التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٠٣
وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٠٤
حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
١٠٥
قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
١٠٦
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
١٠٧
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ
١٠٨
قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ
١٠٩
يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
١١٠
قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ
١١١
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ
١١٢
وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ
١١٣
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ
١١٤
قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ
١١٥
قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
١١٦
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
١١٧
فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١١٨
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ
١١٩
وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
١٢٠
قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٢١
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ
١٢٢
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
١٢٣
لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
١٢٤
قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ
١٢٥
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
١٢٦
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
شروع في قصص موسى عليه السلام، وقد خص بالذكر منها مجيئه إلى فرعون ودعواه الرسالة إليه لنجاة بني إسرائيل وإتيانه بالآيتين اللتين آتاه الله إياهما ليلة الطور، وهذه القصة هي التي تشتمل عليها هذه الآيات ثم إجمال قصته حين إقامته في مصر بين بني إسرائيل لإِنجائهم، وما نزل على قوم فرعون من آيات الشدة إلى أن أنجى الله بني إسرائيل؛ ثم تذكر قصة نزول التوراة وعبادة بني إسرائيل العجل، ثم قصصاً متفرقة من بني إسرائيل يعتبر بها المعتبر.
قوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه} إلى آخر الآية. في تغيير السياق في أول القصة دلالة على تجدد الاهتمام بأمر موسى عليه السلام فإنه من أُولي العزم صاحب كتاب وشريعة، وقد ورد الدين ببعثته في مرحلة جديدة من التفصيل بعد المرحلتين اللتين قعطهما ببعثة نوح وإبراهيم عليهما السلام، وفي لفظ الآيات شيء من الإِشارة إلى تبدل المراحل فقد قال تعالى أولاً: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} {وإلى عاد أخاهم هوداً} {وإلى ثمود اخاهم صالحاً} فجرى على سياق واحد لأن هوداً وصالحاً كانا على شريعة نوح؛ ثم غير السياق فقال: {ولوطاً إذ قال لقومه} لأن لوطاً من أهل المرحلة الثانية في الدين وهي مرحلة شريعة إبراهيم، وكان لوط على شريعته ثم عاد إلى السياق السابق في بدء قصة شعيب، ثم غير السياق في بدء قصة موسى بقوله: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه} لأنه ثالث أُولي العزم صاحب كتاب جديد وشريعة جديدة، ودين الله وشرائعه وإن كان واحداً لا تناقض فيه ولا تنافي غير أنه مختلف بالإِجمال والتفصيل والكمال وزيادته بحسب تقدم البشر تدريجياً من النقص إلى الكمال، واشتداد استعداده لقبول المعارف الإِلهية عصراً بعد عصر إلى أن ينتهي إلى موقف علمي هي أعلى المواقف فيختتم عند ذلك الرسالة والنبوة، ويستقر الكتاب والشريعة استقراراً لا مطمع بعده في كتاب جديد أو شريعة جديدة ولا يبقى للبشر بعد ذلك إلا التدرج في الكمال من حيث انتشار الدين وانبساطه على المجتمع البشري واستيعابه لهم، وإلا التقدم من جهة التحقق بحقائق المعارف، والترقي في مراقي العلم والعمل التي يدعو إليها الكتاب، ويحرض عليها الشريعة والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
فقوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا} إلى آخر الآية. إجمال لقصة موسى عليه السلام ثم يؤخذ في التفصيل من قوله: {وقال موسى يا فرعون} الآية، وإنا وإن كنا نسمي هذه القصص بقصة موسى وقصة نوح وقصة هود وهكذا فإنها بحسب ما سردت في هذه السورة قصص الأمم والأقوام الذين أُرسل إليهم هؤلاء الرسل الكرام يذكر فيها حالهم فيما واجهوا به رسل الله من الإِنكار والرد، وما آل إليه أمرهم من نزول العذاب الإِلهي الذي أفنى جمعهم، وقطع دابرهم ولذلك ترى أن عامة القصص المذكورة مختومة بذكر نزول العذاب وهلاك القوم.
