التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
١٠
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
١١
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
١٢
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ
١٣
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤
قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ
١٥
قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
١٦
ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
١٧
قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
١٨
ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تصف الآيات بدء خلقة الإِنسان وتصويره، وما جرى هناك من أمر الملائكة بالسجدة له، وسجودهم وإباء إبليس، وغروره آدم وزوجته، وخروجهما من الجنة. وما قضى الله في ذلك من القضاء.
قوله تعالى: {ولقد مكّناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون} التمكين في الأرض هو الإِسكان والإِيطان فيها أي جعلنا مكانكم الأرض، ويمكن أن يكون من التمكين بمعنى الإِقدار والتسليط، ويؤيد المعنى الثاني أن هذه الآيات تحاذي بنحو ما في سورة البقرة من قصّة آدم وإبليس وقد بدئت الآيات فيها بقوله:
{ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } [البقرة: 29]، وهو التسليط والتسخير.
غير أن هذه الآيات التي نحن فيها لما كانت تنتهي إلى قوله: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} كان المعنى الأول هو الأنسب وقوله: {ولقد مكناكم في الأرض} (الخ) كالاجمال لما تفصله الآيات التالية إلى آخر قصة الجنة.
والمعايش جمع معيشة وهي ما يعاش به من مطعم أو مشرب أو نحوهما، والآية في مقام الامتنان عليهم بما أنعم الله عليهم من نعمة سكنى الأرض أو التسلط والاستيلاء عليها، وجعل لهم فيها من أنواع ما يعيشون به، ولذلك ختم الكلام بقوله: {قليلاً ما تشكرون}.
قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} صورة قصة تبتدئ من هذه الآية إلى تمام خمس عشرة آية يفصل فيها إجمال الآية السابقة وتبين فيها العلل والأسباب التي انتهت إلى تمكين الإِنسان في الأرض المدلول عليه بقوله: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش}.
ولذلك بدئ الكلام في قوله: {ولقد خلقناكم} (الخ) بلام القسم، ولذلك أيضاً سيقت القصتان أعني قصة الأمر بالسجدة، وقصة الجنة في صورة قصة واحدة من غير أن تفصل القصة الثانية بما يدل على كونها قصة مستقلة كل ذلك ليتخلص إلى قوله: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر} إلى آخر الآيتين فينطبق التفصيل على إجمال قوله: {ولقد مكناكم في الأرض} الآية.
وقوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} الخطاب فيه لعامّة الآدميين وهو خطاب امتناني كما مر نظيره في الآية السابقة لأن المضمون هو المضمون وإنما يختلفان بالإِجمال والتفصيل.
وعلى هذا فالانتقال في الخطاب من العموم إلى الخصوص أعني قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} بعد قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} يفيد بيان حقيقتين: الأولى: أن السجدة كانت من الملائكة لجميع بني آدم أي للنشأة الإِنسانية وإن كان آدم عليه السلام هو القبلة المنصوبة للسجدة فهو عليه السلام في أمر السجدة كان مثالاً يمثل به الإِنسانية نائباً مناب أفراد الإِنسان على كثرتهم لا مسجوداً له من جهة شخصه كالكعبة المجعولة قبلة يتوجه إليها في العبادات، وتمثل بها ناحية الربوبية.
ويستفاد هذا المعنى أولاً: من قصة الخلافة المذكورة في سورة البقرة فإن المستفاد من الآيات هناك أن أمر الملائكة بالسجدة متفرع على الخلافة، والخلافة المذكورة في الآيات كما استفدناه هناك - غير مختصة بآدم بل جارية في عامة الآدميين فالسجدة أيضاً للجميع.
وثانياً: أن إبليس تعرض لهم أي لبني آدم ابتداء من غير توسيط آدم ولا تخصيصه عليه السلام بالتعرض حين قال على ما حكاه الله سبحانه: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} [الآيات: 16 - 17] (الخ) من غير سبق ذكر لبني آدم، وقد ورد نظيره في سورة الحجر حيث قال:
{ رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين } [الحجر: 39]، وفي سورة ص حيث قال: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين } [ص: 82]، ولولا أن الجميع مسجودون بنوعيتهم للملائكة لم يستقم له أن ينقم منهم هذه النقمة ابتداء وهو ظاهر.
وثالثاً: أن الخطابات التي خاطب الله سبحانه بها آدم عليه السلام كما في سورة البقرة وسورة طه عممها بعينها في هذه السورة لجميع بنيه، قال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} الخ.
والحقيقة الثانية: أن خلق آدم عليه السلام كان خلقاً للجميع كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى:
{ وبدء خلق الإِنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } [السجدة: 7 - 8] وقوله: { هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة } [غافر: 67]، على ما هو ظاهر الآيتين أن المراد بالخلق من تراب هو الذي كان في آدم عليه السلام.
