ به خلله وفرجه فلا يتجزَّى إلى الأَجزاء ولا يتلاشى إلى الابعاض حتّى يضعف أثره وينكسر سورته، وإلى ذلك يرجع المعنى الجامع بين تفاريق مشتقاته كالإِحكام والتحكيم والحكمة والحكومة وغير ذلك.
وقد تنبه الإِنسان على نوع تحقق من هذا المعنى في الوظائف المولوية والحقوق الدائرة بين الناس فإن الموالي والرؤساء إذا أمروا بشيء فكأنما يعقدون التكليف على المأمورين ويقيدونهم به عقداً لا يقبل الحل وتقييداً لا يسعهم معه الإِنطلاق، وكذلك مالك سلعة كذا أو ذو حق في أمر كذا كأن بينه وبين سلعته أو الأمر الذي فيه نوعاً من الإِلتئام والاتصال الذي يمنع أن يتخلل غيره بينه وبين سلعته بالتصرف أو بينه وبين مورد حقه فيقصر عنه يده، فإذا نازع أحد مالك سلعة في ملكها كأن ادعاه لنفسه أو ذا الحق في حقه فأراد إبطال حقه فقد استوهن هذا الإِحكام وضعف هذا الإِتقان ثم إذا عقد الحكم أو القاضي الذي رفعت إليه القضية الملك أو الحق لأحد المتنازعين فقد أوجد هناك حكماً أي إتقاناً بعد فتور، وقوة إحكاماً بعد ضعف ووهن، وقوله: ملك السلعة لفلان أو الحق في كذا لفلان حكم يرتفع به غائلة النزاع والمشاجرة، ولا يتخلل غير المالك وذي الحق بين الملك والحق وبين ذيهما، وبالجملة الآمر في أمره والقاضي في قضائه كأنهما يوجدان نسبة في مورد الأمر والقضاء يحكمانه بها ويرفعان به وهناً وفتوراً، وهو الذي يسمى الحكم.
فهذه سبيل تنبه الناس لمعنى الحكم في الأمور الوضعية الاعتبارية ثم رأوا أن معناه يقبل الانطباق على الأمور التكوينية الحقيقية إذا نسبت إلى الله سبحانه من حيث قضائه، وقدره فكون النواة مثلاً تنمو في التراب ثم تنبسط ساقاً وأغصاناً وتورق وتثمر وكون النطفة تتبدل جسماً ذا حياة وحس وهكذا كل ذلك حكم من الله سبحانه وقضاء، فهذا ما نعلقه من معنى الحكم وهو إثبات شيء لشيء أو إثبات شيء عند شيء.
ونظرية التوحيد التي يبنى عليها القرآن الشريف بنيان معارفه لما كانت تثبت حقيقة التأثير في الوجود لله سبحانه وحده لا شريك له، وإن كان الانتساب مختلفاً باختلاف الأشياء غير جار على وتيرة واحدة كما ترى أنه تعالى ينسب الخلق إلى نفسه ثم ينسبه في موارد مختلفة إلى أشياء مختلفة، بنسب مختلفه، وكذلك العلم والقدرة والحياة والمشيئة والرزق والحسن إلى غير ذلك، وبالجملة لما كان التأثير له تعالى كان الحكم الذي هو نوع من التأثير والجعل له تعالى سواء في ذلك الحكم في الحقائق التكوينية أو في الشرائع الوضعية الاعتبارية، وقد أيد كلامه تعالى هذا المعنى كقوله:
{ إن الحكم إلا لله } [يوسف: 40] وقوله تعالى: {ألا له الحكم} وقوله: { له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم } [القصص: 70] وقوله تعالى: { والله يحكم لا معقب لحكمه } [الرعد: 41] ولو كان لغيره تعالى حكم لكان له أن يعقب حكمه ويعارض مشيئته، وقوله: { فالحكم لله العلي الكبير } [غافر: 12] إلى غير ذلك، فهذه آيات خاصة أو عامة تدل على اختصاص الحكم التكويني به تعالى.
ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله:
{ إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم } [يوسف: 40] فالحكم لله سبحانه لا يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه ما مر من الآيات غير أنه تعالى ربما ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره كقوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } [المائدة: 95] وقوله لداود عليه السلام: { إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق } [ص: 26] وقوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } } [المائدة: 49] وقوله: { فاحكم بينهم بما أنزل الله } [المائدة: 48] وقوله: { يحكم بها النبيون } [المائدة: 44] إلى غير ذلك من الآيات وضمها إلى القبيل الأول يفيد أن الحكم الحق لله سبحانه بالأصالة وأولاً لا يستقل به أحد غيره، ويوجد لغيره بإذنه وثانياً، ولذلك عد تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم لما أنه لازم الأصالة والاستقلال والأولية فقال: { أليس الله بأحكم الحاكمين } } [التين: 8] وقال { وهو خير الحاكمين } [الأعراف: 87]. والآيات المشتملة على نسبة الحكم إلى غيره تعالى بإذن ونحوه - كما ترى - تختص بالحكم الوضعي الاعتباري، وأما الحكم التكويني فلا يوجد فيها - على ما اذكر - ما يدل على نسبته إلى غيره وإن كانت معاني عامة الصفات والأفعال المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره نوعاً من الانتساب بإذنه ونحوه كالعلم والقدرة والحياة والخلق والرزق والإِحياء والمشيئة وغير ذلك في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.
ولعل ذلك مراعاة لحرمة جانبه تعالى لاشعار الصفة بنوع من الاستقلال الذي لا مسوغ لنسبته إلى هذه الأسباب المتوسطه كما أن القضاء والأمر التكوينيين كذلك، ونظيرتها في ذلك الفاظ البديع والبارئ والفاطر والفاظ أُخر يجري مجراها في الإِشعار بمعاني تنبئ عن نوع من الاختصاص، وإنما كف عن استعمالها في غير مورده تعالى رعاية لحرمة ساحة الربوبية.
* * *
ولنرجع إلى ما كنا فيه من تفسير الآية فقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} أريد بالحكم فيه القضاء التكويني، والجملة تعليل للنفي في قوله: {ما عندي ما تستعجلون به} والمعنى - على ما يعطيه السياق - أن الحكم لله وحده وليس إلى أن اقضي بيني وبينكم، وهو الذي تستعجلون به باستعجالكم بما تقترحون علي من الآية.
وعلى هذا فقوله: {ما عندي ما تستعجلون به} مستعمل استعمال الكناية كأنهم باقتراحهم إتيان آية أخرى غير القرآن كانوا يقترحون عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقضي بينه وبينهم ولعل هذا هو السر في تكرار لفظ الموصول والصلة في الآية التالية حيث يقول تعالى: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به} وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقال: لو أن عندي ذلك، وذلك أنه أريد بقوله: {ما تستعجلون به} في الآية الأولى لازم الآية وهو القضاء بينه وبينهم على ما جرت به السنّة الإِلهية، وفي الآية الثانية نفس الآية، ومن المحتمل أيضاً أن يكون أمر الكناية بالعكس من ذلك فيكون المراد بما تستعجلون به هو القضاء بالصراحة في الآية الأولى، والآية بالتكنية في الآية الثانية.
وقوله: {يقصّ الحق وهو خير الفاصلين} قرأ عاصم ونافع وابن كثير من السبعة بالقاف والصاد المهملة من القص وهو قطع شيء وفصله من شيء ومنه قوله تعالى:
{ وقالت لأخته قصيه } [القصص: 11]، وقرأ الباقون بالقاف والضاد المعجمة من القضاء، وقد حذف الياء من الرسم على حد قوله تعالى: { فما تغن النذر } [القمر: 5] ولكل من القراءتين وجه، ومآلهما من حيث المعنى واحد فإن قص الحق وفصله من الباطل لازم القضاء والحكم بالحق وإن كان قوله: {وهو خير الفاصلين} أنسب مع القص بمعنى الفصل.
وأما أخذ قوله {يقص الحق} من القص بمعنى الإِخبار عن الشيء أو بمعنى تتبع الأثر على ما احتمله بعض المفسرين فمما لا يلائم المورد:
أما الأول فلأن الله سبحانه وإن قص في كلامه كثيراً قصص الأنبياء واممهم غير أن المقام خال عن ذلك فلا موجب لذكر هذا النعت له وتوصيفه تعالى به.
وأما الثاني فلأن محصل معناه أن سنته تعالى أن يتبع الحق ويقتفي أثره في تدبير مملكته وتنظيم أمور خليقته، والله سبحانه وإن كان لا يحكم إلا الحق ولا يقضي إلا الحق إلا أن أدب القرآن الحكيم يأبى عن نسبة الاتباع والاقتفاء إليه تعالى وقد قال تعالى فيما قال:
{ الحق من ربك } [يونس: 94] ولم يقل: الحق مع ربك، لما في التعبير بالمعية من شائبة الاعتضاد والتأيد والإِيهام إلى الضعف.
(كلام في معنى حقيقة فعله وحكمه تعالى)
فعله وحكمه تعالى نفس الحق لا مطابق للحق موافق له، بيان ذلك أن الشيء إنما يكون حقاً إذا كان ثابتاً في الخارج واقعاً في الأعيان من غير أن يختلقه وهم أو يصنعه ذهن كالإِنسان الذي هو أحد الموجودات الخارجية والأرض التي يعيش عليها والنبات والحيوانات التي يغتذي، بها والخبر إنما يكون حقاً إذا طابق الواقع الثابت في نفسه مستقلاً عن إدراكنا والحكم والقضاء إنما يكون حقاً إذا وافق السنة الجارية في الكون فإذا أمر الآمر بشيء أو قضى القاضي بشيء فإنما يكون حكم هذا وقضاء ذاك حقاً مطلقاً إذا وافق المصلحة المطلقة المأخوذة من السنة الجارية في الكون، ويكون حقاً نسبياً إذا وافق المصلحة النسبية المأخوذة من سنة الكون بالنسبة إلى بعض أجزائه من غير نظر إلى النظام العام العالمي.
فإذا أمرنا آمر بالتزام العدل أو اجتناب الظلم فإنما يعد ذلك حقاً لأن نظام الكون يهدي الأشياء إلى سعادتها وخيرها، وقد قضى على الإِنسان أن يعيش اجتماعياً، وقضى على كل مجتمع مركب من اجزاء ان يتلاءَم أجزاؤه ولا يزاحم بعضها بعضاً، ولا يفسد طرف منه طرفاً، حتى ينال ما قسم له من سعادة الوجود، ويتوزع ذلك بين أجزائه المجتمعين، فمصلحة هذا النوع المطلقة هي سعادته في الحياة، ويطابقها الأمر بالعدل والنهي عن الظلم فكل منهما حكم حق، ولا يطابقها الأمر بالظلم والنهي عن العدل فهما من الباطل، والتوحيد حق لأنه يهدي إلى سعادة الإِنسان في حياته الحقيقيه، والشرك باطل لأنه يجر الإِنسان إلى شقاء مهلك وعذاب خالد.
وكذلك القضاء بين متخاصمين إنما يكون حقاً إذا وافق الحكم المشروع المراعي فيه المصلحة الإِنسانية المطلقة أو مصلحة قوم خاص أو أُمة خاصة، والمصلحة الحقيقية - كما عرفت - مأخوذه من السنة الجارية في الكون مطلقاً أو نسبياً.
فقد تبين أن الحق أياً ما كان إنما هو مأخوذ من الكون الخارجي والنظام المنبسط عليه والسنة الجارية فيه، ولا ريب أن الكون والوجود مع ما له من النظام والسنن والنواميس فعله سبحانه منه يبتدئ وبه يقوم، وإليه ينتهي، فالحق أياً ما كان والمصلحة كيفما فرضت يتبعان فعله ويقتفيان أثره، ويثبتان بالاستناد إليه لا أنه تعالى يتبع الحق في فعله ويقفو أثره فهو تعالى حق بذاته وكل ما سواه حق به.
ونحن معاشر الآدميين لما كنا نطلب بأفعالنا الاختيارية تتميم نواقص وجودنا ورفع حوائج حياتنا، وكانت أفعالنا ربما طابقت سعادتنا المطلوبة لنا وربما خالفت اضطررنا في ذلك إلى رعاية جانب المصلحة التي نذعن بأنها مصلحة أي فيها صلاح حالنا وسعادة جدنا وأدى ذلك إلى الإِذعان بقوانين جارية وأحكام عامة، واعتبار شرائع وسنن اجتماعية لازمة المراعاة واجبة الاتباع لموافاتها المصلحة الإِنسانية وموافقتها السعادة المطلوبة.
