التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٧٤
وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ
٧٥
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ
٧٦
فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ
٧٧
فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
٧٨
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٧٩
وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ
٨٠
وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨١
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ
٨٢
وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٨٣
-الأنعام

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
عشر آيات ذكر الله سبحانه فيها ما آتاه النبي العظيم ابراهيم عليه السلام من الحجة على المشركين بما هداه إلى توحيده وتنزيهه ثم ذكر هدايته أنبياءه بتطهير سرهم من الشرك، وقد سمى بينهم نوحاً عليه السلام وهو قبل إبراهيم عليه السلام وسته عشر نبياً من ذرية نوح عليهم السلام.
والآيات في الحقيقة بيان لمصداق كامل من القيام بدين الفطرة والانتهاض لنشر عقيدة التوحيد والتنزيه عن شرك الوثنية وهو الذي انتهض له إبراهيم عليه السلام وحاج له على الوثنية حينما أطبقت الدنيا على الوثنية ظاهراً، ونسوا ما سنه نوح عليه السلام والتابعون له من ذريته الأنبياء من طريقة التوحيد فالآيات بما تشتمل عليه من تلقين الحجة والهداية إلى دين الفطرة كالتبصر لما تقدمها من الحجج التي لقنها الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السورة بقوله: قل كذا وقل كذا فقد كررت لفظة {قل} في هذه السورة الكريمة أربعين مرة نيف وعشرون منها قبل هذه الآيات فكأنه قيل: واذكر فيما تقوله لقومك وتحاجهم به من أدلة التوحيد ونفي الشريك بتلقيننا إياك ما قاله إبراهيم لأبيه وقومه مما آتيناه من حجتنا على قومه بما كنا نريه من ملكوت السماوات والأرض فقد كان يحاجهم عن إفاضة إلهية عليه بالعلم والحكمة وإراءة منه تعالى لملكوته مبنية على اليقين لا عن فكرة تصنيعية لا تعدو حد التخيل والتصور، ولا تخلو عن التكلف والتعسف الذي لا تهتف به الفطرة الصافية.
ولحن كلام إبراهيم عليه السلام فيما حكاه الله سبحانه في هذه الآيات إن تدبرنا فيها بأذهان خالية عن التفاصيل الواردة في الروايات والآثار على اختلافها الفاحش، غير مشوبة بالمشاجرات التي وقعت للباحثين من أهل التفسير على خلطهم تفسير الآيات بمضامين الروايات ومحتويات التواريخ وما اشتملت عليه التوراة وأُخرى تشايعها من الإِسرائيليات إلى غير ذلك، وبالجملة لحن كلامه عليه السلام في ما حكي عنه في هذه الآيات يشعر إشعاراً واضحاً بأنه كلام صادر عن ذهن صاف غير مملوء بزخارف الأفكار والأوهام المتنوعة أفرغته في قالب اللفظ فطرته الصافية بما عندها من أوائل التعقل والتفكير ولطائف الشعور والإِحساس.
فالواقف في موقف النصفة من التدبر في هذه الآيات لا يشك أن كلامه المحكي عنه مع قومه أشبه شيء بكلام إنسان أولي فرضي عاش في سرب من أسراب الأرض أو كهف من كهوف الجبال لم يعاشر إلا بعض من يقوم بواجب غذائه ولباسه لم يشاهد سماء بزواهر نجومها و كواكبها، والبازغ من قمرها وشمسها، ولم يمكث في مجتمع إنساني بأفراده الجمة وبلاده الوسيعة، واختلاف أفكاره، وتشتت مقاصده ومآربه، وأنواع أديانه ومذاهبه، ثم ساقه الاتفاق أن دخل في واحد من المجتمعات العظيمة، وشاهد أُموراً عجيبة لا عهد له بها من أجرام سماوية، وأقطار أرضية، وجماعات من الناس عاكفين على مشاغلهم كادحين نحو مآربهم، ومقاصدهم، لا يصرفهم عن ذلك صارف بين متحرك وساكن، وعامل ومعمول له، وخادم ومخدوم، وآمر ومأمور، ورئيس ومرؤوس منكب على الكسب والعمل، ومتزهد متعبد يعبد الإِله.
فبهته عجيب ما يراه واستغرقه غريب ما يشاهده فصار يسأل من أنس به عن شأن الواحد بعد الواحد مما اجتذبت إليه نفسه، ووقع عليه بصره، وكثر منه إعجابه نظير ما نراه من حال الصبي إذا نظر إلى جو السماء الوسيعة بمصابيحها المضيئة وزواهرها اللامعة، وعقود كواكبها المنثورة في حالة مطمئنة نراه يسأل أُمه: ما هذه التي اشاهدها وأمتلئ من حبها والإِعجاب بها؟ من الذي علقها هناك؟ من الذي نورها؟ من الذي صنعها؟
غير أن الذي لا نرتاب فيه أن هذا الإِنسان إنما يبدأ في سؤاله من حقائق الأشياء التي يشاهدها ويتعجب منها بالذي يقرب مما كان يعرفها في حال التوحش والانعزال عن المجتمع وإنما يسأل عن المقاصد والغايات التي لا يقع عليها الحواس.
وذلك لأن الإِنسان إنما يستعلم حال المجهولات بما عنده من مواد العلم الأولية فلا ينتقل من المجهولات إلا إلى ما يناسب بعض ما عنده من المعلومات، وهذا أمر ظاهر محسوس من حال بعض بسائط العقول كالصبيان وأهل البدو إذا صادفوا أموراً ليس لهم بها عهد فإنهم يبدءون باستعلام حال ما يستأنسون بأمره بعد الاستيناس فيسألون عن حقيقته وعن أسبابه وغاياته.
والإِنسان المفروض وهو الإِنسان الفطري الأولي تقريباً لما لم يشتغل إلا بأبسط أسباب المعيشة لم يشغل ذهنه ما يشغل ذهن الإِنسان المدني الحضري الذي أحاطت به هذه الاشغال الكثيرة الطبيعية الخارجة عن الحد والحصر التي لا فراغ له عنها ولو لحظة، ولذلك كان الإِنسان المفروض في فراغ من الفكر وخلاء من الذهن، والحوادث الجمة السماوية والأرضية الكونية محيطة به من غير أن يعرف أسبابها الطبيعية فلذلك كان ذهنه أشد استعداداً للانتقال إلى سببها الذي هو أعلى من الأسباب الطبيعية وهو الذي يتنبه له الإِنسان الحضري بعد الفراغ عن إحصاء الأسباب الطبيعية لحوادث الكون فوق هذه الأسباب لو وجد فراغاً، ولذا كان الأسبق إلى ذهن هذا الإِنسان المفروض هو الانتقال إلى هذا السبب الأعلى لو شاهد من الناس الحضريين الاشتغال به والتنسك والعبادة له.
ومن الشواهد على هذا الذي ذكرنا ما نجد أن الاشتغال بالمراسم الدينية والبحث عن اللاهوت في آسيا أكثر رواجاً وأغلى قدراً منه في أوروبا، وفي القرى والبلاد الصغيرة أحكم موقعاً منه في البلاد العظيمة وعلى هذه النسبة في البلاد العظيمة والسواد الأعظم لما أن المجتمع كلما اتسع نطاقه زادت فيه الحوائج الحيوية، وكثرت وتراكمت الأشغال الإِنسانية فلم تدع للإِنسان فراغاً تستريح فيه نفسه إلى معنوياتها وتتوجه إلى البحث عن مبدئها ومعادها.
وبالجملة إذا راجعنا قصة إبراهيم عليه السلام المودعة في هذه الآيات وما يناظرها من آيات سورة مريم والأنبياء والصافات وغيرها وجدنا حاله عليه السلام فيما يحاج به أباه وقومه أشبه شيء بحال الإِنسان البسيط المفروض نجده يسأل عن الأصنام ويباحث القوم في شأنها ويتكلم في أمر الكوكب والقمر والشمس سؤاله من لا عهد له بما يصنعه الناس وخاصة قومه الوثنيون في الأصنام يقول لابيه وقومه:
{ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } [الأنبياء: 52] ويقول لابيه وقومه: { ما تعبدون. قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } [الشعراء: 70 - 74]. فهذا كلام من لم يرَ صنماً ولم يشاهد وثنياً يعبد صنماً وقد كان عليه السلام في مهد الوثنية وهو بابل كلدان، وقد عاش بينهم برهة من الزمان فهل كان مثل هذا التعبير منه عليه السلام: {ما هذه التماثيل} تحقيراً للأصنام وإيماء إلى أنه لا يضعها الموضع الذي يضعها عليه الناس ولا يقر لها بما أقروا به من القداسة والفضل كأنه لا يعرفها كقول فرعون لموسى عليه السلام. { وما رب العالمين } [الشعراء: 23] وقول كفار مكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما حكى الله تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون } [الأنبياء: 36]. لكن يبعّده أن إبراهيم عليه السلام ما كان يستعمل في خطاب أبيه آزر إلا جميل الأدب حتى إذا طرده أبوه وهدده بالرجم قال له إبراهيم: { سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً } [مريم: 47]. فمن المستبعد أن يلقى إليه أول ما يواجهه من الكلام ما يتضمن تحقير شأن آلهته المقدسة عنده في لحن التشويه والإِهانة فيثير به عصبيته ونزعته الوثنية، وقد نهى الله سبحانه في هذه المله التي هي ملة إبراهيم حنيفاً عن سبّ آلهة المشركين لئلا يثير ذلك منهم ميواجهون المسلمين بمثله قال تعالى: { ولا تسبـوا الذيـن يدعـون مـن دون الله فيسبوا الله عـدوا بغير علم } [الأنعام: 108]. ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ مما حاجّ به أباه آزر وقومه في أمر الأصنام يشتغل بأربابها وهي الكوكب والقمر والشمس فيقول لما رأى كوكباً: {هذا ربي} ثم يقول لما رأى القمر بازغاً: {هذا ربي} ثم يقول لما رأى الشمس بازغه: {هذا ربي هذا أكبر} وهذه التعبيرات أيضاً تعبير من كأنه لم ير كوكباً ولا قمراً ولا شمساً، وأوضح التعبيرات دلالة على هذا المعنى قوله عليه السلام في الشمس: هذا ربي هذا أكبر فإن هذا كلام من لا يعرف ما هي الشمس وما هما القمر والكوكب غير أنه يجد الناس يخضعون لها ويعبدونها ويقرّبون لها القرابين كما يرويه التاريخ عن أهل بابل، وهذا كما إذا رأيت شبح إنسان لا تدري أرجُل هو أو إمراة تسأل وتقول: من هذا؟ تريد الشخص لأنك لا تعلم منه أزيد من أنه شخص إنسان فيقال: امرأة فلان أو هو فلان وإذا رأيت شبحاً لا تدري إنسان هو أو حيوان أو جماد تقول ما هذا؟ تريد الشبح أو المشار إليه إذ لا علم لك من حاله إلا بأنه شيء جسماني أياً ما كان فيقال لك: هذا زيد أو هذه امرأة فلان أو هو شاخص كذا ففي جميع ذلك تراعي - وأنت جاهل بالأمر - من شأن أُولي العقل وغيره والذكورية والأنوثية مقدار ما لك به علم، وأما المجيب العالم بحقيقة الحال فعليه أن يراعي الحقيقة.
فظاهر قوله عليه السلام: هذا ربي وقوله: {هذا ربي هذا أكبر} أنه ما كان يعرف من حال الشمس إلا أنه شيء طالع أكبر من القمر والكوكب يقصده الناس بالعبادة والنسك والإِشارة إلى مثل هذا المعلوم إنما هو بلفظة {هذا} بلا ريب، وأما أنها شمس أي جرم أو صفحة نورانية تدبّر العالم الأرضي بضوئها وترسم الليل والنهار بسيرها بحسب ظاهر الحس أو أنه قمر أو كوكب يطلع كل ليلة من أُفق الشرق ويغيب فيما يقابله من الغرب فلم يكن يعرف ذلك على ما يشعر به هذا الكلام، ولو كان يعرف ذلك لقال في الشمس: هذه ربي هذه أكبر أو قال: إنها ربي إنها أكبر كما راعى هذه النكتة بعد ذلك فيما حاج الملك نمرود وقد كان يعرفها اليوم:
{ فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْت بها من المغرب } [البقرة: 258] فلم يقل: فأْت به من المغرب.
وكما قال لأبيه وقومه على ما حكى الله:
{ ما تعبدون قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } [الشعراء: 70 - 74] فبدأ يسأل عن معبودهم بلفظة {ما} إذ لا علم له عندئذ بشيء من حاله إلا أنه شيء ثم لما ذكروا الأصنام وهم لا يعتقدون لها شيئاً من الشعور والإِرادة قالوا: {فنظل لها} بالتأنيث، ثم لما سمع ألوهيتها منهم ومن الواجب أن يتصف الإِله بالنفع والضرر والسمع لدعوة من يدعوه عبّر عنها تعبيراً أولي العقل، ثم لما ذكروا له في قصة كسر الأصنام: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} حذاء قوله: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} سلب عنها شأن أولي العقل فقال: { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أُف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [الأنبياء: 66]. ولا يسعنا أن نتعسف فنقول: إنه عليه السلام أراد بقوله: {هذا ربي هذا أكبر} الجرم أو المشار إليه أو أنه روعي في ذلك حال لغته التي تكلم بها وهي السريانية ليس يراعى فيها التأنيث كأغلب اللغات العجمية فإن ذلك تحكّم، على أنه عليه السلام قال للملك في خصوص الشمس بعينها: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب } [البقرة: 258] فلم يحك القرآن ما لهج به بالوصف الذي في لغته فما بال هذا المورد {هذا ربي هذا أكبر} اختص بهذه الحكاية.
ونظير السؤال آت في قوله يسأل قومه عن شان الأصنام:
{ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } [الأنبياء: 52] وكذا قوله في دعائه: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيراً من الناس } [إبراهيم: 35 - 36]. وكذا لا يسعنا القول بأنه عليه السلام في تذكيره الإِشارة إلى الشمس صان الإِله عن وصمة الأنوثية تعظيماً أو أن الكلام من باب إتباع المبتدء للخبر الذي هو مذكّر أعني قوله: ربي، وقوله: {أكبر} فكل ذلك تحكّم لا دليل عليه، وسيجيء تفصيل البحث فيها.
والحاصل أن الذي حكاه الله تعالى في هذه الآيات وما يناظرها من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه في توحيده تعالى ونفي الشريك عنه كلام يدل بسياقه على أنه عليه السلام إنما عاش قبل ذلك في معزل من الجو الذي كان يعيش فيه أبوه وقومه ولم يكن يعرف ما يعرفه معاشر المجتمعين من تفاصيل شؤون أجزاء الكون والسنن الإِجتماعية الدائرة بين الناس المجتمعين، وأنه كان إذ ذاك في أوائل زمن رشده وتمييزه ترك معزله ولحق بأبيه، ووجد عنده أصناماً فسأله عن شأنها فلما أوقفه على ذلك شاجره في ألوهيتها وألزمه الحجة، ثم حاجّ قومه في أمر الأصنام فبكّتهم، ثم رجع إلى عبادتهم لأرباب الأصنام من الكوكب والقمر والشمس فجاراهم في افتراض ربوبيتها الواحد منها بعد الواحد، ولم يزل يراقب أمرها، وكلما غرب واحد منها رفضه وأبطل ربوبيته وافترض ربوبية غيره مما يعبدونه حتى أتى في يومه وليلته على آخرها على ما هو ظاهر الآيات، ثم عاد إلى التوحيد الخالص بقوله: {إني وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين} وكأنه تمّ له ذلك في يومين وليلة بينهما تقريباً على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
وكان عليه السلام على بصيرة من أن للعالم خالقاً فاطراً للسماوات والأرض هو الله وحده لا شريك له في ذلك، وإنما يبحث عن أنه هل للناس ومنهم إبراهيم نفسه رب غير الله هو بعض خلقه كشمس أو قمر أو غيرهما يربهم ويدبّر أمرهم ويشارك الله في أمره أو أنه لا رب لهم غير الله سبحانه وحده لا شريك له.
وفي جميع هذه المراحل التي طواها كان الله سبحانه يمده ويسدده بإراءته ملكوت السماوات والأرض وعطف نفسه الشريفة إلى الجهة التي ينتسب منها الأشياء إلى الله سبحانه خلقاً وتدبيراً فكان إذا رأى شيئاً رآى انتسابه إلى الله وتكوينه وتدبيره بأمره قبل أن يرى نفسيته وآثار نفسيته كما هو ظاهر سياق قوله: {وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} الآية، وقوله في ذيل الآيات: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} الآية، وقوله:
{ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } [الأنبياء: 51]. وقول إبراهيم لأبيه فيما حكى الله تعالى: { يا أبت إني قد جاءني من العلم ما يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً } [مريم: 43] إلى غير ذلك من الآيات.
ثم حاج الملك نمرود في دعواه الربوبية على ما كان ذلك من دأب كثير من جبابرة السلف ومن نظائر ذلك نشأت الوثنية وكانت لقومه آلهة كثيرة لها أصنام يعبدونها، وفيهم من كان يعبد أرباب الأصنام كالشمس والقمر والكوكب الذي ذكره القرآن الكريم ولعله الزهرة.
هذا ملخص ما يستفاد من الآيات الكريمة وسنبحث عن مضامينها تفصيلاً بحسب ما نستطيعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} القراءات السبع في آزر بالفتح فيكون عطف بيان أو بدلاً من أبيه وفي بعض القراءات {آزر} بالضم وظاهره أنه منادى مرفوع بالنداء، والتقدير: يا آزر أتتخذ أصناماً آلهة، وقد عد من القراءات "أأزراً تتخذ" مفتتحاً بهمزه الاستفهام، وبعده "أزراً" بالنصب مصدر أزر يأزر بمعنى قوى والمعنى: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ أصناماً للتقوي والاعتضاد.
وقد اختلف المفسرون على القراءة الأولى المشهورة والثانية الشاذة في {آزر} أنه اسم علم لأبيه أو لقب أريد بمعناه المدح أو الذم بمعنى المعتضد أو بمعنى الأعرج أو المعوج أو غير ذلك ومنشأ ذلك ما ورد في عدة روايات أن اسم أبيه "تارح" بالحاء المهملة أو المعجمة ويؤيده ما ضبطه التاريخ من اسم أبيه، وما وقع في التوراة الموجودة أنه عليه السلام ابن تارخ.
كما اختلفوا أن المراد بالأب هو الوالد أو العم أو الجد الامي أو الكبير المطاع ومنشأ ذلك أيضاً اختلاف الروايات فمنها ما يتضمن أنه كان والده وأن إبراهيم عليه السلام سيشفع له يوم القيامة ولكن لا يشفَّع بل يمسخه الله ضبعاً منتناً فيتبرء منه إبراهيم، ومنها ما يدل على أنه لم يكن والده، وأن والده كان موحداً غير مشرك، وما يدل على أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا جميعاً موحدين غير مشركين إلى غير ذلك من الروايات، وقد اختلفت في سائر ما قص من أمر إبراهيم اختلافاً عجيباً حتى اشتمل بعضها على نظائر ما ينسبه إليه العهد العتيق مما تنزهه عنه الخلة الإِلهية والنبوة والرسالة.
وقد أطالوا هذا النمط من البحث حتى انجر إلى غايات بعيدة تغيب عندها رسوم البحث التفسيرى الذي يستنطق الآيات الكريمة عن مقاصدها عن نظر الباحث، وعلى من يريد الإِطلاع على ذلك أن يراجع مفصَّلات التفاسير وكتب التفسير بالمأثور.
والذي يهدي إليه التدبر في الآيات المتعرضة لقصصه عليه السلام أنه عليه السلام في أول ما عاشر قومه بدأ بشأن رجل يذكر القرآن أنه كان أباه آزر، وقد أصر عليه أن يرفض الأصنام ويتبعه في دين التوحيد فيهديه حتى طرده أبوه عن نفسه وأمره ان يهجره قال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً} إلى أن قال
{ قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً } [مريم: 46] فسلم عليه إبراهيم ووعده أن يستغفر له، ولعله كان طمعاً منه في إيمانه وتطميعاً له في السعادة والهدى قال تعالى: { قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً، واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً } } [مريم: 47 - 48] والآية الثانية أحسن قرينة على أنه عليه السلام إنما وعده أن يستغفر له في الدنيا لا أن يشفع له يوم القيامة وإن بقي كافراً أو بشرط ان لا يعلم بكفره.
ثم حكى الله سبحانه إنجازه عليه السلام لوعده هذا واستغفاره لأبيه في قوله:
{ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } [الشعراء: 83 - 89] وقوله: {إنه كان من الضالين} يدل على أنه عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء لأبيه بعد موته أو بعد مفارقته أياه وهجره له لمكان قوله: {كان} وذيل كلامه المحكى في الآيات يدل على أنه كان صورة دعاء أتى بها للخروج عن عهدة ما وعده وتعهد له فإنه عليه السلام يقول: اغفر لهذا الضال يوم القيامة ثم يصف يوم القيامة بأنه لا ينفع فيه شيء إلا القلب السليم.
وقد كشف الله سبحانه عن هذه الحقيقة بقوله - وهو في صورة الاعتذار -:
{ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأوّاه حليم } [التوبة: 114] والآية بسياقها تشهد على أن هذا الدعاء إنما صدر منه عليه السلام في الدنيا وكذلك التبري منه لا أنه سيدعو له ثم يتبرء منه يوم القيامة فإن السياق سياق التكليف التحريمي العام وقد استثنى منه دعاء إبراهيم، وبين أنه كان في الحقيقة وفاء منه عليه السلام بما وعده، ولا معنى لاستثناء ما سيقع مثلاً يوم القيامة عن حكم تكليفي مشروع في الدنيا ثم ذكر التبري يوم القيامة.
وبالجملة هو سبحانه يبين دعاء إبراهيم عليه السلام لأبيه ثم تبريه منه، وكل ذلك في أوائل عهد إبراهيم ولما يهاجر إلى الأرض المقدسة بدليل سؤاله الحق واللحوق بالصالحين وأولاداً صالحين كما يستفاد من قوله في الآيات السابقة: رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} الآية وقوله تعالى - ويتضمن التبري عن أبيه وقومه واستثناء الاستغفار أيضاً -:
{ قد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرنَّ لك وما أملك لك من الله من شيء } [الممتحنة: 4]. ثم يذكر الله تعالى عزمه عليه السلام على المهاجرة إلى الأرض المقدسة وسؤاله أولاداً صالحين بقوله: { فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين، وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لي من الصالحين } [الصافات: 98 - 100]. ثم يذكر تعالى ذهابه إلى الأرض المقدسة ورزقه صالح الأولاد بقوله: { وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاّ جعلنا صالحين } [الأنبياء: 70 - 72] وقوله: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاّ جعلنا نبياً } [مريم: 49]. ثم يذكر تعالى آخر دعائه بمكة وقد وقع في آخر عهده عليه السلام بعد ما هاجر إلى الأرض المقدسة وولد له الأولاد وأسكن إسماعيل مكة وعمِّرت البلدة وبنيت الكعبة، وهو آخر ما حكي من كلامه في القرآن الكريم: {وإذ قال براهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام} إلى أن قال {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة} إلى أن قال {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} إلى أن قال { ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } [إبراهيم: 41]. والآية بما لها من السياق وبما احتف بها من القرائن أحسن شاهد على أن والده الذي دعا له فيها غير الذي يذكره سبحانه بقوله: {لأبيه آزر} فإن الآيات كما ترى تنص على أن إبراهيم عليه السلام استغفر له وفاء بوعده ثم تبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله، ولا معنى لإِعادته عليه السلام الدعاء لمن تبرأ منه ولاذ إلى ربه من أن يمسه فأبوه آزر غير والده الصلبي الذي دعا له ولامه معاً في آخر دعائه.
ومن لطيف الدلالة في هذا الدعاء أعني دعاءه الأخير ما في قوله: {ولوالدي} حيث عبّر بالوالد والوالد لا يطلق إلا على الأب الصلبي وهو الذي يلد ويولّد الإِنسان مع ما في دعائه الآخر: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} والآيات الأخر المشتملة على ذكر أبيه آزر فإنها تعبّر عنه بالأب والأب ربما تطلق على الجد والعم وغيرهما، وقد اشتمل القرآن الكريم على هذا الإِطلاق بعينه في قوله تعالى:
{ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون } [البقرة: 133] فإبراهيم جد يعقوب واسماعيل عمه وقد أُطلق على كل منهما الأب، وقوله تعالى فيما يحكى من كلام يوسف عليه السلام: { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } [يوسف: 38] فإسحاق جد يوسف وإبراهيم عليه السلام جد أبيه وقد أطلق على كل منهما الأب.