ويشعر بذلك أيضاً قول إبليس في ضمن القصة على ما حكاه الله سبحانه في سورة الإِسراء:
{ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً } [الإسراء: 62] الآية، ولا يخلو عن إشعار به أيضاً قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم } [الأعراف: 172] الآيات على ما سيجيء من بيانه.
وللمفسرين في الآية أقوال مختلفة قال في مجمع البيان: ثم ذكر سبحانه نعمته في ابتداء الخلق فقال: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال الأخفش: {ثم} هيهنا في معنى الواو، وقال الزجاج: وهذا خطأ لا يجوزه الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه إنما "ثم" للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غير، وإنما المعنى في هذا الخطاب ذكر إبتداء الخلق أولاً فالمراد أنَّما بدأنا خلق آدم ثم صورناه فابتدأ خلق آدم من التراب ثم وقعت السورة بعد ذلك فهذا معنى خلقناكم ثم صورناكم {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} بعد الفراغ من خلق آدم، وهذا مروي عن الحسن، ومن كلام العرب: فعلنا بكم كذا وكذا وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} أي ميثاق أسلافكم.
وقد قيل في ذلك أقوال أُخر: منها أن معناه خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، عن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي.
ومنها: أن الترتيب واقع في الإِخبار فكأنه قال: خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنَّا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم كما يقول القائل: أنا راجل ثم أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم عليّ بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما، وعلى هذا فقد قيل: إن المعنى: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء عن عكرمة وقيل خلقناكم في الرحم ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء انتهى.
أما ما نقله عن الزجاج من الوجه ففيه أولاً أن نسبة شيء من صفات السابقين أو أعمالهم إلى أعقابهم إنما تصح إذا اشترك القبيلان في ذلك بنوع من الاشتراك كما فيما أورده من المثال لا بمجرد علاقة النسب والسبق واللحوق حتى يصح بمجرد الانتساب النسلي أن تعد خلقة نفس آدم خلقاً لبنيه من غير أن يكون خلقه خلقاً لهم بوجه.
وثانياً: أن ما ذكره لو صح به أن يعد خلق آدم وتصويره خلقاً وتصويراً لبنيه صح أن يعد أمر الملائكة آبالسجدة له أمراً لهم بالسجدة لبنيه كما جرى على ذلك في قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} فما باله قال: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ولم يقل: "ثم قلنا للملائكة اسجدوا للإِنسان".
وأما ما نقله أخيراً من أقوالهم فوجوه سخيفة غير مفهومة من لفظ الآية، ولعل القائلين بها لا يرضون أن يتأول في كلامهم أنفسهم بمثل هذه الوجوه فكيف يحمل على مثلها أبلغ الكلام؟
قوله تعالى: {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} أخبر تعالى عن سجود الملائكة جميعاً كما يصرح به في قوله:
{ فسجد الملائكة كلهم أجمعون } [الحجر: 30]، واستثنى منهم إبليس وقد علل عدم ائتماره بالأمر في موضع آخر بقوله: { كان من الجن ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50]، وقد وصف الملائكة بمثل قوله: { بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } [الأنبياء: 26]، وهو بظاهره يدل على أنه من غير نوع الملائكة.
ولهذا وقع الخلاف بينهم في توجيه هذا الاستثناء: أهو استثناء متصل بتغليب الملائكة لكونهم أكثر وأشرف أو أنه استثناء منفصل وإنما أمر بأمر على حدة غير الأمر المتوجه إلى جميع الملائكة وإن كان ظاهر قوله: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} أن الأمر لم يكن إلا واحداً وهو الذي وجهه الله إلى الملائكة.
والذي يستفاد من ظاهر كلامه تعالى أن إبليس كان مع الملائكة من غير تميز له منهم والمقام الذي كان يجمعهم جميعاً كان هو مقام القدس كما يستفاد من قصة ذكر الخلافة
{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]، وأن الأمر بالسجود إنما كان متوجهاً إلى ذلك المقام أعني إلى المقيمين بذلك المقام من جهة مقامهم كما يشير إليه قوله تعالى في ما سيأتي: {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها} والضمير إلى المنزلة أو إلى السماء أو الجنة ومآلهما إلى المنزلة والمقام ولو كان الخطاب متوجهاً إليهم من غير دخل المنزلة والمقام في ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: {فما يكون لك أن تتكبر}.
وعلى هذا لم يكن بينه وبين الملائكة فرق قبل ذلك؟ وعند ذلك تميز الفريقان، وبقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم ومنزلتهم التي حلوا فيها، وهو الخضوع العبودي والامتثال كما حكاه الله عنهم: {بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} فهذه حقيقة حياة الملائكة وسنخ أعمالهم، وقد بقوا على ذلك وخرج ابليس من المنزلة التي كان يشاركهم فيها كما يشير إليه قوله: {كان من الجن ففسق عن أمر ربه} والفسق خروج التمرة عن قشرها فتميز منهم فأخذ حياة لا حقيقة لها إلا الخروج من الكرامة الإِلهية وطاعة العبودية.
والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا وتضمنت أمراً وامتثالاً وتمرداً و احتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلاً للتكوين بمعنى أن إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال أي الخضوع للحقيقة الإِنسانية فتفرعت عليه المعصية، ويشعر به قوله تعالى: {فما يكون لك أن تتكبر فيها} فإن ظاهره أن هذا المقام لا يقبل لذاته التكبر فكان تكبره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه.
على أن الأمر بالسجود - كما عرفت - أمر واحد توجه إلى الملائكة وإبليس جميعاً بعينه، والأمر المتوجه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولوياً تشريعياً بمعنى الأمر المتعلق بفعل يتساوى نسبة مأموره إلى الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة فإن الملائكة مجبولون على الطاعة مستقرون في مقر السعادة كما أن إبليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه.
فلولا أن الله سبحانه خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس جميعاً بالسجود له لكان ابليس على ما كان عليه من منزلة القرب غير متميز من الملائكة لكن خلق الإِنسان شق المقام مقامين: مقام القرب ومقام البعد، وميز السبيل سبيلين: سبيل السعادة وسبيل الشقاوة.
قوله تعالى: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} يريد ما منعك أن تسجد كما وقع في سورة ص من قوله:
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } [ص: 75]، ولذلك ربما قيل: إن "لا" زائدة جيئ بها للتأكيد كما في قوله: { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله } [الحديد: 29]. والظاهر أن "منع" مضمن نظير معنى حمل أو دعا والمعنى: ما حملك أو ما دعاك على أن لا تسجد مانعاً لك.
وقوله: {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} يحكي عمّا أجاب به لعنه الله، وهو أول معصيته وأول معصية عصي بها الله سبحانه فإن جميع المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإِنيَّة ومنازعة الله سبحانه في كبريائه، وله رداء الكبرياء لا شريك له فيه، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ذاته ويقول: أنا قبال الإِنيّة الإِلهية التي عنت له الوجود، وخضعت له الرقاب، وخشعت له الأصوات، وذل له كل شيء.
ولو لم تنجذب نفسه إلى نفسه، ولم يحتبس نظره في مشاهدة إنيَّته لم يتقيد باستقلال ذاته، وشاهد الإِله القيوم فوقه فذلت له إنيَّته ذلة تنفي عنه كل استقلال وكبرياء فخضع للأمر الإِلهي، وطاوعته نفسه في الايتمار والامتثال، ولم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراءى من كونه خيراً منه لأنه من النار وهو من الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة والكبرياء ومنبع كل جمال وجلال.
وكان من الحري إذا سمع قوله: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} أن يأتي بما يطابقه من الجواب كأن يقول: منعني أني خير منه لكنه أتى بقوله: {أنا خير منه} ليظهر به الإِنيّة، ويفيد الثبات والاستمرار، ويستفاد منه أيضاً أن المانع له من السجدة ما يرى لنفسه من الخيريه فقوله: {أنا خير منه} أظهر وآكد في إفادة التكبر.
ومن هنا يظهر أن هذا التكبر هو التكبر على الله سبحانه دون التكبر على آدم.
ثم إنه في قوله: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} استدل على كونه خيراً من آدم بمبدء خلقته وهو النار وأنها خير من الطين الذي خلق منه آدم، وقد صدّق الله سبحانه ما ذكره من مبدأ خلقته حيث ذكر أنه كان من الجن، وأن الجن مخلوق من النار قال تعالى:
{ كان من الجن ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50] وقال: { ولقد خلقنا الإِنسان من صلصال من حمأ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم } [الحجر: 26 - 27]، وقال أيضاً: { خلق الإِنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار } [الرحمن: 14 - 15]. لكنه تعالى لم يصدقه فيما ذكره من خيريته منه فإنه تعالى وإن لم يرد عليه قوله {أنا خير منه خلقتني من نار} الخ، في هذه السورة إلا أنه بين فضل آدم عليه وعلى الملائكة في حديث الخلافة الذي ذكره في سورة البقرة للملائكة.
على أنه تعالى ذكر القصة في موضع آخر بقوله:
{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } [ص: 70 - 76] الخ.
فبيَّن أولاً أنهم لم يدعوا إلى السجود له لمادته الأرضية التي سوِّي منها، وإنما دعوا إلى ذلك لما سوّاه ونفخ فيه من روحه الخاص به تعالى الحاملة للشرف كل الشرف والمتعلقة لتمام العناية الربانية، ويدور أمر الخيرية في التكوينيات مدار العناية الإِلهية لا لحكم من ذواتها فلا حكم إلا لله.