وأدى ذلك إلى الإِذعان بأن للمصالح والمفاسد ثبوتاً واقعياً وظروفاً من التحقق منحازاً عن العالمين: - الذهن والخارج - منعزلاً عن الدارين: - العلم والعين - وهي تؤثر أثرها في خارج الكون بالموافقة والمخالفة فإذا طابقت أفعالنا أو أحكامنا المصالح الواقعية الثابتة في نفس الأمر ظهرت فيها المصلحة وانتهت إلى السعادة، وإذا خالفتها وطابقت المفاسد الواقعية الحقيقية ساقتنا إلى كل ضر وشر، وهذا النحو من الثبوت ثبوت واقعي غير قابل للزوال والتغير فللمصالح والمفاسد الواقعية وكذا لما معها من الصفات الداعيه إلى الفعل والترك كالحسن والقبح وكذا للأحكام المنبعثة منها كوجوب الفعل والترك مثلاً لكل ذلك ثبوت واقعي يأبى عن الفناء والبطلان، ويمتنع عن التغير والتبدل وهي حاكمة فينا باعثة لنا إلى أفعال كذا أو صارفة، والعقل ينال هذه الأمور النفس الأمرية كما ينال سائر الأمور الكونية.
ثم لما وجدوا أن الأحكام والشرائع الإِلهية لا تفارق الأحكام والقوانين الإِنسانية المجعولة في المجتمعات من جهة معنى الحكم، وكذا افعاله تعالى لا تختلف مع أفعالنا من جهة معنى الفعل حكموا بأن الأحكام الإِلهية والأفعال المنسوبة إلى الله سبحانه كأفعالنا في الانطباق على المصالح الواقعية والاتصاف بصفة الحسن، فالمصالح الواقعية تأثير في أفعاله تعالى وحكومة على أحكامه وخاصة من حيث إنه تعالى عالم بحقائق الأمور بصير بمصالح عباده.
وهذا كله من إفراط الرأي، وقد عرفت مما تقدم ان هذه أحكام وعلوم اعتبارية غير حقيقية اضطرنا إلى اعتبارها وجعلها الحوائج الطبيعية وضرورة الحياة الإِجتماعية لا خبر عنها في الخارج عن ظرف الاجتماع، ولا قيمة لها إلا أنها أُمور متقررة في ظرف الوضع والاعتبار يميز بها الإِنسان ما ينفعه من الأعمال مما يضره، وما يصلح شأنه مما يفسده، وما يسعده مما يشقيه.
وقد ساقت العصبية المذهبية الطائفتين الباحثتين عن المعارف الدينية في صدر الإِسلام إلى تقابل عجيب بالإِفراط والتفريط في هذا المقام فطائفة - وهم المفوضة - أثبتوا مصالح ومفاسد نفس أمرية وحسناً وقبحاً واقعيين هي ثابتة ثبوتاً أزلياً أبدياً غير متغير ولا متبدل وهي حاكمة على الله سبحانه بالإِيجاب والتحريم، مؤثرة في أفعاله تكويناً وتشريعاً بالحظر والترخيص فأخرجوه تعالى عن سلطانه، وابطلوا إطلاق ملكه.
وطائفة - وهم المجبّرة - نفت ذلك كله، وأصرّت على أن الحسن في الشيء إنما هو تعلق الأمر به، والقبح تعلق النهي به، ولا غرض ولا غاية في تكوين ولا تشريع، وأن الإِنسان لا يملك من فعله شيئاً ولا قدرة قبل الفعل عليه كما أن الطائفة الأولى ذهبت إلى ان الفعل مخلوق للإِنسان وأن الله سبحانه لا يملك من فعل الإِنسان شيئاً ولا تتعلق به قدرته.
والقولان - كما ترى - إفراط وتفريط فلا هذا ولا ذاك بل حقيقة الأمر أن هذه ونظائرها أمور اعتبارية وضعية لها أصل حقيقي وهوان الإِنسان - ونظيره سائر الحيوانات الاجتماعية كل على قدره - في مسيره الحيوي الذي لا يريد به إلا ابقاء الحياة ونيل السعادة ناقص محتاج يرفع جهات نقصه وحاجته بأعماله الاجتماعية الصادرة عن الشعور والإِرادة فاضطره ذلك إلى أن يصف أعماله والأمور التي تتعلق بها أعماله في طريق الوصول إلى غاية سعادته والتجنب عن شقائه بأوصاف الأمور الخارجية من حسن وقبح ووجوب وحرمة وجواز وملك وحق وغير ذلك، ويجري فيها نواميس الأسباب والمسببات فيضع في إثر ذلك قوانين عامة وخاصة، ويعتقد لذلك نوعاً من الثبوت الذي يعتقده للأمور الحقيقية حتى يتم له بذلك أمر حياته الاجتماعية.
فترانا نعتقد أن العدل حسن كما أن الورد حسن جميل، والظلم قبيح شائه كما أن الميتة المنتنة كذلك، وأن المال لنا كما إن أعضاءنا لنا، والعمل الكذائي واجب كما أن الآثار واجبة لعللها التامة، وعلى هذا القياس، ولذلك ترى أن هذه الآراء تختلف بين الأقوام إذا اختلفت مقاصد مجتمعاتهم فترى هؤلاء يحسنون ما يقبحه آخرون وتجد طائفة تلغي من الأحكام ما تعتبره أُخرى، وتلقى أُمة تنكر ما تعرفه أُمة أو تعجبها ما يستشنعه غيرها، وربما تترك سنة مأخوذة ثم تؤخذ ثم تترك في أُمه واحدة على نسق الدوران بحسب مراحل السير الاجتماعي ومساسه بلوازم الحياة، هذا في المقاصد التي تختلف في المجتمعات، وأما المقاصد العامة التي لا يختلف فيه اثنان كأصل الاجتماع والعدل والظلم ونحو ذلك فما لها من وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة وغيرها لا تختلف البتة ولا يختلف فيه، هذا فيما يرجع إلينا.
والله سبحانه لما قلب دينه في قالب السنن العامة الاجتماعية اعتبر في بيانه المعارف الحقيقية المسبوكة في قالب السنن الاجتماعية ما نعتبره نحن في مسير حياتنا فأراد منا أن نفكر فيما يرجع إلى معارفه، ونتلقى ما يلقيه إلينا من الحقائق كما نفكر ونتلقى ما عندنا من سنن الحياة فعد نفسه رباً معبوداً، وعدّنا عباداً مربوبين، وذكّرنا أن له ديناً مؤلفاً من عقائد أصلية وقوانين عملية تستعقب ثواباً وعقاباً وأن في اتباعه صلاح حالنا، وحسن عاقبتنا، وسعادة جدنا على نحو المسلك الذي نسلكه في آرائنا الاجتماعية.
فهناك عقائد أصليه يجب علينا أن نعتقد بها ونلزمها، وهناك وظائف عملية وقوانين إلهية في العبادات والمعاملات والسياسات يجب علينا أن نعمل بها ونراعيها كما أن الأمر في جميع المجتمعات الإِنسانية على ذلك.
وهذا هو الذي يسوّغ لنا أن نبحث عن المعارف الدينية اعتقادية أو عملية كما نبحث عن المعارف الاجتماعية اعتقادية أو عملية، وأن نستند في المعارف الدينية من الآراء العقلية، والقضايا العملية بعين ما نستند إليه في المعارف الاجتماعية فالله سبحانه لا يختار لعباده من الوظائف والتكاليف إلا ما فيه المصلحة التي تصلح شأنهم في دنياهم وآخرتهم، ولا يأمر إلا بالحسن الجميل، ولا ينهى إلا عن القبيح الشائه الذي فيه فساد دين أو دنيا، ولا يفعل إلا ما يؤثره العقل، ولا يترك إلا ما ينبغي أن يترك.
إلا أنه تعالى ذكَّرنا مع ذلك بأمرين:
أحدهما: أن الأمر في نفسه أعظم من ذلك وأعظم فإن ذلك كله معارف مأخوذة من مواد الآراء الاجتماعية وهى في الحقيقة لا تتعدى طور الاجتماع، ولا ترقى إلى عالم السماء كما قال:
{ إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون، وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 3 - 4] وقال في مثل ضربه: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل } } [الرعد: 17] الآية وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" ، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنَّة.
وليس معنى هذا البحث نفي الحسن والمصلحة مثلاً عن أفعاله تعالى بمعنى إثبات ما يقابله حتى يستتبع ذلك إثبات القبح والمفسدة أو سقوط أفعاله عن الاعتبار العقلائي كأفعال الصبيان تعالى عن ذلك كما أن نفي البصر بمعنى الجارحة عن العقل لا يوجب إثبات العمى له أو سقوطه عن مرتبة الإِدراك بل تنزيهه عن النقص.
وثانيهما: أن جهات الحسن ومزايا المصالح وإن كانت تعلل بها أفعاله تعالى وشرائع أحكامه وتبين بها وظائف العبودية كما تعلل بها ما عندنا من الأحكام والأعمال العقلائية إلا أن بين البابين فرقاً وهو أنها في جانبنا حاكمة على الإِرادة مؤثره في الاختيار فنحن بما أنَّا عقلاء إذا وجدنا فعلاً ذا صفة حسن مقارناً لمصلحة غير مزاحمة بعثنا ذلك إلى اقتراف العمل وإذا وجدنا حكماً على هذا النعت لم نتردد في تقنينه وحكمنا به وأجريناه في مجتمعنا مثلاً.
وليست هذه الوجوه والعلل أعني جهات الحسن والمصلحة إلا معاني أخذناها من سنَّة التكوين والوجود الخارجي الذي هو منفصل من أذهاننا مستقل دوننا فأردنا في اختيار الأعمال الحسنة ذوات المصلحة أن لا نخبط في مسيرنا وتنطبق أعمالنا على سنة التكوين وتقع في صراط الحقيقة، فهذه الجهات والمصالح معان منتزعة من خارج الأعيان متفرعة عليه، وأعمالنا متفرعة على هذه الجهات محكومة لها متأثرة عنها، والكلام في أحكامنا المجعولة لنا نظير الكلام في أعمالنا.
وأما فعله تعالى فهو نفس الكون الخارجي والوجود العيني الذي كنا ننتزع منه وجوه الحسن والمصلحة وكانت تتفرع عليه بما أنها انتزعت منه فكيف يمكن أن يعد فعله تعالى متفرعاً عليها محكوماً لها متأثراً عنها، وكذلك أحكامه تعالى المشرعة تستتبع الواقع لا أنها تتبع الواقع فافهم ذلك.
فقد تبين: أن جهات الحسن والمصلحة وما يناظرها في عين أنها موجودة في أفعاله تعالى وأحكامه، وفي أفعالنا وأحكامنا بما نحن عقلاء تختلف في أنها بالنسبة إلى أعمالنا وأحكامنا حاكمة مؤثرة، وإن شئت قلت دواع وعلل غائية، وبالنسبة إلى أفعاله وأحكامه تعالى لازمة غير منفكة وإن شئت قلت: فوائد مطردة، فنحن بما أنا عقلاء نفعل ما نفعل ونحكم ما نحكم لأنا نريد به تحصيل الخير والسعادة وتملك ما لا نملكه بعد، وهو تعالى يفعل ما يفعل ويحكم ما يحكم لأنه الله، ويترتب على فعله ما يترتب على فعلنا من الحسن والمصلحة، وأفعالنا مسؤول عنها معللة بغاياتها ومصالحها، وأفعاله غير مسؤول عنها ولا معللة بغاية لا يملكها بل مكشوفة بلوازمها ونعوتها اللازمة ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فافهم ذلك.
وهذا هو الذي يهدي إليه كلامه عز اسمه كقوله تعالى:
{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } [الأنبياء: 23] وقوله: { له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم } [القصص: 70] وقوله: { ويفعل الله ما يشاء } } [إبراهيم: 27] وقوله: { والله يحكم لا معقب لحكمه } [الرعد: 41]. ولو كان فعله تعالى كأفعالنا العقلائية لكان لحكمه معقب إلا أن يعتضد بمصلحة محسنة ولم يكن له ليفعل ما يشاء بل ما تشير إليه المصلحة المقارنة، وقوله: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } [الأعراف: 28] وقوله: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } } [الأنفال: 24] وغير ذلك من الآيات التي تعلل الأحكام بوجوه الحسن والمصلحة.