فقد تحصَّل أن آزر الذي تذكره الآية ليس أباً لإِبراهيم حقيقة وإنما كان معنوناً ببعض الأوصاف والعناوين التي تصحح إطلاق الأب عليه، وأن يخاطبه إبراهيم عليه السلام بيا أبت، واللغة تسوّغ إطلاق الأب على الجد والعم وزوج أُم الإِنسان بعد أبيه وكل من يتولى أُمور الشخص وكل كبير مطاع، وليس هذا التوسع من خصائص اللغة العربية بل يشاركها فيه وفي أمثاله سائر اللغات كالتوسع في إطلاق الأم والعم والأخ والأخت والرأس والعين والفم واليد والعضد والإِصبع وغير ذلك مما يهدي إليه ذوق التلطف والتفنن في التفهيم والتفهم.
فقد تبين أولاً: ان لا موجب للاشتغال بما تقدمت الإِشارة إليه من الأبحاث الروائية والتاريخية والأدبية في أبيه ولفظة آزر وأنه هل هو اسم علم أو لقب مدح أو ذم أو اسم صنم فلا حاجة إلى شيء من ذلك في الحصول على مراد الآية.
على أن غالب ما أوردوه في هذا الباب تحكم لا دليل عليه مع ما فيه من إفساد ظاهر الآية وإخلال أمر السياق باعتبار التراكيب العجيبة التي ذكروها للجملة {آزر أتتخذ أصناماً آلهة} من تقديم و تأخير وحذف وتقدير.
وثانياً: أن والده الحقيقي غير آزر لكن القرآن لم يصرّح باسمه، وإنما وقع في الروايات ويؤيده ما يوجد في التوراة ان اسمه "تارخ".
ومن عجيب الوهم ما ذكره بعض الباحثين أن القرآن الكريم كثيراً ما يهمل فيما يذكره من تاريخ الأنبياء والأُمم ويقصّه من قصص الماضين أُموراً مهمة هي من جوهريات القصص كذكر تاريخ الوقوع ومحله والأوضاع الطبيعية والإِجتماعية والسياسية وغيرها المؤثرة في تكوّن الحوادث الدخيلة في تركب الوقائع ومنها ما في مورد البحث فإن من العوامل المقومة لمعرفة حقيقة هذه القصة معرفة اسم أبي إبراهيم ونسبه وتاريخ زمن نشوئه ونهضته ودعوته ومهاجرته.
وليس ذلك إلا لأن القرآن سلك في قصصه المسلك الجيد الذي يهدي إليه فن القصص الحقيقي وهو أن يختار القاصّ في قصته كل طريق ممكن موصل إلى غايته ومقصده إيصالاً حسناً، ويمثل المطلوب تمثيلاً تاماً بالغاً من غير أن يبالغ في تمييز صحيح ما يقصه من سقيمه، ويحصي جميع ما هو من جوهريات القصة كتاريخ الوقوع ومكانه وسائر نعوته اللازمة فمن الجائز أن يأخذ القرآن الكريم في سبيل النيل إلى مقصده وهو الهداية إلى السعادة الإِنسانية قصصاً دائرة بين الناس أو بين أهل الكتاب في عصر الدعوة وإن لم يوثق بصحتها أو لم يتبين فيما بأيديهم من القصة جميع جهاتها الجوهرية حتى لو كانت قصة تخيُّلية كما قيل بذلك في قصة موسى وفتاه وفي قصة الملأ الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف حذر الموت وغير ذلك فالفن القصصي لا يمنع شيئاً من ذلك بعد ما ميَّز القاصّ أن القصة أبلغ وسيلة وأسهل طريقة إلى النيل بمقصده.
وهذا خطأ فان ما ذكره من أمر الفن القصصي حق غير أن ذلك غير منطبق على مورد القرآن الكريم فليس القرآن كتاب تاريخ ولا صحيفة من صحف القصص التخيُّلية وإنما هو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد نص على أنه كلام الله سبحانه، وأنه لا يقول إلا الحق، وان ليس بعد الحق إلا الضلال، وإنه لا يستعين للحق بباطل، ولا يستمد للهدى بضلال، وأنه كتاب يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وأن ما فيه حجة لمن اخذ به وعلى من تركه في آيات جمَّة لا حاجة إلى إيرادها فكيف يسع لباحث يبحث عن مقاصد القرآن أن يجوّز اشتماله على رأي باطل أو قصة كاذبة باطلة أو خرافة أو تخييل.
لست أُريد أن مقتضى الإِيمان بالله ورسوله وبما جاء به رسوله أن ينفي عن القرآن أن يشتمل على باطل أو كذب أو خرافة وإن كان ذلك، ولا أن الواجب على كل إنسان سليم العقل صحيح الفكر مستقيم الأمر أن تخضع نفسه للقرآن بتصديقة ونفي كل خطأ وزلة عنه في وسائل من المعارف توسل بها إلى مقاصده، وفي نفس تلك المقاصد وإن كان كذلك.
وإنما أقول: إنه كتاب يدّعي لنفسه أنه كلام إلهي موضوع لهداية الناس إلى حقيقة سعادتهم يهدي بالحق ويهدي إلى الحق ومن الواجب على من يفسر كتاباً هذا شأنه ويستنطقه في مقاصده ومطالبه أن يفترضه صادقاً في حديثه مقتصراً على ما هو الحق الصريح في خبره وكل ما يسوقه من بيان أو يقيمه من برهان على مقاصده وأغراضه هادياً إلى الصراط الذي لا يتخلله باطل موصلاً إلى غاية لا يشوبها شيء من غير جنس الحق ولا يداخلها أي وهن وفتور.
وكيف يكون مقصد من المقاصد حقاً على الإِطلاق وقد تسرّب باطل مّا إلى طريقه الذي يدعو إليه المقصد ولا يدعو - على ما يراه - إلا إلى حق؟ وكيف يكون قضية من القضايا قولاً فصلاً ما هو بالهزل وقد تسرب إلى البيان المنتج لها شيء من المسامحة والمساهلة؟ وكيف يمكن أن يكون حديث أو نبأ كلاماً لله الذي يعلم غيب السماوات والأرض وقد دب فيه جهل أو خبط أو خطاء؟ وهل ينتج النور ظلمة أو الجهل معرفة؟.
فهذا هو المسلك الوحيد الذي لا يحل تعديه في استنطاق القرآن الكريم في مضامين آياته وهو يرى أنه كلام حق لا يشوبه باطل في غرضه وطريق غرضه.
وأما البحث عن أنه هل هو صادق فيما يدَّعيه لنفسه: أنه كلام الله، وأنه محض الحق في طريقه وغايته؟ وأنه ماذا يقضي به الكتب المقدسة الأخرى كالعهدين وأوستا وغيرها في قضايا قضى بها القرآن؟ وأنه ماذا تهدي إليه الأبحاث العلمية الأخر التاريخية أو الطبيعية أو الرياضية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو غيرها؟ فإنما هذه وأمثالها أبحاث خارجة عن وظيفة التفسير ليس من الجائز ان تخلط به أو يقام بها مقامه.
نعم قوله تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82] ينطق بأن هناك شبهات عارضة وأوهاماً متسابقة إلى الأذهان تسوّل لها أن في القرآن اختلافاً كان يتراءى من آية أنها تخالف آية، أو أن يستشكل في آية أنها بمضمونها تخالف الحق والحقيقه وإذ كان القرآن ينص على أنه يهدي إلى الحق فيختلف الآيتان بالأخرة، هذه تدل على أن كل ما تنبئ عنه آية فهو حق وهذه بمضمونها تنبئ نبأ غير حق لكن الآية أعني قوله: {أفلا يتدبرون القرآن} الخ، تصرح القول بأن القرآن تكفي بعض آياته لدفع المشكلة عن بعضها الآخر ويكشف جزء منه عما اشتبه على بعض الأفهام من حال جزء آخر فعلى الباحث عن مراده ومقصده أن يستعين بالبعض على البعض، ويستشهد بالبعض على البعض، ويستنطق البعض في البعض والقرآن الكريم كتاب دعوة وهداية لا يتخطى عن صراطه ولو خطوة وليس كتاب تاريخ ولا قصة وليست مهمته مهمة الدراسة التاريخية ولا مسلكه مسلك الفن القصصي، وليس فيه هوى ذكر الأنساب ولا مقدرات الزمان والمكان، ولا مشخصات أُخر لا غنى للدرس التاريخي أو القصة التخيلية عن إحصائها وتمثيلها.
فأي فائدة دينية في ان ينسب إبراهيم أنه إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفكشاذ بن سام بن نوح؟ أو أن يقال: انه ولد في أُور الكلدانيين حدود سنة ألفين تقريباً قبل الميلاد في عهد فلان الملك الذي ولد في كذا وملك كذا مدة ومات سنة كذا.
وسنجمع في ذيل البحث عن آيات القصة جملاً من قصة إبراهيم عليه السلام منثورة في القرآن ثم نتبعها بما في التوراة وغيرها من تاريخ حياته وشخصيته فلينظر الباحث المتدبر بعين النصفة ثم ليقض فيما اختاره القرآن منها وحققه ما هو قاض.
والقرآن الكريم مع ذلك لم يهمل الواجب في حق العلوم النافعة، ولم يحرّم البحث عن العالم وأجزائه السماوية والأرضية، ولا منع من استطلاع أخبار الأمم الماضية وسنن المجتمعات والقرون الخالية، والاستعانة بها على واجب المعرفة ولازم العلم والآيات تمدح العلم أبلغ المدح، وتندب إلى التفكر والتفقّه والتذكر كثرة لا حاجة معها إلى إيرادها هيهنا.
قوله تعالى: {أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} قال الراغب في المفردات: الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام قال الله تعالى: أتتخذ أصناماً آلهة، لأكيدنَّ أصنامكم، انتهى. وما ذكره من اتخاذه من فضه أو نحاس أو خشب إنما هو من باب المثال لا ينحصر فيه اتخاذها بل كان يتخذ من كل ما يمكن أن يمثل به تمثال من أقسام الفلزّات والحجارة وغيرها، وقد روى أن بني حنيفة من اليمامة كانوا قد اتخذوا صنماً من أقط، وربما كانوا يتخذونه من الطين وربما كان صورة مصورة.
وكيف كان فقد كانت الأصنام ربما يمثل بها موضوع اعتقادي غير محسوس كإله السماء والأرض وإله العدل، وربما يمثل بها موضوع محسوس كصنم الشمس وصنم القمر، وقد كانت من النوعين جميعاً أصنام لقوم إبراهيم عليه السلام على ما تؤيده الآثار المكشوفة منهم في خرائب بابل وقد كانوا يعبدونها تقرباً بها إلى أربابها، وبأربابها إلى الله سبحانه، وهذا أنموذج بارز من سفه أحلام البشر أن يخضع أعلى حد الخضوع - وهو خضوع العبد للرب - لمثال مثل به موضوعاً يستعظم أمره ويعظمه، وحقيقته منتهى درجة خضوع المصنوع المربوب لصانعه من صانع لمصنوع نفسه كان الواحد منهم يأخذ خشبة فينحت بيده منه صنماً ثم ينصبه فيعبده ويتذلل له ويخضع ولذلك جيء بلفظة الأصنام في قوله المحكي: {أتتخذ أصناماً آلهة} نكرة ليدل على هوان أمرها وحقارته من جهة أنها مصنوعة لهم مخلوقة بأيديهم كم يشير إليه قوله عليه السلام لقومه فيما حكى الله:
{ أتعبدون ما تنحتون } [الصافات: 95] ومن جهة أنها فاقدة لأظهر صفات الربوبية وهو العلم والقدرة كما في قوله لأبيه: { إذ قال لأبيه يا أبت لمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً } [مريم: 42]. فقوله: {أتتخذ أصناماً} الخ، معناه: أتتخذ أصناماً لا خطر في أمرها آلهة والإِله هو الذي في أمره خطر عظيم إني أراك وقومك في ضلال مبين، وكيف لا يظهر هذا الضلال وهو عبادة وتذلل عبودي من صانع فيه آثار العلم والمقدرة لمصنوعه الذي يفقد العلم والقدرة.
والذي تشتمل عليه الآية أعني قوله: {أتتخذ أصناماً آلهة} الخ، من الحجاج وإن كان بمنزلة التلخيص لعدة احتجاجات واجه بها ابراهيم عليه السلام أباه وقومه على ما حكي تفصيلها في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أنه أول ما حاج به أباه وقومه فإن الذي حكاه الله سبحانه من محاجته هو حجاجه أباه وحجاجه قومه في أمر الأصنام وحجاجهم في ربوبية الكوكب والقمر والشمس وحجاجه الملك.
أما حجاجه في ربوبية الكوكب والقمر والشمس فالآيات دالة على كونه بعد الحجاج في أمر الأصنام، والاعتبار والتدبر يعطي أن يكون حجاجه الملك بعد ما ظهر أمره وشاع مخالفته لدين الوثنية والصابئة وكسر الأصنام، وأن يكون مبدء أمره مخالفته أباه في دينه وهو معه وعنده قبل أن يواجه الناس ويخالفهم في نحلتهم فقد كان أول ما حاج به في التوحيد هو ما حاج به أباه وقومه في أمر الأصنام.
قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} الخ، ظاهر السياق أن تكون الإِشارة بقوله: {كذلك} إلى ما تضمنته الآية السابقة: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك} الخ، أنه عليه السلام رأى الحق في ذلك، فالمعنى: على هذا المثال من الإِراءة نرى إبراهيم ملك السماوات والأرض.
وبمعونة هذه الإِشارة ودلالة قوله في الآية التالية: {فلما جنّ عليه الليل} الدالة على ارتباط ما بعده بما قبله يظهر أن قوله: {نري} لحكاية الحال الماضية كقوله تعالى:
{ ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض } [القصص: 5]. فالمعنى: أنّا أرينا إبراهيم ملكوت السماوات والأرض فبعثه ذلك أن حاج أباه وقومه في أمر الأصنام وكشف له ضلالهم، وكنا نمده بهذه العناية والموهبة وهي إراءة الملكوت وكان على هذه الحال حتى جنّ عليه الليل ورآى كوكباً.
وبذلك يظهر أن ما يتراءى من بعضهم: أن قوله: {وكذلك نري} الخ، كالمعترضة لا يرتبط بما قبله ولا بما بعده، وكذا قول بعضهم: إن إراءة الملكوت أول ما ظهر من أمرها في إبراهيم عليه السلام أنه لما جنّ عليه الليل رآى كوكباً الخ، فاسد لا ينبغي أن يصار إليه.
وأما ملكوت السماوات والأرض فالملكوت هو الملك مصدر كالطاغوت والجبروت وإن كان آكد من حيث المعنى بالنسبة إلى الملك كالطاغوت والجبروت بالنسبة إلى الطغيان والجبر أو الجبران.
والمعنى الذي يستعمله فيه القرآن هو المعنى اللغوي بعينه من غير تفاوت كسائر الألفاظ المستعملة في كلامه تعالى غير أن المصداق غير المصداق وذلك ان الملك والملكوت وهو نوع من السلطنة إنما هو فيما عندنا معنى افتراضي اعتباري بعثنا إلى اعتباره الحاجة الاجتماعية إلى نظم الأعمال والأفراد نظماً يؤدي إلى الأمن والعدل والقوه الاجتماعية وهو في نفسه يقبل النقل والهبة والغصب والتغلب كما لا نزال نشاهد ذلك في المجتمعات الإِنسانية.
وهذا المعنى على أنه وضعي اعتباري وإن أمكن تصويره في مورده تعالى من جهة أن الحكم الحق في المجتمع البشري لله سبحانه كما قال تعالى:
{ إن الحكم إلا لله } [يوسف: 40] وقال: { له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم } [القصص: 70] لكن تحليل معنى هذا الملك الوضعي يكشف عن ثبوت ذلك في الحقائق ثبوتاً غير قابل للزوال والانتقال كما أن الواحد منا يملك نفسه بمعنى أنه هو الحاكم المسلط المتصرف في سمعه وبصره وسائر قواه وأفعاله بحيث إن سمعه إنما يسمع وبصره إنما يبصر بتبع إرادته وحكمه لا بتبع إرادة غيره من الأناسي وحكمه وهذا معنى حقيقي لا نشك في تحققه فينا مثلاً تحققاً لا يقبل الزوال والانتقال كما عرفت فالإِنسان يملك قوى نفسه وأفعال نفسه وهي جميعاً تبعات وجوده قائمة به غير مستقلة عنه ولا مستغنية عنه فالعين إنما تبصر بإذن من الإِنسان الذي يبصر بها وكذا السمع يسمع بإذن منه، ولولا الإِنسان لم يكن بصر ولا إبصار ولا سمع ولا استماع كما أن الفرد من المجتمع إنما يتصرف فيما يتصرف فيه بإذن من الملك أو ولي الأمر، ولو لم تكن هذه القوة المدبرإ التي تتوحد عندها أزمة المجتمع لم يكن اجتماع، ولو منع عن تصرف من التصرفات الفردية لم يكن له أن يتصرف ولا نفذ منه ذلك، ولا شك أن هذا المعنى بعينه موجود لله سبحانه الذي إليه تكوين الأعيان وتدبير النظام فلا غنى لمخلوق عن الخالق عز اسمه لا في نفسه ولا في توابع نفسه من قوى وأفعال، ولا استقلال له لا منفرداً ولا في حال اجتماعه مع سائر أجزاء الكون وارتباط قوى العالم وامتزاج بعضها ببعض امتزاجاً يكون هذا النظام العام المشاهد.
قال تعالى:
{ قل اللهم مالك الملك } [آل عمران: 26] وقال تعالى: { لله ملك السماوات والأرض } } [الشورى: 49] وقال تعالى: { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة } [الملك: 1 - 2] إلى أن قال { الذي خلق سبع سماوات طباقاً } [الملك: 3] والآيات - كما ترى - تعلل الملك بالخلق فكون وجود الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها وواقعيتها إليه تعالى هو الملاك في تحقق ملكه وهو بمعنى ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يزول عنه إلى غيره ولا يقبل نقلاً ولا تفويضاً يغني عنه تعالى وينصب غيره مقامه.
وهذا هو الذي يفسر به معنى الملكوت في قوله:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } } [يس: 82 - 83] فالآية الثانية تبين أن ملكوت كل شيء هو كلمة كن الذي يقوله الحق سبحانه له، وقوله فعله، وهو إيجاده له.
فقد تبين أن الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وقيامها به، وهذا أمر لا يقبل الشركة ويختص به سبحانه وحده، فالربوبية التي هي الملك والتدبير لا تقبل تفويضاً ولا تمليكاً انتقالياً.
ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدى الإِنسان إلى التوحيد هداية قطعية كما قال تعالى:
{ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } [الأعراف: 185] والآية - كما ترى - تحاذي أول سورة الملك المنقول آنفاً.
فقد بان أن المراد بإراءة ابراهيم ملكوت السماوات والأرض على ما يعطيه التدبر في سائر الآيات المربوطة بها هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الأشياء من جهة استناد وجودها إليه، وإذ كان استناداً لا يقبل الشركة لم يلبث دون أن حكم عليها أن ليس لشيء منها أن يربَّ غيره ويتولى تدبير النظام واداء الأمور فالأصنام تماثيل عملها الإِنسان وسماها اسماء لم ينزل الله عليها من سلطان، وما هذا شأنه لا يرب الإِنسان ولا يملكه وقد عملته يد الإِنسان، والأجرام العلوية كالكوكب والقمر والشمس تتحول عليها الحال فتغيب عن الإِنسان بعد حضورها، وما هذا شأنه لا يكون له الملك وتولي التدبير تكويناً كما سيجيء بيانه.
قوله تعالى: {وليكون من الموقنين} اللام للتعليل، والجملة معطوفة على أُخرى محذوفة والتقدير: ليكون كذا وكذا وليكون من الموقنين.
واليقين هو العلم الذي لا يشوبه شك بوجه من الوجوه، ولعل المراد به أن يكون على يقين بآيات الله على حد ما في قوله:
{ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [السجدة: 24] وينتج ذلك اليقين بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
وفي معنى ذلك ما أنزله في خصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا } [الإسراء: 1] وقال: { ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى } [النجم: 17 - 18] وأما اليقين بذاته المتعالية فالقرآن يجلّه تعالى ان يتعلق به شك أو يحيط به علم وإنما يسلّمه تسليماً.
وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى إنكشاف ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى كما في قوله:
{ كلاّ لو تعلمون علم اليقين، لترونّ الجحيم } [التكاثر: 6] وقوله: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون } [المطففين: 18 - 21]. قوله تعالى: {فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي} إلى آخر الآية قال الراغب في المفردات: أصل الجن (بفتح الجيم) ستر الشيء عن الحاسة يقال: جنه الليل وأجنّه وجن عليه: فجنّه ستره، وأجنه جعل له ما يجنه كقولك: قبرته وأقبرته وسقيته وأسقيته، وجن عليه كذا ستر عليه قال عز وجل: {فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً}، انتهى. فجن الليل إسداله الظلام لا مجرد ما يحصل بغروب الشمس.
وقوله: {فلما جن عليه الليل} تفريع على ما تقدم من نفيه أُلوهية الأصنام بما يرتبطان بقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} ومحصّل المعنى على ذلك أنّا كنا نريه الملكوت من الأشياء فأبطل ألوهية الأصنام إذ ذاك، ودامت عليه الحال فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال كذا وكذا.
وقوله: {رأى كوكباً} كأن تنكير الكوكب إنما هو لنكتة راجعة إلى مرحلة الإِخبار والتحدث فلا غرض في الكلام يتعلق بتعيين هذا الكوكب وأنه أيّ كوكب كان من السيارات أو الثوابت لان الذي أخذه في الحجاج يجري في أي كوكب من الكواكب يطلع ويغرب لا أن إبراهيم عليه السلام أشار إلى كوكب ما من الكواكب من غير ان يمتاز بأي مميز مفروض: أما أولاً فلأن اللفظ لا يساعده فلا يقال لمن أشار إلى كوكب بين كواكب لا تحصى كثرة فقال: هذا ربي: إنه رأى كوكباً قال هذا ربي، وأما ثانياً فلأن ظاهر الآيات أنه كان هناك قوم يعبدون الكوكب الذي أشار إليه وقال فيه ما قال، والصابئون ما كانوا يعبدون أي كوكب ولا يحترمون إلا السيارات.
والذي يؤيده الاعتبار أنه كان كوكب الزهرة، وذلك لأن الصابئين ما كانوا يحترمون وينسبون حوادث العالم الأرضي إلا إلى سبعة من الأجرام العلوية التي كانوا يسمونها بالسيارات السبع: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل وإنما كان أهل الهند هم الذين يحترمون النجوم الثوابت وينسبون الحوادث إليها، ونظيرهم في ذلك بعض أرباب الطلسمات ووثنية العرب وغيرهم.
فالظاهر ان الكوكب كان أحد السبعة والقمر والشمس مذكوران بعد، وعطارد مما لا يرى إلا شاذاً لضيق مداره فقد كان أحد الأربعة: الزهرة، والمريخ والمشتري، وزحل، والزهرة من بينها هي الكوكبة الوحيدة التي يمنعها ضيق مدارها أن تبتعد من الشمس أكثر من سبع وأربعين درجة، ولذلك كانت كالتابعة الملازمة للشمس فأحياناً تتقدمها فتطلع قبيل طلوعها وتسمى عند العامة حينئذ نجمة الصباح ثم تغيب بعد طلوعها، وأحياناً تتبعها فتظهر بعد غروب الشمس في أُفق المغرب ثم لا تلبث إلا قليلاً في أول الليل دون أن تغيب، وإذا كانت على هذا الوضع والليلة من ليالى النصف الأخير من الشهر القمري كليلة ثماني عشرة وتسع عشرة والعشرين فإنها تجامع بغروبها طلوع القمر فترى أن الشمس تغرب فتظهر الزهرة في الأفق الغربي ثم تغرب بعد ساعة أو ساعتين مضتا من غروب الشمس ثم يطلع القمر عند ذلك أو بعد ذلك بيسير.
وهذه الخصوصية من بينها إنما هي للزهرة بحسب نظام سيرها وفي غيرها كالمشتري والمريخ وزحل أمر اتفاقي ربما يقع في أوضاع خاصه لا يسبق إلى الذهن فيشبه من هنا أن الكوكب كان هو الزهرة.
على أن الزهرة أجمل الكواكب الدرّية وأبهجها وأضوءها أول ما يجلب نظر الناظر إلى السماء بعد جن الليل وعكوف الظلام على الآفاق يجلب إليها.
وهذا أحسن ما يمكن أن تنطبق عليه الآية بحسب ما يتسابق إلى الذهن من قوله: {فلما جن عليه الليل رآى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل} إلى أن قال {فلما رأى القمر بازغاً} "الخ" حيث وصل ظاهراً بين أُفول الكوكب وبزوغ القمر.
ويتأكيد هذا الذي ذكرناه بما ورد في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن الكوكب كان هو الزهرة.