ولا تنس ما قدمناه في مفتتح الكلام أن الغرض منها بيان حال الناس في قبول العهد الإِلهي المأخوذ منهم جميعاً ليكون إنذاراً للناس عامة وذكرى للمؤمنين خاصة، وأنه الغرض الجامع بين ما في سور {الم} وما في سورة {ص} من الغرض وهو الإِنذار والذكرى.
فقوله: {ثم بعثنا من بعدهم} أي من بعد من ذكروا من الأنبياء وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام {موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه} أي إلى ملك مصر والأشراف الذين حوله، و {فرعون} لقب كان يطلق على ملوك مصر كالخديو كما كان يلقب بقيصر وكسرى وفغفور ملوك الروم وإيران والصين، ولم يصرح القرآن، الكريم باسم هذا الفرعون الذي أُرسل إليه موسى فأغرقه الله بيده.
وقوله: {بآياتنا} الظاهر أن المراد بها ما أتى به في أول الدعوة من إلقاء العصا فإذا هي ثعبان، وإخراج يده من جيبه فإذا هي بيضاء، والآيات التي أرسلها الله إليهم بعد ذلك من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، ولم ينقل القرآن الكريم لنبي من الأنبياء من الآيات الكثيرة ما نقله عن موسى عليه السلام.
وقوله: {فظلموا بها} أي بالآيات التي أُرسل بها على ما سيذكره الله سبحانه في خلال القصة، وظلم كل شيء بحسبه، وظلم الآيات إنما هو التكذيب بها والإِنكار لها.
وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ذكر عاقبة الإِفساد في الاعتبار بأمرهم لانهم كانوا يفسدون في الأرض ويستضعفون بني إسرائيل، وقد كان في متن دعوة موسى حين ألقاها إلى فرعون: {فأرسل معي بني إسرائيل} وفي سورة طه:
{ فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم } [طه: 47]. قوله تعالى: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} شروع في تفصيل قصة الدعوة كما تقدمت الإِشارة إليه، وقد عرف نفسه بالرساله ليكون تمهيداً لذكر ما أُرسل لأجله، وذكره تعالى باسمه رب العالمين أنسب ما يتصور في مقابلة الوثنيين الذين لا يرون إلا أن لكل قوم إو لكل شأن من شؤون العالم وطرف من أطرافه رباً على حدة.
قوله تعالى: {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} إلى آخر الآية تأكيد لصدقه في رسالته أي أنا حري بأن أقول قول الحق ولا أنسب إلى الله في رسالتي منه إليك شيئاً من الباطل لم يأمرني به الله سبحانه وقوله: {قد جئتكم ببينة من ربكم} في موضع التعليل بالنسبة إلى جميع ما تقدم أو بالنسبة إلى قوله: {إني رسول من رب العالمين} لأنه هو الأصل الذي يتفرع عليه غيره.
ولعل تعدية {حقيق} بعلى من جهة تضمينه معنى حريص أي حريص على كذا حقيقاً به، والمعروف في اللغة تعدية حقيق بمعنى حري بالباء يقال: فلان حقيق بالإِكرام أي حري به لائق.
وقرئ: {حقيق علي} بتشديد الياء والحقيق على هذا مأخوذ من حق عليه كذا أي وجب، والمعنى واجب عليّ أن لا أقول: على الله إلا الحق فالحقيق خبر ومبتداه قوله: أن لا أقول، الآية والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {قال أن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} الشرط في صدر الآية أعني قوله: {إن كنت جئت بآية} يتضمن صدقه عليه السلام فإنه إذا كان جائياً بآية واقعة فقد صدق في إخباره بأنه قد جاء بآية لكن الشرط في ذيل الآية تعريض يومئ به إلى أنه ما يعتقد بصدقه في إخباره بوجود آية معه فكأنه قال: إن كنت جئت بآية فأت بها وما أظنك تصدق في قولك، فلا تكرار في الشرط.