قوله تعالى: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم} إلى آخر الآية، أي لو قدرت على ما تقترحونه علي من الآية والحال أنها بحيث إذا نزلت على رسول لم تنفك عن الحكم الفصل بينه وبين امته لقضي الأمر بيني وبينكم، ونجي بذلك أحد المتخاصمين المختلفين وعذب الآخر وأهلك، ولم يعذّب بذلك ولا يهلك إلا أنتم لأنكم ظالمون، والعذاب الإِلهي إنما يأخذ الظالمين بظلمهم، وهو سبحانه أنزه ساحة من أن يشتبه عليه الأمر ولا يميز الظالمين من غيرهم فيعذبني دونكم.
ففي قوله تعالى: {والله أعلم بالظالمين} نوع تكنية وتعليل أي إنكم أنتم المعذبون لأنكم ظالمون والعذاب الإِلهي لا يعدو الظالمين إلى غيرهم، وفي الجملة إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى:
{ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } [الأنعام: 47]. قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} إلى آخر الآية. ذكروا في وجه اتصال الآية بما قبلها أن الآية السابقة لما ختمت بقوله: {والله أعلم بالظالمين} زاد الله سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو، ويعلم كل دقيق وجليل.
وهذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذي يدل عليه قوله: {لا يعلمها إلا هو} فالأولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الآيتين السابقتين أعني قوله: {قل إني على بينة من ربي} إلى قوله {والله أعلم بالظالمين} حيث يدل المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الآية وما يستتبعه من الحكم الفصل والقضاء بينه وبينهم إنما هو عند الله لا سبيل إليه لغيره فهو العالم بذلك الحاكم به، ولا يغلط في حكمه الفصل وتعذيب الظالمين لأنه أعلم بهم فهو عالم بالغيب لا يشاركه فيه غيره، وعالم بكل ما جل ودق لا يضل ولا ينسى، ثم زاد ذلك بياناً بقوله: {وعنده مفاتح الغيب} الآية فبيّن به اختصاصه تعالى بعلم الغيب وشمول علمه كل شيء، ثم تمّم البيان بالآيات الثلاث التي تتلوها.
وبذلك تصير الآيات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله تعالى في قصه هود وقومه:
{ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال إنما العلم عند الله وأُبلغكم ما أرسلت به } [الأحقاف: 22 - 23]. ثم نقول: المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزينة، وربما احتمل أن يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده ما قرئ شاذاً: {وعنده مفاتيح الغيب} ومآل المعنيين واحد فإن من عنده مفاتيح الخزائن هو عالم بما فيها قادر على التصرف فيها كيف شاء عادة كمن عنده نفس الخزائن إلا أن سائر كلامه تعالى فيما يشابه هذا المورد يؤيد المعنى الأول فإنه تعالى كرر في كلامه ذكر خزائنه وخزائن رحمته - وذلك في سبعة مواضع - ولم يذكر لها مفاتيح في شيء من كلامه قال تعالى: { أم عندهم خزائن ربك } } [الطور: 37] وقال: { لا أقول لكم عندي خزائن الله } } [الأنعام: 50] وقال: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } } [الحجر: 21] وقال: { ولله خزائن السماوات والأرض } [المنافقون: 7] وقال: { أم عندهم خزائن رحمة ربك } [ص: 9] فالأقرب أن يكون المراد بمفاتح الغيب خزائنه.
وكيف كان فقوله: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} مسوق لبيان انحصار العلم بالغيب فيه تعالى إما لأن خزائن الغيب لا يعلمها إلا الله، وإما لأن مفاتيح الغيب لا يعلمها غيره تعالى فلا سبيل لغيره إلى تلك الخزائن إذ لا علم له بمفاتيحها التي يتوصل بها إلى فتحها والتصرف فيها.
وصدر الآية وإن أنبأ عن انحصار علم الغيب فيه تعالى لكن ذيلها لا يختص بعلم الغيب بل ينبئ عن شمول علمه تعالى بكل شيء أعم من أن يكون غيباً أو شهادة فإن كل رطب ويابس لا يختص بما يكون غيباً وهو ظاهر فالآية بمجموعها يبين شمول علمه تعالى لكل غيب وشهادة، غير أن صدرها يختص ببيان علمه بالغيوب، وذيلها ينبئ عن علمه بكل شيء أعم من الغيب والشهادة.
ومن جهة أخرى صدر الآية يتعرض للغيوب التي هي واقعة في خزائن الغيب تحت أستار الخفاء وأقفال الإِبهام، وقد ذكر الله سبحانه في قوله:
{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [الحجر: 21] أن التي في خزائن الغيب عنده من الأشياء أمور لا يحيط بها الحدود المشهودة في الأشياء، ولا يحصرها الأقدار المعهودة، ولا شك إنها إنما صارت غيوباً مخزونة لما فيها من صفة الخروج عن حكم الحد والقدر فإنا لا نحيط علماً إلا بما هو محدود ومقدر، وأما التي في خزائن الغيب من الأشياء فهى قبل النزول في منزل الشهود والهبوط إلى مهبط الحد والقدر، وبالجملة قبل أن يوجد بوجوده المقدر له غير محدودة مقدرة مع كونها ثابتة نوعاً من الثبوت عنده تعالى على ما تنطق به الآية.
فالأمور الواقعة في هذا الكون المشهود المسجونة في سجن الزمان هي قبل وقوعها وحدوثها موجودة عند الله ثابته في خزائنه نوعاً من الثبوت مبهماً غير مقدر وإن لم نستطع أن نحيط بكيفية ثبوتها فمن الواقع في مفاتح الغيب وخزائنه الأشياء قبل حدوثها واستقرارها في منزلها المقدر لها من منازل الزمان، ولعل هناك أشياء أُخر مذخورة مخزونة لا تسانخ ما عندنا من الأمور الزمانية المشهودة المعهودة، ولنسم هذا النوع من الغيب غير الخارج إلى عرصة الشهود بالغيب المطلق.
وأما الأشياء بعد تلبسها بلباس التحقق والوجود ونزولها في منزلها بالحد والقدر فالذي في داخل حدودها وأقدارها يرجع بالحقيقة إلى ما في خزائن الغيب ويرجع إلى الغيب المطلق، وأما هي مع ما لها من الحد والقدر فهي التي من شأنها أن يقع عليها شهودنا ويتعلق بها علمنا فعندما نعلم بها تصير من الشهادة وعند ما نجهل بها تصير غيباً، ومن الحري أن نسميها عندما تصير مجهولة لنا غيباً نسبياً لأن هذا الوصف الذي يطرؤها عندئذ وصف نسبي يختلف بالنسب والإِضافات كما أن ما في الدار مثلاً من الشهادة بالنسبة إلى من فيها، ومن قبيل الغيب بالنسبة إلى من هو في خارجها، وكذا الأضواء والألوان المحسوسة بحاسة البصر من الشهادة بالنسبة إلى البصر، ومن الغيب بالنسبة إلى حاسة السمع، والمسموعات التي ينالها السمع شهادة بالنسبة إليه وغيب بالنسبة إلى البصر، ومحسوساتهما جميعاً من الشهادة بالنسبة إلى الإِنسان الذي يملكهما في بدنه ومن الغيب بالنسبة إلى غيره من الأناسي.
والتي عدها تعالى في الآية بقوله: {ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبه في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} من هذا الغيب النسبي فإنها جميعاً أُمور محدودة مقدرة لا تأبى بحسب طبعها أن يتعلق بها علمنا ولا أن يكون مشهودة لنا فهي من الغيب النسبي.
وقد دلت الآية على أن هذه الأمور في كتاب مبين فما هو الذي منها في كتاب مبين؟ أهو هذه الأشياء من جهة شهادتها وغيبها جميعاً أم هي من جهة غيبها فقط؟ وبعبارة أُخرى: الكتاب المبين أهو هذا الكون المشتمل على أعيان هذه الأشياء لا يغيب عنه شيء منها وإن غاب بعضها عن بعض أم هو أمر وراء هذا الكون مكتوبة فيه هذه الأشياء نوعاً من الكتابة مخزونة فيه نوعاً من الخزن غائبة من شهادة الشهداء من أهل العالم فيكون ما في الكتاب من الغيب المطلق.
وبلفظ آخر الأشياء الواقعة في الكون المعدودة بنحو العموم في الآية أهي واقعة بنفسها في الكتاب المبين كما تقع الخطوط بأنفسها في الكتب التي عندنا أم هي واقعة بمعانيها فيه كما تقع المطالب الخارجية بمعانيها بنوع من الوقوع في ما نكتبه من الصحائف والرسائل ثم تطابق الخارج مطابقة العلم العين؟.
لكن قوله تعالى:
{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } [الحديد: 22] يدل على أن نسبة هذا الكتاب إلى الحوادث الخارجية نسبة الكتاب الذي يكتب فيه برنامج العمل إلى العمل الخارجي، ويقرب منه قوله تعالى: { { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [يونس: 61] وقوله: { لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } } [سبأ: 3] وقوله: { قال فما بال القرون الأولى، قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } [طه: 51 - 52] إلى غيرذلك من الآيات.
فالكتاب المبين أياً ما كان هو شيء غير هذه الخارجيات من الأشياء بنحو من المغايرة، وهو يتقدمها ثم يبقى بعد فنائها وانقضائها كالبرامج المكتوبة للأعمال التي تشتمل على مشخصات الأعمال قبل وقوعها ثم تحفظ المشخصات المذكورة بعد الوقوع.
على أن هذه الموجودات والحوادث التي في عالمنا متغيرة متبدلة تحت قوانين الحركة العامة والآيات تدل على عدم جواز التغير والفساد فيما يشتمل عليه هذا الكتاب كقوله تعالى:
{ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب } [الرعد: 39] وقوله: { في لوح محفوظ } [البروج: 22] وقوله: { وعندنا كتاب حفيظ } [ق: 4] فالآيات - كما ترى - تدل على أن هذا الكتاب في عين أنه يشتمل على جميع مشخصات الحوادث وخصوصيات الأشخاص المتغيرة المتبدلّة لا يتبدل هو في نفسه ولا يتسرب إليه أي تغير وفساد.
ومن هنا يظهر أن هذا الكتاب بوجه غير مفاتح الغيب وخزائن الأشياء التي عند الله سبحانه فإن الله تعالى وصف هذه المفاتح والخزائن بأنها غير مقدرة ولا محدودة، وإن القدر إنما يلحق الأشياء عند نزولها من خزائن الغيب إلى هذا العالم الذي هو مستوى الشهادة، ووصف هذا الكتاب بأنه يشتمل على دقائق حدود الأشياء وحدود الحوادث، فيكون الكتاب المبين من هذه الجهة غير خزائن الغيب التي عند الله سبحانه، وإنما هو شيء مصنوع لله سبحانه يضبط سائر الأشياء ويحفظها بعد نزولها من الخزائن وقبل بلوغها منزل التحقق وبعد التحقق والانقضاء.
ويشهد بذلك أن الله سبحانه إنما ذكر هذا الكتاب في كلامه لبيان إحاطة علمه بأعيان الأشياء والحوادث الجارية في العالم سواء كانت غائبة عنا أو مشهودة لنا، وأما الغيب المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إلى الاطلاع عليه فإنما وصفه بأنه في خزائنه والمفاتح التي عنده لا يعلمها إلا هو بل ربما أشعرت أو دلت بعض الآيات على جواز إطلاع غيره على الكتاب دون الخزائن كقوله تعالى:
{ في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون } [الواقعة: 78 - 79]. فما من شيء مما خلقه الله سبحانه إلا وله في خزائن الغيب أصل يستمد منه، وما من شيء مما خلقه الله إلا والكتاب المبين يحصيه قبل وجوده وعنده وبعده غير أن الكتاب أنزل درجة من الخزائن، ومن هنا يتبين للمتدبر الفطن أن الكتاب المبين - في عين أنه كتاب محض - ليس من قبيل الألواح والأوراق الجسمانية فإن الصحيفة الجسمانية أياً ما فرضت وكيفما قدّرت لا تحتمل أن يكتب فيها تاريخ نفسه فيما لا يزال فضلاً عن غيره فضلاً عن كل شيء في مدى الأبد.