وعلى هذا فقد كان عليه السلام رأى الزهرة والقوم يتنسكون بواجب عبادتها من خضوع وصلاة وقربان، وكانت الزهرة وقتئذ تتلو الشمس في غروبها، والليلة من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري جنّ عليه الليل فرأى الزهرة في الأفق الغربي حتى أفلت فرأى القمر بازغاً بعده.
وقوله تعالى: {قال هذا ربي} المراد بالرب هو مالك الأشياء المربوبين، المدبّر لأمرهم لا الذي فطر السماوات والأرض وأوجد كل شيء بعد ما لم يكن موجوداً فإنه الله سبحانه الذي ليس بجسم ولا جسماني ولا يحويه مكان ولا يقع عليه إشارة، والذي يظهر مما حكي من كلام إبراهيم مع قومه في أمر الأصنام ظهوراً لا شك فيه أنه كان على بيّنة من ربه وله من العلم بالله وآياته ما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية، قال تعالى حكاية عنه في محاورة له مع أبيه:
{ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبّعني أهدك صراطاً سوياً } [مريم: 43] إلى آخر الآيات.
على أن الوثنيين والصابئين لا يثبتون لله سبحانه شريكاً في الإِيجاد يكافئ بوجوده وجوده تعالى بل إنما يثبتون الشريك بمعنى بعض من هو مخلوق لله مصنوع له ولا أقل مفتقر الوجود إليه فوض إليه بعد تدبير الخليقة كإلهة الحسن وإله العدل وإله الخصب أو تدبير بعض الخليقة كإله الإِنسان أو إله القبيله أو إله يخص بعض الملوك والأشراف وقد دلت على ذلك آثارهم المستخرجة وأخبارهم المروية، والموجودون منهم اليوم على هذه الطريقة فقوله عليه السلام بالإِشارة إلى الكوكب: {هذا ربي} أراد به إثبات أنه رب يدبر الأمر لا إله فاطر مبدع.
وعليه يدل ما حكي عنه في آخر الآيات المبحوث عنها: {قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين} فإن ظاهره أنه ينصرف عن فرض الشريك إلى إثبات أن لا شريك له لا أنه يثبت وجوده تعالى.
فالذي يعطيه ظاهر الآيات أنه عليه السلام سلم أن لجميع الأشياء إلهاً فاطراً واحداً لا شريك له في الفطر والإِيجاد وهو الله تعالى، وأن للإِنسان رباً يدبر أمره لا محالة، وإنما يبحث عن أن هذا الرب المدبر للأمر أهو الله سبحانه وإليه يرجع التدبير كما إليه يرجع الإِيجاد أم أنه بعض خلقه أخذه شريكاً لنفسه وفوّض إليه أمر التدبير.
وفي إثر ذلك ما كان منه عليه السلام من افتراض الكوكب الذي كانوا يعبدونه ثم القمر ثم الشمس والنظر في أمر كل منها هل يصلح لأن يتولى أمر التدبير وإدارة شئون الناس؟.
وهذا الافتراض والنظر وإن كان بحسب طبعه قبل العلم اليقيني بالنتيجة فإن النتيجة فرع يتأخر طبعاً عن الحجة النظرية لكنه لا يضر به عليه السلام فإن الآيات كما استفدناه فيما تقدم تقص أول أمر إبراهيم والإِنسان في أول زمن يأخذ بالتمييز ويصلح لتعلق التكليف الإِلهي بالنظر في أمر التوحيد وسائر المعارف الأصلية كاللوح الخالي عن النقش والكتابة غير مشغول بنقش مخالف فإذا أخذ في الطلب وشرع يثبت شيئاً وينفي شيئاً لغاية الحصول على الاعتقاد الحق والإِيمان الصحيح فهو بعد في سبيل الحق لا بأس عليه في زمن يمر عليه بين الانتزاع من قصور التمييز وبين الاعتصام بالمعرفة الكاملة والعلم التام بالحق.
ومن ضروريات حياة الإِنسان أن يمر عليه لحظه هي أول لحظه ينتقل فيها من قصور الجهل بواجب الاعتقاد إلى بلوغ العلم بحيث يتعلق به التكليف العقلي بالانتهاض إلى الطلب والنظر، وهذه سنّة عامة في الحياة الإِنسانية المتدرجة من النقض إلى الكمال لا يختلف فيها إنسان وإنسان، وإن أمكن أن يظهر من بعض الأفراد بعض ما يخالف ذلك من أمارات الفهم والعلم قبل المتعارف من سن التمييز والبلوغ كما يحكيه القرآن عن المسيح ويحيى عليهما السلام فإنما ذلك من خوارق العادة الجارية وما كل إنسان على هذا النعت ولا كل نبي فعل به ذلك.
وبالجملة ليس الإِنسان من أول ما ينفخ فيه الروح الإِنساني واجداً لشرائط التكليف بالاعتقاد الحق أو العمل الصالح، وإنما يستعد لذلك على سبيل التدريج حتى يستتم الشرائط فيكلف بالطلب والنظر فزمن حياته منقسم لا محالة إلى قسمين هما قبل التمييز والبلوغ وبعد التمييز والبلوغ وهو الزمان الذي يصلح لأن يشغله الاعتقاد كما أن ما يقابله يقابله فيه، وبين الزمانين الصالح لإِشغاله بالاعتقاد وغير الصالح له لا محالة زمان متخلل يتوجه إليه فيه التكليف بالطلب والنظر، وهو الفصل الذي يبحث فيه عن واجب الاعتقاد بما تهدي إليه فطرته من طريق الاستدلال فيفرض نفسه أو العالم مثلاً بلا صانع مرة ومع الصانع أُخرى، ويفرض الصانع وحده مرة ومع الشريك أُخرى وهكذا ثم ينظر ماذا تؤيده الآثار المشهودة في العالم من كل فرض فرضه أو لا تؤيده؟ فيأخذ بذاك ويترك هذا.
فهو ما لم يتم له الاستدلال غير قاطع بشيء ولا بان على شيء وإنما هو مفترض ومقدر لما افترضه وقدره.
وعلى هذا فقول ابراهيم عليه السلام في الكوكب: {هذا ربي} وكذا قوله الآتي في القمر والشمس ليس من القطع والبناء اللذين يعدان من الشرك، وإنما هو افتراض أمر للنظر إلى الآثار التي تثبته وتؤيده، ومن الدليل على ذلك ما في الآيات من الظهور في أنه عليه السلام كان على حالة الترقب والانتظار، فهذا وجه.
ولكن الذي يتأيد بما حكاه الله عنه في سورة مريم في محاجّته أباه:
{ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا } [مريم: 43 - 47] أنه عليه السلام كان على علم بحقيقة الأمر وأن الذي يتولى تدبير أمره ويحفى عليه ويبالغ في إكرامه هو الله سبحانه دون غيره.
وعلى هذا فقوله: {هذا ربي} جار مجرى التسليم والمجاراة يعدّ نفسه كأحدهم ومجاراتهم وتسليم ما سلموه ثم بيان ما يظهر به فساد رأيهم وبطلان قولهم، وهذا الطريق من الاحتجاج أجلب لإِنصاف الخصم، وأمنع لثوران عصبيته وحميته، واصلح لإِسماع الحجة.
قوله تعالى: {فلما أفل قال لا أُحب الآفلين} الأفول الغروب وفيه إبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الافول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع عليه ولا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع.
على أن الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدي إلى حب المربوب لربه لإِنجذابه التكويني إليه وتبعيّته له، ولا معنى لحب ما يفنى ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله، وما يشاهد من أن الإِنسان يحب كثيراً الجمال المعجّل والزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير أن يلتفت إلى فنائه وزواله فمن الواجب أن يكون الرب ثابت الوجود غير متغير الأحوال كهذه الزخارف المزوّقه التي تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع وتغرب وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين، وهذا وجه برهاني وان كان ربما يتخيل أنه بيان خطابي أو شعري فافهم ذلك.
وعلى أي حال فهو عليه السلام أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له إما بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية والعبودية متقومة بالحب فليس يسع من لا يحب شيئاً أن يعبده وقد ورد في المروي عن الصادق عليه السلام: "هل الدين إلا الحب؟" وقد بيّنا ذلك فيما تقدم.
وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب وإنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه له المنافي للربوبية لأن الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية، وهذا الوجه هو الظاهر يتكئ عليه سياق الإِحتجاج في الآية.
ففي الكلام أولاً: إشارة إلى التلازم بين الحب والعبودية أو المعبودية.
وثانياً: أنه أخذ في إبطال ربوبية الكوكب وصفاً مشتركاً بينه وبين القمر والشمس ثم ساق الاحتجاج وكرر ما احتج به في الكوكب في القمر والشمس أيضاً، وذلك إما لكونه عليه السلام لم يكن مسبوق الذهن من أمر القمر والشمس وأنهما يطلعان ويغربان كالكوكب كما تقدمت الإِشارة إليه، وإما لكون القوم المخاطبين في كل من المراحل الثلاث غير الآخرين.
وثالثاً: أنه اختار للنفي وصف أُولي العقل حيث قال: {لا أُحب الآفلين} وكأنه للإِشارة إلى أن غير أُولي الشعور والعقل لا يستحق الربوبية من رأس كما يؤمي إليه في قوله المحكّي:
{ يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً } [مريم: 42] وقوله الآخر: { إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } [الشعراء: 70 - 74] فسألهم أولاً عن معبودهم كأنه لا يعلم من أمرها شيئاً فأجابوه بما يشعر بأنها أجساد وهياكل غير عاقلة ولا شاعرة فسألهم ثانياً عن علمها وقدرتها وهو يعبّر بلفظ أُولى العقل للدلالة على أن المعبود يجب أن يكون على هذه الصفة صفه العقل.
قوله تعالى: {فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي} إلى آخر الآية، البزوغ هو الطلوع تقدم الكلام في دلالة قوله: {فلما رأى} الخ، على اتصال القضية بما قبلها، وقوله: {هذا ربي} على سبيل الافتراض أو المجاراة والمماشاة والتسليم نظير ما تقدم في الآية السابقة.
وأما قوله بعد أُفول القمر: {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} فهو موضوع وضع الكناية فهو عليه السلام أبطل ربوبية الكوكب بما يعم كل غارب ولما غرب القمر ظهرعندئذ رأيه في أمر ربوبيته بما كان قد قاله قبل ذلك في الكوكب: {لا أحب الآفلين} فقوله: {لئن لم يهدني ربي} الخ، إشارة إلى أن الوضع الذي ذكره في القمر بقوله: {هذا ربي} كان ضلالاً لو دام وأصرّ عليه كان أحد أولئك الضالين القائلين بربوبيته والوجه في كونه ضلالاً ما قاله في الكوكب حيث عبّر بوصف لا يختص به بل يصدق في مورده وكل مورد يشابهه.
وفي الكلام إشارة أولاً: إلى أنه كان هناك قوم قائلون بربوبية القمر كالكوكب كما أن قوله في الآية التالية بعد ذكر أمر الشمس: {يا قوم إني بريءٌ مما تشركون} لا يخلو عن الدلالة على مثله.
وثانياً: أنه عليه السلام كان وقتئذ في مسير الطلب راجياً للهداية الإِلهية مترقباً لما يفيض ربه عليه من النظر الصحيح والرأي اليقيني سواء كان ذلك بحسب الحقيقة كما لو حملنا الكلام على الافتراض لتحصيل الاعتقاد، أو بحسب الظاهر كما لو حملناه على الوضع والتسليم لبيان الفساد، وقد تقدم الوجهان آنفاً.
وثالثاً: أنه عليه السلام كان على يقين بأن له رباً إليه تدبير هدايته وسائر أموره، وإنما كان يبحث واقعاً أو ظاهراً ليعرفه: أهو الذي فطر السماوات والأرض بعينه أو بعض من خلقه، وإذ بان له أن الكوكب والقمر لا يصلحان للربوبية لأفولهما توقع أن يهديه ربه إلى نفسه ويخلصه من ضلال الضالين.
قوله تعالى: {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر} الكلام في دلالة اللفظ على الاتصال بما قبله لمكان قوله: {فلما} وكون قوله: {هذا ربي} مسوقاً للافتراض أو التسليم كما تقدم في الآية السابقة.
وقد كان تكرر قوله: {هذا ربي} في القمر لما رآه بازغاً بعد ما رأى الكوكب، ولذلك ضم قوله: {هذا أكبر} إلى قوله {هذا ربي} في الشمس في المرة الثالثة ليكون بمنزلة الاعتذار للعود إلى فرض الربوبية لها مع تبيّن خطاء افتراضه مرة بعد مرة.
وقد تقدمت الإِشارة إلى أن إشارتة إلى الشمس بلفظة {هذا} تشعر بأنه عليه السلام ما كان يعرف من الشمس ما يعرفه أحدنا أنه جرم سماوي يطلع ويغرب بحسب ظاهر الحس في كل يوم وليلة، وإليها تستند النهار والليل والفصول الأربعة السنوية إلى غير ذلك من نعوتها.
فإن الإِتيان في الإِشارة بلفظ المذكر هو الذي يستريح إليه من لا يميّز المشار إليه في نوعه كما تقول فيمن لاح لك شبحه وأنت لا تدري أرجل أم امرأة: من هذا؟ ونظيره ما يقال في شبح لا يدرى أمن أُولي العقل هو أو لا: ما هذا؟ فلعله إنما كان ذلك من إبراهيم عليه السلام أول ما خرج من مختفى أُخفي فيه إلى أبيه، وقومه ولم يكن عهد مشاهد الدنيا الخارجة والمجتمع البشري فرأى جرماً هو كوكب وجرماً هو القمر وجرماً هو الشمس، وكلما شاهد واحداً منها - ولم يكن يشاهد إلا جرماً مضيئا لامعاً - قال: هذا ربي، على سبيل عدم المعرفة بحاله معرفة تامة كما سمعت.
ويؤيده بعض التأييد قوله: {فلما أفل قال لا أُحب الآفلين} فإن فيه إشعاراً بأنه عليه السلام مكث بانياً على كون الكوكب رباً حتى شاهد غروبه فحكم بأن الفرض باطل وأنه ليس برب، ولو كان عالماً بأنه سيغرب أبطل ربوبيته مقارناً لفرض ربوبيته كما فعل ذلك في أمر الأصنام على ما يدل عليه قوله لأبيه: {أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} وقوله أيضاً: {يا أبت لمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}.
وإن أمكن أن يقال: إنه أراد بتأخير قوله: {لا أحب الآفلين} إلى أن يأفل أن يحاجهم بما وقع عليه الحس كما أراد بما فعل بالأصنام حيث جعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم أن يريهم عجز الأصنام وكونها أجساداً ميتة لا تدفع عن أنفسها الضر والشر.
وللمفسرين في تذكير الإِشارة في قوله: {هذا ربي هذا أكبر} مسالك من التوجية مختلفه:
فمنهم من قال: تذكير الإِشارة إنما هو بتأويل المشار إليه أو الجرم النيّر السماوي أي هذا المشار إليه أو هذا الجرم النير ربي وهو أكبر.
وفيه أنه لا ريب في صحة الاستعمال بهذا التأويل لكن الشأن في النكتة التي تصحح هذا التأويل، ولا يجوز ذلك من غير نكتة مسوغة، ولو جاز ذلك في اللغة من غير اعتماد على نكته لجاز تذكير كل مؤنث قياسي وسماعى في إرجاع الضمير والإِشارة إليه بتأويل الشخص ونحوه وفي ذلك نسخ اللغة قطعاً.
ومنهم من قال: إنه من قبيل إتباع المبتدء للخبر في تذكيره فإن الرب وأكبر مذكران فاتبع اسم الإِشارة للخبر المذكر كما عكس في قوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} الآية فاتبع المذكر والمؤنث.
وفيه أنهم كانوا يرون من الآلهة إناثاً كما يثبتون ذكوراً ويسمون الأنثى من الآلهة إلهة وربة وبنت الله وزوجة الرب فكان من الواجب أن يطلق على الشمس ربة لمكان التأنيث، وأن يقال: هذه ربتي أو إلهتي، فالكلام في تذكير الخبر في قوله: {هذا ربي} كالكلام في تذكير المبتدء ولا معنى حينئذ لحديث الإِتباع.
وكذا قوله: {هذا أكبر} الخبر فيه من صيغ التفضيل وحكم صيغة التفضيل إذا وقعت خبراً أن يجاء بأفعل ويستوي فيه المذكر والمؤنث يقال زيد أفضل من عمر وليلى أجمل من سلمى، وما هذا شأنه لا نسلم أنه من صيغ المذكر الذي يجري فيه الاتباع.
ومنهم من قال: إن تذكير الإِشارة إنما هو لتعظيم الشمس حيث نسب إليها الربوبية صوناً للإِله عن وصمة التأنث.
وفيه: أنهم كانوا يعدّون الأنوثية من النواقص التي يجب أن ينزه عنها الإله وقد كان لأهل بابل أنفسهم آلهة أُنثى كالإِلهة "نينو" إلهة الأمهات الخالقة، والإِلهة "نين كاراشا" ابنة الإِله "آنو" والإِلهة "مالكات" زوجة الإِله "شاماش" والإِلهة "زاربانيت" إلهة الرضاع، والإِلهة "آنوناكي". وكانت طائفة من مشركي العرب تعبد الملائكة وتعدهم بنات الله، وقد رووا في تفسير قوله تعالى:
{ إن يدعون من دونه إلا إناثاً } [النساء: 117] أنهم كانوا يسمون آلهتهم إناثاً، وكانوا يقولون: أُنثى بني فلان يعنون به الصنم الذي يعبدونه.
ومنهم من قال: إن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعدّون الشمس من الذكور وقد أثبتوا لها زوجة يسمونها "أنونيت" فاحتفظ في الكلام على ظاهر عقيدتهم.
وفيه: أن اعتقادهم بكون الشمس ذكراً لا يصحح تبديل تأنيث لفظها تذكيراً. على أن قوله عليه السلام للملك:
{ فأْتِ بها من المغرب } [البقرة: 258] وهو يريد الشمس ينافي ذلك.
ومنهم من قال: إن إبراهيم عليه السلام كان يتكلم باللغة السريانية وهي لغة قومه، ولا يفرّق فيها في الضمائر وأسماء الإِشارة بالتذكير والتأنيث بل الجميع على صفة التذكير، وقد احتفظ القرآن الكريم في حكاية قوله على ما أتى به من التذكير.
وفيه: منع جواز ذلك فإنه أمر راجع إلى أحكام الألفاظ المختلفة باختلاف اللغات بل إنما يجوز ذلك فيما يرجع إلى المعنى الذي لا يؤثر في الخصوصية اللفظية، على أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام احتجاجات كثيرة وأدعية وافرة في القرآن وفيها موارد كثيرة اعتبر فيها التأنيث فما بال هذا المورد اختص من بينها بإلغاء جهة التأنيث؟ حتى أن قوله فيما يحاج به ملك بابل:
{ إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال أنا أُحيي وأُميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب فبهت الذي كفر } [البقرة: 258] ويتضمن ذكر الشمس وتأنيث الضمير العائد إليها.
ومن عجيب ما أُورد على هذا الوجه ما ذكره بعض المفسرين وأصر عليه: أن إبراهيم عليه السلام وكذا إسماعيل وهاجر كانوا يتكلمون باللغة العربية القديمة، وأنها كانت لغة قومه، قال ما ملخصه: أنه ثبت عند علماء الآثار القديمة، أن عرب الجزيرة قد استعمروا منذ فجر التاريخ بلاد الكلدان ومصر وغلبت لغتهم فيهما، وصرح بعضهم بأن الملك حمورابي الذي كان معاصراً لإِبراهيم عليه السلام عربي وحمورابي هذا ملك البر والسلام ووصف في العهد العتيق بأنه كاهن الله العلي، وذكر فيه أنه بارك إبراهيم وأن إبراهيم أعطاه العشرة من كل شيء، قال: ومن المعروف في كتب الحديث والتاريخ العربي أن إبراهيم أسكن إسماعيل ابنه عليهما السلام مع أُمه هاجر المصرية في الواد الذي بنيت فيه مكة بعد ذلك، وأن الله سخّر لهما جماعة من جرهم سكنوا معهما هنالك، وأن إبراهيم عليه السلام كان يزورهما، وأنه هو وولده إسماعيل بنيا بيت الله الحرام ونشرا دين الإِسلام في البلاد العربية، وفي الحديث: أن إبراهيم عليه السلام جاء مكة ليزور ابنه وقد خرج إلى الصيد فكلم زوجته وكانت جرهمية فلم يرتض أمرها ثم جاءها بعد مدة ليزوره فلم يجده فكلم زوجته الأخرى فدعته إلى النزول وغسل رأسه فارتضى أمرها ودعا لها، وكل ذلك يدل على أنه كان يتكلم بالعربية، هذا ملخص ما ذكره.
وفيه: أن مجاورة عرب الجزيرة مصر وكلدان واختلاطهم بهم أو استعمارهم واستيلاؤهم عليهم لا يوجب تبدل لغاتهم إلى العربية، وقد كانت لغة مصر قبطية ولغة كلدان والآشوريين سريانية، نعم ربما أوجب ذلك دخول أسماء وألفاظ من لغة بعضهم في لغة بعض كما يوجد في القرآن الكريم أمثال القسطاس والاستبرق وغيرهما وهي من الدخيل.
وأما ما ذكره من أمر حمورابي ومعاصرته لإِبراهيم عليه السلام فلا يطابق ما هو الصحيح من تاريخه ويؤيده الآثار المكشوفة من خرائب بابل والنصب المستخرجة التي كتبت فيها شريعته التي وضعها وأجراها في مملكته وهي أقدم القوانين المدوّنة في العالم على ما بلغنا، وقد ذكر بعضهم أن أيام ملكه كانت بين (1728) ق م و (1686) ق م وذكر آخرون: أنه تملّك بابل سنة (2287 2232) ق م وكان إبراهيم عليه السلام يعيش في حدود سنة (2000) ق م، وحمورابي هذا وثني، وقد استمد فيما وجد من كلامه المنقوش في ذيل شريعته المنقوشة على النصب بعدة من الآلهة لبقاء شريعته وعمل الناس بها وتدمير من أراد نسخها أو مخالفتها.
وأما ما ذكره من حديث إسكانه ابنه وأُم ولده بتهامة وبناء بيت الله الحرام ونشر دين الله وتفاهمه مع العرب فشيء من ذلك لا يدل على كونه عليه السلام متكلماً باللغة العربية وهو ظاهر.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: قوله: {فلما رأى الشمس بازغه} الخ - كما سمعت - يدل على اتصال ما بعد {فلما} بما قبله وهو قوله: {فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} فهو يدل على أن القمر قد كان غرب حينما رأى عليه السلام الشمس بازغه، وهذا إنما يكون في الخريف أو الشتاء في العرض الشمالي الذي كانت فيه بلاد كلدان حين يطول الليالى وخاصة إذا كان القمر في شيء من البروج الجنوبية كالقوس والجدي فعند ذلك يجيز الوضع السماوي أن يغرب القمر في النصف الأخير من الشهر القمري قبل طلوع الشمس، وقد تقدم سابقاً في قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أُحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي} أن ظاهر الكلام المؤيد بالاعتبار يدل على أن الليلة كانت من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري، وكان الكوكب هي الزهرة شاهدها أولاً في المغرب حال الانحطاط ثم شاهد غروبها وطلوع القمر من ناحية المشرق.
فيتحصل من الآيات أن إبراهيم عليه السلام حاج قومه في أمر الأصنام يوم حاجهم واشتغل بهم يومه ذلك حتى جن عليه الليل فلما جن عليه الليل رأى الزهرة وقوم يعبدونها فجاراهم في ربوبيتها وأخذ ينتظر ما يحل بها من حال حتى أفلت بعد سويعات فحاجهم به وتبرأ من ربوبيتها، ثم رأى القمر بازغاً وهناك قوم يعبدونه فجاراهم في ربوبيته بقوله: {هذا ربي} وأخذ يراقب ما يحدث به حتى أفل، وكانت الليلة من الليالي الطوال في النصف الثاني من الشهر القمري ولعل القمر كان يسير في قوس قصير من أقواس المدارات الجنوبية فلما أفل تبرأ من ربوبيته، وأخذ يستهدي ربه ويستعيذ به من الضلال حتى طلعت الشمس فرآها بازغة وأكبر بالنسبة إلى ما تقدمها من الكوكب والقمر فعاد كذلك إلى مجاراتهم في ربوبيتها مع ما لاح له من بطلان ربوبية الكوكب والقمر وهما مثلها في كونها جرماً سماوياً نيراً لكنه اتخذ كونها أكبر منها عذراً يعتذر به فيما يفترضه أو يسلمه من ربوبيتها فقال: {هذا ربي هذا أكبر} وأخذ ينتظر مستقبل الأمر حتى أفلت فتبرأ من ربوبيتها وشرك قومه فقال: {يا قوم إني بريء مما تشركون} ثم أثبت الربوبية لله سبحانه كما كان يثبت الألوهية بمعنى إيجاد السماوات والأرض وفطرها له تعالى فقال: {إني وجهت وجهي} وهو العبودية قبال الربوبية {للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً} غير منحرف من حاق الوسط إلى يمين أو يسار {وما أنا من المشركين} بإشراك شيء من خلقه ومفطوراته له تعالى في العبادة والإِسلام.