قوله تعالى: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} ألفاًء جوابية كما قيل أي فأجابه بإلقاء عصاه، وهذه هي فاء التفريع والجواب مستفاد من خصوصية المورد. والثعبان الحية العظيمة ولا تنافي بين وصفه ها هنا بالثعبان المبين وبين ما في موضع آخر من قوله تعالى:
{ فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب } [النمل: 10]، والجان هي الحية الصغيرة لاختلاف القصتين كما قيل فإن ذكر الجان إنما جاء في قصة ليلة الطور وقد قال تعالى فيها في موضع آخر: { فألقاها فإذا هي حية تسعى } [طه: 20]، وأما ذكر الثعبان فقد جاء في قصة إتيانه لفرعون بالآيات حين سأله ذلك.
قوله تعالى: {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} أي نزع يده من جيبه على ما يدل عليه قوله تعالى:
{ واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء } [طه: 22]، وقوله: { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } [القصص: 32]. والأخبار وإن وردت فيها أن يده عليه السلام كانت تضيء كالشمس الطالعة عند إرادة الإِعجاز بها لكن الآيات لا تقص أزيد من أنها كانت تخرج بيضاء للناظرين إلا أن كونها آية معجزة تدل على أنها كانت تبيض ابيضاضاً لا يشك الناظرون في أنها حالة خارقة للعادة.
قوله تعالى: {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} لم يذكر تعالى ما قاله فرعون عند ذلك، وإنما الذي ذكر محاورة الملأ بعضهم بعضاً كأنهم في مجلس مشاورة يذاكر بعضهم بعضاً ويشير بعضهم إلى ما يراه ويصوبه آخرون فيقدمون ما صوبوه من رأي إلى فرعون ليعمل به فهم لما تشاوروا في أمر موسى وما شاهدوه من آياته المعجزة قالوا: إن هذا لساحر عليم، وإذا كان ساحراً غير صادق فيما يذكره من رسالة الله سبحانه فإنما يتوسل بهذه الوسيلة إلى نجاة بني إسرائيل واستقلالهم في أمرهم ليتأيد بهم ثم يخرجكم من أرضكم ويذهب بطريقتكم المثلى فماذا تأمرون به في إبطال كيده، وإخماد ناره التي أوقدها؟ أمن الواجب مثلاً أن يقتل أو يصلب أو يسجن أو يعارض بساحر مثله؟.
فاستصوبوا آخر الآراء، وقدموه إلى فرعون أن أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم.
ومن ذلك يظهر أن قوله تعالى: {فماذا تأمرون} حكاية ما قاله بعض الملأ لبعض وقوله: {قالوا أرجه} الخ، حكاية ما قدموه من رأي الجميع إلى فرعون وقد اتفقوا عليه، وقد حكى الله سبحانه في موضع آخر من كلامه هذا القول بعينه من فرعون يخاطب به ملأه قال تعالى:
{ قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } [الشعراء: 34 - 36]. ويظهر مما في الموضعين أنهم إنما شاوروا حول ما قاله فرعون ثم صوبوه ورأوا أن يجيبه بسحر مثل سحره، وقد حكى الله أيضاً هذا القول عن فرعون يخاطب به موسى حتى بالذي أشار إليه الملأ من معارضة سحره بسحر آخر مثله إذ قال: { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله } [طه: 57 - 58]، ولعل ذلك محصل ما خرج من مشاورتهم حول ما قاله فرعون بعدما قدم إلى فرعون مخاطب به موسى من قبل نفسه.
وللملأ جلسة مشاورة أخرى أيضاً بعد قدوم السحرة إلى فرعون ناجى فيها بعضهم بعضاً بمثل ما في هذه الآيات قال تعالى:
{ فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } [طه: 62 - 63]. فتبين أن أصل الكلام لفرعون ألقاه إليهم ليتشاوروا فيه ويروا رأيهم فيما يفعل به فرعون فتشاوروا وصدقوا قوله وأشاروا بالإِرجاء وجمع السحرة للمعارضة فقبله ثم ذكره لموسى ثم اجتمعوا للمشاورة والمناجاة ثانياً بعد مجيء السحرة واتفقوا أن يجتمعوا عليه ويعارضوه بكل ما يقدرون عليه من السحر صفاً واحداً.