فقد بان بما مر من البحث أولاً: أن المراد بمفاتح الغيب الخزائن الإِلهية التي تشتمل على الأشياء قبل تفريغها في قالب الأقدار، وهي تشتمل على غيب كل شيء على حد ما يدل عليه قوله تعالى:
{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [الحجر: 21]. وثانياً: أن المراد بالكتاب المبين أمر نسبته إلى الأشياء جميعاً نسبة الكتاب المشتمل على برنامج العمل إلى نفس العمل ففيه نوع تعيين وتقدير للأشياء إلا أنه موجود قبل الأشياء ومعها وبعدها، وهو المشتمل على علمه تعالى بالأشياء علماً لا سبيل للضلال والنسيان إليه، ولذلك ربما يحدس أن المراد به مرتبة واقعية الأشياء وتحققها الخارجي الذي لا سبيل للتغيير إليه فإن شيئاً ما لا يمتنع من عروض التغير عليه إلا بعد الوقوع وهو الذي يقال: إن الشيء لا يتغير عما وقع عليه.
وبالجملة هذا الكتاب يحصي جميع ما وقع في عالم الصنع والإِيجاد مما كان وما يكون وما هو كائن من غير أن يشذ عنه شاذ إلا أنه مع ذلك إنما يشتمل على الأشياء من حيث تقدّرها وتحدّدها، ووراء ذلك ألواح وكتب تقبل التغيير والتبديل، وتحتمل المحو والإِثبات كما يدل عليه قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} فإن المحو والإِثبات - وخاصة إذا قوبلا بأم الكتاب - إنما يكونان في الكتاب.
وعند ذلك يتضح اتصال الآية أعني قوله: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} إلى آخر الآية بما قبلها من الآيات فإن محصل الآيتين السابقتين أن الذي تقترحونه عليّ من الآيات القاضية بيني وبينكم ليس في مقدرتي، ولا الحكم الحق راجع إلي بل هو عند ربي في علمه وقدرته ولو كان ذلك إلي لقضي بيني وبينكم وأخذكم العذاب الذي لا يأخذ إلا الظالمين لأن الله يعلم أنكم أنتم الظالمون وهو العالم الذي لا يجهل شيئاً أما أنه لا سبيل إلى الوقوف والتسلط على ما يريده ويقضيه من آية قاضية فلأن مفاتح الغيب عنده لا يعلمها إلا هو، وأما أنه أعلم بالظالمين ولا يخطئهم إلى غيرهم فلأنه يعلم ما في البر والبحر ويعلم كل دقيق وجليل، والكل في كتاب مبين.
فقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} راجع إلى الغيب المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، وقوله: {لا يعلمها} "الخ" حال وهو يدل على أن مفاتح الغيب من قبيل العلم غير أن هذا العلم من غير سنخ العلم الذي نتعارفه فإن الذي يتبادر إلى أذهاننا من معنى العلم هو الصورة المأخوذة من الأشياء بعد وجودها وتقدرها بأقدارها ومفاتح الغيب - كما تبين - علم بالأشياء وهي غير موجودة ولا مقدرة بأقدارها الكونية أي علم غير متناه من غير انفعال من معلوم.
وقوله: {ويعلم ما في البر والبحر} تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلق به علم غيره مما ربما يحضر بعضه عند بعض وربما يغيب بعضه عن بعض، وإنما قدم ما في البر لانه أعرف عند المخاطبين من الناس.
وقوله: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} اختص بالذكر لانه مما يستصعب الإِنسان حصول العلم به لأن الكثرة البالغة التي في أوراق الأشجار تعجز الإِنسان أن يميز معها بعضها من بعض فيراقب كلاً منها فيما يطرء عليه من الأحوال، ويتنبه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط.
وقوله: {ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} الخ، معطوفات على قوله: {من ورقة} على ظاهر السياق، والمراد بظلمات الأرض بطونها المظلمة التي تستقر فيها الحبات فينمو منها ما ينمو ويفسد ما يفسد فالمعنى: ولا تسقط من حبة في بطون الأرض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا من يابس أياً ما كانا إلا يعلمها، وعلى هذا فقوله: {إلا في كتاب مبين} بدل من قوله: {إلا يعلمها} سد مسده، وتقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين.
وتوصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل شيء على حقيقة ما هو عليه من غير أن يطرأ عليه إبهام التغير والتبدل وسترة الخفاء في شيء من نعوته، وإن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضاً لأن الكتاب في الحقيقة هو المكتوب، والمكتوب هو المحكي عنه، وإذا كان ظاهراً لا سترة عليه ولا خفاء فيه فالكتاب كذلك.
قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} التوفى أخذ الشيء بتمامه، ويستعمله الله سبحانه في كلامه بمعنى أخذ الروح الحية كما في حال الموت كما في قوله في الآية التالية: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا}.
قد عد الإِنامة توفياً كما عد الإِماتة توفياً على حد قوله:
{ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } [الزمر: 42] لاشتراكهما في انقطاع تصرف النفس في البدن كما أن البعث بمعنى الإِيقاظ بعد النوم يشارك البعث بمعنى الإِحياء بعد الموت في عود النفس إلى تصرفها في البدن بعد الانقطاع، وفي تقييد التوفي بالليل كالبعث بالنهار جري على الغالب من أن الناس ينامون بالليل ويستيقظون بالنهار.
وفي قوله تعالى {يتوفاكم} دلالة على أن الروح تمام حقيقة الإِنسان الذي يعبر عنه بأنا لا كما ربما يتخيل لنا أن الروح أحد جزئي الإِنسان لا تمامه أو أنها هيئة أو صفة عارضة له، وأوضح منه دلالة قوله تعالى:
{ وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون، قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } [السجدة: 10 - 11] فإن استبعاد الكفار مبني على أن حقيقة الإِنسان هو البدن الذي يتلاشى ويفسد بانحلال التركيب بالموت فيضل في الأرض، والجواب مبني على كون حقيقته هو الروح (النفس) وإذ كان ملك الموت يتوفاه ويقبضه فلا يفوت منه شيء.
وقوله: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} الجرح هو الفعل بالجارحة والمراد به الكسب أي يعلم ما كسبتم بالنهار، والأنسب أن يكون الواو حالية والجمله حالاً من فاعل يتوفاكم، ويتصل حينئذ قوله: {ثم يبعثكم فيه} بقوله: {وهو الذي يتوفاكم} الخ، من غير تخلل معنى أجنبي فإن الآيتين في مقام شرح وقوع التدبير الإِلهي بالإِنسان في حياته الدنيا وعند الموت وبعده حتى يرد إلى ربه، والأصل العمدة من جمل الآيتين المسرودة لبيان هذا المعنى قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه} أي في النهار {ليقضى أجل مسمى} {ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} فهذا هو الأصل في المقصود، وما وراء ذلك مقصود بالتبع، والمعنى وهو الذي يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار، ثم يبعثكم في النهار الخ.
قوله تعالى: {ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى} الخ. سمى الإِيقاظ والتنبيه بعثاً محاذاة لتسمية الإِنامة توفياً وجعل الغرض من البعث قضاء الأجل المسمى وهو الوقت المعلوم عند الله الذي لا يتخطاه حياة الإِنسان الدنيوية كما قال:
{ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [النحل: 61]. وإنما جعل قضاء الأجل المسمى غاية لأنه تعالى أسرع الحاسبين، ولولا تحقق قضاء سابق لأخذهم بسيئات أعمالهم ووبال آثامهم، كما قال: { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم } [الشورى: 14] والقضاء السابق هو الذي يشتمل عليه قوله تعالى في قصة هبوط آدم عليه السلام: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36]. فالمعنى أن الله يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار من السيئات وغيرها لكن لا يمسك أرواحكم ليديم عليها الموت بل يبعثكم في النهار بعد التوفي لتقضي آجالكم المسماة {ثم إليه مرجعكم} بنزول الموت والحشر فينبئكم {بما كنتم تعملون}.
قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} قد تقدم الكلام فيه في تفسير الآية 17 من السورة.
قوله تعالى: {ويرسل عليكم حفظه} الخ، إطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا في الإِرسال ولا في الحفظة ثم جعله مغيّاً بمجيء الموت لا يخلو عن دلالة على أن هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الإِنسان من كل بلية تتوجه إليه ومصيبة تتوخاه، وآفة تقصده فإن النشأة التي نحن فيها نشأة التفاعل والتزاحم، ما فيه من شيء إلا وهو مبتلى بمزاحمة غيره من شيء من جميع الجهات لأن كلا من أجزاء هذا العالم الطبيعي بصدد الاستكمال واستزادة سهمه من الوجود، ولا يزيد في شيء إلا وينقص بنسبته من غيره فالأشياء دائماً في حال التنازع والتغلب، ومن أجزائه الإِنسان الذي تركيب وجوده ألطف التراكيب الموجودة فيه وأدقها فيما نعلم فرقباؤه في الوجود أكثر وأعداؤه في الحياة أخطر فأرسل الله إليه من الملائكة حفظة تحفظه من طوارق الحدثان وعوادي البلايا والمصائب ولا يزالون يحفظونه من الهلاك حتى إذا جاء أجله خلوا بينه وبين البلية فأهلكته على ما في الروايات.
أما ما ذكره في قوله:
{ وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون } [الإنفطار: 10 - 11] فإنما يريد به الحفظة على الأعمال غير أن بعضهم أخذ الآيات مفسرة لهذه الآية، والآية وإن لم تأب هذا المعنى كل الإِباء لكن قوله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت} إلى آخر الآية، كما تقدم يؤيد المعنى الأول.
وقوله: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} الظاهر أن المراد من التفريط هو التساهل والتسامح في إنفاذ الأمر الإِلهي بالتوفي فإن الله سبحانه وصف ملائكته بأنهم يفعلون ما يؤمرون، وذكر أن كل أمة رهن أجلهم فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فالملائكة المتصدون لأمر التوفي لا يقصرون عن الحد الواجب المحدود المكشوف لهم من موت فلان في الساعة الفلانية على الشرائط الكذائية فهم لا يسامحون في توفي من أمروا بتوفيّه ولا مقدار ذرة فهم لا يفرّطون.
وهل هذه الرسل هم الرسل المذكورون أولاً حتى تكون الحفظة هم الموكلين على التوفي؟ الآية ساكتة عن ذلك إلا ما فيها من إشعار ضعيف بالوحدة غير أن هؤلاء الرسل المأمورين بالتوفي كائنين من كانوا هم من أعوان ملك الموت لقوله تعالى:
{ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [السجدة: 11]. ونسبة التوفي إلى هؤلاء الرسل ثم إلى ملك الموت في الآية المحكية آنفاً ثم إلى الله سبحانه في قوله: { الله يتوفى الأنفس } [الزمر: 42] من قبيل التفنن في مراتب النسب فالله سبحانه ينتهى إليه كل أمر وهو المالك المتصرف على الإِطلاق، ولملك الموت التوسل إلى ما يفعله من قبض الأرواح بأعوانه الذين هم أسباب الفعل ووسائله وأدواته كالخط الذي يخطه القلم وورائه اليد ووراءهما الإِنسان الكاتب.
قوله تعالى: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} إشارة إلى رجوعهم إلى الله سبحانه بالبعث بعد الموت، وتوصيفه تعالى بأنه مولاهم الحق للدلالة على علة جميع ما تقدم من تصرفاته تعالى بالإِنامة والإِيقاظ والتدبير والإِماتة والبعث، وفيه تحليل لمعنى المولى ثم إثبات حق المولوية له تعالى، فالمولى هو الذي يملك الرقبة فيكون من حقه جواز التصرف فيها كيفما شاء، وإذ كان له تعالى حقيقة الملك، وكان هو المتصرف بالإِيجاد والتدبير والإِرجاع فهو المولى الحق الذي يثبت له معنى المولوية ثبوتاً لا زوال له بوجه البتة.
والحق من أسماء الله الحسنى لثبوته تعالى بذاته وصفاته ثبوتاً لا يقبل الزوال ويمتنع عن التغير والانتقال والضمير في {ردّوا} راجع إلى الآحاد الذي يومئ إليه سابق الكلام من قوله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت} فإن حكم الموت يعم كل واحد ويجتمع به آحادهم نفس الجماعة، ومن هنا يظهر أن قوله: {ثم ردوا} ليس من قبيل الالتفات من الخطاب السابق إلى الغيبة.
قوله تعالى: {ألا له الحكم} الخ، لما بيّن تعالى اختصاصه بمفاتح الغيب وعلمه بالكتاب المبين الذي فيه كل شيء، وتدبيره لأمر خلقه من لدن وجدوا إلى أن يرجعوا إليه تبين أن الحكم إليه لا إلى غيره، وهو الذي ذكره فيما مر من قوله: {إن الحكم إلا لله} أعلن نتيجة بيانه فقال {ألا له الحكم} ليكون منبهاً لهم مماغفلوا عنه.