وقد تقدم أن قوله تعالى في ضمن الآيات محفوفاً بها: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} يدل على أنه عليه السلام إنما كان يأخذ ما يلقيه من الحجة على أبيه وقومه مما كان يشاهده من ملكوت السماوات والأرض، وقد أفاض الله سبحانه اليقين الذي ذكره غاية لإِراءته الملكوت على قلبه بهذه المشاهدة والرؤية.
وهذا أوضح شاهد على أن الذي ذكره عليه السلام من الحجة كانت حجة برهانية ترتضع من ثدي اليقين، وقد أورد في ذلك قوله: {لا أحب الآفلين} وتقدمت الإِشارة إلى تقريره.
فتبين من جميع ما تقدم:
أولاً: أن قوله عليه السلام: {لا أحب الآفلين} حجة برهانية يقينية بنى الكلام فيه على عدم حبه للآفلين، ومنافاة الأُفول للربوبية، ويظهر من كلام بعضهم أنه يأخذه حجة عامية غير برهانية إذ يقول: والصواب أن الكلام كان تعريضاً خفياً لا برهاناً نظرياً جلياً يعرّض فيه بجهل قومه في عبادة الكواكب أنهم يعبدون ما يتحجب عنهم، ولا يدري شيئاً من أمر عبادتهم، وهذا هو السبب في جعله الافول منافياً للربوبية دون البزوغ والظهور بل بنى عليه القول بها فإن من صفات الرب أن يكون ظاهراً وإن لم يكن ظهوره كظهور غيره من خلقه، هذا.
وقد خفي عليه أولاً: أن وضع قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} بين الآيات المتضمنة لحججه عليه السلام أدل دليل على كون حججه مأخوذه من مشهوداته الملكوتية التي هي ملاك يقينه بالله وآياته وكيف يتصور مع ذلك كونها حجة عامية غير برهانية.
وخفي عليه ثانياً أن الحجة بنيت على الحب وعدمه لا على الأفول مضافاً إلى أن البناء على الأفول أيضاً لا يخرجها عن كونها برهانية فهو عليه السلام إنما ذكر سبب براءته من ربوبيتها أنه وجدها آفلة غاربه وهو لا يحب الآفلين فلا يعبدها، ومن المعلوم أن عبادة الإِنسان لربه إنما هي لأنه رب أي لأنه يدبر أمر الإِنسان فيفيض عليه الحياة والرزق والصحة والخصب والأمن والقدرة والعلم إلى غير ذلك مما يحتاج إليه في بقائه فهو متعلق الوجود بربه من كل جهة، ومن فطريات الإِنسان أن يحب ما يسعده مما يحتاج إليه وأن يحب من يسعده بذلك لا يرتاب فيه ذو ريب البتة فإنما يعبد الرب لأن الإِنسان يحبه لجلبه المنافع إليه أو لدفعه المضار عنه أو لهما جميعاً.
ومن فطريات الإِنسان أيضاً أنه لا تتعلق نفسه بما لا بقاء له إلا أن يحوّل حرص أو شبق أو نحوهما نظره إلى جهة اللذة ويصرفه عن التأمل والإِمعان في جهة فنائه وزواله، وقد استعمل القرآن الكريم هذه الطريقة كثيراً في ذم الدنيا، وردع الناس عن التعلق المفرط بزينتها والانهماك في شهواتها كقوله:
{ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس } [يونس: 24] وقوله: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } [النحل: 96] وقوله: { وما عند الله خير وأبقى } [القصص: 60]. فهو عليه السلام يفيد بقوله: {لا أُحب الآفلين} أن الذي من شأنه أن يفقده الإِنسان ويغيب عنه ولا يبقى ولا يثبت له لا يستحق أن يحبه الإِنسان وتتعلق به نفسه، والرب الذي يعبده الإِنسان يجب أن يحبه فيجب أن لا يكون من شأنه أن يأفل عنه ويفقد فهذه الأجرام الآفلة لا تستحق اسم الربوبية، وهذه - كما ترى - حجة يعرفها العامة والخاصة.
وقد خلط ثالثاً بين البزوغ والظهور فحكم أنه غير مناف للربوبية بل القول مبني عليه فإن من صفات الرب أن يكون ظاهراً إلى آخر ما قال فإن الذي ذكر في الآية - ولم يبن الحجة عليه - هو البزوغ وهو الطلوع والظهور بعد خفاء المنافي للربوبية فيبقى السؤال: لمَ بنى الكلام على الأفول دون البزوغ؟ على حاله.
وثانياً: أن أخذ الأفول في الحجة دون البزوغ إنما هو لأن البزوغ لا يستوجب عدم الحب الذي بنى الحجة عليه بخلاف الأفول، وبذلك يظهر ما في قول الكشاف في وجه العدول، قال: (فإن قلت: لمَ احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب) انتهى. فإن الاحتجاج كما عرفت إنما هو بعدم تعلق الحب لا بالأفول حتى يوجه العدول إليه من البزوغ بما ذكره.
وثالثاً: أن الاحتجاج إنما أُريد به نفي ربوبية الأجرام الثلاثة بمعنى تدبيرها للعالم الأرضي أو العالم الإِنساني لا الربوبية بمعنى المقام الذي ينتهي إليه الإِيجاد والتدبير جميعاً فإن الوثنية وعبدة الكواكب لا ينكرون أن آلهتهم ليست أرباباً بهذا المعنى، وأنه الله الواحد لا شريك له.
ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن الأفول إنما أخذ مبدءاً للبرهان لأنه يستلزم الإِمكان، وكل ممكن محتاج يجب أن يقف سلسلة حاجته عند موجود واجب الوجود، وكذا ما في قول آخرين: إن الأفول إنما ينفي الربوبية عن المتصف به لأنه حركة، ولا بد لكل حركة من محرك، وينتهي لا محالة إلى محرك غير متحرك وثابت غير متغير بذاته وهو الله عز اسمه.
وذلك أنهما وإن كانا حجتين برهانيتين غير أنهما تنفيان عن الممكنات وعن المتحركات الربوبية بمعنى العلية الأولى التي ينتهى إليها جميع العلل، وسببية الإِيجاد والتدبير التي يقف عندها جميع الأسباب، وعبدة الكواكب من الصابئين وغيرهم وإن ذهبوا إلى أن كل جرم سماوي قديم زماني غير قابل للكون والفساد متحرك بحركة دائمة غير أنهم لا ينكرون أن جميعها معلوله لإِمكانها غير مستغنية لا في وجودها ولا في آثار وجودها عن الواجب عز اسمه.
فالحجتان إنما هما قائمتان على منكري وجود الصانع من الطبيعيين لا الصابئين وعبدة أرباب الأنواع وغيرهم من الوثنيين، وإبراهيم عليه السلام إنما كان يحاج هؤلاء دون أُولئك.
على أنك عرفت أن الحجة لم تركب من جهة الأفول بل من جهة عدم تعلق الحب بشيء من شأنه الأفول والغروب.
وأما من دفع ما ذكروه من تقرير الحجة من جهة الإِمكان أو الحركة بأن تفسير الأفول بذلك تفسير للشيء بما يبانه فإن العرب لا يعرف الأفول بمعنى الإِمكان أو الحدوث وكذلك تفسير الأفول بالتغيّر والحركة غلط كسابقه.
فقد خفي عليه أن هؤلاء لا يقولون: إن الأفول في الآية بمعنى الإِمكان أو بمعنى الحركة، وإنما يقولون: إن الأفول إنما احتج به لاستلزامه الإِمكان أو الحركة والتغيّر، وأما الأفول بمعنى الغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور مع قطع النظر عن استلزامه الإِمكان أو التغير غير اللائقين بساحة الواجب جل ثناؤه فليس ينافي الربوبية كما اعترف به هذا المورد نفسه.
وذلك أن الواجب تعالى أيضاً غائب عن مشاعرنا من غير أن يتحول عليه الحال ويطرأ عليه التغيّر بالغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور، ولا ينفع القول بأن الغيبة والخفاء فيه تعالى من جهتنا لا من جهته ولاشتغالنا بما يصرفنا عنه لا لمحدودية وجوده وقصور استيلائه فإن غيبة هذه الأجرام السماوية وخاصة الشمس بالحركة اليومية أيضاً من قبلنا حيث إنّا أجزاء من الأرض التي تتحرك بحركتها اليومية فتحولنا بها من مسامته هذه الأجرام ومواجهتها إلى خلاف ذلك فنغرب عنها في الحقيقة بعد طلوعنا عليها وان كان الخطأ الحسي يخيل لنا غيره.
وقد أراد الرازي أن يجمع بين الوجوه جميعاً فقال في تفسيره ما نصه: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل فيقول: الأفول انما يدل على الحدوث من حيث انه حركة، وعلى هذا التقدير فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث فلمَ ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعوّل في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟.
والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بدّ وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق، أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الآفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم.
وأيضاً قال بعض المحققين: الهوي في خطرة الإِمكان افول وأحسن الكلام ما تحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام: فالخواص يفهمون من الأفول الإِمكان وكل ممكن محتاج لا يكون مقطوع الحاجة فلا بد من الإِنتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإِمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: وأن إلى ربك المنتهى.
وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلهاً بل الإِله هو الذي يحتاج إليه ذلك الآفل.
وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فأنه يزول نوره، وينتقص ضوؤه، ويذهب سلطانه، ويكون كالمعزول، ومن يكون كذلك لا يصلح للإِلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله {لا أحب الآفلين} كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين.
وفيه دقيقة أخرى، وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين، ومذهب أصحاب النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير، أما إذا كان غربياً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة فنبّه بهذه الدقيقة على أن الإِله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجز عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته فظهر على قول المنجمين أن للافول مزيد خاصيَّة في كونه موجباً للقدح في إلهيّته، انتهى موضع الحاجة من كلامه على طوله.
وأنت بالتأمل في ما تقدم تقف على أن ما تفنن به من تقسيم البرهان إلى حصص مختلفة باختلاف النفوس، وتقريره بوجوه شتى لا لفظ الآية يدل عليه، ولا شبهة الصابئين وأصحاب النجوم تندفع به فإنهم لا يرون الجرم السماوي إلهاً واجب الوجود غير متناهي القدرة ذا قوة مطلقة، وإنما يرونه ممكناً معلولاً ذا حركة دائمة يدبر بحركته ما دونه من العالم الأرضي، وشيء مما ذكره من الوجوه لا يدفع هذه النظرية، وكأنه تنبّه لهذا الإِشكال بعد كلامه المنقول آنفاً فبسط في الكلام وأطنب في الخروج من العويصة بما لا يجدي شيئاً.
على أن الحجة الثانية على ما قرره حجه غير تامة فإن الحركة إنما تدل على حدوث المتحرك من حيث وصفه وهو التحرك لا من حيث ذاته، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله، والمصير إلى ما قدمناه في تقرير الحجة من جهة الحركة.
ورابعاً: أن إبراهيم عليه السلام إنما ساق هذه الحجج بحسب ما كان الله سبحانه يريه ملكوت السماوات والأرض، وبحسب ما يسمح له جريان محاجَّته أباه وقومه آخذاً بالمحسوس المعاين إما لأنه لم يكن رأى تفصيل الحوادث السماوية والأرضية اليومية كما تقدمت الإِشارة إليه أو لأنه أراد أن يحاجّهم بما تحت حسهم فأورد قوله {هذا ربي} لما شاهد شيئاً من الأجرام الثلاثة لامعاً بازغاً، وأورد قوله {لا أُحب الآفلين} أو ما في معناه لمّا شاهد أفولها.
وبذلك يظهر الجواب عما يمكن أن يقال: إن قوله: {فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً} يدل على أنه عليه السلام كان في النهار المتصل بذلك الليل شاهد قومه فما باله لم يذكر الشمس لينفي ربوبيتها.
فإن من المحتمل أن يكون قد خرج إلى قومه للمحاجة والوقت لا يسع أزيد مما حاجّ به أباه وقومه في أمر الأصنام فكان يحاجَّهم طول النهار أو مدة ما أدركه من النهار عند قومه حتى إذا تمم الحجاج لم يلبث دون أن جن عليه الليل، وهناك محتملات أخر كغيم في الهواء أو حضور قومه للصلوات والقرابين في أول الطلوع فحسب وقد كان يريد أن يواجههم فيما يلقيه إليهم.
وخامساً: أن الآيات كما قيل تدل على أن الهداية من الله سبحانه وأما الإِضلال فلم ينسب إليه تعالى في هذه الآيات بل دلّ قوله: {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} بعض الدلالة على أن من شأن الإِنسان بحسب ما يقتضيه نقص نفسه أن يتصف بالضلال لو لم يهده ربه، وهو الذي يستفاد من قوله تعالى:
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً } [النور: 21] وقوله: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [القصص: 56] إلى غير ذلك من الآيات.
نعم هناك آيات تنسب إليه تعالى الإِضلال لكن أمثال قوله:
{ وما يضل به إلا الفاسقين } } [البقرة: 26] تبين أن الضلال المنسوب إليه تعالى هو الإِضلال الواقع بحسب المجازاة دون الإِضلال الابتدائي، وقد تقدّم البحث في تفسير الآية في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وسادساً: أنه عليه السلام أخذ في حجته لإِبطال ربوبية الأجرام الثلاثة أنه لا يحب الآفل لأفوله وهو أن يفقده الإِنسان بعد أن يجده فهو الوصف الذي لا يتعلق به الحب المسوغ للعبادة، وإذ كان ذلك وصفاً مطرداً في جميع الجسمانيات التي تسير إلى الزوال والفوت والهلاك والبيد كانت الحجة قاطعة على كل شرك ووثنية حتى على ما يظهر من بعض الوثنيين من القول بألوهية أرباب الأنواع والموجودات النورية التي يذعنون بوجودها وأنها فوق المادة والطبيعة متعالية عن الجسمية والحركة فإنهم يصرحون بأنها على ما لها من صفاء الجوهر وشرف الوجود مستهلكة تجاه النور القيّومي، مستذلة تحت القهر الأحدي، وإذ كان هذه صفة ما يدعونه فلو توجه تلقاءها حب لم يتعلق إلا بمن يدبر أمرها ويصلح شأنها لا بها.
قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض} إلى آخر الآية. ذكر الراغب في المفردات: أن أصل الفطر الشقّ طولاً يقال: فطر فلان كذا فطراً وأفطر هو فطوراً وانفطر انفطاراً قال: هل ترى من فطور أي اختلال ووهي فيه، وذلك قد يكون على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل الصلاح قال: السماء منفطر به كان وعده مفعولاً.
وفطرت الشاة حلبتها بإصبعين، وفطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه الفطرة، وفطر الله الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال فقوله: فطرة الله التي فطر الناس عليها إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى، وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإِيمان وهو المشار إليه بقوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، انتهى. وذكر أيضاً: أن الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة والحنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال قال: وسمّت العرب كل من حج أو اختتن حنيفاً تنبيهاً على أنه على دين إبراهيم عليه السلام والأحنف من في رجله ميل، قيل: سمي بذلك على التفاؤل وقيل: بل استعير للميل المجرد، انتهى.
لما تبرأ عليه السلام من شركهم وشركائهم بقوله: {يا قوم إني بريء} الخ، وقد سلك إليه تدريجاً بإظهار عدم تعلق قلبه بالشريك حيث قال: {لا أُحب الآفلين} ثم الإِيماء إلى كون عبادة الشريك ضلالاً حيث قال: {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} ثم التبري الصريح من ذلك بقوله: {يا قوم إني بريء مما تشركون} رجع إلى توحيده التام في الربوبية، وهو إثبات الربوبية والمعبودية للذي فطر السماوات والأرض، ونفي الشرك عن نفسه فقال: {إني وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً}.
فتوجيه الوجه كناية عن الإِقبال إلى الله سبحانه بالعبادة فإن لازم العبودية والمربوبية أن يتعلق العبد المربوب بربه في قوته وإرادته، ويدعوه ويرجع إليه في جمع أعماله، ولا يكون دعاء ولا رجوع إلا بتوجيه الوجه والإِقبال إليه فكنّى بتوجيه الوجه عن العبادة التي هي دعاء ورجوع.
وذكر ربه وهو الله سبحانه الذي وجه وجهه إليه، بنعته الذي يخصه بلا نزاع فيه وهو فطر السماوات والأرض، وجاء بالموصول والصلة ليدل على العهد فلا يشتبه الأمر على أحد منهم فقال: للذي فطر السماوات والأرض أي إني أقبلت بعبادتي على من ينتهي إليه إيجاد كل شيء وإبداعه، وهو الذي يثبته ويثبتونه فوق الجميع.
ثم نفى غيره مما يدعونه شريكاً بقوله: {حنيفاً} أي مائلاً إليه عن غيره نافياً للشريك عنه، وأكده بقوله: {وما أنا من المشركين} فأفاد مجموع قوله: {إني وجهت} الخ، إثبات المعبودية لله تعالى ونفي الشريك عنه قريباً مما تفيده الكلمة الطيبة: لا إله الا الله.
واللام في قوله: {للذي} للغاية وتفيد معنى إلى، وكثيراً ما تستعمل في الغاية اللام كما تستعمل "إلى" قال:
{ أسلم وجهه لله } [البقرة: 112] { ومن يسلم وجهه إلى الله } [لقمان: 22] . وفي تخصيص فطر السماوات والأرض من بين صفاته تعالى الخاصة وكذا من بين الألفاظ الدالة على الخلقة كالباري والخالق والبديع إشارة إلى ما يؤثره إبراهيم عليه السلام من دين الفطرة وقد كرر توصيف هذا الدين في القرآن الكريم بأنه دين إبراهيم الحنيف ودين الفطرة أي الدين الذي بنيت معارفه وشرائعه على خلقة الإِنسان ونوع وجوده الذي لا يقبل التبدل والتغير فإن الدين هو الطريقة المسلوكة التي يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقية والسعادة الحقيقية هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيء حسب تركب وجوده وتجهزه بوسائل الكمال طلباً خارجياً واقعياً، وحاشا أن يسعد الإِنسان أو أي شيء آخر من الخليقة بأمر ولم يتهيأ بحسب خلقته له أو هيئ لخلافه كأن يسعد بترك التغذي أو النكاح أو ترك المعاشرة والاجتماع وقد جهز بخلافها، أو يسعد بالطيران كالطير أو بالحياة في قعر البحار كالسمك ولم يجهز بما يوافقه.
فالدين الحق هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة وحاشا ساحة الربوبية أن يهدي الإِنسان أو أي مخلوق آخر مكلف بالدين - أن كان - إلى غاية سعيدة مسعدة ولا يوافق الخلقة أو لم يجهز بما يسلك به إليها فإنما الدين عند الله الإِسلام وهو الخضوع لله بحسب ما يهدي إليه ويدل عليه صنعه وإيجاده.
قوله تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان}. قسّم تعالى حججه عليه السلام إلى قسمين: أحدهما ما بدأ به هو فحاج الناس، وثانيهما ما بدأ به الناس فكلموه به بعد ما تبرأ من آلهتهم، وهذا الذي تعرّض له في الآية وما بعده هو القسم الثاني.
لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجة لكنه لوّح إليه بقوله حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {ولا أخاف ما تشركون به} فهو الاحتجاج لوجوب عبادة آلهتهم من جهة الخوف وقد تقدم وسيجيء أن الذي بعثهم إلى اتخاذ الآلهة وعبادتها أحد أمرين: الخوف من سخطها وقهرها بما لها من السلطة على حوادث العالم الأرضي، أو رجاء البركة والسعادة منها، وأشد الأمرين تأثيراً في نفوسهم هو الأمر الأول أعني الخوف وذلك أن الناس بحسب الطباع يرون ما بأيديهم من النعمة والسعادة المادية ملك أنفسهم إما مرهون جهدهم في سلوك سبيل المعاش في اقتناء الأموال واكتساب المقام والجاه أو مما ملّكهم إياه الجد الرفيع أو البخت السعيد كمن ورث مالاً من مورثّه أو صادف كنزاً فتملّكه أو ساد قومه برئاسة أبيه.
فطريق الرجاء قليل التأثير في وجوب العبودية حتى أن المسلمين مع ما بأيديهم من التعليم الكامل الإِلهي يتأثرون من الوعد والبشارة أقل مما يتأثرون من الوعيد والإِنذار، ولذلك بعينه نرى أن القرآن يذكر الإِنذار من وظائف الأنبياء أكثر من ذكر التبشير، وكلا الأمرين من وظائفهم والطرق التي يستعملونها في الدعوة الدينية.
وبالجملة اختار قوم إبراهيم عليه السلام في محاجتهم إياه عندما كلموه في أمر الآلهة سبيل الخوف فأرهبوه من قهر الآلهة وسخطها ووعظوه بسلوك سبيلهم ولزوم طريقهم في التقرب بالآلهة ورفض القول بربوبية الله سبحانه، وإثباته في المقام الذي أثبتوه فيه وهو أنه الذي ينتهي إليه الكل فحسب.
ولما وجد عليه السلام كلامهم ينحل إلى جزأين: الردع عن القول بربوبية الله سبحانه والتحريض على القول بربوبية آلهتهم احتج عليهم من الجهتين جميعاً لكن لا غنى للجهة الأولى عن الثانية كما سيجيء.
وما أورده في الاحتجاج على حجاجهم في الله سبحانه هو قوله: {أتحاجوني في الله وقد هدان} أي إني واقع في أمر مفروغ عنه ومهتد بهداية ربي حيث آتاني العلم بما أراني من ملكوت السماوات والأرض وألهمني بذلك حجة أنفي بها ربوبية غيره من الأصنام والكواكب، وأني لا أستغني عن رب يدبر أمري فأنتج لي أنه هو الرب وحده لا شريك له، وإذ هداني إليه فأنا في غنى عن الإِصغاء إلى حجتكم والبحث عن الربوبية ثانياً فإن البحث إنما ينفع الطالب ولا طلب بعد الوصول إلى الغاية.
هذا ما يعطيه ظاهر الآية بالتبادر إلى الذهن لكن هناك معنى أدق من ذلك يظهر بالتدبر وهو أن قوله: {وقد هدان} استدلال بنفس الهداية لا استغناء بالهداية عن الاستدلال وتقريره: أن الله هداني بما علمني من الحجة على نفي ربوبية غيره وإثبات ربوبيتة، ونفس هدايته دليل على أنه رب ولا رب غيره فإن الهداية إلى الرب من جملة التدبير فهى شأن من هو رب، ولو لم يكن الله سبحانه هو ربي لم يكن ليهديني ولا قام بها إلى الذي هو الرب لكن الله هو هداني فهو ربي.
ولم يكن لهم أن يقولوا: أن الذي علمك ما علمت وألهمك الحجة هو بعض آلهتنا لأن الشيء لا يهدي إلى ما يضره ويميت ذكره ويفسد أمره فاهتداؤه عليه السلام إلى نفي ربوبيتها لا يصح أن ينسب إليها، هذا.
ولكن كان لهم أن يقولوا أو أنهم قالوا: أن ذلك من فعل بعض آلهتنا فعل بك ذلك قهراً وسخطاً أبعدك عن القول بربوبيتها ولقنك هذه الحجج لما وجد من فساد رأيك وعلّة نفسك نظير ما شافهت به عاد هوداً عليه السلام لما دعاهم إلى توحيد الله سبحانه واحتج عليهم بأن الله هو الذي يجب أن يرجى ويخاف، وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر فردّوا عليه بأن بعض آلهتنا اعتراك بسوء قال تعالى في قصتهم حكاية عن هود عليه السلام:
{ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوّتكم ولا تتولوا مجرمين، قالوا يا هود } [هود: 52 - 53] إلى أن قال { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون } [هود: 54 - 55]. فقوله عليه السلام: {ولا أخاف ما تشركون به} الخ، ينفي هذه الشبهة وكما أنه ينفي هذه الشبهة فإنه حجة تامة تنفي ربوبية شركائهم.
ومحصّله: أنكم تدعونني إلى القول بربوبية شركائكم ورفض القول بربوبية ربي بما تخافونني من أن تمسني شركاؤكم بسوء، وترهبونني بإلقاء الشبهة فيما اهتديت به، وإني لا أخاف ما تشركون به لأنها جميعاً مخلوقات مدبّرة لا تملك نفعاً ولا ضراً وإذ لم أخفها سقطت حجتكم وارتفعت شبهتكم.
ولو كنت خفتها لم يكن الخوف الحاصل في نفسي من صنع شركائكم لأنها لا تقدر على شيء بل كان من صنع ربي وكان هو الذي شاء أن أخاف شركاءكم فخفتها فكان هذا الخوف دليلاً آخر على ربوبيته وآية أُخرى من آيات توحيده يوجب إخلاص العبادة له لا دليلاً على ربوبية شركائكم وحجة توجب عبادتها.