ثم بيّن ثانياً لما سأله عن سبب عدم سجوده بقوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ} أنه تعالى اهتم بأمر خلقته كل الاهتمام واعتنى به كل الاعتناء حيث خلقه بكلتا يديه بأي معنى فسرنا اليدين، وهذا هو الفضل فأجاب لعنه الله بقوله: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} فتعلق بأمر النار والطين، وأهمل أمر تكبره على ربه كما أنه في هذه السورة سئل عن سبب تكبره على ربه إذ قيل له: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} فتعلق بقوله: {أنا خير منه} الخ، ولم يعتن بما سئل عنه أعني السبب في تكبره على ربه إذ لم يأتمر بأمره.
بلى قد اعتنى به إذ قال: {أنا خير منه} فأثبت لنفسه استقلال الإِنيّة قبال الإِنيّة الإِلهية التي قهرت كل شيء فاستدعاه ذلك إلى نسيان كبريائه تعالى ووجد نفسه مثل ربه وأن له استقلالاً كاستقلاله، وأوجب ذلك أن أهمل وجوب امتثال أمره لأنه الله بل اشتغل بالمرجحات فوجد الترجيح للمعصية على الطاعة وللتمرد على الإِنقياد وليس إلا أن تكبره بإثبات الإِنيّة المستقلة لنفسه أعمى بصره فوجد مادة نفسه وهي النار خيراً من مادة نفس آدم وهي الطين فحكم بأنه خير من آدم، ولا ينبغي للفاضل أن يخضع بالسجود لمفضوله، وإن أمر به الله سبحانه لأنه يسوي بنفسه نفس ربه بما يري لنفسه من استقلال وكبرياء كاستقلاله فيترك الآمر ويتعلق بالمرجحات في الأمر.
وبالجملة هو سبحانه الله الذي منه يبتدئ كل شيء وإليه يرجع كل شيء فإذا خلق شيئاً وحكم عليه بالفضل كان له الفضل والشرف واقعاً بحسب الوجود الخارجي وإذا خلق شيئاً ثانياً وأمره بالخضوع للأول كان وجوده ناقصاً مفضولاً بالنسبه إلى ذلك الأول فإن المفروض أن أمره إما نفس التكوين الحق أو ينتهي إلى التكوين فقوله الحق والواجب في امتثال أمره أن يمتثل لأنه أمره لا لأنه مشتمل على مصلحة أو جهة من جهات الخير والنفع حتى يعزل عن ربوبيته ومولويته ويعود زمام الأمر والتأثير إلى المصالح والجهات، وهي التي تنتهي إلى خلقه وجعله كسائر الأشياء من غير فرق.
فجملة ما تدل عليه آيات القصة أن إبليس إنما عصى واستحق الرجم بالتكبر على الله في عدم امتثال أمره، وأن الذي أظهر به تكبره هو قوله: {أنا خير منه} وقد تكبر فيه على ربه كما تقدم بيانه وإن كان ذلك تكبراً منه على آدم حيث إنه فضل نفسه عليه واستصغر أمره وقد خصه الله بنفسه وأخبرهم بأنه أشرف منهم في حديث الخلافة وفي قوله: {ونفخت فيه من روحي} وقوله: {خلقت بيدي} إلا أن العناية في الآيات باستكباره على الله لا استكباره على آدم.
ومن الدليل على ذلك قوله تعالى:
{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50] حيث لم يقل: فاستنكف عن الخضوع لآدم بل إنما ذكر الفسق عن أمر الرب تعالى.
فتلخص أن آيات القصة إنما تعتني بمسألة استعلائه على ربه، وأما استكباره على آدم وما احتج به على ذلك فذلك من المدلول عليه بالتبع، والظاهر أنه هو السر في عدم التعرض للجواب عن حجته صريحاً إلا ما يؤمي إليه بعض أطراف الكلام كقوله: {خلقت بيدي} وقوله: {ونفخت فيه من روحي} وغير ذلك.
فإن قلت: القول بكون الأمر بالسجود تكوينياً ينافي ما تنص عليه الآيات من معصية إبليس فإن القابل للمعصية والمخالفة إنما هو الأمر التشريعي وأما الأمر التكويني فلا يقبل المعصية والتمرد البتة فإنه كلمة الإِيجاد الذي لا يتخلف عنه الوجود قال:
{ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [يس: 82]. قلت: الذي ذكرناه آنفاً أن القصة بما تشتمل عليه بصورتها من الأمر والامتثال والتمرد والطرد وغير ذلك وإن كانت تتشبه بالقضايا الاجتماعية المألوفة فيما بيننا لكنها تحكي عن جريان تكويني في الروابط الحقيقية التي بين الإِنسان والملائكة وإبليس فهي في الحقيقة تبين ما عليه خلق الملائكة وإبليس وهما مرتبطان بالإِنسان، وما تقتضيه طبائع القبيلين بالنسبة إلى سعادة الإِنسان وشقائه، وهذا غير كون الأمر تكوينياً.