وكذلك قوله: {وهو أسرع الحاسبين} نتيجة أُخرى لسابق البيان فإنه تبين به أنه تعالى لا يؤخر حساب أعمال الناس عن الوقت الصالح، له وإنما يتأخر ما يتأخر ليدرك الأجل الذي أُجل له.
قوله تعالى: {قل من ينجّيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه} إلى آخر الآية كأن المراد بالتنجية من ظلمات البر والبحر هو التخليص من الشدائد التي يبتلى بها الإِنسان في خلال الأسفار إذا ضرب في الأرض أو ركب البحر كالبرد الشديد والأمطار والثلوج وقطاع الطريق والطوفان ونحو ذلك، وأشق ما يكون ذلك على الإِنسان في الظلمات من ليل أو سحاب أو ريح تثير عجاج الأرض فيزيد في اضطراب الإِنسان وحيرته وضلالة طريق الإِحتيال لدفعه، ولذلك علقت التنجية على الظلمات، وكان أصل المعنى الإِستفهام عمن ينجَّي الإِنسان من الشدائد التي يبتلى بها في أسفاره في البر والبحر فأضيفت الشدائد إلى البر والبحر بعناية الظرفية ثم أُضيفت إلى ظلمات البر والبحر لأن للظلمات تأثيراً تاماً في تشديد هذه المكاره، ثم حذفت الشدائد وأقيمت الظلمات مقامها فعلقت التنجية عليها فقيل: ينجيكم من ظلمات البر والبحر.
وإنما خصت الظلمات بالذكر وإن كان المنجي من كل مكروه وغم هو الله سبحانه كما يذكره في الآية التالية لأن أسفار البر والبحر معروف عند الإِنسان بالعناء والوعثاء والكريهة.
والتضرع إظهار الضراعة وهو الذل والخضوع على ما ذكره الراغب، ولذلك قوبل بالخفية وهو الخفاء والإِستتار فالتضرع والخفية في الدعاء هما الإِعلان والإِسرار فيه، والإِنسان إذا نزلت به المصيبة يبتدئ فيدعو للنجاة بالإِسرار والمناجاة ثم إذا اشتدت به ولاح بعض آثار اليأس والإِنقطاع من الأسباب لا يبالي بمن حوله ممن يطّلع على ذلته واستكانته فيدعو بالتضرع والمناداة ففي ذكر التضرع والخفية إشارة إلى أنه تعالى هو المنجي من مصائب البر والبحر شديدتها ويسيرتها.
وفي قوله: {لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين} إشارة إلى أن الإِنسان يضيف في هذه الحالة التي يدعو لكشفها إلى دعائه عهداً يقدمه إلى ربه ووعداً يعده به أن لو كشف الله عنه ليكونن من الشاكرين ويرجع عن سابق كفره.
وأصل هذه العدة مأخوذ من العادة الجارية بين أفراد الإِنسان بعضهم مع بعض فإن الواحد منا إذا أعيته المذاهب وأحاطت به البلية من مصيبة قاصمة أو فقر أو عدو واستغاث لكشف ما به من كرب إلى أحد الأقوياء القادرين على كشفه بزعمه وعده بما يطيّب به نفسه ويقوّي باعث عزيمته وفتوته، وذلك بثناء جميل أو مال أو طاعة أو وفاء كل ذلك لما أن الأعمال الإِجتماعية التي تدور بيننا كلها معاملات قائمة بطرفين يعطي فيها الإِنسان شيئاً ويأخذ شيئاً لأن الحاجة محيطة بالإِنسان ليس له أن يعمل عملاً أو يؤثر أثراً إلا لنفع عائد إلى نفسه، ومثله سائر أجزاء الكون.
لكن الله سبحانه أكرم ساحة أن تمسه حاجة أو يطرأ عليه منقصة لا يفعل فعلاً إلا ليعود نفعه إلى غيره من خليقته فوجه التوحيد في مقابلة الإِنسان له بوعد الشكر والطاعة في دعائه الفطري هو أن الإِنسان إذا نزلت به النازلة، وانقطعت عنه الأسباب وغابت عن مسرح نظره وسائل الخلاص وجد أن الله سبحانه هو السبب الوحيد الذي يقدر على كشف ما به من غم، وأنه الذي يدبّر أمره منذ خلقه ويدبر أمر كل سبب فوجد نفسه ظالماً مفرطاً في جنب الله سبحانه لا يستحق كشف الغم ورفع الحاجة من قبله تعالى لماكسبت يداه من السيئات، وحملت نفسه من وبال الخطيئة فعندئذ يعد ربه الشكر والطاعة ليصحح ذلك استحقاقه لإِستجابة دعائه وكشف ضره.
ولذلك نجده أنه إذا نجي مما نزل به النائبة ذهب لوجهه ناسياً لما عهد به ربه ووعده من الشكر كما قال تعالى في ذيل الآية التالية: {ثم أنتم تشركون}.
قوله تعالى: {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} قال الراغب في مفرداته: الكرب الغم الشديد، قال تعالى: {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} والكربة كالغمة، وأصل ذلك من كرب الأرض بسكون الراء وهو قلبها بالحفر فالغم يثير النفس إثارة ذلك وقيل في مثل: الكراب على البقر وليس ذلك من قولهم: الكلاب على البقر، في شيء، ويجوز أن يكون الكرب من كربت الشمس إذا دنت للمغيب، وقولهم: إناء كربان أي قريب نحو قربان أي قريب من الملء، أو من الكرب (بفتحتين) وهو عقد غليظ في رشا الدلو، وقد يوصف الغم بأنه عقد على القلب يقال: أكربت الدلو، انتهى.
وقد أُضيف في هذه الآية كل كرب إلى ظلمات البر والبحر ليعم الجميع فإن إنساناً ما لا يخلو في مدى حياته من شيء من الكروب والغموم فألمسألة والدعاء عام فيهم سواء أعلنوا به أو أسرّوا.
فملخص المراد بالآية أنكم في الشدائد النازلة بكم في ظلمات البر والبحر وغيرها إذا انقطعتم عن الأسباب الظاهرة وأعيت بكم الحيل تشاهدون بالرجوع إلى فطرتكم الإِنسانية أن الله سبحانه هو ربكم لا رب سواه وتجزمون أن عبادتكم لغيره ظلم وإثم والشاهد على ذلك أنكم تدعونه حينئذ تضرعاً وخفية، وتعدونه أن تشكروه بعد ذلك ولا تكفروا به إن أنجاكم لكنكم بعد الإِنجاء تنقضون ميثاقكم الذي واثقتموه به وتستمرون على سابق كفركم، ففي الآيتين احتجاج على المشركين وتوبيخ لهم على حنث اليمين وخلف الوعد.
قوله تعالى: {قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات، أصل البعث اثارة الشيء وتوجيهه يقال: بعثته فانبعث، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير أثرته وسيّرته، وقوله عز وجل: والموتى يبعثهم الله أي يخرجهم ويسيّرهم إلى القيامة - إلى أن قال - فالبعث ضربان: بشريّ كبعث البعير وبعث الإِنسان في حاجة، وإلهي وذلك ضربان: أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن العدم وذلك يختص به الباري تعالى ولم يقدر عليه أحداً، والثاني إحياء الموتى وقد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى عليه السلام وأمثاله، انتهى.
وبالجملة في لفظه شيء من معنى الإِقامة والإِنهاض، وبهذه العناية يستعمل في التوجيه والإِرسال لأن التوجيه إلى حاجة والإِرسال نحو قوم يكون بعد سكون وخمود غالباً، وعلى هذا فبعث العذاب لا يخلو من إشعار على أنه عذاب من شأنه أن يتوجه إليهم ويقع بهم، وإنما يمنع عن هذا الإِقتضاء مانع كالإِيمان والطاعة، وللكلام تتمة سنوافيك.
وقال في المجمع: لبست عليهم الأمر ألبسه إذا لم أُبينه وخلطت بعضه ببعض ولبست الثوب ألبسه، واللبس اختلاط الأمر واختلاط الكلام، ولابست الأمر خالطته، والشيع الفرق، وكل فرقة شيعه على حدة، وشيعة فلان تبعته، والتشيّع الإِتباع على وجه التدين والولاء، انتهى.
وعلى هذا فالمراد بقوله: {أو يلبسكم شيعاً} أن يضرب البعض بالبعض ويخلط حال كونهم شيعاً وفرقاً مختلفة.
فقوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} ظاهره إثبات القدرة لله سبحانه على بعث العذاب عليهم من فوق أو من تحت، والقدرة على الشيء لا تستلزم فعله، وهو أعني إثبات القدرة على الفعل الذي هو العذاب كاف في الإِخافة، والإِنذار لكن المقام يعطي أن المراد ليس هو إثبات مجرد القدرة بل لهم استحقاق لمثل هذا العذاب، وفي العذاب اقتضاء أن ينبعث عليهم إن لم يجتمعوا على الإِيمان بالله وآياته كما مر من استفادة ذلك من معنى البعث، ويؤيده قوله بعد: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} فإنه تهديد صريح.
على أنه تعالى يهدد هذه الأمة صريحاً بالعذاب في موارد مشابهة لهذا المورد من كلامه كقوله تعالى:
{ ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط } [يونس: 47] إلى أن قال { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين } [يونس: 53] الآيات وقوله: { إن هذه أُمتكم أُمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم } [الأنبياء: 92 - 93] إلى آخر الآيات وقوله تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفاً } [الروم: 30] إلى أن قال { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً } [الروم: 31 - 32] إلى آخر الآيات.
وقد قيل: إن المراد بالعذاب الذي من فوقهم هو الصيحة والحجارة والطوفان والريح كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط، وبالذي من تحت ارجلهم الخسف كما فعل بقارون، وقيل: إن المراد بما من فوقهم العذاب الآتي من قبل كبارهم أو سلاطينهم الجبابرة وبما من تحت أرجلهم ما يأتيهم من قبل سفلتهم أو عبيدهم السوء، وقيل: المراد بما من فوق وبما من تحت الأسلحة النارية القتالة التي اخترعها البشر أخيراً من الطيارات والمناطد التي تقذف القنابل المحرقة والمخربة وغيرها ومراكب تحت البحر المغرقة للسفائن والباخرات فإن الإِنذار إنما وقع في كلامه تعالى وهو أعلم بما كان سيحدث في مملكته.
والحق أن اللفظ مما يقبل الإِنطباق على كل من المعاني المذكورة وقد وقع بعد النزول ما ينطبق عليه اللفظ، والمحتد الأصلي لهذه الوقائع الذي مهدّ لها الطريق هو اختلاف الكلمة والتفرق الذي بدأت به الأمة وجبّهت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما كان يدعوهم إليه من الاتفاق على كلمة الحق، وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم.
قوله تعالى: {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} ظاهره أنه أُريد به التحزّبات التي نشأت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأدى ذلك إلى حدوث مذاهب متنوعة أُلبست لباس العصبية والحمية الجاهلية واستتبعت حروباً ومقاتل يستبيح كل فريق من غيره كل حرمة ويطرده بمزعمته من حرمة الدين وبيضة الإِسلام.
وعلى هذا فقوله: {أو يلبسكم شيعاً ويذيق} الخ، عذاب واحد لا عذابان وإن أمكن بوجه عد كل من إلقاء التفرق في الكلمة وإذاقه البعض بأس بعض عذاباً مستقلاً برأسه فللتفرقة بين الأُمة أثر سوء آخر وهو طروّ الضعف ونفاد القوة وتبعّض القدرة لكن المأخوذ في الآية المعدود عذاباً أعني قوله: {ويذيق بعضكم} الخ، حينئذ بالنسبة إلى مجرد إلقاء الاختلاف بمنزلة المقيّد بالنسبة إلى المطلق، ولا يحسن مقابلة المطلق بالمقيد إلا بعناية زائدة في الكلام، على أن العطف بواو الجمع يؤيد ما ذكرناه.