والدليل على أن ذلك من ربي أنه وسع كل شيء علماً فهو يعلم كل ما يحدث ويجري من خير وشر في مملكته التي أوجدها لغايات صحيحة متقنة، وكيف يمكن أن يعلم في ملكه بشيء ينفع أو يضر فيسكت ولا يستقبله بأحد أمرين: إما المنع أو الإِذن؟.
فلو حصل في نفسي شيء من الخوف لكان بمشيئة من الله وإذن على ما يليق بساحة قدسه، وكان ذلك من التدبير الدال على ربوبيته ونفي ربوبية غيره أفلا تتذكرون وترجعون إلى ما تدركونه بعقولكم وتهدي إليه فطرتكم.
فهذا وجه في تقرير الحجة المودعة في قوله: {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون} وعلى ذلك فقوله: {ولا أخاف ما تشركون به} كالمتمم للحجة في قوله: {أتحاجوني في الله وقد هدان} وهو مع ذلك حجة تامة في نفسه لإِبطال ربوبية شركائهم بعدم الخوف منها، وقوله: {إلا أن يشاء ربي شيئاً} كالكلام في الحجة على تقدير التسليم أي تحتجون على وجوب عبادتها بالخوف ولا خوف في نفسي، ولو فرض خوف لكان دليلاً على ربوبية ربي لا على ربوبية شركائكم فإنه عن مشيئة من ربي، قوله: {وسع ربي كل شيء علماً} بيان وتعليل لكون الخوف المفروض مستنداً إلى مشيئة ربه فإن فاطر السماوات والأرض لا يجهل ما يقع في ملكه فلا يقع إلا بإذن منه فهو الذي يدبر أمره ويقوم بربوبيته، وقوله: {أفلا تتذكرون} استفهام توبيخي وإشارة إلى أن الحجة فطرية، هذا.
وللمفسرين في الآية أقوال:
أما قوله تعالى: {قال أتحاجوني في الله وقد هدان} فقد أورد أكثرهم فيه الوجه الأول من الوجهين اللذين قدّمناهما، ومحصَّله أنه يرد اعتراضهم على توحيده بأنه غني عن المحاجة في ذلك فإن الله هداه ولا حاجة معها إلى المحاجة لكن ظاهر السياق أنه في مقام المحاجة ولازمه أن كلامه احتجاج للتوحيد الاستغناء عن الاحتجاج.
وأما قوله تعالى: {لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً} فقد ذكروا في الصدر قريباً مما قدّمناه، وأما الاستثناء فقيل: معناه إلا أن يغلب ربي هذه الأصنام التي تخوفونني بها فيحييها ويُقدرها فتضر وتنفع فيكون ضررها ونفعها إذ ذاك دليلاً على حدوثها وعلى توحيد الله سبحانه، وبعبارة أخرى: المعنى أني لا أخافها في حال من الحالات إلا أن يشاء ربي أن تحيا هؤلاء الشركاء فتضر وتنفع فأخافها واذ ذاك كانت الربوبية لله وتبين حدوث شركائكم.
وهذا الوجه وإن كان قريباً مما قدمناه بوجه لكن نسبة النفع والضر إلى الشركاء لو كانت أحياء - مع أن بعضها احياء عندهم كالملائكة وأرباب الأنواع وبعضها يضر وينفع بحسب ظاهر النسبة كالشمس - تخالف التعليم الإِلهي في كتابه فإن القرآن يصرح أن لا يملك نفعاً ولا ضرراً إلا الله سبحانه.
وكذلك ما ذكر من دلالة ذلك على حدوث شركائهم أمر لا يضر أهل الأوثان فإنهم كما عرفت لا ينكرون كون الأصنام ولا أربابها معلولة لله مخلوقة له، والقول بالقدم الزماني في بعضها لا ينافي إمكانها ولا معلوليتها عندهم.
وقيل: إن معنى الاستثناء إني لا اخاف شركائكم واستثني من عموم الخوف في الأوقات أن يشاء ربي أن يعذبني ببعض ذنوبي أو يصيبني بمكروه ابتداء، وبعبارة أخرى الجملة استثناء من معنى أعم مما يدل عليه الجملة السابقة فقد دلّ قوله: {ولا أخاف} الخ، على نفي الخوف من شركائهم، وقوله: {إلا أن يشاء} الخ، استثناء من كل خوف فالتقدير: لا أخاف ما تشركون به ولا شيئاً آخر إلا من أن يشاء ربي شيئاً أكرهه ابتداء أو جزاء فإني أخافه، ووجه التعسف في هذا المعنى لا يحتاج إلى بيان.
وأما قوله: {وسع ربي كل شيء علماً} فقد قيل. إنه ثناء منه عليه السلام لربه بعد إتمام الحجة.
وقيل: إنه تعريض بأصنامهم حيث إنها لا تعلم شيئاً ولا تشعر، ويرد عليه أن التعريض بمثل القدرة أقرب إلى اقتضاء المقام من التعريض بالعلم فما وجه العدول عن القدرة إلى العلم؟ والإِشكال جار في الوجه السابق.
وقيل: إنه لما استثنى ما يشاؤه ربه مما يقع عليه من المكاره بيّن بقوله: {وسع ربي كل شيء علماً} أنه تعالى علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة. وفيه أن الأنسب حينئذ أن يذكر الحكمة مكان العلم ولا أقل من أن يذكر الحكمة مع العلم كما في أغلب الموارد.
وقيل: إنه كالتعليل للاستثناء بجواز أن يكون قد سبق في علمه تعالى إصابته بسوء تكون سببه الأصنام كأن يشاء أن يسقط صنم عليه فيشجه أو تؤثر فيه حرارة الشمس فتمرضه أو تقتله، وفيه أن التمسك بالقدرة أو الحكمة أنسب للتعليل من العلم.
وقيل: معناه أن علم ربي وسع كل شيء وأحاط به ومشيئته مرتبطة بعلمه المحيط القديم وقدرته منفذة لمشيئته فلا يمكن أن يكون لشيء من المخلوقات التي تعبدونها ولا لغيرها تأثير ما في صفاته، ولا في أفعاله الصادرة عنها لا بشفاعة ولا غيرها وإنما يكون ذلك لو كان علم الله تعالى غير محيط بكل شيء فيعلمه الشفعاء والوسطاء من وجوه مرجحات الفعل أو الترك بالشفاعة أو غيرها ما لم يكن يعلم فيكون ذلك هو الحامل له على الضر أو النفع أو العطاء أو المنع.
قال هذا القائل: اخذنا هذا المعنى لهذه الجملة من حجج الله تعالى على نفي الشفاعة الشركية بمثل قوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}. قال: وهذا أرجح الوجوه، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، انتهى ملخصاً.
ومحصّله أن قوله: {وسع ربي كل شيء علماً} بيان وتعليل لعموم نفي الخوف من الآلهة وغيرها كأنه قال: لا أخاف ضرّ شيء من آلهتكم وغيرها من المخلوقات فإن ربي يعلم كل شيء فيتمه بمشيئته وينفذه بقدرته فلا يحتاج إلى شفيع يعلمه ما جهل حتى يكون لها تأثير في أفعاله تعالى وشفاعة.
وأنت تعلم أن نفي هذا التأثير كما يحتاج إلى سعة علمه تعالى كذلك يحتاج إلى إطلاق القدرة والمشيئة - والمشيئة مع ذلك صفة فعل لا ذات كما يفرضه القائل - فماذا تنفع سعة العلم لو لم يكن لقدرته ومشيئته إطلاق، والشاهد عليه نفس كلامه الذي قرر فيه الوجه بالعلم والمشيئة والقدرة جميعاً.
وبالجملة هذا الوجه لا يتم بسعة العلم وحدها وإنما يتم بها وبإطلاق القدرة والمشيئة، وقد ذكرت في الآية سعة العلم وحدها.
وأما ما ذكره من دلالة آيات الشفاعة على ذلك فالآيات المذكورة مسوقة لإِثبات الشفاعة بمعنى التوسط في السببية بإذن من الله سبحانه لا أنها تنفيها كما خيل إليه فزعم إنه يفسر القرآن بالقرآن، وكيف لا؟ والطمع في ارتفاع الأسباب عن العالم المشهود طمع فيما لا مطمع فيه، والقرآن الكريم من أوله إلى آخره يتكلم عن السببية ويبني على أصل العليّة والمعلولية العام، وقد تقدم الكلام في هذه المعاني كراراً في الأجزاء السابقة من الكتاب.
قوله تعالى: {و كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً} الخ، ثم كرَّر عليه السلام عليهم بحجه أُخرى تثبت المناقضة بين قولهم وفعلهم وبعبارة أخرى: حالهم يكذب مقالهم ومحصّله أنكم تأمرونني أن أخاف ما لا يجب أن يخاف منه، وأنتم أنفسكم لا تخافون من يجب أن يخاف منه فأنا أولى بالأمن منكم إن عصيتكم ولم أءتمر بأمركم.
أما كون ما تأمرونني بخوفه لا يجب أن يخاف منه فلأن الأصنام وأربابها لا دليل على كونها مستقلة بالضر والنفع حتى توجب الخوف منها، وأما كونكم لا تخافون من يجب أن يخاف منه فإنكم انفسكم أثبتم لله سبحانه شركاء في الربوبية ولم ينزلّ الله في ذلك عليكم برهاناً يمكن أن يعتمد عليه فإن الصنع والإِيجاد لله سبحانه فله الملك وله الحكم فلو كان اتخذ بعض مخلوقاته شريكاً لنفسه يوجب لنا بذلك عبادة شريكه كان إليه لا إلى غيره أن يبين لنا ذلك ويكشف عن وجه الحقيقة فيه، والطريق فيه أن يقارنه بعلائم وآيات تدل على أن له شركة في كذا وكذا، وذلك إما وحي أو برهان يتكئ على آثار خارجية، وشيء من ذلك غير موجود.
وعلى هذا التقرير فقوله تعالى: {ما أشركتم} مقيد بحسب ما يستفاد من المقام بما قيد به قوله: {أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} وإنما ذكر هذا القيد عند ذكر عدم خوفهم من شركهم لأن الحجة إلى ذكره هناك أحوج وهو ظاهر. وقوله: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} من تتمة الحجة، والمجموع برهان على مناقضتهم أنفسهم في دعوته عليه السلام إلى أن يخاف آلهتهم فإنهم يأمرونه بالخوف فيما لا يجب وهم أنفسهم لا يخافون فيما يجب.
وبالبيان السابق يظهر أن وصف شركائهم بأن الله لم ينزل بها عليهم سلطاناً افتراض استدعاه نوع الحجة التي وضعت في الكلام لا مفهوم له يثبت إمكان ان يأمر الله باتخاذ الشركاء آلهة يعبدون فهو بمنزلة قولنا: لا دليل لكم على ما ادّعيتم، في جواب من يخوفنا من موضوع خرافي يدّعي أنه ربما ينفع ويضر، ولنا أن نبدل قولنا ذلك لو اردنا التكلم بلسان التوحيد بقولنا: ما أنزل الله على ذلك دليلاً، والكلام بحسب التحليل المنطقي يؤول إلى قياس استثنائي استثني فيها نقيض المقدم في الشرطية لانتاج نقيض التالى نحواً من قولنا: لو كان الله نزل بها عليكم سلطاناً يدل على قدرتهم على الضر لكان اتخاذكم الشركاء خوفاً منها في محله لكنه لم ينزل سلطاناً فليس اتخاذكم الشركاء في محله، ومن المعلوم أن لا مفهوم في هذا القياس فلا حاجة إلى القول بأن التقييد بقوله: {لم ينزلّ به عليكم سلطاناً} للتهكم، أو للإِشارة إلى أن هذا وصف لازم لشركائهم على حد قوله تعالى:
{ ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به } [المؤمنون: 117] إلى غير ذلك من التحملات.
والباء في قوله: {لم ينزل به} للمعية أو السببية وقد كنى عليه السلام عنهم وعن نفسه بالفريقين ولم يقل: أنا وانتم أو ما يشابه ذلك ليكون أبعد من تحريك الحمية وتهييج العصبية كما قيل، وليدل على تفرقهما وشقاق بينهما من جهة الإِختلاف في أصل الأصول وأُم المعارف الحقيقية بحيث لا يأتلفان بعد ذلك في شيء.
قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أُولئك لهم الأمن وهم مهتدون} سألهم في الآية السابقة في ضمن ما أقامه من الحجة عمن هو أحق بالأمن حيث قال: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} ثم أجابهم عما سألهم لكون الجواب واضحاً لا يختلف فيه الفريقان المتخاصمان والجواب الذي هذا شأنه لا بأس بأن يبادر السائل إلى إيراده من غير أن ينتظر المسؤول فإن المسؤول لا يخالف السائل في ذلك حتى يخاف منه الرد، وقد حكى الله تعالى اعترافهم بذلك في قصة كسر الأصنام:
{ قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } [الأنبياء: 63 - 65]. هذا ما يقتضيه سياق الكلام أن تكون الآية من كلام إبراهيم عليه السلام ومقولة لقوله، وأما كونها من كلام قومه وجواباً محكيّاً عنهم وكذا كونها من الله سبحانه من باب القضاء بين الطرفين المتخاصمين فمما لا يساعد عليه السياق البتة.
وكيف كان فالكلام متضمن تأكيداً قوياً من جهة اسنادات متعددة في جمل اسمية وهي ما في قوله: {لهم الأمن} جملة اسمية هي خبر لقوله: {أولئك} والمجموع جملة اسمية هي خبر لقوله: {الذين آمنوا} الخ، والمجموع جملة اسمية، وكذلك ما عطف على قوله: {لهم الأمن} من قوله: {وهم مهتدون} فينتج أنه لا شك في اختصاص الذين آمنوا ولم يستروا إيمانهم بظلم بالأمن والاهتداء ولا ريب.
ولا ريب أن الآية تدل على أن خاصة الأمن والاهتداء من آثار الإِيمان مشروطاً بأن لا يلبس بظلم، واللبس الستر كما ذكر الراغب في المفردات: أصل اللبس - بفتح اللام - الستر، فهو استعارة قصد فيها الإِشارة إالى أن هذا الظلم لا يبطل أصل الإِيمان فإنه فطرى لا يقبل البطلان من رأس، وإنما يغطي عليه ويفسد أثره ولا يدعه يؤثر أثره الصحيح.
والظلم وهو الخروج عن وسط العدل وإن كان في الآية نكرة واقعة في سياق النفي ولازمه العموم وعدم اقتران الإِيمان بشيء مما يصدق عليه الظلم على الإِطلاق لكن السياق حيث دلّ على كون الظلم مانعاً من ظهور الإِيمان وبروزه بآثاره الحسنة المطلوبة كان ذلك قرينة على أن المراد بالظلم هو نوع الظلم الذي يؤثر أثراً سيئاً في الإِيمان دون الظلم الذي لا اثر له فيه.
وذلك أن الظلم وإن كان المظنون أن أول ما انتقل إليه الناس من معناه هو الظلم الإِجتماعي وهو التعدي إلى حق اجتماعي بسلب الأمن من نفس أحد من أفراد المجتمع أو عرضه أو ماله من غير حق مسوغ لكن الناس توسعوا بعد ذلك فسموا كل مخالفة لقانون أو سنة جارية ظلماً بل كل ذنب ومعصية لخطاب مولوي ظلماً من المذنب بالنسبة إلى نفسه بل المعصية لله سبحانه لما له من حق الطاعة المشروع بل مخالفة التكليف ظلماً وإن كان عن سهو أن نسيان أو جهل وإن لم يبنوا على مؤاخذة هذا المخالف وعقابه على ما أتى به بل يعدّون من خالف النصيحة والأمر الإِرشادي ولو اشتبه عليه الأمر وأخطأ في مخالفته من غير تعمد ظالماً لنفسه حتى أن من سامح في مراعاة الدساتير الصحية الطبية أو خالف شيئاً من العوامل المؤثرة في صحة مزاجه ولو من غير عمد عدّ ظالماً لنفسه وإن كان ظلماً من غير شعور، والملاك في جميع ذلك التوسع في معنى الظلم من جهة تحليله.
وبالجملة للظلم عرض عريض - كما عرفت - لكن ما كل فرد من أفراده بمؤثر أثراً سيئاً في الإِيمان فإن أصنافه التي لا تتضمن ذنباً ومعصية ولا مخالفة مولوية كما إذا كان صدوره عن سهو أو نسيان أو جهل أو لم يشعر بوقوعه مثلاً فتلك كلها مما لا يؤثر في الإِيمان الذي شأنه التقريب من السعادة والفلاح الحقيقي والفوز برضى الرب سبحانه وهو ظاهر فتأثير الإِيمان أثره لا يشترط بعدم شيء من ذلك.
فقوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أُولئك لهم الأمن} معناه اشتراط الإِيمان في إعطائه الأمن من كل ذنب ومعصية يفسد أثره بعدم الظلم غير أن هيهنا دقيقة وهي أن الذنب الاختياري - كما استوفينا البحث عنه في آخر الجزء السادس من الكتاب - أمر ذو مراتب مختلفة باختلاف الأفهام فمن الظلم ما هو معصية اختيارية بالنسبة إلى قوم وليس بها عند آخرين. فالواقف في منشعب طريقي الشرك والتوحيد مثلاً وهو الذي يرى أن للعالم صانعاً هو الذي فطر أجزائها وشق أرجائها وأمسك أرضها وسمائها، ويرى أنه نفسه وغيره مخلوقون مربوبون مدبرون، وأن الحياة الإِنسانية الحقيقية إنما تسعد بالإِيمان به والخضوع له فالظلم اللائح لهذا الإِنسان هو الشرك بالله والإِيمان بغيره بالربوبية كالأصنام والكواكب وغيرها على ما يثبته إبراهيم عليه السلام بقوله: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً} فالإِيمان الذي يؤثر أثره بالنسبة إلى هذا الإِنسان إنما يشترط في إعطاءه الأمن من الشقاء بأن لا يلبسه ظلم الشرك ومعصيته.
ومن طوى هذه المرحلة فآمن بالله وحده فإنه يواجه من الظلم الكبائر من المعاصي كعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم وقتل النفس المحترمة والزنا وشرب الخمر فإيمانه في تأثيره آثاره الحسنة يشترط باجتناب هذا النوع من الظلم، وقد وعده الله أن يكفّر عنه السيئات والمعاصي الصغيرة إن اجتنب كبائر ما ينهي عنه، قال تعالى:
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً } [النساء: 31] وفساد أثر هذا الإِيمان هو الشقاء بعذاب هذه المعاصي وإن لم يكن عذاباً خالداً غير منقطع الآخر كعذاب الشرك بل منقطعاً إما بحلول أجله وإما بشفاعة ونحوها.
ومن تزوّد هذا الزاد من التقوى وحصّل شيئاً من المعرفة بمقام ربه كان مسؤولاً بأصناف من الظلم تبدو له بحسب درجة معرفته بربه كإتيان المكروهات وترك المستحبات والتوغل في المباحات، وفوق ذلك المعاصي في مستوى الأخلاق الكريمة والملكات الربانية ووراء ذلك الذنوب التي تعترض سبيل الحب، وتحفّ بساط القرب، فالإِيمان في كل من هذه المراتب إنما يؤمن المتلبس به ويدفع عنه الشقاء إذا عرى عن ملابسة الظلم المناسب لتلك المرتبة.
فلقوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} إطلاق من حيث الظلم لكنه إطلاق يختلف باختلاف مراتب الإِيمان وإذ كان المقام مقام محاجة المشركين انطبق الظلم المنفي على ظلم الشرك فحسب والأمن الذي يعطيه هذا الإِيمان هو الأمن مما يخاف منه من الشقاء المؤبد والعذاب المخلّد، والآية مع ذلك آية مستقلة من حيث البيان مع قطع النظر عن خصوصية المورد تفيد أن الأمن والاهتداء إنما يترتب على الإِيمان بشرط انتفاء جميع انحاء الظلم الذي يلبسه ويستر أثره بالمعنى الذي تقدم بيانه.
وأما الإِيمان المذكور في الآية ففيه إطلاق والمراد به الإِيمان بالربوبية الصالح للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أفاد الإِيمان بربوبية الله سبحانه ورفض غيره من شركائهم فإن إبراهيم عليه السلام ذكر فيما تحكي عنه الآية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم وإيمانهم بها مع كونها من خلق الله قول بما لا دليل لهم عليه من جانب الله ولا سلطان وأنهم بإيمانهم بشركائهم يتوقون شراً ويستأمنون شقاء ليس لها أن تدفعها لأنها لا تضر ولا تنفع، وأما هو عليه السلام فقد خاف وآمن بمن هو فاطره وهو المتصرف بالهداية والمدبر الذي له في كل أمر إرادة ومشيئة لسعة علمه، ثم سألهم: أي الفريقين أحق بالأمن والناجح بالإِيمان بالرب، ولكل من الفريقين إيمان بالرب، وإن اختلفا من جهة الرب، والذي آمنوا به بين مؤمن برب على ربوبيته دليل، ومؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه.
ومن هنا يظهر أن المراد بالإِيمان في قوله: {الذين آمنوا} مطلق الإِيمان بالربوبية ثم بتقيده بقوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} يتعين في الإِيمان بالله سبحانه الذي هو حق الإِيمان فافهم.
فقد اتضح بما تقدم أولاً: أن المراد بالإِيمان هو الإِيمان بالربوبية دون الإِيمان بوجود صانع العالم خلافاً لمنكري وجوده.
وثانياً: أن الظلم في الآية مطلق ما يضرالإِيمان ويفسده من المعاصي، وكذا المراد بالأمن مطلق الأمن من شقاء المعاصي والذنوب، وبالاهتداء مطلق التخلص من ضلالها وإن انطبق بحسب المورد على معصية الشرك خاصة.
وثالثاً: أن إطلاق الظلم يختلف بحسب اختلاف مراتب الإِيمان.
قال بعض المفسرين في معنى عموم الظلم في الآية: إن الأمن في الآية مقصور على الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فإذا حل العموم فيها على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع الإِيمان يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم مّا لأنفسهم لا في إيمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينية أو دنيوية ولا لغيرهم من المخلوقات من العقلاء والعجماوات أولئك لهم الأمن من عقاب الله تعالى الديني على ارتكاب المعاصي والمنكرات، وعقابه الدنيوي على عدم مراعاة سببه في ربط الأسباب بالمسببات كالفقر والأسقام والأمراض دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم فإن الظالمين لا أمان لهم بل كل ظالم عرضة للعقاب وإن كان الله تعالى لسعة رحمته لا يعاقب كل ظالم على كل ظلم بل يعفو عن كثير من ذنوب الدنيا، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في الآخرة ما دون الشرك به.
قال: وهذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه، ويترتب عليه أن الأمن المطلق من الخوف من عقاب الله الديني والدنيوي أو الشرعي والقدري جميعاً لا يصح لأحد من المكلفين دع خوف الهيبة والإِجلال الذي يمتاز به أهل الكمال.
قال: وأما معنى الآية على فرض عدم الإِطلاق فهو أن الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم عظيم وهو الشرك بالله أولئك لهم الأمن دون غيرهم من العقاب الديني المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب وهم فيما دون ذلك بين الخوف والرجاء.
قال: وظاهر الآية هو العموم واستدل عليه بفهم الصحابة على ما روي: أن الآية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم: أن المراد به الشرك، وربما أشعر بذلك السياق وكون الموضوع هو الإِيمان، انتهى ملخصاً.
وفيه مواقع للإِشكال فأولاً: أن ما استدل عليه من العموم بفهم الصحابة هو غير ما قرره من معنى العموم فإن الذي فهموه من الظلم هو ما يساوي المعصية، والذي قرره هو أعم من ذلك.
وثانياً: أن ما قرره من عموم الظلم حتى بالنسبة إلى أفراد من الظلم ليست من المعصية في شيء ثم حكم بصحة تفسير الآية به أجنبي عن مدلول الآية فإن الآية في مقام بيان أن الأمن والاهتداء من آثار الإِيمان ولكن بشرط أن لا يقارن ظلماً يستره ويفسد أثره، وهذا الظلم إنما هو المعصية بوجه، وأما ما لا يعد معصية كأكل الغذاء المضر بصحة البدن خطاء فمن المعلوم أنه لا يفسد أثر الإِيمان من الأمن والاهتداء، وليس المراد بالآية بيان آثار الظلم أياً ما كانت ولو مع قطع النظر عن الإِيمان فإنه تعالى قال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} فجعل الإِيمان هو الموضوع وقيّده بعدم الظلم وجعل اثره الأمن والاهتداء، ولم يجعل الظلم هو الموضوع حتى تكون الآية مسرودة لبيان آثاره.