فالقصة قصة تكوينية مثلت بصورة نألفها من صور حياتنا الدنيوية الاجتماعية كملك من الملوك أقبل على واحد من عامة رعيته لما تفرس منه كمال الاستعداد وتمام القابلية فاستخلصه لنفسه وخصه بمزيد عنايته، وجعله خليفته في مملكته مقدماً له على خاصته ممن حوله فأمرهم بالخضوع لمقامه والعمل بين يديه فلباه في دعوته وامتثال أمره جمع منهم، فرضي عنهم بذلك وأقرّهم على مكانتهم، واستكبر بعضهم فخطأ الملك في أمره فلم يمتثله معتلاً بأنه أشرف منه جوهراً وأغزر عملاً فغضب عليه وطرده عن نفسه وضرب عليه الذلة والصغار لأن الملك إنما يطاع لأنه ملك بيده زمام الأمر وإليه إصدار الفرامين والدساتير، وليس يطاع لأن ما أمر به يطابق المصلحة الواقعية فإنما ذلك شأن الناصح الهادي إلى الخير والرشد.
وبالتأمل في هذا المثل ترى أن خاصة الملك - أعم من المطيع والعاصي - كانوا متفقين قبل صدور الأمر في منزلة القرب مستقرين في مستوى الخدمة وحظيرة الكرامة من غير أي تميز بينهم حتى أتاهم الأمر من ذي العرش فينشعب الطريق عند ذلك إلى طريقين ويتفرقون طائفتين: طائفة مطيعة مؤتمرة، وأخرى عاصية مستكبرة وتظهر من الملك بذلك سجاياه الكامنة ووجوه قدرته وصور إرادته من رحمة وغضب وتقريب وتبعيد وعفو ومغفرة وأخذ وانتقام ووعد ووعيد وثواب وعقاب، والحوادث كالمحك يظهر باحتكاكه جوهر الفلز ما عنده من جودة أو رداءة.
فقصة سجود الملائكة وإباء إبليس تشير إلى حقائق تشابه بوجه ما يتضمنه هذا المثل من الحقائق والأمر بالسجدة فيها تشريفه تعالى آدم بقرب المنزلة ونعمة الخلافة وكرامة الولاية تشريفاً أخضع له الملائكة وأبعد منه إبليس لمضادة جوهر السعادة الإِنسانية فصار يفسد الأمر عليه كلما مسه ويغويه إذا اقترب منه كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله.
وقد عبر الله سبحانه عن إنفاذه أمر التكوين في مواضع من كلامه بلفظ الأمر أو ما يشبه ذلك كقوله:
{ فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } [فصلت: 11] وقوله: { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } [الأحزاب: 92] وأشمل من الجميع قوله: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [يس: 82]. فإن قلت: رفع اليد عن ظاهر القصة وحملها على جهة التكوين المحضة يوجب التشابه في عامة كلامه تعالى، ولا مانع حينئذ يمنع من حمل معارف المبدء والمعاد بل والقصص والعبر والشرائع على الأمثال، وفي تجويز ذلك إبطال للدين.
قلت: إنما المتبع هو الدليل فربما دل على ثبوتها وعلى صراحتها ونصوصيتها كالمعارف الأصلية والاعتقادات الحقة وقصص الأنبياء والأمم في دعواتهم الدينية والشرائع والأحكام وما تستتبعه من الثواب والعقاب ونظائر ذلك، وربما دلّ الدليل وقامت شواهد على خلاف ذلك كما في القصة التي نحن فيها، ومثل قصة الذر وعرض الأمانة وغير ذلك مما لا يستعقب إنكار ضروري من ضروريات الدين، ولا يخالف آية محكمة ولا سنة قائمة ولا برهاناً يقينياً.
والذي ذكره إبليس في مقام الاحتجاج: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} من القياس وهو استدلال ظني لا يعبأ به في سوق الحقائق، وقد ذكر المفسرون وجوهاً كثيره في الرد عليه لكنك عرفت أن القرآن لم يعتن بأمره، وإنما آخذ الله إبليس باستكباره عليه في مقام ليس له فيه إلا الانقياد والتذلل، ولذلك أغمضنا عن التعرض لما ذكروه.
قوله تعالى: {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين} التكبر هو أخذ الإِنسان مثلاً الكبر لنفسه وظهوره به على غيره فإن الكبر والصغر من الأمور الإِضافية ويستعمل في المعاني غالباً فإذا أظهر الإِنسان بقول أو فعل أنه أكبر من غيره شرفاً أو جاهاً أو نحو ذلك فقد تكبر عليه وعده صغيراً، وإذ كان لا شرف ولا كرامة لشيء على شيء إلا ما شرفه الله وكرمه كان التكبر صفة مذمومة في غيره تعالى على الإِطلاق إذ ليس لما سواه تعالى إلا الفقر والمذلة في أنفسهم من غير فرق بين شيء وشيء ولا كرامة إلا بالله ومن قبله، فليس لأحد من دون الله أن يتكبر على أحد، وإنما هو صفة خاصة بالله سبحانه فهو الكبير المتعال على الإِطلاق فمن التكبر ما هو حق محمود وهو الذي لله عز اسمه أو ينتهي إليه بوجه كالتكبر على أعداء الله الذي هو في الحقيقة اعتزاز بالله، ومنه ما هو باطل مذموم وهو الذي يوجد عند غيره بدعوى الكبر لنفسه لا بالحق.