فبالجملة معنى الآية: قل يا رسول الله مخاطباً لهم منذراً لهم عاقبة استنكافهم عن الإِجتماع تحت لواء التوحيد واستماع دعوة الحق إن لشأنكم هذا عاقبة سيئة في قدرة الله سبحانه أن يأخذكم بها وهو أن يبعث عليكم عذاباً لا مفر لكم منه ولا ملاذ تلوذون به وهو العذاب من فوقكم أو من تحت ارجلكم، أو أن يضرب بعضكم ببعض فتكونوا شيعاً وفرقاً مختلفين متنازعين ومتحاربين فيذيق بعضكم بأس بعض، ثم تمم البيان بقوله خطاباً لنبيه: {أُنظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون}، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى: {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم قريش أو مضر أو عامة العرب والمستفاد من فحوى بعض كلامه تعالى في موارد أُخر أن المراد بقومه صلى الله عليه وآله وسلم هم العرب كقوله:
{ ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين، كذلك سلكناه في قلوب المجرمين، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } [الشعراء: 198 - 202] وقوله: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم } [إبراهيم: 4]. وكيف كان فقوله: {وكذّب به قومك وهو الحق} بمنزلة التمهيد لتحقيق النبأ الذي يتضمنه الإِنذار السابق كأنه قيل: يا أيتها الأُمة اجتمعوا في توحيد ربكم واتفقوا في اتباع كلمة الحق وإلا فلا مؤمّن يؤمنّكم عذاباً يأتيكم من فوق أو من تحت أو من اختلاف وتحزب يستتبع سيفاً وسوطاً من بعضكم على بعض، ثم خوطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل: إن قومك كذّبوا بذلك فليستعدوا لعذاب بئيس أو بأس شديد يذوقونه.
ومن هنا يظهر أولاً: أن الضمير في قوله: {وكذّب به} راجع إلى العذاب كما نسبه الآلوسى إلى غالب المفسرين، وربما قيل: إنه عائد إلى تصريف الآيات أو إلى القرآن وهو بعيد، وليس من البعيد أن يرجع إلى النبأ باعتبار ما تشتمل عليه الآية السابقة.
وثانياً: أن هذا الخبر أعني قوله: {وكذّب به قومك وهو الحق} بحسب ما يعطيه المقام في معنى ذكر أول خبر يمهّد الطريق لنبأ موعود كأنه قيل: يجب على أُمتك أن يجتمعوا على الإِيمان بالله وآياته ويكونوا على تحرّز وتحذّر من أن يتسرب إليهم الكفر بالله وآياته ويدب فيهم اختلاف حتى لا ينزل عليهم عذاب الله سبحانه ثم قيل: إن قومك من بين جميع أُمتك ومن عاصرك أو جاء من بعدك من أهل الدنيا بادروا إلى نقض ما كان يجب عليهم أن يبرموه وكذّبوا النبأ فانثلم بذلك الأمر فسوف يعلمون ذلك أن المكذّبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو للقرآن أو لهذا العذاب ليسوا هم الأعراب خاصة وهم قومه صلى الله عليه وآله وسلم بل كذّبته اليهود وأُمم من غيرهم في زمانه وبعده وكان تكذيبهم واختلافهم جميعاً ذا أثر مثبت في ما هددوا به من العذاب فتخصيص تكذيب قومه بالذكر والحال هذه يفيد ما ذكرناه.
والبحث التحليلي عن نفسية المجتمع الإِسلامي يؤيد هذا الذي استفدناه من الآية فإن ما ابتليت به الأُمة الإِسلامية اليوم من الإِنحطاط في نفسيتهم والوهن في قوتهم والتشتت في كلمتهم ينتهي بحسب التحليل إلى ما نشأت من الإِختلافات والمشاجرات في الصدر الأول بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يصعد ذلك إلى حوادث أول الهجرة وقبل الهجرة مما لقيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قومه، وما جبهوه به من التكذيب وتسفيه الرأي.
وهؤلاء وإن تجمعوا حول راية الدعوة الإِسلامية واستظلوا بظلها بعد ما ظهرت كلمة الحق وأنارت مشعلته لكن المجتمع الطيب الديني لم يصف من خبث النفاق، وقد نطقت آيات جمة من القرآن الكريم بذلك، وكان أهل النفاق لا يستهان بعددهم ومن المحال أن يسلم بنيه المجتمع من سيء أثرهم في نفسية أجزائه ولم يقدر على هضمهم هضماً تاماً يحيلهم إلى أعضاء صالحة في المجتمع مدى حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يمكث وقودهم دون أن اشتعل ثم زاد اشتعالاً ولم يزل، والجميع يرجع إلى ما بدأ منه، وكل الصيد في جوف الفراء.
وثالثاً: أن قوله تعالى: {قل لست عليكم بوكيل} مسوق سوق الكناية أي أعرض عنهم وقل: إن أمركم غير مفوض إلي ولا محمول عليّ حتى أمنعكم من هذا التكذيب نصيحة لكم، وإنما الذي إلي بحسب مقامي أن أنذركم عذاباً شديداً هو كمين لكم.
ومن هنا يظهر أيضاً: أن قوله: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} من مقول القول وتتمة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقومه كما يؤيده الخطاب في قوله: {وسوف تعلمون} فإن القوم إنما هم في موقف الخطاب بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بالنسبة إليه تعالى.
وقوله: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} تصريح بالتهديد وإنباء عن الوقوع الحتمي وقد ظهر مما تقدم وجه صحة خطاب المشركين بما سيبتلى به الأُمة الإِسلامية من تفرق الكلمة ونزول الشدة فإن الأعراق تنتهي إليهم وليس الناس إلا أُمة واحدة يؤخذ آخرهم بما اكتسبه أولهم ويعود إلى أولهم ما يظهر في آخرهم علموا ذلك أو جهلوا، أبصروا من أنفسهم ذلك أو عموا، قال تعالى:
{ بل هم في شك يلعبون، فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون } [الدخان: 9 - 15]. تدبر في الآيات كيف أخذ آخرهم بما أجرمه أولهم أو هي في عداد ما تقدم نقله من آيات سورة يونس والأنبياء والروم، وفي القرآن الشريف شيء كثير من الآيات المنبئة عما سيوافي الأُمة من وخيم العاقبة، ووبال السيئة ثم إدراك العناية الإِلهية ومن أسوء التقصير إهمال الباحثين منا أمر البحث في هذه الآيات الكريمة على كثرتها وأهميتها وشدة مساسها بحال الأُمة وسعادة جدها في دنياها وآخرتها.
قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ذكر الراغب في المفردات أن الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه، انتهى. وهو الدخول في باطل الحديث والتوغل فيه كذكر الآيات الحقة والاستهزاء بها والإِطالة في ذلك.
والمراد بالإِعراض عدم مشاركتهم فيما يخوضون فيه كالقيام عنهم والخروج من بينهم أو ما يشابه ذلك مما يتحقق به عدم المشاركة، وتقييد النهي بقوله: {حتى يخوضوا في حديث غيره} للدلالة على أن المنهي عنه ليس مطلق مجالستهم والقعود معهم، ولو كان لغرض حق، وإنما المنهي عنه مجالستهم ما داموا مشتغلين بالخوض في آيات الله سبحانه.
ومن هنا يظهر أن في الكلام نوعاً من إيجاز الحذف فإن تقدير الكلام: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها فأعرض عنهم "الخ"، فحذفت الجملة المماثلة للصلة استغناء بها عنها، والمعنى - والله أعلم - وإذا رأيت أهل الخوض والاستهزاء بآيات الله يجرون على خوضهم واستهزائهم بالآيات الإِلهية فأعرض عنهم ولا تدخل في حلقهم حتى يخوضوا في حديث غيره فإذا دخلوا في حديث غيره فلا مانع يمنعك من مجالستهم، والكلام وإن وقع في سياق الاحتجاج على المشركين لكن ما أُشير إليه من الملاك يعممه فيشمل غيرهم كما يشملهم، وقد وقع في آخر الآية قوله: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} فالخوض في آيات الله ظلم والآية إنما نهت عن مشاركة الظالمين في ظلمهم، وقد ورد في مورد آخر من كلامه تعالى:
{ إنكم إذاً مثلهم } [النساء: 140]. فقد تبين: أن الآية لا تأمر بالإِعراض عن الخائضين في آيات الله تعالى بل إنما تأمر بالإِعراض عنهم إذا كانوا يخوضون في آيات الله ما داموا مشتغلين به.
والضمير في قوله: {غيره} راجع إلى الحديث الذي يخاض فيه في آيات الله باعتبار أنه خوض وقد نهي عن الخوض في الآية.
قوله تعالى: {وإما ينسينّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} و "ما" في قوله: {إما ينسينك} زائد يفيد نوعاً من التأكيد أو التقليل، والنون للتأكيد، والأصل وإن ينسك، والكلام في مقام التأكيد والتشديد للنهي أي حتى لو غفلت عن نهينا بما أنساكه الشيطان ثم ذكرت فلا تهاون في القيام عنهم ولا تلبث دون أن تقوم عنهم فإن الذين يتقون ليس لهم أي مشاركة للخائضين اللاعبين بآيات الله المستهزئين بها.
والخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود غيره من الأُمة فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء عليهم السلام ما ينفي وقوع هذا النوع من النسيان - وهو نسيان حكم إلهي ومخالفته عملاً بحيث يمكن الاحتجاج بفعله على غيره والتمسك به نفسه - عنهم عليهم السلام.
ويؤيد ذلك عطف الكلام في الآية التالية إلى المتقين من الأُمة حيث يقول: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} إلى آخر الآية.
وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء:
{ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً } [النساء: 140] فإن المراد في الآية وهي مدنية بالحكم الذي نزل في الكتاب هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية ولا آية غيرها، وهي تذكر أن الحكم النازل سابقاً وجَّه به إلى المؤمنين، ولازمه أن يكون الخطاب الذي في قوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} الخ موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود به غيره على حد قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.
قوله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} إلى آخر الآية. يريد أن الذي يكتسبه هؤلاء الخائضون من الإِثم لا يحمل إلا على أنفسهم ولا يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم ويشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا يحاسب بعمل إلا عامله ولكن نذكّرهم ذكرى لعلّهم يتقون، فإن الإِنسان إذا حضر مجلسهم وإن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون ولا يرضى بقلبه بعملهم وأمكن أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييداً لهم في قولهم لكن مشاهدة الخلاف ومعاينة المعصية تهوّن أمر المعصية عند النفس وتصغر الخطيئة في عين المشاهد المعاين، وإذا هان أمرها أوشك أن يقع الإِنسان فيها فإن للنفس في كل معصية هوى ومن الواجب على المتقي بما عنده من التقوى والورع عن محارم الله أن يجتنب مخالطة أهل الهتك والاجتراء على الله كما يجب على المبتلين بذلك الخائضين في آيات الله لئلا تهون عليه الجرأة على الله وآياتة فتقربه ذلك من المعصية فيشرف على الهلكة، ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
ومن هذا البيان يظهر أولاً: أن نفي الاشتراك في الحساب مع الخائضين عن الذين يتقون فحسب مع أن غير العامل لا يشارك العامل في جزاء عمله إنما هو للإِيماء إلى أن من شاركهم في مجلسهم وقعد إليهم لا يؤمن من مشاركتهم في جزاء عملهم والمؤاخذة بما يؤاخذون به، فالكلام في تقدير قولنا: وما على غير الخائضين من حسابهم من شيء إذا كانوا يتقون الخوض معهم ولكن إنما ننهاهم عن القعود معهم ليستمروا على تقواهم من الخوض أو ليتم لهم التقوى والورع عن محارم الله سبحانه.
وثانياً: أن المراد بالتقوى في قوله: {وما على الذين يتقون} التقوى العام وهو الاجتناب والتوقي عن مطلق ما لا يرتضيه الله تعالى، وفي قوله: {لعلهم يتقون} التقوى من خصوص معصية الخوض في آيات الله، أو المراد بالتقوى أصل التقوى وبالثانى تمامه، أو الأول إجمال التقوى والثاني تفصيله بفعلية الانطباق على كل مورد ومنها مورد الخوض في آيات الله، وهيهنا معنى آخر وهو أن يكون المراد بالأول تقوى المؤمنين وبالتقوى الثاني تقوى الخائضين وتقدير الكلام {ولكن} ذكروا الخائضين {ذكرى لعلهم يتقون} الخوض.
وثالثاً: أن قوله: ذكرى مفعول مطلق لفعل مقدر والتقدير ولكن نذكرهم بذلك ذكرى أو ذكروهم ذكرى أو خبر لمبتدا محذوف والتقدير: ولكن هذا الأمر ذكرى أو مبتدء لخبر محذوف و التقدير: ولكن عليك ذكراهم وأوسط الوجوه أسبقها إلى الذهن.