قوله تعالى: {يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} أي يريد أن يتإيد ببني إسرائيل فيتملك مصر، ويبطل استقلالكم ويخرجكم من أرضكم، وكثيراً ما كان يتفق في الأعصار السابقة أن يهجم قوم على قوم فيتغلبوا عليهم فيشغلوا أرضهم ويتملكوا ديارهم فيخرجوهم منها ويشردوهم في الأرض.
قوله تعالى: {قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين} إلى آخر الآية التالية. أرجه بسكون الهاء أمر من الإِرجاء بمعنى التأخير والهاء للسكت إي أخره وأخاه ولا تعجل لهما بشر كالقتل ونحوه حتى ترمى بظلم أو قسوة ونحوهما بل ابعث في المدائن من جنودك حاشرين يجمعون السحرة فيأتوك بهم ثم عارض سحر موسى بسحر السحرة.
وقرئ: أرجه بكسر الجيم والهاء وأصله أرجئه قلبت الهمزة ياء ثم حذفت، والهاء ضمير راجع إلى موسى، وأخوه هو هارون عليهما السلام.
قوله تعالى: {وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً} إلى آخر الآية التالية أي فأرسل حاشرين فحشروهم وجاء السحرة كل ذلك محذوف للإِيجاز.
وقولهم: {إن لنا لأجراً} سؤال للأجر جيء به في صورة الخبر للتأكيد، وإفادة الطلب الانشائي في صورة الإِخبار شائع، ويمكن أن يكون استفهاماً بحذف أداته، ويؤيده قراءه ابن عامر: {أئن لنا لأجراً} وقوله: {قال نعم وإنكم لمن المقربين} إجابة لمسؤولهم مع زيادة وعدهم بالتقريب.
قوله تعالى: {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} خيروه بين أن يكون هو الملقي بعصاه، وبين أن يكونوا هم الملقين لما أعدوه من الحبال والعصي وهذا التخيير في مقام استعدوا لمقابلته، ولا محالة يفيد التخيير في الابتداء بالإِلقاء فمعناه إن شئت ألق عصاك أولاً وإن شئت ألقينا حبالنا وعصينا أولاً.
وفيه نوع من التجلد لدلالته على أنهم لا يبالون بأمره سواء ألقى قبلهم أو بعدهم فلا يهابونه على أي حال لوثوقهم بأنهم هم الغالبون ولا يخلو التخيير مع ذلك عن نوع من التأدب.
قوله تعالى: {قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس} إلى آخر الآية، السحر ها هنا نوع تصرف في حاسة الإِنسان بإدراك أشياء لا حقيقة لها في الخارج وقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله:
{ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } [البقرة: 102] في الجزء الأول من الكتاب، والاسترهاب الإِخافة، ومعنى الآية ظاهر، وقد عد الله فيها سحرهم عظيماً.
قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألق} إلى آخر الآيتين، أن تفسيرية واللقف واللقفان تناول الشيء بسرعة، و الإِفك هو صرف الشيء عن وجهه ولذا يطلق على الكذب، وفي الآية وجوه من الإِيجاز ظاهرة، والتقدير: وأوحينا إلى موسى بعد ما ألقوا أن ألق عصاك فألقاها فإذا هي حية وإذا هي تلقف ما يأفكون.
وقوله: {فوقع الحق} فيه استعارة بالكناية بتشبيه الحق بشيء كأنه معلق لا يعلم عاقبة حاله أيستقر في الأرض بالوقوع عليها والتمكن فيها أم لا؟ فوقع واستقر {وبطل ما كانوا يعملون} من السحر.