و {الصاغرين} جمع صاغر من الصغار وهو الهوان والذلة، والصغار في المعاني كالصغر في الصور، وقوله: {فاخرج إنك من الصاغرين} تفسير وتأكيد لقوله {فاهبط منها} لأن الهبوط هو خروج الشيء من مستقره نازلاً فيدل ذلك على أن الهبوط المذكور إنما كان هبوطاً معنوياً لا نزولاً من مكان جسماني إلى مكان آخر، ويتأيد به ما تقدم أن مرجع الضمير في قوله: {منها} وقوله: {فيها} هو المنزلة دون السماء أو الجنة إلا أن يرجعا إلى المنزلة بوجه.
والمعنى: قال الله تعالى: فتنزل عن منزلتك حيث لم تسجد لما أمرتك فإن هذه المنزلة منزلة التذلل والانقياد لي فما يحق لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين أهل الهوان وإنما أُخذ بالصغار ليقابل به التكبر.
قوله تعالى: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين} استمهال وإمهال، وقد فصل الله تعالى ذلك في موضع آخر بقوله:
{ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } [الحجر: 38]، ومنه يعلم أنه أُمهل بالتقييد لا بالإِطلاق الذي ذكره فلم يمهل إلى يوم البعث بل ضرب الله لمهلته أجلاً دون ذلك وهو يوم الوقت المعلوم، وسيجيء الكلام فيه في سورة الحجر إنشاء الله تعالى.
فقوله تعالى: {إنك من المنظرين} إنما يدل على إجمال ما أُمهل به، وفيه دلالة على أن هناك منظرين غيره.
واستمهاله إلى يوم البعث يدل على أنه كان من همه أن يديم على إغواء هذا النوع في الدنيا وفي البرزخ جميعاً حتى تقوم القيامة فلم يجبه الله سبحانه إلى ما استدعاه بل لعله أجابه إلى ذلك إلى آخر الدنيا دون البرزخ فلا سلطان له في البرزخ سلطان الإِغواء والوسوسة وإن كان ربما صحب الإِنسان بعد موته في البرزخ مصاحبة الزوج والقرين كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى:
{ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } [الزخرف: 36]، وظاهر قوله: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } [الصافات: 22]. قوله تعالى: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} إلى آخر الآية. الإِغواء هو الإِلقاء في الغي والغي والغواية هو الضلال بوجه والهلاك والخيبة، والجملة أعني قوله: {أغويتني} وإن فسر بكل من هذه المعاني على اختلاف أنظار المفسرين غير أن قوله تعالى في سورة الحجر فيما حكاه عنه: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} يؤيد أن مراده هو المعنى الأول، والباء في قوله {فبما} للسببيه أو المقابلة، والمعنى: فبسبب إغوائك إياي أو في مقابلة إغوائك إياي لأقعدن لهم الخ، وقد أخطأ من قال: إنها للقسم وكأن القائل أراد أن يطبقه على قوله تعالى في موضع آخر حكاية عنه: { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } [ص: 82]. وقوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي لأجلسن لأجلهم على صراطك المستقيم وسبيلك السوي الذي يوصلهم إليك وينتهي بهم إلى سعادتهم لما أن الجميع سائرون إليك سالكون لا محالة مستقيم صراطك فالقعود على الصراط المستقيم كنايه عن التزامه والترصد لعابريه ليخرجهم منه.
وقوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} بيان لما يصنعه بهم وقد كمن لهم قاعداً على الصراط المستقيم، وهو أنه يأتيهم من كل جانب من جوانبهم الأربعة.
وإذ كان الصراط المستقيم الذي كمن لهم قاعداً عليه أمراً معنوياً كانت الجهات التي يأتيهم منها معنوية لا حسية والذي يستأنس من كلامه تعالى لتشخيص المراد بهذه الجهات كقوله تعالى:
{ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً } [النساء: 120]، وقوله: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } [آل عمران: 175]، وقوله: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [الأنعام: 142]، وقوله: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } [البقرة: 268] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة هو أن المراد مما بين أيديهم ما يستقبلهم من الحوادث أيام حياتهم مما تتعلق به الآمال والأماني من الأمور التي تهواه النفوس وتستلذه الطباع، ومما يكرهه الإِنسان ويخاف نزوله به كالفقر يخاف منه لو أنفق المال في سبيل الله أو ذم الناس ولومهم لو ورد سبيلاً من سبل الخير والثواب.
والمراد بخلقهم ناحية الأولاد والأعقاب فللإِنسان فيمن يخلفه بعده من الأولاد آمال وأمانٍ ومخاوف ومكاره فإنه يخيل إليه أنه يبقى ببقائهم فيسره ما يسرهم ويسوءه ما يسوؤهم فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم، ويعد لهم ما استطاع من قوة فيهلك نفسه في سبيل حياتهم.