قوله تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} إلى آخر الآية، قال الراغب: البسل ضم الشيء ومنعه ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه، ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم والمرتهن بسل، وقوله تعالى: {وذكّر به أن تبسل نفس بما كسبت}، أي تحرّم الثواب، والفرق بين الحرام والبسل أن الحرام عام فيما كان ممنوعاً منه بالحكم والقهر، والبسل هو الممنوع منه بالقهر قال عز وجل: {أولئك الذين أُبسلوا بما كسبوا} أي حرّموا الثواب، انتهى.
وقال في المجمع: يقال: أبسلته بجريرته أي أسلمته، والمستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص - إلى أن قال - قال الأخفش: تبسل أي تجازى، وقيل: تبسل أي ترهن والمعاني متقاربة، انتهى.
والمعنى: "واترك الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً" عد تدينهم بما يدعوهم إليه هوى أنفسهم لعباً وتلهياً بدينهم، وفيه فرض دين حق لهم وهو الذي دعتهم إليه فطرتهم فكان يجب عليهم أن يأخذو ا به أخذ جد ويتحرزوا به عن الخلط والتحريف ولكنهم اتخذوه لعباً ولهواً يقلبونه كيف شاءوا من حال إلى حال ويحولونه حسب ما يأمرهم به هوى أنفسهم من صورة إلى صورة.
ثم عطف على اتخاذهم الدين لعباً ولهواً قوله: {وغرتهم الحياة الدنيا} لما بينهما من الملازمة لأن الاسترسال في التمتع من لذائذ الحياة المادية والجد في اقتنائها يوجب الإِعراض عن الجد في الدين الحق والهزل واللعب به.
ثم قال: {وذكّر به} أي بالقرآن حذراً من {أن تبسل} أي تمنع {نفس} بسبب ما {كسبت} من السيئات أو تسلم نفس مع ما كسبت للمؤاخذة والعقاب، وتلك نفس {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل} وتفد كل فدية {لا يؤخذ منها} لأن اليوم يوم الجزاء بالأعمال لا يوم البيع والشرى {أولئك الذين أُبسلوا} ومنعوا من ثواب الله أو أسلموا لعقابه {لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.
قوله تعالى: {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} احتجاج على المشركين بنحو الإِستفهام الإِنكارى، وإنما ذكر من أوصاف شركائهم كونها لا تنفع و لا تضر لأن اتخاذ الآلهة - كما تقدم - كان مبنياً على أحد الأساسين: الرجاء والخوف وإذ كانت الشركاء لا تنفع ولا تضر فلا موجب لدعائها وعبادتها والتقرب منها.
قوله تعالى: {ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} إلى قوله {ائتنا} الاستهواء طلب الهوي والسقوط، والرد على الأعقاب كناية عن الضلال وترك الهدى فإن لازم الهداية الحقة الوقوع في مستقيم الصراط والشروع في السير فيه فالارتداد على الأعقاب ترك السير في الصراط والعود إلى ما خلف من المسير وهو الضلال، ولذا قال: ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله فقيد الرد بكونه بعد الهداية الإِلهية.
ومن عجيب الإِستدلال احتجاج بعض بهده الآية أعني قوله: {ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} الآية وما يجرى مجراها من الآيات كقول شعيب عليه السلام على ما حكاه الله تعالى في قصته بقوله:
{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين، قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتِكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } [الأعراف: 88 - 89]. فقد احتجوا بها على أن الأنبياءعليهم السلام كانوا قبل البعثة والتلبس بلباس النبوة على الكفر لما في لفظ الرد على الأعقاب بعد إذ هدى الله، والعودة في ملّة الشرك بعد إذ نجاهم الله منها من الدلالة على كونهم متحلين بها واقعين فيها قبل النجاة وهو احتجاج فاسد فإن ذلك تلكم منهم بلسان المجتمع الديني الذي كانت أفراده على الشرك حتى هداهم الله بواسطة أنبياءه ولسنا نعني أن غلبة الأفراد الذين كانوا على الشرك في أول عهدهم سوّغ أن ينسب كفرهم السابق إلى الجميع حتى يكون تغليباً لشركهم على إيمان نبيهم فإن كلامه الحق لا يحتمل ذلك بل نعني أن مجتمع الدين الشامل للنبي وأمته يصدق عليه أن أفراده إنما نجوا من الشرك بعد هداية الله سبحانه إياهم وليس لهم من دونه إلا الضلال أما الأُمة فإنهم كانوا على الشرك في زمان قبل زمان اهتدائهم بالدين، وأما أنبياؤهم فإنما اهتداؤهم بالله سبحانه، وليس لهم من أنفسهم لولا الهداية الإِلهية إلا الضلال فإن غيره تعالى لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فمن الصادق في حقهم أن ليس لهم أن يرتدّوا على أعقابهم بعد إذ هداهم الله أو يعودوا إلى الشرك بعد إذ نجاهم الله منه.
وبالجملة الكلمة صادقة عليهم بنحو الحقيقة وإن لم يكن بعض مجتمعهم وهو النبي الذي فيهم كافراً قبل نبوته فإن الإِيمان والاهتداء على أي حال لهم من الله سبحانه بعد الحال الذي لهم من أنفسهم وحالهم من أنفسهم هو الضلال كما عرفت.
على أنك قد عرفت فيما تقدم من البحث المتنوع في عصمة الأنبياء أن القرآن الشريف ناصّ على طهارة ساحتهم عن أصغر المعاصي الصغيرة فكيف بالكبيرة وبأكبر الكبائر الذي هو الشرك بالله العظيم.
وقوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} "الخ" تمثيل مثّل به حال الانسان المتحير الذي لم يؤت بصيرة في أمره وعزيمة راسخة على سعادته فترك أحسن طريق وأقومه إلى مقصده، وقد ركبه قبله أصحاب له مهتدون به وبقي متحيراً بين شياطين يدعونه إلى الردى والهلاك، وأصحاب له مهتدين قد نزلوا في منازلهم أو أشرفوا على الوصول {يدعونه إلى الهدى} أن ائتنا فلا يدري ما يفعل وهو بين مهبط ومستوى؟.
قوله تعالى: {قل إن هدى الله هو الهدى} إلى آخر الآية. أي إن كان الأمر دائراً بين دعوة الله سبحانه وهي التي توافق الفطرة وتسمية الفطرة هدى الله، وبين دعوة الشياطين وهى التي فيها الهوى واتخاذ الدين لعباً ولهواً فهدى الله هو الهدى الحقيقي دون غيره.
أما أن ما يوافق دعوة الفطرة هو هدى الله فلا شك يعتريه لأن حق الهداية هو الذي ينطق به الصنع والإِيجاد الذي ليس إلا لله ولا نروم شيئاً من دين أو اعتقاد إلا لابتغاء مطابقة الواقع والواقع لله فلا يعدوه هداه، وأما أن هدى الله هو الهدى الحقيقي الذي يجب أن يؤخذ به دون الدعوة الشيطانية فظاهر أيضاً لأن الله سبحانه هو الذي إليه أمرنا كله من جهة مبدئنا ومنتهانا وما نحتاج إليه في دنيا أو آخرة.
وقوله: {وأُمرنا لنسلم لرب العالمين} قال في المجمع: تقول العرب: أمرتك لتفعل وأمرتك أن تفعل وأمرتك بأن تفعل فمن قال: أمرتك بأن تفعل فالباء للإِلصاق والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل، ومن قال: أمرتك أن تفعل حذف الجار، ومن قال: أمرتك لتفعل فالمعنى أمرتك للفعل، وقال الزجّاج: التقدير أمرنا كي نسلم.
والجملة أعني قوله: {وأُمرنا لنسلم} الخ، عطف تفسير لقوله: {إن هدى الله هو الهدى} فالأمر بالإِسلام هو مصداق لهدى الله، والمعنى: أمرنا الله لنسلم له وإنما أبهم فاعل الفعل ليكون تمهيداً لوضع قوله: {لرب العالمين} موضع الضمير فيدل به على علة الأمر فالمعنى أُمرنا من ناحية الغيب أن نسلم لله لأنه رب العالمين جميعاً ليس لها جميعاً أو لكل بعض منها - كما تزعمه الوثنية - رب آخر ولا أرباب أُخر.
وظاهر الآية أن المراد بالإِسلام هو تسليم عامة الأمور إليه تعالى لا مجرد التشهّد بالشهادتين، وهو ظاهر قوله:
{ إن الدين عند الله الإِسلام } [آل عمران: 19] كما مر في تفسير الآية.
قوله تعالى: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} تفنن في سرد الكلام بأخذ الأمر بمعنى القول والجري في مجرى هذه العناية كأنه قيل: وقيل لنا: أن أسلموا لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه.
وقد أجمل تفاصيل الأعمال الدينية ثانياً في قوله: {واتقوه} غير أنه صرح من بينها باسم الصلاة تعظيماً لأمرها واعتناء بشأنها واهتمام القرآن الشريف بأمر الصلاة ظاهر لا شك فيه.
قوله تعالى: {وهو الذي إليه تحشرون} فمن الواجب أن يسلم له ويتقي لأن الرجوع إليه، والحساب والجزاء بيده.
قوله تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} إلى آخر الآية. بضعة أسماء وأوصاف له سبحانه مذكورة أُريد بذكرها بيان ما تقدم من القول وتعليله فإنه تعالى ذكر أن الهدى هداه ثم فسره نوع تفسير بالإِسلام له والصلاة والتقوى وهو تمام الدين ثم بيّن السبب في كون هداه هو الهدى الذي لا يجوز التجافي عنه وهو أن حشر الجميع إليه ثم بيّنه أتم بيان بقوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} الخ، فهذه أسماء ونعوت له تعالى لو انتفى واحد منها لم يتم البيان.
فقوله: {هو الذي خلق} الخ، يريد به أن الخلقة جميعاً فعله وإنما أتى به بالحق لا بالباطل، والفعل إذا لم يكن باطلاً لم يكن مندوحة من ثبوت الغاية له فللخلقة غاية وهو الرجوع إليه تعالى وهذا هو إحدى الحجتين اللتين ذكرهما في قوله عز من قائل:
{ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا } [ص: 27] إلى آخر الآيتين فخلقة السماوات والأرض بخلقة حقة تؤدي إلى أن الخلق يحشرون إليه.
وقوله: {يوم يقول كن فيكون} السياق يدل على أن المراد بالمقول له هو يوم الحشر وإن كان كل موجود مخلوق على هذه الصفة كما قال تعالى:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } } [يس: 82] ويوم ظرف متعلق بالقول والمعنى: يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون، وربما قيل: إن المقول له هو الشيء والتقدير: يوم يقول لشيء كن فيكون، وما ذكرناه أوفق للسياق.
وقوله: {قوله الحق} تعليل عللت به الجملة التي قبله، والدليل عليه فصل الجملة، والحق هو الثابت بحقيقة معنى الثبوت وهو الوجود الخارجي والكون العيني وإذ كان قوله هو فعله وإيجاده كما يدل عليه قوله: {ويوم يقول كن فيكون} فقوله تعالى هو نفس الحق فلا مرّد له ولا مبدل لكلماته قال تعالى:
{ والحق أقول } [ص: 84]. قوله تعالى: {وله الملك يوم ينفخ في الصور} يريد به يوم القيامة قال تعالى: { يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهَّار } [غافر: 16] والمراد بثبوت الملك له تعالى يوم النفخ مع أن له الملك دائماً إنما هو ظهور ذلك بتقطع الأسباب وانبتات الروابط والأنساب وقد تقدم شذور من البحث في ذلك فيما تقدم وسيجيء استيفاء البحث عنه وعن معنى الصور في الموضع المناسب لذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله {عالم الغيب والشهادة} قد تقدم معناه، وهو اسم يتقوّم بمعناه الحساب والجزاء، وكذلك الاسمان: الحكيم والخبير فهو تعالى بعلمه بالغيب والشهادة يعلم ظاهر الأشياء وباطنها فلا يخفى عليه ظاهر لظهوره ولا باطن لبطونه، وبحكمته يتقن تدبير الخليقة ويميز الواجب من الجزاء كما ينبغي فلا يظلم ولا يجازف، وبخبرته لا يفوت عنه دقيق لدقته ولا جليل لجلالته.