قوله تعالى: {فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} أي غلب فرعون وأصحابه {هنالك} أي في ذلك المجمع العظيم الذي تهاجم عليهم فيه الناس من كل جانب ففي لفظ {هنالك} إشارة إلى ذلك وهو للبعيد، {وانقلبوا صاغرين} أي عادوا وصاروا أذلاء مهانين.
قوله تعالى: {وأُلقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} أبهم فاعل الإِلقاء في قوله: {وألقي السحرة ساجدين} وهو معلوم فإن السحرة هم الذين ألقوا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، وذلك للإِشارة إلى كمال تأثير آية موسى فيهم وإدهاشها إياهم فلم يشعروا بأنفسهم حين ما شاهدوا عظمة الآية وظهورها عليهم إلا وهم ملقون ساجدون فلم يدروا من الذي أوقع بهم ذلك.
فاضطرتهم الآية إلى الخرور على الأرض ساجدين، والإِيمان برب العالمين الذي اتخذه موسى وهارون، وفي ذكر موسى وهارون دلالة على الإِيمان بهما مع الإِيمان برب العالمين.
وربما قيل: إن بيانهم رب العالمين برب موسى وهارون لدفع توهم أن يكون إيمانهم لفرعون فإنه كان يدعى أنه رب العالمين فلما بينوه بقولهم {رب موسى وهارون} ولم يأخذا فرعون رباً اندفع ذلك التوهم، ولا يخلو عن خفاء فإن الوثنية ما كانت تقول برب العالمين بحقيقة معناه بمعنى من يملك العالمين ويدبر أمر جميع أجزائها بالاستقامة بل قسموا أجزاء العالم وشؤونها بين أرباب شتى، وإنما أعطوا الله سبحانه مقام إله الآلهة ورب الأرباب لا رب الأرباب ومربوبيها.
والذي ادعاه فرعون لنفسه على ما حكاه الله من قوله:
{ أنا ربكم الأعلى } [النازعات: 24]، إنما هو العلو من جهة القيام بحاجة الناس - وهم أهل مصر خاصة - عن قرب واتصال لا من جهة القيام بربوبية جميع العالمين، ومع ذلك كله قد أحاطت الخرافات على الوثنية بحيث لا يستبعد أن يتفوهوا بكون فرعون رب العالمين وإن خالف أُصول مذاهبهم قطعاً.
قوله تعالى: {قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم} إلى آخر الآيتين. خاطبهم فرعون بقوله: {آمنتم به قبل أن آذن لكم} تأنفاً واستكباراً، وهو إخبار يفيد بحسب المقام والإِنكار والتوبيخ، ومن الجائز أن يكون استفهاماً إنكارياً أو توبيخياً محذوف الأداة.
وقوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} الآية يتهمهم بالمواطأة والمواضعة في المدينة يريد أنهم لما اجتمعوا في مدينته بعد ما حشرهم الحاشرون من مدائن مختلفة شتى فجاءوا بهم إليه ولقوا موسى أجمعوا على أن يمكروا بفرعون وأصحابه فيتسلطوا على المدينة فيخرجوا منها أهلها، وذلك لأنهم لم يشاهدوا موسى قبل ذلك فلو كانوا تواطؤا على شيء فقد كان ذلك بعد اجتماعهم في مدينته.
أنكر عليهم إيمانهم بقوله: {آمنتم به قبل أن آذن لكم} ثم اتهمهم بأنهم تواطؤا جميعاً على المكر ليخرجوا أهل المدينة منها بقوله: {إن هذا لمكر} الخ ليثبت لهم جرم الإِفساد في الأرض المبيح له سياستهم وتنكيلهم بأشد العقوبات.
ثم هددهم بقوله: {فسوف تعلمون} ثم بينه وفصله بقوله: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} فهددهم تهديداً أكيداً أولاً بقطع الأيدي والأرجل من خلاف وهو أن يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى وبالجملة قطع كل من اليد والرجل من خلاف الجهة التي قطعت منها الأخرى.
وثانياً بالصلب وهو شد المجرم بعد تعذيبه على خشبة ورفع الخشبة بإثبات جانبه على الأرض ليشاهده الناس فيكون لهم عبرة، وقد تقدم تفصيل بيانه في قصص المسيح عليه السلام في تفسير سورة آل عمران.