فالآية سيقت لبيان الآثارالتى تترتب على الايمان الصحيح، وأما الظلم بما له من العرض العريض وما له من الأثر المترتب عليه فالآية غير متعرضة لذلك البتة، فقوله: "وهذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه" فاسد البتة.
وثالثاً: أن قوله: "ويترتب عليه أن الأمن المطلق لا يصح لأحد من المكلفين" صريح في أن الآية لا مصداق لها بالنظر إلى الإِطلاق الذي قرره، ولازمه سقوط الكلام عن الفائدة، وأي فائدة في أن يوضع في الحجة قول لا مصداق له أصلاً؟.
ورابعاً: أن الذي اختاره في معنى الآية أن المراد به هو الظلم الخاص وهو الشرك ليس بمستقيم فإن الآية من جهة عموم لفظها وإن دلّت على وجوب كون الإِيمان غير مقارن للشرك حتى يؤثر أثره لكن ذلك من باب انطباق اللفظ العام على مورده الخاص، وأما إراده المعنى الخاص من اللفظ العام من غير قرينة حالية أو مقالية متصلة أو منفصلة فمما لا ترتضيه صناعة البلاغة وهو ظاهر.
وأما ما أشار إليه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما هو الشرك" فليس بصريح في أن الشرك مراد لفظي من الآية وإنما هو الانطباق، وسيجيء البحث عن الحديث في البحث الروائي التالي أن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} الخ، في الإِشارة بلفظ البعيد إلى الحجة تفخيم وتعظيم لأمرها لكونها حجة قاطعة جارية على صراط الفطرة مأخوذة بمقدماتها منها.
وأما قوله: {نرفع درجات من نشاء} فالدرجات - كما قيل - هي مراقي السلّم ثم توسّع فيها فاطلق على مراتب الكمال من المعنويات كالعلم والإِيمان والكرامة والجاة وغير ذلك فرفعه تعالى من يشاء من عباده درجات من الرفع هو تخصيصه بكمالات معنوية وفضائل حقيقية في الخيرات الكسبية كالعلم والتقوى وغير الكسبية كالنبوة والرسالة والرزق وغيرها.
والدرجات لكونها نكرة في سياق الايجاب مهملة غير مطلقة غير أن المتيقن من معناها بالنظر إلى خصوص المورد هو درجات العلم والهداية فقد رفع الله إبراهيم عليه السلام بهدايته وإراءته ملكوت السماوات والأرض وإيتائه اليقين والحجة القاطعة، والجميع من العلم، وقد قال تعالى في درجات العلم:
{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11]. ثم ختم الآية بقوله: {إن ربك حكيم عليم} لتثبيت أن ذلك كله كان بحكمة منه تعالى وعلم كما أن الحجج التي آتاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المذكورة في السورة قبل هذه الحجة من حكمته وعلمه تعالى، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة لتطييب قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيت المعارف المذكورة فيه.
(بحث روائي)
في العيون: حدثنا نعيم بن عبد الله بن تميم القرشي رضي الله عنه قال: حدثنا أبي عن حمدان بن سليمان النيشابوري عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فسأله عن آيات من القرآن فيه فكان فيما سأله أن قال له فأخبرني عن قول الله عز وجل في إبراهيم: {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي}.
فقال الرضا عليه السلام: إن إبراهيم وقع إلى ثلاثه أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس وذلك حين خرج من السرب الذي أُخفي فيه فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال: هذا ربي على الإِنكار والاستخبار فلما أفل الكوكب قال: لا أُحب الآفلين لأن الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم فلما رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي على الإِنكار والاستخبار فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما أصبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي هذا أكبر من الزهرة والقمر على الإِنكار والاستخبار لا على الإِخبار والإِقرار فلما أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين.
وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا يحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما يحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله عز وجل وآتاه كما قال عز وجل: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}. فقال المأمون: لله درّك يا ابن رسول الله.
أقول: وتأييد الرواية بمضمونها عدة من الأمور التي استفدناها من سياق الآيات الكريمة ظاهر، وسيأتي ايضاً بعض ما يؤيدها من الروايات، وأما ما في الرواية من كون قول إبراهيم عليه السلام: {هذا ربي} واقعاً على سبيل الإِنكار والاستخبار دون الإِخبار والإِقرار فوجه من الوجوه التي تقدمت في تفسير الآيات أورده عليه السلام في قطع حجة المأمون، ولا ينافي صحة غيره من الوجوه لو كان هناك وجه كما سيأتي.
وكذا قوله: "لأن الأفول من صفات المحدث" الخ، ليس بظاهر في أن الحجة مأخوذه من الأفول الحادث كما ذكره بعضهم لجواز أن يكون الحجة مأخوذة من عدم الحب وملاكه كون الأفول من صفات المحدث التي لا ينبغي أن يتعلق بها حب فافهم.
وفي كمال الدين: أبي وابن الوليد معاً عن سعد عن ابن بريد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو إبراهيم منجّماً لنمرود ابن كنعان، وكان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه فنظر في النجوم ليلة من الليالى فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتي هذه عجباً فقال له نمرود: ما هو؟ فقال: رأيت مولوداً يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلاً حتى يحمل به فعجب من ذلك نمرود وقال: هل حمل به النساء؟ فقال: لا، وكان فيما أُوتي من العلم أنه سيحرق بالنار، ولم يكن أُوتى أن الله سينجيه.
قال: فحجب النساء عن الرجال فلم يترك إمرأة إلا جعلت بالمدينة حتى لا يخلص إليهن الرجال، قال: وباشر أبو إبراهيم امرأته فحملت به فظن أنه صاحبه فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في ا لبطن شيء إلا علمنا به فنظرنا إلى أُم إبراهيم فألزم الله تبارك وتعالى ذكره ما في الرحم الظهر فقلن: ما نرى شيئاً في بطنها.
فلما وضعت أُم إبراهيم أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا تكون أنت تقتل ابنك فقال لها: فاذهبي فذهبت به إلى غار ثم أرضعته ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه فجعل الله رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبناً، وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة فمكث ما شاء الله أن يمكث.
ثم أن أُمه قالت لأبيه: لو أذنت لى أن أذهب إلى ذلك الصبي فأراه فعلت قال: ففعل فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان فأخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته ثم انصرفت عنه فسألها أبوه عن الصبي فقالت: قد واريته في التراب.
فمكثت تعتل فتخرج في الحاجة، وتذهب إلى إبراهيم فتضمه إليها أصل لازم وترضعه ثم تنصرف فلما تحرك أتته أُمه كما كانت تأتيه، وصنعت كما كانت تصنع فلما أرادت الانصراف أخذ ثوبها فقالت له: مالك؟ فقال: اذهبي بي معك فقالت له: حتى استأمر أباك فلم يزل إبراهيم في الغيبة مخفياً بشخصه كاتماً لأمره حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره، وأظهر الله قدرته فيه.
أقول: وروي في قصص الأنبياءعن الصدوق عن أبيه وابن الوليد ثم ساق السند إلى أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان آزر عم إبراهيم منجماً لنمرود وكان لا يصدر إلا عن رأيه قال: لقد رأيت في ليلتي عجباً قال: ما هو؟ قال: إن مولوداً يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه فحجب الرجال عن النساء، وكان تارخ وقع على أُم إبراهيم فحملت ثم ساق الحديث إلى آخره.
وقد حمل وحدة السند في الحديثين، ووحدة المضمون إلا في أبي إبراهيم صاحب البحار أن قال: الظاهر أن ما رواه الراوندي هو هذا الخبر بعينه، وإنما غيره ليستقيم على أُصول الإِمامية، انتهى. ثم حمل الرواية وما في مضمونها من الروايات الدالة على أن آزر الوثني كان والداً لإِبراهيم صلبياً على التقية.
وقد روى مثل المضمون السابق القمي في تفسيره والعياشي في تفسيره وروي من طرق أهل السنَّة عن مجاهد، ورواه الطبري في تاريخه والثعلبي في قصص الأنبياء عن عامة السلف وأهل العلم.
وكيف كان فالذي ينبغي أن يقال: أن علماء الحديث والآثار كأنهم مجمعون على أن إبراهيم عليه السلام كان في بادي عمره قد أُخفي في سرب خوفاً من أن يقتله الملك نمرود، ثم خرج عنه بعد حين فحاج أباه وقومه في أمر الأصنام والكوكب والقمر والشمس وحاج الملك في دعواه الربوبية، وقد تقدم أن سياق آيات القصة يؤيد هذا المعنى.
وأما أبو إبراهيم فقد ذكر أهل التاريخ أن اسمه تارح - بالحاء المهملة أو المعجمة - وآزر إما لقبه أو اسم صنم أو وصف ذم أو مدح بحسب لغتهم بمعنى المعتضد أو الأعرج وصفه به إبراهيم.
وذكروا أن هذا المشرك الذي سماه القرآن أبا إبراهيم وذكر محاجته إياه كان هو تارح أباه الصلبي ووالده الحقيقي ووافقهم على ذلك عدة من علماء الحديث والكلام من أهل السنَّة، وخالفهم جمع منهم، والشيعة كالمجمع على ذلك أو هم مجمعون إلا ما يتراءى من بعض المحدثين حيث أودعوا تلك الأخبار كتبهم، وعمدة ما احتج به القائلون بأن آزر المشرك لم يكن والد إبراهيم، وإنما كان عمه أو جده لامه الأخبار الواردة من طرق الفريقين في أن آباه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا موحدين جميعاً لم يكن فيهم مشرك، وقد طالت المشاجرة بين الفريقين.
أقول: من البحث على هذا النمط كيفما تم خارج عن البحث التفسيري وإن كان الباحثون من الفريقين في حاجة إلى إيراده واستنتاج حق ما ينتجه لكنا في غنى عن ذلك فقد تقدم أن الآيات دالة على أن آزر المشرك الذي يذكره الله تعالى في هذه الآيات من سورة الأنعام لم يكن والداً حقيقياً لإِبراهيم عليه السلام.
فالروايات الدالة على كون آزر أباه الحقيقي على ما فيها من الاختلاف في سرد القصة روايات مخالفة للكتاب لا يعبأ بها، ولا حاجة مع ذلك إلى حملها على التقيّة أن صح الحمل مع هذا الاختلاف بين القوم.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم} الآية قال: حدثني أبي عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كشط له عن الأرض ومن عليها، وعن السماء ومن عليها، والملك الذي يحملها، والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام.
أقول: وروى مثله في بصائر الدرجات بطريقين عن عبد الله بن مسكان وأبي بصير عن الصادق عليه السلام وبطريق عن عبد الرحيم عن الباقر عليه السلام ورواه العياشي عن زرارة وأبي بصير عن الصادق عليه السلام وعن زرارة وعبد الرحيم القصير عن الباقر عليه السلام ورواه في الدر المنثورعن ابن عباس ومجاهد والسدّي من مفسري السلف، وسيأتي في الكلام على العرش حديث علي عليه السلام المروي في الكافي في معنى العرش وفيه قال: والذين يحملون العرش ومن حوله هم العلماء الذين حمّلهم الله علمه قال: وهو الملكوت الذي أراه الله اصفياءه، وأراه خليله عليه السلام فقال: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين الحديث.
وفي الحديث تفسير سائر الأخبار الواردة في تفسير إراءة الملكوت وتأييد لما قدمناه في البيان السابق، وسيوافيك الشرح المستوفى لهذا الحديث في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.
وفي تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما رأى ملكوت السماوات والأرض التفت فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فمات ثم رأى آخر فدعا عليه فمات حتى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم: إن دعوتك مجابه فلا تدع على عبادي فإني لو شئت لم أخلقهم إني خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: عبد يعبدني ولا يشرك بي شيئاً، وعبد يعبد غيري فلن يفوتني، وعبد يعبد غيرى فاخرج من صلبه من يعبدني.
أقول: والرواية مستفيضة ورواه في الكافي مسنداً عن أبي بصير عنه عليه السلام ورواه الصدوق في العلل عنه عليه السلام والطبرسي في الإِحتجاج عن العسكري عليه السلام ورواه في الدر المنثورعن ابن مردويه عن عليّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن عدّة من المفسرين موقوفاً.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: في إبراهيم إذ رأى كوكباً قال: إنما كان طالباً لربه ولم يبلغ كفراً، وإنه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته.
وفي تفسير القمي قال: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم: {هذا ربي} هل أشرك في قوله: هذا ربي؟ فقال: من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك.
أقول: ويقابل الذي هو طالب من تم له البيان وقامت له الحجة الواضحة فهو غير طالب، وليس لغير الطالب أن يفترض ما فيه شرك.
وفي تفسير العياشي عن حجر قال: أرسل العلاء بن سيابة يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم: {هذا ربي} وأنه من قال هذا اليوم فهو عندنا مشرك، قال: لم يكن من إبراهيم شرك إنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك.
وفيه عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله فيما أخبر عن إبراهيم: {هذا ربي} قال: لم يبلغ به شيئاً، أراد غير الذي قال.
أقول: المراد به ظاهراً أنه أراد به أن قوله: {هذا ربي} لا يتعدى مفهوم نفسه وليس له وراء ذلك معنى يحكي عنه أي إنه قاله على سبيل الافتراض أو تسليم المدعي لبيان فساده بفساد لوازمه كما تقدمت الإِشارة إليه.
في الدر المنثور في قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدار قطني في الأفراد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم}؟ إنما هو الشرك.
أقول: المراد بالعبد الصالح لقمان على ما حكاه الله تعالى من قوله في سورة لقمان. وفي الحديث دلالة على أن سورة الأنعام نزلت بعد سورة لقمان، وقد تقدم أن كون المراد هو الشرك إنما هو الإِنطباق بحسب المورد والشرك ذنب لا تتعلق به مغفرة أصلاً بخلاف غيره كائناً ما كان، والدليل على ما ذكرنا ما يأتي من الروايات.
وفيه أخرج أحمد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان
"عن جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا فانتهى إلينا فسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:من أين أقبلت؟ فقال: من أهلي وولدي وعشيرتي أُريد رسول الله. قال: قد أصبته قال: علمني ما الإِيمان؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال: قد أقررت"
]. "ثم ان بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ووقع الرجل على هامته فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمهذا من الذين عملوا قليلاً وأُجروا كثيراً، هذا من الذين قال الله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أُولئك لهم الأمن وهم مهتدون} إني رأيت الحور العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة فعلمت أن الرجل مات جائعاً"
]. أقول: ورواه أيضاً عن الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، ورواه العياشي في تفسيره عن جابر الجعفي حدّثه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله.
وفيه أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي
"أن رجلاً سأل عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسكت حتى جاء رجل فأسلم فلم يلبث إلا قليلاً حتى قاتل فاستشهد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلمهذا منهم من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم"
]. وفيه أخرج الفاريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه خاصة ليس في هذه الأمة.
أقول: والرواية لا توافق بظاهرها الأصول الكلية المستخرجة من لكتاب والسنة فإن الآية لا تشتمل بمضمونها على حكم خاص تختص به أُمة دون أُمة كالأحكام الفرعية التشريعية التي ربما تختص بزمان دون زمان، وأما الإِيمان بما له من الأثر على مراتبه، وكذا الظلم على مراتبه بما لها من سوء الأثر في الإِيمان فإنما ذلك أمر مودع في الفطرة الإِنسانية لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمم.
وقال بعض المفسرين في توجيه الحديث: لعل مراده أن الله خص إبراهيم وقومه بأمن موحدهم من عذاب الآخرة مطلقاً لا أمن الخلود فيه فقط، ولعل سبب هذا - إن صح - أن الله تعالى لم يكلف قوم إبراهيم شيئاً غير التوحيد اكتفاء بتربية شرائعهم المدنية الشديدة لهم في الأحوال الشخصية والأدبية وغيرها.
وقد عثر الباحثون على شرائع حمورابي الملك الصالح الذي كان في عهد إبراهيم وباركه وأخذ منه العشور - كما في سفر التكوين - فإذا هي كالتوراة في أكثر أحكامها وأما فرض الله الحج على لسان إبراهيم فقد كان في قوم ولده اسماعيل لا في قومه الكلدانيين وأما هذه الأمة فإن من موحديها من يعذبون بالمعاصي على قدرها لأنهم خوطبوا بشريعة كاملة يحاسبون على إقامتها، انتهى.
وفي كلامه من التحكم ما لا يخفى فقد تقدم أن الملك حمورابي هذا كان يعيش على رأس سنة ألف وسبع مائة قبل المسيح، وإبراهيم كان يعيش على رأس الألفين قبل المسيح تقريباً كما ذكره.
وحمورابي هذا وإن كان ملكاً صالحاً في دينه عادلاً في رعيته ملتزماً العمل بقوانين وضعها وعمل بإجرائها في مملكته أحسن إجراء وإنفاذ، وهي أقدم القوانين المدنية الموضوعة على ما قيل إلا أنه كان وثنياً، وقد استمد بعدة من آلهة الوثنيين في ما كتبه بعد الفراغ عن كتابة شريعته على ما عثروا عليه من الآثار المكشوفة في خرائب بابل، والآلهة التي ذكرها في بيانه الموضوع في ختام القانون، وشكرها في أن آتته الملك العظيم ووفقته لبسط العدل ووضع الشريعة واستعان بها واستمد منها في حفظ شريعته عن الزوال والتحريف هي "ميروداخ" إله الآلهة، وأي إله القانون والعدل والإِله "زماما" والإِله "إشتار" إله الحرب و "شاماش" الإِله القاضي في السماء والأرض و "سين" إله السماوات، و "حاداد" إله الخصب و "نيرغال" إله النصر و "بل" إله القدر والآلهة "بيلتيس" والإِلهة "نينو" والإِله "ساجيلا" وغيرها.
والذي ذكره من أن الله لم يكلف قوم إبراهيم شيئاً غير التوحيد اكتفاء بتربية شرائعهم المدنية "الخ" يكذبه أن القرآن يحكي عن لسان إبراهيم عليه السلام الصلاة كما في أدعيته في سورة إبراهيم ويذكر أن الله أوحى إليه فعل الخيرات وإيتاء الزكاة كما في سورة الأنبياء، وأنه شرع الحج وأباح لحوم الأنعام كما في سورة الحج، وكان في شريعته الإِعتزال عن المشركين كما في سورة الممتحنة، وكان ينهى عن كل ظلم لا ترتضيه الفطرة كما في سورة الأنعام وغيرها، ومن شرعه التطهر كما تشير إليه سورة الحج ووردت الأخبار أنه عليه السلام شرع الحنيفيّة وهي عشر خصال: خمس في الرأس وخمس في البدن ومنها الختنة، وكان يحيي بالسلام كما في سورة هود ومريم.
وقد قال الله تعالى:
{ ملّة أبيكم إبراهيم } [الحج: 78] وقال: { قل بل ملة إبراهيم حنيفاً } [البقرة: 135] فوصف هذا الدين على ما له من الأصول والفروع بأنه ملة إبراهيم عليه السلام، وهذا وإن لم يدل على أن هذا الدين على ما فيه من تفاصيل الأحكام كان مشرّعاً في زمن إبراهيم عليه السلام بل الأمر بالعكس كما يدل عليه قوله: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } [الشورى: 13] إلا أنه يدل على أن شرائعه راجعة إلى أصل أو أُصول كلية تهدي إليها الفطرة مما ترتضيه وتأمر به أو لا ترتضيه وتنهى عنه قال تعالى في آخر هذه السورة بعدما ذكر حججاً على الشرك وجملاً من الأوامر والنواهي الكلّية مخاطبا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]. ولو كان الأمر على ما ذكره أن الله لم يشرّع لإِبراهيم عليه السلام شريعة بل اكتفى بما بين يديه من القانون المدنى الدائر وهو شريعة حمورابي لكانت الشريعة المذكورة ممضاة مصوبة من عند الله، وكانت من أجزاء دين إبراهيم عليه السلام بل الدين الإِسلامي الذي شرع في القرآن لأنه هو ملة إبراهيم حنيفاً فكانت إحدى الشرائع الإِلهية ونوعاً من الكتب السماوية.
والحق الذي لا مرية فيه أن الوحي الإِلهي كان يعلّم الأنبياء السالفين وأُممهم أُصولاً كلية في المعاش والمعاد كأنواع من العبادة وسنناً كلية في الخيرات والشرور يهتدي إلى تشخيصها الإِنسان سليم العقل من المعاشرة الصالحة والتجنب عن الظلم والاسراف وإعانة المستكبرين ونحوها، ثم يؤمرون بالدخول في المجتمعات بهذا التجهيز الذي جهزوا به، والدعوة التي أخذ الخير والصلاح ورفض الشر والفحشاء والفساد سواء كانت المجتمعات التي دخلوا فيها يدبرها استبداد الظلمة والطغاة أو رأفة العدول من السلاطين وسياستهم المنظمة.
ولم يشرّع تفاصيل الأحكام قبل ظهور الدين الإِسلامي إلا في التوراة وفيها أحكام يشابه بعضها بعض ما في شريعة حمورابي غير أن التوراة نزلها الله على موسى عليه السلام وكانت محفوظة في بني إسرائيل فقدوها في فتنه بخت نصّر التي أفنت جمعهم وخربت هيكلهم ولم يبق منهم إلا شرذمة ساقتهم الأسارة إلى بابل فاستعبدوا وأُسكنوا فيه إلى أن فتح الملك كورش بابل وأعتقهم من الأسر وأجاز لهم الرجوع إلى بيت المقدس، وأن يكتب لهم عزراء الكاهن التوراة بعدما أُعدمت نسخها ونسيت متون معارفها، وقد اعتادوا بقوانين بابل الجارية بين الكلدانيين.
ومع هذا الحال كيف يحكم بأن الله أمضى في الشريعة الكليمية كثيراً من شرائع حمورابي، والقرآن إنما يصدّق من هذه التوراة بعض ما فيها، وبعد ذلك كله لا مانع من كون بعض القوانين غير السماوية مشتملاً على بعض المواد الصالحة والأحكام الحقة.
وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: هو الشرك.
وفيه بطريق آخر عن أبي بصير عنه عليه السلام في الآية قال: بشكّ.
أقول: ورواه العياشي أيضاً في تفسيره عن أبي بصير عنه عليه االسلام.
وفي تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألت عن قول الله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: نعوذ بالله يا ابا بصير أن نكون ممن لبس إيمانه بظلم، ثم قال: أولئك الخوارج وأصحابهم.
وفيه عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: الضلال وما فوقه.
أقول: كأن المراد بالضلال في الرواية الشرك الذي هو أصل كل بما ظلم فوقه وما يزيد عليه من المعاصي والمظالم، أو المراد بالضلال أدنى ما يتحقق به الظلم من المعاصي، وبما فوقه الشرك الذي هو المرتبة الشديدة من الضلال فإن كل معصية ضلال.
والروايات - كما ترى - تتفنن في تفسير الظلم في الآية فتارة تفسرها بالشرك وتارة بالشك وتارة بما عليه الخوارج، وفي بعضها: أن منه ولاية أعدائهم، وكل ذلك من شواهد ما قدمنا أن الظلم في الآية مطلق وهو في إطلاقه ذو مراتب بحسب درجات الأفهام.
(كلام في قصة إبراهيم عليه السلام وشخصيته)
وفيه أبحاث مختلفه قرآنية وأخرى علمية وتاريخية وغير ذلك.
1 - قصة إبراهيم عليه السلام في القرآن: كان إبراهيم عليه السلام في طفوليّته إلى أوائل تمييزه يعيش في معزل من مجتمع قومه ثم خرج إليهم ولحق بأبيه فوجده وقومه يعبدون الأصنام فلم يرتض منه ومنهم ذلك وقد كانت فطرته طاهرة زاكية مؤيدة من الله سبحانه بالشهود الحق وإراءة ملكوت كل شيء وبالجملة وبالقول الحق والعمل الصالح.
فأخذ يحاجّ أباه في عبادته الأصنام ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه واتّباعه حتى يهديه إلى مستقيم الصراط ويبعده من ولاية الشيطان، ولم يزل يحاجه ويلح عليه حتى زبره وطرده عن نفسه وأوعده أن يرجمه إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء والرغبة عنها.
فتلطف إبراهيم عليه السلام إرفاقا به وحناناً عليه وقد كان ذا خلق كريم وقول مرضي فسلم عليه ووعده أن يستغفر له ويعتزله وقومه وما يعبدون من دون الله.
وقد كان من جانب آخر يحاج القوم في أمر الأصنام ويحاجّ أقواماً آخرين منهم يعبدون الشمس والقمر والكوكب في أمرها حتى ألزمهم الحق وشاع خبره في الإِنحراف عن الأصنام والآلهة حتى خرج القوم ذات يوم إلى عبادة جامعة خارج البلد واعتل هو بالسقم فلم يخرج معهم وتخلف عنهم فدخل بيت الأصنام فراغ على آلهتهم ضرباً باليمين فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون فلما تراجعوا وعلموا بما حدث بآلهتهم وفتشوا عمن ارتكب ذلك قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.