والمراد باليمين وهو الجانب القوي الميمون من الإِنسان ناحية سعادتهم وهو الدين وإتيانه من جانب اليمين أن يزين لهم المبالغة في بعض الأمور الدينية، والتكلف بما لم يأمرهم به الله وهو الذي يسميه الله تعالى باتباع خطوات الشيطان.
والمراد بالشمال خلاف اليمين، وإتيانه منه أن يزين لهم الفحشاء والمنكر ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع الأهواء.
قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: كيف قيل: {من بين أيديهم ومن خلفهم} بحرف الابتداء، و {عن أيمانهم وعن شمائلهم} بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا وكانت لغه تؤخذ ولا تقاس وإنما يبحث عن صحة موقعها فقط.
فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه وجلس عن شماله وعلى شماله قلنا: معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في "تعال" انتهى موضع الحاجة.
وقوله تعالى: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} نتيجة ما ذكره من صنعه بهم بقوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم} الخ، وقد وضع في ما حكاه الله من كلامه في غير هذا الموضع بدل هذه الجملة أعني {ولا تجد أكثرهم شاكرين} جملة أخرى قال:
{ قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً } [الإسراء: 62]، فاستثنى من وسوسته وإغوائه القليل مطابقاً لما في هذه السورة، وقال: { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ص: 82 - 83]. ومنه يظهر أنه إنما عنى بالشاكرين في هذا الموضع المخلصين، والتأمل الدقيق في معنى الكلمتين يرشد إلى ذلك فإن المخلصين - بفتح اللام - هم الذين أُخلصوا لله فلا يشاركه فيهم أي في عبوديتهم وعبادتهم سواء، ولا نصيب فيهم لغيره ولا يذكرون إلا ربهم وقد نسوا دونه كل شيء حتى أنفسهم فليس في قلوبهم إلا هو سبحانه، ولا موقف فيها للشيطان ولا لتزييناته.
والشاكرون هم الذين استقرت فيهم صفة الشكر على الإِطلاق فلا يمسون نعمة إلا بشكر أي بأن يستعملوها ويتصرفوا فيها قولاً أو فعلاً على نحو يظهرون به أنها من عند ربهم المنعم بها عليهم فلا يقبلون على شيء - أعم من أنفسهم وغيرهم - إلا وهم على ذكر من ربهم قبل أن يمسوه ومعه وبعده، وأنه مملوك له تعالى طلقاً ليس له من الأمر شيء فذكرهم ربهم على هذه الوتيرة ينسيهم ذكر غيره إلا بالله، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
فلو أُعطي اللفظ حق معناه لكان الشاكرون هم المخلصين، واستثناء إبليس الشاكرين أو المخلصين من شمول إغوائه وإضلاله جرى منه على حقيقة الأمر اضطراراً ولم يأت به جزافاً أو امتناناً على بني آدم أو رحمة أو لغير ذلك.
فهذا ما واجه إبليس به مصدر العزة والعظمة أعني قوله: {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} إلى قوله {ولا تجد أكثرهم شاكرين} فأخبر أنه يقصدهم من كل جهة ممكنة، ويفسد الأمر على أكثرهم بإخراجهم عن الصراط المستقيم، ولم يبين نحو فعله وكيفية صنعه.
لكن في كلامه إشارة إلى حقيقتين: إحداهما: أن الغواية التي تمكنت في نفسه وهو ينسبها إلى صنع الله هي السبب لإِضلاله وإغوائه لهم أي أنه يمسهم بنفسه الغوية فلا يودع فيهم إلا الغواية كالنار التي تمس الماء بسخونتها فتسخنه، وهذه الحقيقة ظاهرة من قوله تعالى:
{ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } [الصافات: 22] إلى أن قال { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } [الصافات: 26 - 29] إلى أن قال { فأغويناكم إنا كنا غاوين } [الصافات: 32]. والثانية: أن الذي يمسه الشيطان من بني آدم - وهو نوع عمله وصنعه - هو الشعور الإِنساني وتفكره الحيوي المتعلق بتصورات الأشياء والتصديق بما ينبغي فعله أو لا ينبغي، وسيجيء تفصيله في الكلام في إبليس وعمله.
قوله تعالى: {قال اخرج منها مذؤوماً مدحوراً لمن تبعك} (الخ) المذؤوم من ذامه يذامه ويذيمه إذا عابه وذمه، والمدحور من دحره إذا طرده ودفعه بهوان.
وقوله: {لمن تبعك منهم} الخ، اللام للقسم وجوابه هو قوله: {لأملأن جهنم} الخ، لما كان مورد كلام إبليس - وهو في صورة التهديد بالانتقام - هو بني آدم وأنه سيبطل غرض الخلقة فيهم وهو كونهم شاكرين أجابه تعالى بما يفعل بهم وبه فقال: {لمن تبعك منهم} محاذاة لكلامه ثم قال: {لأملأن جهنم منكم أجمعين} أي منك ومنهم فأشركه في الجزاء معهم.