قوله تعالى: {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} إلى آخر الآيات. جواب السحرة وهم القائلون هذا المقال وقد قابلوه بما يبطل به كيده، وتنقطع به حجته، وهو أنك تهددنا بالعذاب قبال ما تنقم منا من الإِيمان بربنا ظناً منك أن ذلك شر لنا من جهة انقطاع حياتنا به وما نقاسيه من ألم العذاب، وليس ذلك شراً فإنا نرجع إلى ربنا، ونحيا عنده بحياة القرب السعيدة، ولم نجترم إلا ما تعده أنت لنا جرماً وهو إيماننا بربنا فما دوننا إلا الخير.
وهذا معنى قوله: {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} وهو إيمان منهم بالمعاد {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} وعدوا أمر العصا - على الظاهر آيات كثيرة لاشتماله على جهات كل منها آية كصيرورتها ثعباناً، ولقفها حبالهم وعصيهم واحداً بعد واحد، ورجوعها إلى حالتها الأولى.
والنقم هو الكراهة والبغض يقال نقم منه كذا ينقم من باب ضرب وعلم: إذا كره وأبغض.
ثم أخذتهم الجذبة الإِلهية من غير أن يذعروا مما هددهم به، واستغاثوا بربهم على ما عزم به من تعذيبهم وقتلهم فسألوه تعالى قائلين: {ربنا أفرغ علينا صبراً} على ما يريد أن يوقع بنا من العذاب الشديد {وتوفنا مسلمين} إن قتلنا.
وفي إطلاق الإِفراغ على إعطاء الصبر استعارة بالكناية فشبهوا نفوسهم بالآنية والصبر بالماء، وإعطاءه بإفراغ الإِناء بالماء وهو صبه فيه حتى يغمره، وإنما سألوا ذلك ليفيض الله عليهم من الصبر ما لا يجزعون به عند نزول أي عذاب وألم ينزل بهم.
وقد جاؤا بالعجب العجاب في مشافهتهم هذه مع فرعون وهو الجبار العنيد الذي ينادي {أنا ربكم الأعلى} ويعبده ملك مصر فلم يذعرهم ما شاهدوا من قدرته وسطوته فأعربوا عن حجتهم بقلوب مطمئنة، ونفوس كريمة، وعزم راسخ، وإيمان ثابت، وعلم عزيز، وقول بليغ؛ وإن تدبرت ما حكاه الله سبحانه من مشافهتهم ومحاورتهم فرعون في موقفهم هذا في هذه السورة وفي سورتي طه والشعراء أرشدك ما في خلال كلامهم من الحجج البالغة إلى علوم جمة، وحالات روحية شريفة، وأخلاق كريمة، ولولا محذور الخروج عن طور هذا الكتاب لأوردنا شذرة منها في هذا المقام فلينتظر إلى حين.
(بحث روائي)
ما قصه الله في كتابه من قصة مجيء موسى بما آتاه الله من الرساله، وأيده به من آية العصا واليد البيضاء، ومعه أخوه هارون إلى فرعون وإتيانه بالآيتين ثم جمع فرعون السحرة ومعارضته بسحرهم، وإظهار الله آية موسى على سحرهم، وإيمان السحرة لا يجاوز ما ذكر في هذه الآيات إجمالاً.