فهذه الأسماء والنعوت تبين بأتم البيان أن الجميع محشورون إليه وأن هداه هو الهدى ودين الفطرة الذي أمر به هو الدين الحق فإنه تعالى خلق العالم لغاية مطلوبه أرادها منه وهو الرجوع إليه، وإذ كان يريدها فسيقول لها كن فيكون لأن قوله حق لا مرد له، ويظهر اليوم أن الملك له لا سلطنة لشيء غيره على شيء، وعند ذلك يتميز بتمييزه من أطاعه ممن عصاه لأنه يعلم كل غيب وشهادة عن حكمة وخبره.
وقد بان مما تقدم أولاً: أن قوله: {بالحق} أُريد به أن خلق السماوات والأرض خلق حق أي إن الحق وصفه، وقد تقدم قريباً معنى كون فعله وقوله تعالى حقاً، وأما ما قيل: إن المعنى خلق السماوات والأرض بالقول الحق فبعيد.
وثانياً: أن ظاهر قوله: {ويوم يقول كن فيكون} بدلالة السياق بيان لأمر يوم القيامة وإن كان الأمر في خلق جميع الأشياء على هذه الطريقة.
وثالثاً: أن اختصاص نفخ الصور من بين أوصاف القيامة بالذكر في قوله: {وله الملك يوم ينفخ في الصور} للإِشارة إلى معنى الإِحضار العام الذي هو المناسب لبيان قوله في ذيل الآية السابقة: {وهو الذي إليه تحشرون} فإن الحشر هو إخراج الناس وتسييرهم مجتمعين بنوع من الإِزعاج، والصور إنما ينفخ فيه لاجتماع إفراد العسكر لأمر يهمهم، ولذلك ينفخ الصور أعني النفخة الثانية يوم القيامة ليحضروا عرصة المحشر لفصل القضاء قال تعالى:
{ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } [يس: 51] إلى أن قال { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } [يس: 53 - 54]. وليس اليوم في الموضعين بمعنى واحد فاليوم الأول اريد به مطلق الظرف كالظرف ليوم القيامة بنوع من العناية الكلامية كقولنا: يوم خلق الله الحركة وحين خلق الله الأيام والليالي وإنما اليوم من فروع الحركة متفرع عليه، والحين هو اليوم والليل، والمراد باليوم الثاني نفس يوم القيامة.
(بحث روائي)
في الدر المنثور فى قوله تعالى: يقص الحق الآية أخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن أُبي بن كعب قال: أقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً: {يقص الحق وهو خير الفاصلين}.
وفيه في قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} الآية، أخرج أحمد والبحاري وحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأى أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى"
]. أقول: ولا ينبغي أن تعد الرواية على تقدير صحتها منافية لما تقدم من عموم الآية لأن العدد لا مفهوم له، وما في الرواية من المفاتيح يجمعها العلم بالحوادث قبل حدوثها، وللغيب مصاديق أُخر غير الخمس بدلالة من نفس الآية.
وفيه أخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"ما من زرع على وجه الأرض ولا ثمار على أشجار إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان ابن فلان" ، وذلك قوله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}.
أقول: والرواية على ضعف سندها لا ينطبق مضمونها على الآية ذاك الإِنطباق.
وفي تفسير العياشي عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} إلى قوله {إلا في كتاب مبين}، قال: الورقة السقط، والحبة الولد، وظلمات الأرض الأرحام والرطب ما يحيي، واليابس ما يغيض، وكل ذلك في كتاب مبين.
أقول: ورواه أيضاً الكليني والصدوق عن أبي الربيع عنه، والقمي مرسلاً والرواية لا تنطبق على ظاهر الآية، ونظيرتها رواية أخرى رواها العياشي عن الحسين بن سعيد عن أبي الحسن عليه السلام.
وفي المجمع في قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: السلاطين الظلمة {أو من تحت أرجلكم} العبيد السوء ومن لا خير فيه قال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
وقال في قوله تعالى: {أو يلبسكم شيعاً} قيل: عنى به يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة والعصبية وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وقال في قوله: {ويذيق بعضكم بأس بعض} قيل: هو سوء الجوار وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي تفسير القمي: وقوله: {يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: السلطان الجائر {أو من تحت أرجلكم} قال: السفلة ومن لا خير فيه {أو يلبسكم شيعاً} قال: العصبية {ويذيق بعضكم بأس بعض} قال سوء الجوار.
قال القمي: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهم السلام: في قوله: {هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: هو الدخان والصيحة {أو من تحت أرجلكم} قال: وهو الخسف {أو يلبسكم شيعاً} وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض {ويذيق بعضكم بأس بعض} وهو أن يقتل بعضكم بعضاً فكل هذا في أهل القبلة يقول الله: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}.
وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: هذا أهون أو أيسر.
أقول: وروي أيضاً ما يقرب منه عن ابن مردويه عن جابر.
وفيه: أخرج أحمد والترمذي وحسَّنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد.
أقول: وهناك روايات كثيرة مروية من طرق أهل السنة وروايات أخرى من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن ما أوعده الله في الآية من العذاب النازل من فوقهم ومن تحت أرجلهم أعني الصيحة والخسف سيقع على هذه الأُمة، وأما لبسهم شيعاً وإذاقة بعضهم بأس بعض فوقوعه مفروغ عنه.
وقد روى السيوطي في الدر المنثور وابن كثير في تفسيره أخباراً كثيره دالة على أنه لما نزلت الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم} إلى آخرها استعاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه ودعاه أن لا يعذب أُمته بما أوعدهم من أنواع العذاب فأجابه ربه إلى بعضها ولم يجبه إلى بعض آخر وهو أن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض.
وهذه الروايات - على كثرتها - وإن اشتملت على القوية والضعيفة من حيث أسنادها موهونة جميعاً بمخالفتها لظاهر الآية فإن قوله تعالى في الآيتين التاليتين: {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل، لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} تهديد صريح بالوقوع وقد نزلت الآيات - وهي من سورة الأنعام - دفعة وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلّغ ذلك أُمته ولو كان هناك بداء برفع البلاء لكان من الواجب أن نجده في كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس من ذلك أثر بل الأمر على خلافه كما تقدم في البيان السابق أن عدّة من آيات القرآن الكريم تؤيد هذه الآيات في مضمونها كالتي في سورة يونس والروم وغيرهما.
على أنها تعارض روايات أُخر كثيرة من طرق الفريقين دالة على وقوع ذلك ونزوله على الأُمة في مستقبل الزمان.
على أن هذه الروايات - على كثرتها واتفاق كثير منها في أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دعا بهذه المسائل عقيب نزول هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث} الآية - لا تتفق لا في عدد المسائل ففي بعضها أنها كانت ثلاثاً وفي بعضها أنها كانت أربعاً، ولا في عدد ما أُجيب إليه ففي بعضها أنه كان واحداً وفي بعضها أنه كان اثنين، ولا في نفس المسائل ففي بعضها أنها كانت هي الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعاً وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها الغرق والسنة وجعل بأسهم بينهم، وفي بعضها أنها السنة العامة وأن يسلط عليهم عدواً من غيرهم وأن يذيق بعضهم بأس بعض وفي بعضها أن المسائل هي أن لا يجمع امته على ضلالة وأن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم وأن لا يهلكهم بالسنين وأن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم وأن لا يهلكهم بغرق وأن لا يجعل بأسهم بينهم، وفي بعضها أنها أن لا يهلكهم بما أهلك به من قبلهم وأن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم وأن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم وأن يلبسهم شيعاً وأن يذيق بعضهم بأس بعض.
على أن في كثير منها أن دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم كان في حرّة بني معاوية قرية من قرى الأنصار بالعالية ولازمه كونه بعد الهجرة وسورة الأنعام من السور النازلة بمكة قبل الهجرة دفعة، وفي الروايات اختلافات أخرى تظهر لمن راجعها.
وإن كان ولا بد من أخذ شيء من الروايات فالوجه هو اختيار ما رواه عن عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ ملك أُمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي أن لا يهلك قومي بسنة عامة وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأُمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ولا أسلط عليهم عدواً من سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنى أخاف على أُمتي الأئمة المضلين فإذا وضع السيف في أُمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة"
]. فهذه الرواية وما في مضمونها خالية عن غالب الإِشكالات السابقة، وليس فيها أن الدعاء كان إثر نزول الآية، وينبغي مع ذلك أن يحمل على أن المراد رفع الهلاك العام والسنة العامة التي تبيد الأُمة، وإلا فالسنين والمثلات والمقاتل الذريعة التي لقيتها الأُمة في حروب المغول والصليب وبأندلس وغيرها مما لا سبيل إلى إنكارها، وينبغي أيضاً أن تحمل على أن الدعاء والمسألة كان في أوائل البعثة قبل نزول السورة وإلا فالنبى صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بمقام ربه وأجلّ قدراً من أن يتلقى هذه الآيات بالوحى ثم يراجع ربه في تغيير ما قضى به وأمره بتبليغه وإنذار أُمته به.
وبعد اللّتِّيا والتي فالقرآن الشريف يدل بآياته على حاقّ الأمر وهو أن هذا الدين قائم إلى يوم القيامة، وأن الأُمة لا تبيد عامة، وأن أمثال ما ابتلى الله به الأُمم السالفة تبتلى بها هذه الأُمة حذو النعل بالنعل من غير أي اختلاف وتخلف.
والروايات المستفيضة المروية عن النبي والأئمة من أهل بيته صلى الله عليه وعليهم القطعية في صدورها ودلالتها ناطقة بذلك.
وفي الدر المنثور أخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: {قل لست عليكم بوكيل} قال: نسخ هذه الآية آية السيف: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
أقول: قد عرفت مما تقدم من البيان أن قوله: {قل لست عليكم بوكيل} مسوق تمهيداً للتهديد الذي يتضمنه قوله: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} وهذا المعنى لا يقبل نسخاً.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} الآية بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم فإن الله يقول في كتابه: {إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}"
]. وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
وفيه أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن على قال: إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله.
وفي تفسير العياشي عن ربعي بن عبد الله عمن ذكره عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} قال: الكلام في الله والجدال في القرآن {فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} قال: منه القصّاص.
أقول: والروايات - كما ترى - تعمم الآية وهو أخذ بالملاك.
وفي المجمع: قال أبو جعفر عليه السلام: لما أُنزل {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} قال المسلمون: كيف نصنع؟ إن كان كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذاً المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام فأنزل الله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أمرهم بتذكيرهم ما استطاعوا.
أقول: والرواية - كما ترى - مبنية على أخذ قوله: {ذكرى} مفعولاً مطلقاً وإرجاع الضميرين في قوله: {لعلهم يتقون} إلى المشركين والتقدير: ولكن ذكّروهم ذكرى لعلهم يتقون، ويبقى على الرواية كون السورة نازلة دفعة واحدة.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريح قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبون أن يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزاوا فنزلت {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} الآية قال: فجعلوا إذا استهزءوا قام فحذروا وقالوا: لا تستهزءوا فيقوم فذلك قوله: {لعلهم يتقون} أن يخوضوا فتقوم ونزل: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أن تقعد معهم ولكن لا تقعد ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة: {وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم} إلى قوله {إنكم إذاً مثلهم} نسخ قوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} الآية.
أقول: لو كانت آية المائدة: {وقد نزّل عليكم} الآية وهى عين قوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون} الآية معنى ناسخة لقوله: {وما على الذين يتقون} الآية فهو أعني قوله: {وما على الذين يتقون} الآية ناسخ لقوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون} الآية وهو ظاهر، ويأباه نزول السورة دفعة.
على أن الذي ذكره من المعنى لا يوجب تنافياً بين الآيات الثلاث يؤدي إلى النسخ حتى تكون الثانية ناسخة للأولى ومنسوخة بالثالثة وهو ظاهر.
ونظير الرواية ما رواه أيضاً في الدر المنثورعن النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال: هذه مكية نسخت بالمدينة بقوله: {وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها} الآية.
وفي تفسير البرهان في قوله تعالى: {قوله الحق وله الملك} الآية عن ابن بابويه بإسناده عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {عالم الغيب والشهادة} فقال: {عالم الغيب} ما لم يكن {والشهادة} ما قد كان.
أقول: فيه ذكر أعرف مصاديق الغيب والشهادة عندنا، وقد تقدم في البيان المتقدم آنفاً وغيره أن للغيب مصاديق أُخر.