فأحضروه إلى مجمعهم فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون فاستنطقوه فقالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم أن كانوا ينطقون، وقد كان أبقى كبير الأصنام ولم يجذّه ووضع الفاس على عاتقه أو ما يقرب من ذلك ليشهد الحال على أنه هو الذي كسر سائر الأصنام.
وإنما قال عليه السلام ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك وهم يعلمون أنه جماد لا يقدر على ذلك لكنه قال ما قال ليعقبه بقوله: فاسألوهم أن كانوا ينطقون حتى يعترفوا بصريح القول بأنهم جمادات لا حياة لهم ولا شعور، ولذلك لما سمعوا قوله رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال: أفتعبدون من دون الله ما لا يضركم ولا ينفعكم أُف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون.
قالوا احرقوه وانصروا آلهتكم فبنوا له بنياناً وأسعروا فيه جحيماً من النار وقد تشارك في أمره الناس جميعاً وألقوه في الجحيم فجعله الله برداً عليه وسلاماً وأبطل كيدهم وقد أُدخل في خلال هذه الأحوال على الملك، وكان يعبده القوم ويتخذونه رباً فحاجّ إبراهيم في ربه فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت فغالطه الملك وقال: أنا أُحيي وأُميت كقتل الأسير وإطلاقه فحاجّه إبراهيم بأصرح ما يقطع مغالطته فقال:
{ إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } [البقرة: 258]. ثم لما أنجاه الله من النار أخذ يدعو إلى الدين الحنيف دين التوحيد فآمن له شرذمة قليلة وقد سمى الله تعالى منهم لوطاً ومنهم زوجته التي هاجر بها وقد كان تزوج بها قبل الخروج من الأرض إلى الأرض المقدسة.
ثم تبرأ هو عليه السلام من معه من المؤمنين من قومهم وتبرأ هو من آزر الذي كان يدعوه أباً ولم يكن بوالده الحقيقي وهاجر ومعه زوجته ولوط إلى الأرض المقدسة ليدعو الله سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه الجفاة الظالمين وبشّره الله سبحانه هناك بإسماعيل وباسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وقد شاخ وبلغه كبر السن فولد له اسماعيل ثم ولد له إسحاق وبارك الله سبحانه فيه وفي ولديه وأولادهما.
ثم إنه عليه السلام بأمر من ربه ذهب إلى أرض مكة وهي واد غير ذي زرع فأسكن فيه ولده اسماعيل وهو صبي ورجع إلى الأرض المقدسة فنشأ إسماعيل هناك واجتمع عليه قوم من العرب القاطنين هناك وبنيت بذلك بلدة مكة.
وكان عليه السلام ربما يزور إسماعيل في أرض مكة قبل بناء مكة والبيت وبعد ذلك ثم بنى بها الكعبة البيت الحرام بمشاركة من إسماعيل وهي أول بيت وضع للناس من جانب الله مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً وأذّن في الناس بالحج وشرّع نسك الحج.
ثم أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فخرج معه للنسك فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا وفداه الله سبحانه بذبح عظيم.
وآخر ما قص القرآن الكريم من قصصه عليه السلام أدعيته في بعض أيام حضوره بمكة المنقولة في سورة إبراهيم وآخر ما ذكر فيها قوله عليه السلام:
{ ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } [إبراهيم: 41]. منزلة إبراهيم عند الله سبحانه وموقفه العبودي: أثنى الله تعالى على إبراهيم عليه السلام في كلامه أجمل ثناء وحمد محنته في جنبه أبلغ الحمد، وكرر ذكره باسمه في نيف وستين موضعاً من كتابه وذكر من مواهبه ونعمه عليه شيئاً كثيراً. وهاك جملاً من ذلك: { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل } [الأنبياء: 51] { ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 130 - 131] وهو الذي وجه وجهه إلى ربه { حنيفاً وما كان من المشركين } [النحل: 123] وهو الذي اطمأن قلبه بالله وأيقن به بما أراه الله من { ملكوت السماوات والأرض } [الأنعام: 75]. { واتخذ الله إبراهيم خليلاً } [النساء: 125] وجعل رحمته وبركاته عليه وعلى أهل بيته ووصفه بالتوفية ومدحه { إن إبراهيم لحليم أواهٌ منيب } } [هود: 75] ومدحه أنه { كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [النحل: 120 - 122]. و { كان صدّيقاً نبياً } } [مريم: 41] وعده الله { إنه من عبادنا المؤمنين } [الصافات: 111] ومن المحسنين وسلم عليه وهو من الذين وصفهم بأنهم { أُولي الأيدي والأبصار } [ص: 45] { إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } [ص: 46]. وقد جعله الله { للناس إماماً } [البقرة: 124] وجعله أحد الخمسة أُولي العزم الذين آتاهم الكتاب والشريعة وآتاه الله العلم { الكتاب والحكمة } [البقرة: 129] والملك والهداية { وجعلها كلمة باقية في عقبه } [الزخرف: 28] { وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } [الحديد: 26] { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } [الشعراء: 84] فهذه جمل ما منحه الله سبحانه من المناصب الإِلهية ومقامات العبودية ولم يفصل القرآن الكريم في نعوت أحد من الأنبياء والرسل المكرمين وكراماتهم ما فصّل من نعوته وكراماته عليه السلام.
وليراجع في تفسير كل من مقاماته المذكورة إلى ما شرحناه في الموضع المختص به فيما تقدم أو سنشرحه أن شاء الله تعالى فالاشتغال به ها هنا يخرجنا عن الغرض المعقود له هذه الأبحاث.
وقد حفظ الله سبحانه حياته الكريمة وشخصيته الدينية بما سمى هذا الدين القويم بالإِسلام كما سماه عليه السلام ونسبه إليه قال تعالى:
{ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } [الحج: 78] وقال: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]. وجعل الكعبة البيت الحرام الذي بناها قبلة للعالمين وشرع مناسك الحج وهي في حقيقة أعمال ممثلة لقصه إسكانه ابنه وام ولده وتضحية ابنه إسماعيل وما سعى به إلى ربه والتوجه له وتحمل الأذى والمحنة في ذاته كما تقدمت الإِشارة إليه في تفسير قوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } [البقرة: 125] الآية.
3 - أثره المبارك في المجتمع البشري: ومن مننه عليه السلام السابغه أن دين التوحيد ينتهي إليه أينما كان وعند من كان فإن الدين المنعوت بالتوحيد اليوم هو دين اليهود، وينتهي إلى الكليم موسى بن عمران عليه السلام وينتهي نسبه إلى اسرائيل ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، ودين النصرانية وينتهي إلى المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام وهو من ذرية إبراهيم عليه السلام، ودين الإِسلام والصادع به هو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينتهي نسبه إلى إسماعيل الذبيح بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، فدين التوحيد في الدنيا أثره الطيب المبارك، ويشاهد في الإِسلام من شرائعه الصلاة والزكاة والحج وإباحة لحوم الأنعام والتبرئ من أعداء الله، والسلام. والطهارات العشر الحنيفيّة البيضاء خمس منها في الرأس وخمس منها في البدن: أما التي في الرأس فأخذ الشارب وإعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال وأما التي في البدن فحلق الشعر من البدن والختان وتقليم الأظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء.
والبحث المستوفى يؤيد أن السنن الصالحة من الإِعتقاد والعمل في المجتمع البشري كائنة ما كانت من آثار النبوة الحسنة كما تكررت الإِشارة إليه في المباحث المتقدمة، فلإِبراهيم عليه السلام الأيادي الجميلة على جميع البشر اليوم علموا بذلك أو جهلوا.
4 - ما تقصه التوراة الموجودة في إبراهيم: قالت التوراة: "وعاش تارح" (أبو إبراهيم) سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران، وهذه مواليد تارح: ولد تارح أبرام وناحور وهاران، وولد هاران لوطاً، ومات هاران قبل أبيه في أرض ميلاده في "أُور" الكلدانيين واتخذ أبرام وناحور لأنفسهما امرأتين اسم امرأة أبرام "ساراي" واسم امرأة ناحور ملكه بنت هاران أبي ملكة وأبي بسكة، وكانت ساراي عاقراً ليس لها ولد وأخذ تارح أبرام ابنه ولوطاً بن هاران ابن ابنه، وساراي كنته امرأة أبرام ابنه فخرجوا معاً من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك، وكانت أيام تارح مائتين وخمس سنين، ومات تارح في حاران.
قالت التوراة: وقال الرب لأبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك فأجعلك أُمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه، ويتبارك فيك جميع قبائل الأرض، فذهب أبرام كما قال له الرب، وذهب معه لوط، وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ أبرام ساراي امرأته ولوطاً ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى أرض كنعان.
واجتاز أبرام في أرض إلى مكان "شكيم" إلى "بلوطه مورة" وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض، وظهر الرب لأبرام وقال: لنسلك اعطي هذه الأرض فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له، ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي "بيت إيل" ونصبت خيمته وله "بيت إيل" من المغرب و "عاي" من المشرق فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب، ثم ارتحل أبرام ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب.
وحدث جوع في الأرض فانحدر أبرام إلى مصر ليغرّب هناك لأن الجوع في الأرض كان شديداً، وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك أمراة حسنة المنظر فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك، قولى: إنك اختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك، فحدث لما دخل أبرام إلى مصرأن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جداً ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيراً بسببها وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء واتن وجمال.
فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت لى؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لما ذا قلت: هي اختي حتى أخذتها لتكون زوجتي؟ والآن هو ذا امرأتك خذها واذهب، فأوصى عليه رجالاً فشيعوه وامرأته وكل ما كان له.
ثم ذكرت التوراة: أن أبرام خرج من مصر ومعه ساراي ولوط ومعهم الأغنام والخدم والأموال العظيمه ووردوا "بيت أيل" و "عاي" ثم بعد حين تفرق هو ولوط لأن الأرض ما كانت تسعهما فسكن أبرام كنعان، وكان الكنعانيون والفرزيون ساكنون هناك، ونزل لوط أرض سدوم.
ثم ذكرت: أنه في تلك الأيام نشبت حرب في أرض سدوم بين "أمرافل" ملك شنعار ومعه ثلاثة من الملوك، وبين بارع ملك سدوم ومعه أربعة من الملوك المتعاهدين فانهزم ملك سدوم ومن معه انهزاماً فاحشاً وهربوا من الأرض بعد ما قتل من قتل منهم ونهبت أموالهم وسبيت نسائهم وذراريهم، وكان فيمن أُسر لوط وجميع أهله ونهبت أمواله.
قالت التوراة: فأتى من نجى وأخبر أبرام العبراني وكان ساكناً عند "بلوطات ممرى" الآموري أخو "أشكول" وأخي "عانر" وكانوا أصحاب عهد مع أبرام، فلما سمع أبرام أن أخاه سبي جرّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم إلى "دان" وانقسم عليهم هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى "حوبة" التي عن شمال دمشق واسترجع كل الأموال واسترجع لوطاً أخاه أيضاً وأملا كه والنساء أيضاً والشعب.
فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد رجوعه من كسرة "كدر لعومر" والملوك الذين معه الى عمق "شوى" الذي هو عمق الملك، وملكي صادق ملك "شاليم" أخرج خبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي وباركه وقال: مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك فأعطاه عشراً من كل شيء.
وقال ملك سدوم لأبرام: أعطني النفوس، وأما الأملاك فخذها لنفسك فقال أبرام لملك سدوم: رفعت يدي إلى الرب الإِله العلي ملك السماء والأرض لا آخذن لا خيطاً ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك فلا تقول: أنا أغنيت أبرام ليس لي غير الذي أكله الغلمان وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي "عابر" و "أسلول" و "ممراً" فهم يأخذون نصيبهم.
إلى أن قالت: وأما ساراي فلم تلد له وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر فقالت ساراي لأبرام: هو ذا الرب قد امسكني عن الولادة ادخل على جاريتي لعلي ارزق منها بنين فسمع أبرام لقول ساراي فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإِقامة أبرام في أرض كنعان وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت.
ثم ذكرت: أن هاجر لما حبلت حقرت ساراي واستكبرت عليها فشكت ساراي ذلك إلى أبرام ففوَّض أبرام أمرها إليها فهربت هاجر منها فلقيها ملك فأمرها بالرجوع إلى سيدتها وأخبرها أنها ستلد ولداً ذكراً وتدعو اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتها، وأنه يكون إنساناً وحشياً يضادّ الناس ويضادّونه، وولدت هاجر لأبرام ولداً وسمّاه أبرام إسماعيل وكان أبرام ابن ست وسبعين سنة لمات ولدت هاجر اسماعيل لأبرام.
قالت التوراة: ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له: أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً فاجعل عهدي بيني وبينك وأُكثرك كثيراً جداً فسقط أبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلاً: أما أنا فهوذا عهدي معك وتكون أباً لجمهور من الأمم، فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم لأني أجعلك أباً لجمهور من الأُمم وأُثمرك كثيراً جداً وأجعلك أُمماً: وملوك منك يخرجون، وأقيم عهدي بينى وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك وأُعطي لك ولنسلك من بعد أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون إلههم.
ثم ذكرت: أن الرب جعل في ذلك عهداً بينه وبين إبراهيم ونسله أن يختتن هو وكل من معه ويختنوا أولادهم اليوم الثامن من الولادة فختن إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وختن ابنه إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة وسائر الذكور من بنيه وعبيده.
قالت التوراة: وقال الله لإِبراهيم: ساراي إمرأتك لا تدعو اسمها ساراي بل اسمها سارة وأُباركها وأعطيك أيضاً منها ابناً، وأُباركها فتكون أُمماً وملوك شعوب منها يكونون، فسقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في قلبه: وهل يولد لابن مائة سنة؟ هل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة؟.
وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة إمرأتك تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثّره كثيراً جداً، إثنا عشر رئيساً يلد وأجعله أُمّة كبيرة، ولكن عهدي أُقيمه مع إسحاق الذي تلده سارة في هذا الوقت في السنة الآتية، فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم.
ثم ذكرت قصة نزول الرب مع الملكين لإِهلاك أهل سدوم قوم لوط وأنهم وردوا على إبراهيم فضافهم وأكلوا من الطعام الذي عمله لهم من عجل قتله والزبد واللبن اللذين قدّمهما إليهم ثم بشَّروه وبشروا سارة بإسحاق وذكروا أمر قوم لوط فجادلهم إبراهيم في هلاكهم فأقنعوه وكان بعده هلاك قوم لوط.
ثم ذكرت أن إبراهيم انتقل إلى أرض "حرار" وتغرّب فيها وأظهر لملكه "أبيمالك" أن سارة اخته فأخذها الملك منه فعاتبها الرب في المنام فأحضر إبراهيم وعاتبه على قوله: أنها اختي فاعتذر أنه إنما قال ذلك خوفاً من القتل واعترف أنها في الحقيقة اخته من أبيه دون امه تزوج بها فرد إليه سارة وأعطاهما مالاً جزيلاً (نظير ما قص في فرعون).
قالت التوراة: وافتقد الرب سارة كما قال وفعل الرب لسارة كما تكلم فحبلت سارة وولدت لإِبراهيم ابناً في شيخوخته في الوقت الذي تكلم الله عنه ودعا إبراهيم اسم ابنه الذي ولدته له سارة إسحاق، وختن إبراهيم إسحاق ابنه وهو ابن ثمانية أيام كما أمره الله، وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه، وقالت سارة: فقد صنع إليّ الله ضحكاً كل من يسمع يضحك لي، وقالت من قال لإِبراهيم: سارة ترضع بنين حتى ولدت ابناً في شيخوخته فكبر الولد وفطم وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحاق.
ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإِبراهيم يمزح فقالت لإِبراهيم: أطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحاق فقبح الكلام جداً في عيني إبراهيم لسبب ابنه فقال الله لإِبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك في كل ما تقول لك سارة اسمع قولها لأنه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضاً سأجعله أمَّة لأنه نسلك.
فبكّر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء و أعطاهما لهاجر واضعاً أياهما على كتفها والولد وصرفها فمضت وتاهت في بريَّة بئر سبع ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس لأنها قالت: لا أنظر موت الولد فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء، وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو قومي واحملي الغلام وشدّي يدك به لأني سأجعله أُمة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملأت القربة ماءً وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر.
قالت التوراة: وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال له: يا إبراهيم فقال: ها أنا ذا فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريَّا وأصعده هناك مُحرقة على أحد الجبال الذي أقول لك، فبكّر إبراهيم صباحاً وشدّ على حماره وأخذ اثنين من غلمانه معه وإسحاق معه وشقّق حطباً لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد فقال إبراهيم لغلاميه: إجلسا أنتما ها هنا مع الحمار، أمّا أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه وأخذ بيده النار والسكين فذهبا كلاهما معاً، وكلم إسحاق أباه إبراهيم وقال له: يا أبي فقال: ها أنا ذا يا ابني فقال: هوذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا بني فذهبا كلاهما معاً.
فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله بنى هنالك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب ثم مدّ إبراهيم يده وأخذ السكين لذبح ابنه فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم! فقال: ها أنا ذا، فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع "يهوه برأه" حتى أنه يقال اليوم في جبل الرب "بُرىً"، ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال: بذاتي أقسمت يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أُباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر ويرث نسلك باب أعدائه ويتبارك في نسلك جميع أُمم الأرض من أجل أنك سمعت لقولي ثم رجع إبراهيم إلى غلاميه فقاموا وذهبوا معاً إلى بئر سبع وسكن إبراهيم في بئر سبع.
ثم ذكرت تزويجه إسحاق من عشيرته بكلدان، ثم موت سارة وهي بنت مائة وسبع وعشرين في حبرون، ثم ازدواج إبراهيم بعدها بقطورة وإيلادها عدّة من البنين، ثم موت إبراهيم وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، ودفن ابنيه إسحاق وإسماعيل إيّاه في غار "مكفيلة" وهو مشهد الخليل اليوم.
فهذه خلاصة قصص إبراهيم عليه السلام وتاريخ حياته المورد في التوراة (سفر التكوين الأصحاح الحادي عشر - الأصحاح الخامس والعشرون) وعلى الباحث الناقد أن يطبّق ما ورد منه فيها على ما قصّه القرآن الكريم ثم يرى رأيه.
5 - الذي تشتمل عليه من القصة المسرودة على ما فيها من التدافع بين جملها والتناقض بين أطرافها مما يصدق القرآن الكريم فيما ادّعاه أن هذا الكتاب المقدس لعبت به أيدي التحريف.
فمن عمدة ما فيها من المغمض أنها أهملت ذكر مجاهداته في أول أمره وحجاجاته قومه وما قاساه منهم من المحن والأذايا، وهي طلائع بارقة لمّاعة من تاريخه عليه السلام.
ومن ذلك إهمالها ذكر بنائه الكعبة المشرفة وجعله حرماً آمناً وتشريعه الحجّ، ولا يرتاب أي باحث دينيّ ولا ناقد اجتماعيّ أن هذا البيت العتيق الذي لا يزال قائماً على قواعدها منذ أربعه آلاف سنة من أعظم الآيات الإِلهية التي تذكّر أهل الدنيا بالله سبحانه وآياته، وتستحفظ كلمة الحق دهراً طويلاً، وهو أوَّل بيت لله تعالى وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين.
وليس إهمال ذكره إلا لنزعة إسرائيلية من كتاب التوراة ومؤلّفيها دعتهم إلى الصفح عن ذكر الكعبة؟ وإحصاء ما بناه من المذابح ومذبح بناه بأرض شكيم، وآخر بشرقيّ بيت إيل، وآخر بجبل الرب.
ثم الذي وصفوا به النبي الكريم اسماعيل: أنه كان غلاماً وحشياً يضادّ الناس ويضادّونه، ولم يكن له من الكرامة إلا أنه كان مطروداً من حضرة أبيه نما رامي قوس! يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره.
ومن ذلك: ما نسبته إليه مما لا يلائم مقام النبوّة ولا روح التقوى والفتوّة كقولها: إن ملكي صادق ملك "شاليم" اخرج إليه خبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي وباركه.
ومن ذلك قولها: إن إبراهيم أخبر تارة رؤساء فرعون مصر أن سارة اخته ووصى سارة أن تصدقه في ذلك إذ قال لها: قولي: إنك اختى ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك، وأظهر تارة أخرى لأبي مالك ملك حرار أنها اخته، فأخذها للزوجية فرعون تارة، وأبي مالك أخرى، ثم ذكرت التوراة تأول إبراهيم في قوله: "إنها أختي" مرّة بأنها أختي في الدين، وأخرى أنها ابنة أبي من غير أمي فصارت لي زوجة.
وأيسر ما في هذا الكلام أن يكون إبراهيم (وحاشا مقام الخليل) يعرض زوجته سارة لأمثال فرعون وأبي مالك مستغلاً بها حتى يأخذاها زوجة وهي ذات بعل وينال هو بذلك جزيل العطاء ويستدرها بما عندهما من الخير!.
على أن كلام التوراة صريح في أن سارة كانت عندئذ وخاصة حينما أخذها أبي مالك عجوزاً قد عمرت سبعين أو أكثر، والعادة تقضي أن المرأة تفتقد في سن العجائز نضارة شبابها ووضاءة جمالها، والملوك والجبابرة المترفون لا يميلون إلى غير الفتيات البديعة جمالاً الطرية حسناً.
وربما وجد ما يشاكل هذا المعنى في بعض الروايات ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله: قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فاخبريه أنك أُختي فإنك أُختي في الإِسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيرك وغيري، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك فأرسل إليها فأتي بها فقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا أُضرك ففعلت فاطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له إنك إنما اتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فأخرجها من أرضي واعطها هاجر.
قال فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف وقال لها: مهيم فقالت: خيراً كف الله يد الفاجر وأخدم خادماً. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.
وفي صحيح البخاري بطرق كثيرة عن أنس وأبي هريرة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة و حذيفة، وفي مسند أحمد عن أنس وابن عباس وأخرجه الحاكم عن ابن مسعود والطبراني عن عبادة بن الصامت وابن أبي شيبة عن سلمان، والترمذي عن أبي هريرة، وأبو عوانة عن حذيفة عن أبي بكر حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، وهو حديث طويل فيه أن أهل الموقف يأتون الأنبياء واحداً بعد واحد يسألونهم الشفاعة عند الله، وكلما أتوا نبياً وسألوه الشفاعة، ردّهم إلى من بعده واعتذر بشيء من عثراته حتى ينتهوا إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيجيبهم إلى مسألتهم وفي الحديث: أنهم يأتون إبراهيم عليه السلام يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله فيقول لهم: لست هنا لكم إني كذبت ثلاث كذبات: قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله لامرأته "أخبريه أني أخوك".
والاعتبار الصحيح لا يوافق مضمون الحديثين كما ذكره بعض الباحثين إذ لو كان المراد بهما أن الأقاويل الثلاث التي وصفت فيهما أنها كذبات ليست كذبات حقيقية بل من قبيل التوريات والمعاريض البديعية كما ربما يلوح من بعض ألفاظ الحديث كالذي ورد في بعض طرقه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله" وكذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله" فما بال إبراهيم في حديث القيامة يعدّها ذنوباً لنفسه ومانعة عن القيام بأمر الشفاعة ويعتذر بها عنها؟ فإنها على هذا التقدير كانت من محنه في ذات الله وحسناته في الدين لو جاز لنبيّ من الأنبياء أن يكذب لمصلحة الدين لكنك قد عرفت في ما تقدم من مباحث النبوة في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن ذلك مما لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام قطعاً لاستيجابه سلب الوثوق عن إخباراتهم وأحاديثهم من أصلها.
على أن هذا النوع من الأخبار لو جاز عده كذباً ومنعه عن الشفاعة عند الله سبحانه كان قوله عليه السلام لما رأى كوكباً والقمر والشمس: هذا ربي وهذا ربي أولى بأن يعد كذباً مانعاً عن الشفاعة المنبئة عن القرب من الله تعالى.
على أن قوله عليه السلام على ما حكاه الله تعالى بقوله: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} لا يظهر بشيء من قرائن الكلام كونه كذباً غير مطابق للواقع فلعله عليه السلام كان سقيماً بنوع من السقم لا يحجزه عما همّ به من كسر الأصنام.