وقد اشتملت الروايات الواردة من طرق الشيعة أو طرق أهل السنة على هذه المعاني غير أنها تشتمل مع ذلك من تفاصيل القصة على أُمور عجيبة لم يتعرض لها كتاب الله كما ورد: أن عصا موسى كان من آس الجنة، وأنها كانت عصا آدم وصلت إلى شعيب ثم أعطاها موسى، وفي بعض الروايات أنها كانت عصا آدم أعطاها ملك لموسى حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض في النهار فيخرج له رزقه وفي بعضها: أنها كانت تنطق إذا استنطقت، وكانت إذا صارت ثعباناً عند فرعون بعد ما بين لحييه اثنا عشر ذراعاً، وروي أربعون ذراعاً وفي بعضها ثمانون ذراعاً وأنها ارتفعت في السماء ميلاً، وفي بعضها أنها وضعت أحد مشفريها على الأرض والآخر على سور قصر فرعون، وفي بعضها أنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها، وحملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، وفي بعضها: أنها كانت ثمانون ذراعاً، وفي بعضها: أنها كانت في العظم كالمدينة، وفي الرواية: أن فرعون أحدث في ثيابه من هول ما رأى، وفي بعضها أنه أحدث في ذلك اليوم أربع مأة مرة، وفي بعضها: أنه استمر معه داء البطن حتى غرق، وفي الروايات أنه عليه السلام كان إذا أخرج يده من جيبه كان يغلب نورها نور الشمس.
وفي الرواية: أن السحرة كانوا سبعين رجلاً، وفي بعضها ستمأة إلى تسعمائة وفي بعضها: اثني عشر ألفاً، وفي بعضها خمسة عشر ألفاً، وفي بعضها: سبعة عشر ألفاً، وفي بعضها: تسعة عشر ألفاً، وفي بعضها بضعة وثلاثين ألفاً، وفي بعضها سبعين ألفاً، وفي بعضها: ثمانين ألفاً.
وفي الرواية أنهم كانوا أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل "نينوى" وفيها: أنه كان اسم رئيسهم شمعون، وفي بعضها: يوحنا، وفي بعضها أنه كان لهم رؤساء أربعة أسماؤهم: سابور، وعازور، وحطحط، ومصفى.
وكذا ورد في نفس فرعون: أن اسمه الوليد بن المصعب بن الريان، وأنه كان من أهل اصطخر فارس، وفي بعضها: أنه من أبناء مصر، وفي بعضها: أن فرعون هذا هو فرعون يوسف عاش أربعمائة سنة ولم يشب ولا ابيض منه شعر.
وفي بعضها: أنه بنى مدائن يتحصن فيها من موسى، وجعل فيما بينها آجام وغياض، وجعل فيها الأسد ليتحصن بها من موسى فلما بعث الله موسى إلى فرعون دخل المدينة فلما رآه الأسد تبصبصت وولت مدبرة، ثم لم يأت مدينة إلا انفتح له بابها حتى انتهى إلى قصر فرعون الذي هو فيه.
قال: فقعد على بابه، وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه فلما خرج الآذن قال استأذن لي على فرعون فلم يلتفت إليه قال: فقال له موسى: أنا رسول رب العالمين فلم يلتفت إليه قال: فمكث بذلك ما شاء الله يسأله أن يستأذن له قال: فلما أكثر عليه قال: أما وجد رب العالمين من يرسله غيرك؟.
قال: فغضب موسى فضرب الباب بعصاه فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلا انفتح حتى نظر إليه فرعون وهو في مجلسه فقال: أدخلوه قال: فدخل عليه وهو في قبة له مرتفعة كثيرة الارتفاع ثمانون ذراعاً فقال: أنا رسول رب العالمين إليك. قال: فقال: فأت بآية إن كنت من الصادقين، قال: فألقى عصاه وكان له شعبتان. قال: فأذا هي حية قد وقع إحدى الشعبتين على الأرض والشعبة الأخرى في أعلى القبة. قال: فنظر فرعون جوفها وهي تلهب نيراناً. قال: وأهوى إليه فأحدث وصاح يا موسى خذها.
إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الروايات من العجائب في هذه القصة وأغلبها أمور سكت عنها القرآن لا سبيل إلى رد أغلبها إلا الاستبعاد، ولا إلى قبولها إلا حسن الظن بكل رواية مروية، وهي ليست بمتواتره ولا محفوفة بقرائن قطعية بل جلها مراسيل أو موقوفة أو ضعيفة من سائر جهات الضعف على ما بينها من التعارض فالغض عنها أولى.