وكذا قوله عليه السلام للقوم إذ سألوه عن أمر الأصنام المكسورة بقولهم: {ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} فأجابهم وهم يعلمون أن أصنامهم من الجماد الذي لا شعور فيه ولا إرادة له: {بل فعله كبيرهم هذا} ثم أردفه بقوله: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} لا سبيل إلى عده كذباً فإنه كلام موضوع مكان التبكيت مسوق لإِلزام الخصم على الاعتراف ببطلان مذهبه، ولذا لم يجد القوم بداً دون أن اعترفوا بذلك فقالوا:
{ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله } [الأنبياء: 65 - 66]. ولو كان المراد أن الأقاويل الثلاث كذبات حقيقية كان ذلك من المخالفة الصريحة لكتاب الله تعالى، ونحيل ذلك إلى فهم الباحث الناقد فليراجع ما تقدم في الفصل الثاني من الكلام في منزلة إبراهيم عليه السلام عند الله تعالى وموقفه العبودي مما أثنى الله عليه بأجمل الثناء وحمد مقامه أبلغ الحمد.
وليت شعري كيف ترضى نفس باحث ناقد أو تجوّز أن ينطبق مثل قوله تعالى:
{ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً } [مريم: 41] على رجل كذاب يستريح إلى كذب القول كلما ضاقت عليه المذاهب؟ أو كيف يمدح الله بتلك المدائح الكريمة رجلاً لا يراقب الله سبحانه في حق أو صدق (حاشا ساحة خليل الله عن ذلك).
وأما الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام فإنها تصدق التوراة في أصل القصة غير أنها تجل إبراهيم عليه السلام عما نسب إليه من الكذب وسائر ما لا يلائم قدس ساحته، ومن أجمع ما يتضمن قصة الخليل عليه السلام ما في الكافي عن علي عن أبيه وعدة من أصحابنا عن سهل جميعاً عن ابن محبوب عن إبراهيم بن زيد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أن إبراهيم عليه السلام كان مولده بكوثار وكان أبوه من أهلها، وكانت ام إبراهيم وأم لوط عليهما السلام وسارة وورقة - وفي نسخة رقبة - اختين وهما ابنتان للاحج، وكان لاحج نبياً منذراً ولم يكن رسولاً.
وكان إبراهيم عليه السلام في شبيبته على الفطرة التي فطر الله عز وجل الخلق عليها حتى هداه الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه، وأنه تزوج سارة ابنة لاحج وهي ابنة خالته وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة وحال حسنة، وكانت قد ملَّكت إبراهيم جميع ما كانت تملكه فقام فيه وأصلحه وكثرت الماشية والزرع - حتى لم يكن بأرض كوثاريا رجل أحسن حالاً منه.
وإن إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنام نمروذ وأمر به نمروذ فأوثق وعمل له حيراً وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ثم قذف إبراهيم عليه السلام في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم عليه السلام سليماً مطلقاً من وثاقه فأخبر نمروذ خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم عليه السلام من بلاده، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجّهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم، واختصموا إلى قاضي نمروذ فقضى على إبراهيم عليه السلام أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمروذ أن يردوا على إبراهيم عليه السلام ما ذهب من عمره في بلادهم، وأخبر بذلك نمروذ فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وماله وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم فأخرجوا إبراهيم ولوطاً عليهما السلام معه من بلادهم إلى الشام.
فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة، وقال لهم: إني ذاهب إلى ربي سيهدين يعني إلى بيت المقدس فتحمّل إبراهيم بماشيته وماله وعمل تابوتاً وجعل فيه سارة وشدّ عليها الإِغلاق غيرة منه عليها ومضى حتى خرج من سلطان نمرود، وسار إلى سلطان رجل من القبط يقال له "عزارة" فمر بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشر ما معه فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت قال العاشر لإِبراهيم عليه السلام: افتح هذا التابوت لنعشر ما فيه فقال له إبراهيم عليه السلام: قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطي عشره ولا نفتحة. قال: فأبى العاشر إلا فتحه قال: وغصب إبراهيم عليه السلام على فتحه فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال قال له العاشر: ما هذه المرأة منك؟ قال إبراهيم عليه السلام: هي حرمتي وابنة خالتي، فقال له العاشر: فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت؟ فقال إبراهيم عليه السلام: الغيرة عليها أن يراها أحد فقال له العاشر: لست ادعك تبرح حتى أعلم الملك حالها وحالك.
قال: فبعث رسولاً إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم عليه السلام: إني لست أُفارق التابوت حتى يفارق روحي جسدي فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه فحملوا إبراهيم عليه السلام والتابوت وجميع ما كان معه حتى أُدخل على الملك فقال له الملك: افتح التابوت فقال له إبراهيم عليه السلام: أيها الملك إنّ فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي.
قال: فغصب الملك إبراهيم عليه السلام على فتحة فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها فأعرض إبراهيم عليه السلام وجهه عنها وعنه غيرة منه وقال: اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه فقال له الملك: إن إلهك هو الذي فعل بي هذا؟ فقال له: نعم أن إلهي غيور يكره الحرام، وهو الذي حال بينك وبين ما أردته من الحرام فقال له الملك: فادع إلهك يردّ عليّ يدي فإن أجابك فلم أُعرض لها فقال إبراهيم عليه السلام: إلهي رد إليه يده ليكف عن حرمتي. قال: فرد الله عز وجل إليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه، وقال: اللهم احبس يده عنها. قال: فيبست يده ولم تصل إليها.
فقال الملك لإِبراهيم عليه السلام: إن إلهك لغيور وإنك لغيور فادع إلهك يردّ إليّ يدي فإنه إن فعل لم أعد فقال إبراهيم عليه السلام: أسأله ذلك على إنك إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال له الملك: نعم فقال إبراهيم عليه السلام: اللهم إن كان صادقاً فرد يده عليه فرجعت إليه يده.
فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ورأى الآية في يده عظّم إبراهيم عليه السلام وهابه و أكرمه واتّقاه، وقال له: قد أمنت من أن أُعرض لها أو لشيء مما معك فانطلق حيث شئت ولكن لي إليك حاجة فقال إبراهيم عليه السلام: ما هي؟ فقال له: أُحبّ أن تأذن لي أن اخدمها قبطيَّة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادمة قال: فأذن إبراهيم عليه السلام فدعا بها فوهبها لسارة وهي هاجر ام اسماعيل عليه السلام.
فسار إبراهيم عليه السلام بجميع ما معه، وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم عليه السلام إعظاماً لإِبراهيم وهيبة له فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن قف ولا تمش قدّام الجبار المتسلط ويمشي وهو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الأرض برّة أو فاجرة فوقف إبراهيم عليه السلام وقال للملك: امض فإن إلهي أوحى إليّ الساعة أن أعظمك وأهابك، وأن اقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالاً لك فقال له الملك: أوحى إليك بهذا؟ فقال إبراهيم عليه السلام: نعم فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم وأنك ترغّبني في دينك.
قال: وودعه الملك فسار إبراهيم عليه السلام حتى نزل بأعلى الشامات، وخلَّف لوطاً عليه السلام في أدنى الشامات. ثم أن إبراهيم عليه السلام لما أبطأ عليه الولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولداً فيكون لنا خلفاً، فابتاع إبراهيم عليه السلام هاجر من سارة فوقع عليها فولدت إسماعيل عليه السلام.
ومن ذلك ما ذكرته أعني التوراة في قصة الذبح أن الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل عليهما السلام مع أن قصة إسكانه بأرض تهامة وبنائه الكعبة المشرّفة وتشريع عمل الحج الحاكي لما جرى عليه وعلى أُمه من المحنة والمشقة في ذات الله، وقد اشتمل على الطواف والسعي والتضحية كل ذلك تؤيِّد كون الذبيح هو إسماعيل دون إسحاق عليهما السلام.
وقد وقع في إنجيل برنابا أن المسيح لام اليهود ووبَّخهم على قولهم بأن الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل قال في الفصل 44: فكلم الله إبراهيم قائلاً: خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان اسماعيل ابن سبع سنين الفصل 44 آية 11 - 12.
وأما القرآن فإن آياته كالصريحة في كون الذبيح هو إسماعيل عليه السلام قال تعالى بعد ما ذكر قصة كسر الأصنام وإلقائه في النار وجعلها برداً وسلاماً:
{ فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين أن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } [الصافات: 98 - 113]. والمتدبر في الآيات الكريمة لا يجد مناصاً دون أن يعترف أن الذبيح هو الذي ذكر الله سبحانه البشارة به في قوله: {فبشرناه بغلام حليم} وأن البشارة الأخرى التي ذكرها أخيراً بقوله {وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} غير البشارة الأولى، والذي بشر به في الثانية وهو إسحاق عليه السلام غير الذي بشر به في الأولى وأردفها بذكر قصة التضحية به.
وأما الروايات فالتي وردت منها من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تذكر أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، والتي رويت من طرق أهل السنة والجماعة مختلفة: فصنف يذكر إسماعيل وصنف يذكر إسحاق عليهما السلام غير أنك عرفت أن الصنف الأول هو الذي يوافق الكتاب.
قال الطبري في تاريخه: اختلف السلف من علماء أُمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الاخرى.
إلى أن قال: وأما الدلالة من القرآن التي قلنا: إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى مخبراً عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجراً إلى ربه إلى الشام مع زوجتة سارة قال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين} وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له ام اسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عز وجل الخبر عن إجابة دعائه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي.
ولا نعلم في كتاب الله عز وجل تبشيراً لإِبراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك قوله: {وامرأتة قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} وقوله: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكّت وجهها وقالت عجوز عقيم}.
ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله: {فبشرناه بغلام حليم} نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة.
وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يأمربذبح إسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال، وذلك أن الله تعالى إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه.
وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقاً بالكعبة وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك، انتهى كلامه.
وليت شعري كيف خفي عليه أن إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد عند مهاجرته إلى الشام وعنده سارة ولا خبر عن هاجر يومئذ سأل ذلك بقوله: {رب هب لي من الصالحين} فسأل ربه الولد، ولم يسأل أن يرزقه ذلك من سارة حتى تحمل البشارة المذكورة عقيبه على البشارة بإسحاق فإنما قال: {رب هب لي} ولم يقل: رب هب لي من سارة.
وأما ما ذكره أن المعروف من سائر مواضع كتاب الله هو البشرى بإسحاق فيجب أن نحمل البشرى في هذا الموضع عليه أيضاً. فمع ما سيجيء من الكلام عليه في سائر الموارد التي أشار إليها هو في نفسه قياس لا دليل عليه بل الدليل على خلافه فإن الله سبحانه في هذه الآيات لما ذكر البشارة بغلام حليم ثم ذكر قصة الذبح استأنف ثانياً ذكر البشارة بإسحاق ولا يرتاب المتدبّر في هذا السياق أن المبشر به ثانياً غير المبشر به أولاً فقد بشر إبراهيم عليه السلام قبل اسحاق بولد له آخر وليس إلا اسماعيل، وقد اتفق الرواة والنقلة وأهل التاريخ أن اسماعيل ولد لإِبراهيم قبل اسحاق عليهم السلام جميعاً.
ومن ذلك التدافع البيّن فيما تذكره التوراة من أمر اسماعيل فإنها تصرح أن اسماعيل ولد لإِبراهيم عليهما السلام قبل أن يولد له إسحاق بما يقرب من أربعة عشر عاماً وإن إبراهيم عليه السلام طرده وامه هاجر بعد تولد اسحاق لما استهزأ بسارة ثم تسرد قصة إسكانهما الوادي ونفاد الماء الذي حملته هاجر وعطش اسماعيل ثم إراءة الملك إياها الماء، ولا يرتاب الناظر المتدبر في القصة أن إسماعيل كان عندئذٍ صبياً مرضعاً فعليك بالرجوع إليها والتأمل فيها، وهذا هو الذي يوافق المأثور من أخبارنا.
6 - القرآن الكريم يعتني أبلغ الاعتناء بقصة إبراهيم عليه السلام من جهة نفسه ومن جهة ابنيه الكريمين اسماعيل وإسحاق وذرّيتهما معاً بخلاف ما يتعرض له في التوراة فإنها تقصر الخبر عنه بما يتعلق بإسحاق وشعب إسرائيل، ولا يلتفت إلى اسماعيل إلا ببعض ما يهوِّن أمره ويحقّر شأنه، ومع ذلك لا يخلو يسير ما تخبر عنه عن التدافع فتارة تذكر خطاب الله سبحانه لإِبراهيم عليه السلام أن نسلك الباقي هو من إسحاق، وتارة أخرى خطابه أن الله بارك لنسلك من عقب اسماعيل وسيجعله أُمة كبيرة، وتارة تعرِّفه إنساناً وحشياً يضاد الناس ويضاده الناس قد نشأ رامي قوس مطروداً عن بيت أبيه، وتارة تذكر أن الله معه.
وبالتأمل فيما تقدم من قصته عليه السلام في القرآن يظهر الجواب عن إشكالين أُشكل بهما على الكتاب العزيز.
الاشكال الأول ما ذكره بعض المستشرقين أن القرآن في سوره المكيّة لا يتعرض لشأن إبراهيم واسماعيل عليهما السلام إلا كما يتعرض لشأن سائر الرسل من أنهم كانوا على دين التوحيد ينذرون الناس ويدعونهم إلى الله سبحانه من غير أن يذكر بناءه الكعبة وصلته بإسماعيل وكونهما داعيين للعرب إلى دين الفطرة والملة الحنيفية. لكن السور المدنية كالبقرة والحج وغيرهما تذكر إبراهيم وإسماعيل متصلين اتصال الأبوة والبنوة وأبوين للعرب مشرعين لها دين الإِسلام بانيين للكعبة البيت الحرام.
وسر هذا الاختلاف أن محمداً كان قد اعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطة عداء فلم يكن له بد أن التمس غيرهم ناصراً. هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم وبذلك استطاع أن يخلص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم فعدّه أباً للعرب مشيداً لدينهم الإِسلام بانياً لبيتهم المقدس الذي في مكه لما أن هذه المدينة كانت تشغل جل تفكيره. انتهى ملخصاً.
وقد أزرى المستشكل على نفسه بهذه الفرية التي نسبها إلى الكتاب العزيز الذي له شهرته العالمية التي لا يتحجب معها على شرقي ولا غربي فكل باحث متدبر يشاهد أن القرآن الكريم لم يداهن مشركاً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا غيرهم في سورة مكية ولا مدنية ولم يختلف لحن قوله في تخطئة اليهود ولا غيرهم بحسب مكية السور ومدنيتها.
غير أن الآيات القرآنية لما نزلت نجوماً بحسب وقوع الحوادث المرتبطة بالدعوة الدينية، وكان الابتلاء بأمر اليهود بعد الهجرة كان التعرض لشؤونهم والإِبانة عن التشديد في حقهم لا محالة في الآيات النازلة في تضاعيف السور المدينة كتفاصيل الأحكام المشرعة التي أُنزلت فيها حسب مسيس الحاجة بحدوث الحوادث.
وأما ما ذكراه من اختصاص حديث اتصال اسماعيل بإبراهيم عليهما السلام وبناء الكعبة وتأسيس الدين الحنيف بالسور المدنية فيكذبه قوله تعالى في سورة إبراهيم وهي مكية فيما حكاه من دعاء إبراهيم عليه السلام:
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [إبراهيم: 35] إلى أن قال { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئده من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } [إبراهيم: 37] إلى أن قال { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء } [إبراهيم: 39]. وقد مر نظيره في الآيات المنقولة من سورة الصافات آنفاً المنبئة عن قصة الذبيح.
وأما ما ذكراه من يهودية إبراهيم عليه السلام فإن القرآن يرده بقوله تعالى:
{ يا أهل الكتاب لمَ تحاجون في إبراهيم وما أُنزلت التوراة والإِنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65] إلى أن قال { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]. الاشكال الثاني: أن الصابئين وهم عبدة الكواكب الذين يذكر القرآن تعرض إبراهيم عليه السلام لآلهتهم بقوله: {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي} إلى آخر الآيات إنما كانوا بمدينة حران التي هاجر إليه إبراهيم عليه السلام من بابل أو من "أور" ولازمه أن يكون حجاجه عبدة الكواكب بعد مدة من حجاجه عبدة الأصنام وكسره الأصنام ودخوله النار، ولا يلائم ذلك ما هو ظاهر الآيات أن قصة الحجاج مع عبدة الأصنام والكواكب وقعت جميعاً في يومين عند أول شخوصه إلى أبيه وقومه كما تقدم بيانه.
أقول: وهذا في الحقيقة إشكال على التفسير الذي تقدم إيراده في بيان الآيات لا على أصل الكتاب.
ومع ذلك ففيه غفلة عما يثبته التاريخ ويعطيه الاعتبار الصحيح أما الاعتبار فإن المملكة التي ينتحل في بعض بلاده العظيمة بدين من الأديان الشائعة المعروفة كالصابئية التي كانت يومئذ من الأديان المعروفة في الدنيا لا يخلو من شيوع في سائر بلادها ووجود جماعة من منتحليه منتشرة في أقطارها.
وأما التاريخ فقد ذكر شيوعه كشيوع الوثنية ببابل ووجود معابد كثيرة فيها بنيت على اسماء الكواكب وأصنام لها منصوبة فيها فقد جاء في تاريخ ارض بابل وما والاها ذكر بناء معبد إله الشمس وإله القمر في حدود سنة ثلاثة آلاف ومائتين قبل المسيح، وفي نصب شريعة حمورابي ذكر إله الشمس وإله القمر وهو مما يقرب زمن الخليل إبراهيم عليه السلام.
وقد تقدم فيما نقلناه من كتاب الآثار الباقية لأبي ريحان البيروني: أن يوذاسف ظهر عند مضي سنة من ملك طهمورث بأرض الهند، وأتى بالكتابة الفارسية، ودعا إلى ملة الصابئين فاتبعه خلق كثير، وكانت الملوك البيشدادية وبعض الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النّيرين والكواكب وكليّات العناصر إلى وقت ظهور زراتشت عند مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسف.
وساق الكلام إلى أن قال: وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها، ويعظمون الأنوار، ومن آثارهم القبة التي فوق المحراب عند المقصورة من جامع دمشق كان مصلاهم، وكان اليونانيون والروم على دينهم، ثم صارت في أيدي اليهود فعملوها كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى فصيروها بيعة إلى أن جاء الإِسلام وأهله فاتخذوها مسجداً.
وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ذكرها أبو معشر البلخي في كتابه في بيوت العبادات مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس، وقران فإنها منسوبة إلى القمر وبناؤه على صورته كالطيلسان، وبقربها قرية تسمى سلمسين واسمها القديم: صنم سين أي صنم القمر: وقرية أخرى تسمى ترع عوز أي باب الزهرة.
ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا من جملتهم وأن اللات كان باسم زحل، والعزّى باسم الزهرة، انتهى.
وذكر المسعودي أن مذهب الصابئة كان نوعاً من التحول والتكامل في دين الوثنية وأن الصبوة ربما كانت تتحوّل إلى الوثنية لتقارب مأخذيهما، وأن الوثنية ربما كانوا يعبدون أصنام الشمس والقمر والزهرة وسائر الكواكب تقرباً بها إلى آلهتها ثم إلى إله الآلهة. قال في مروج الذهب: كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن الله عز وجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار وأن الله تعالى وملائكتة احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناماً على صورة الباري عز وجل وبعضها على صورة الملائكة مختلفة القدود والأشكال، ومنها على صورة الإِنسان وعلى خلافها من الصور يعبدونها، وقربوا لها القرابين، ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالباري تعالى وقربها منه.
فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار حتى نبّههم بعض حكمائهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى وأنها حية ناطقة، وأن الملائكة تختلف فيهما بينها وبين الله، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر الله فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم فمكثوا على ذلك دهراً.
فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناماً وتماثيل على صورها وأشكالها فجعلوا لها أصناماً وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكباً منها، ويقرب لها نوعاً من القربان خلاف ما للآخر على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنام تحركت لهم الأجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتاً وهيكلاً مفرداً، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب.
وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زحل، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت على مرور الدهور معظماً في سائر الأعصار لأنه بيت زحل، وأن زحل تولاه لأن زحل من شأنه البقاء والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا داثر، وعن التعظيم غير حائل وذكروا أموراً أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها.
ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى الله وألغوا عبادة الكواكب فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر يوذاسف بأرض الهند وكان هندياً، وكان يوذاسف خرج من أرض الهند إلى السند ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان وهي بلاد فيروز بن كبك ثم دخل السند ثم إلى كرمان.
فتنبأ وزعم أنه رسول الله، وأنه واسطة بين الله وبين خلقه، وأتى أرض فارس، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في ملك جم، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب.
وقد كان يوذاسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم، والاشتغال بما علا من العوالم، إذ كان من هناك بدء النفوس وإليها يقع الصدر من هذا العالم، وجدّد يوذاسف عند الناس عبادة الأصنام والسجود لها لشبه ذكرها، وقرب لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع.
وذكر ذووا الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم: أن جم الملك أول من عظم النار ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب لأن النور عنده أفضل من الظلمة، وجعل للنور مراتب. ثم تنازع هؤلاء بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأشياء تقرباً إلى الله بذلك.
ثم ذكر المسعودي البيوت المعظمة عندهم وهي سبعة: الكعبة البيت الحرام باسم زحل، وبيت على جبل مارس بأصفهان، وبيت مندوسان ببلاد الهند، وبيت نوبهار بمدينة بلخ على اسم القمر، وبيت غمدان بمدينة صنعاء من بلاد اليمن على اسم الزهرة، وبيت كاوسان بمدينة فرغانة على اسم الشمس، وبيت بأعالي بلاد الصين على اسم العلة الأولى.
واليونان والروم القديم والصقالبة بيوت معظمة بعضها مبنية على اسم الكواكب كالبيت الذي بتونس للروم الذي على اسم الزهرة.
ثم ذكر المسعودي أن للصابئين من الحرانيين هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى وهيكل العقل. قال: ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة وهيكل النفس وهذه مدورات الشكل، وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن الشكل، وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها، انتهى. وقريب منه ما في الملل والنحل للشهرستاني.
وقد تبين مما نقلناه أولاً: أن الوثنية كما كانت تعبد أصناماً للآلهة وأرباب الأنواع كذلك كانت تعبد أصنام الكواكب والشمس والقمر، وكانت عندهم هياكل على أسمائها، ومن الممكن أن يكون حجاج إبراهيم عليه السلام في أمر الكواكب والقمر والشمس، مع الوثنية العابدين لها المتقربين بها دون الصابئة كما يمكن أن يكون مع بعض الصابئين في مدينة بابل أو بلدة اور أو كوثاريا على ما في بعض الروايات المنقولة سالفاً.
على أن ظاهر ما يقصه القرآن الكريم: أن إبراهيم عليه السلام حاجَّ أباه وقومه وتحمل أذاهم في الله حتى اعتزلهم وهجرهم بالمهاجرة من أرضهم إلى الأرض المقدسة من غير أن يتغرب من أرضهم إلى حران أولاً ثم من حران إلى الأرض المقدسة، والذى ضبطه كتب التاريخ من مهاجرته إلى حران أولاً ثم من حران إلى الأرض المقدسة لا مأخذ له غير التوراة أو أخبار غير سليمة من نفثة إسرائيلية كما هو ظاهرلمن تدبر تاريخ الطبري وغيره.
على أن بعضهم ذكروا أن حران المذكور في التوراة كان بلداً قرب بابل بين الفرات وخابور، وهو غير حران الواقع قرب دمشق الموجود اليوم.
نعم ذكر المسعودي أن الذي بقي من هياكلهم - الصابئة - المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف "بمغليتيا" وهو هيكل آزر أبي إبراهيم الخليل عليه السلام عندهم، وللقوم في آزر وابنة إبراهيم كلام كثير، انتهى. ولا حجة في قولهم على شيء.
وثانياً: أنه كما أن الوثنية ربما كانت تعبد الشمس والقمر والكواكب كذلك الصابئة كانت تبني بيوتاً وهياكل لعبادة غير الكواكب والقمر والشمس كالعلة الأولى والعقل والنفس وغيرها كالوثنية وتتقرب إليها مثلهم وقد ذكر هيرودوتوس في تاريخه في ما يصف معبد بابل أنه كان مشتملاً على ثمانية أبراج بعضها مبنية على بعض وأن آخر الأبراج وهو أعلاها كان مشتملاً على قبة وسيعة ما فيها غير عرش عظيم حياله طاولة من ذهب، وليس في القبة شيء من التماثيل والأصنام، ولا يبيت فيها أحد إلا امرأة يزعم الناس أن الله هو اختارها للخدمة ووظفها للملازمة. انتهى.
ولعله كان للعلة الأولى المنزّهة عن الهيئات والأشكال وإن كانوا ربما يصورونه بما يتوهمونه من الصور كما ذكره المسعودي. وقد ثبت أن فلاسفتهم كانوا ينزهون الله تعالى عن الهيئات الجسمانية والأشكال والأوضاع المادية ويصفونة بما يليق به من الصفات غير أنهم كانوا يتقون العامة أن يظهروا ما يعتقدونه فيه سبحانه إما لعدم استعداد أفهامهم لتلقي ذلك، أو لمقاصد وأغراض سياسية توجب كتمان الحق.