وقد امتن تعالى في كلمته هذه التي لا بد أن تتم فلم يذكر جميع من تبعه بل أتى بقوله: {منكم} وهو يفيد التبعيض.
قوله تعالى: {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} إلى آخر الآية. خص بالخطاب آدم عليه السلام وأُلحق به في الحكم زوجته، وقوله: {فكلا من حيث شئتما} توسعة في إباحة التصرف إلا ما استثناه بقوله: {ولا تقربا هذه الشجرة} والظلم هو الظلم على النفس دون معصية الأمر المولوي فإن الأمر إرشادي.
قوله تعالى: {فوسوس لهما الشيطان} إلى آخر الآية. الوسوسة هي الدعاء إلى أمر بصوت خفي، والمواراة ستر الشيء بجعله وراء ما يستره، والسوآة جمع السوءة وهي العضو الذي يسوء الإِنسان إظهاره والكشف عنه، وقوله: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} الخ، أي إلا كراهة أن تكونا ملكين {أو تكونا من الخالدين}.
والملك وإن قرئ بفتح اللام إلا أن فيه معنى الملك - بالضم فالسكون - والدليل عليه قوله في موضع آخر:
{ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } [طه: 120]. ونقل في المجمع عن السيد المرتضىرحمه الله احتمال أن يكون المراد بقوله: {إلا أن تكونا ملكين} الخ، أنه أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة خاصة والخالدون دونهما فيكون كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلاناً، وإنما يريد أن المنهي إنما هو فلان دونك، وهذا أوكد في الشبهة واللبس عليهما (انتهى). لكن آية سورة طه المنقولة آنفاً تدفعه.
قوله تعالى: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} المقاسمة المبالغة في القسم أي حلف لهما وأغلظ في حلفه أنه لهما لمن الناصحين، والنصح خلاف الغش.
قوله تعالى: {فدلاهما بغرور} إلى آخر الآية. التدلية التقريب والإِيصال كما أن التدلي الدنو والاسترسال، وكأنه من الاستعارة من دلوت الدلو أي أرسلتها، والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش، الخصف الضم والجمع، ومنه خصف النعل.
وفي قوله: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} دلالة على أنهما عند توجه هذا الخطاب كانا في مقام البعد من ربهما لأن النداء هو الدعاء من بعد، وكذا من الشجرة بدليل قوله: {تلكما الشجرة} بخلاف قوله عند أول ورودهما الجنة: {ولا تقربا هذه الشجرة}.
قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} هذا منهما نهاية التذلل والابتهال، ولذلك لم يسألا شيئاً وإنما ذكرا حاجتهما إلى المغفرة والرحمة وتهديد الخسران الدائم المطلق لهما حتى يشاء الله ما يشاء.
قوله تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو} إلى آخر الآية، كأن الخطاب لآدم وزوجته وإبليس، وعداوة بعضهم لبعض هو ما يشاهد من اختلاف طبائعهم، وهذا قضاء منه تعالى والقضاء الآخر قوله: {ولكم في الأرض مستقر ومتاعٍ إلى حين} أي إلى آخر الحياة الدنيوية، وظاهر السياق أن الخطاب الثاني أيضاً يشترك فيه الثلاثة.
قوله تعالى: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} قضاء آخر يوجب تعلقهم بالأرض إلى حين البعث، وليس من البعيد أن يختص هذا الخطاب بآدم وزوجته وبنيهما، لما فيه من الفصل بلفظة {قال} وقد مر تفصيل الكلام في قصة الجنة في سورة البقرة فليراجعها من شاء.
(كلام في إبليس وعمله)
عاد موضوع إبليس موضوعاً مبتذلاً عندنا لا يعبأ به دون أن نذكره أحياناً ونلعنه أو نتعوذ بالله منه أو نقبِّح بعض أفكارنا بأنها من الأفكار الشيطانية ووساوسه ونزغاته دون أن نتدبر فنحصل ما يعطيه القرآن الكريم في حقيقة هذا الموجود العجيب الغائب عن حواسنا، وما له من عجيب التصرف والولاية في العالم الإِنساني.
وكيف لا وهو يصاحب العالم الإِنساني على سعة نطاقه العجيبة منذ ظهر في الوجود حتى ينقضي أجله وينقرض بانطواء بساط الدنيا ثم يلازمه بعد الممات ثم يكون قرينه حتى يورده النار الخالدة، وهو مع الواحد منا كما هو مع غيره هو معه في علانيته وسره يجاريه كلما جرى حتى في أخفى خيال يتخيله في زاوية من زوايا ذهنه أو فكرة يواريها في مطاوي سريرته لا يحجبه عنه حاجب، ولا يغفل عنه بشغل شاغل.
وأما الباحثون منا فقد أهملوا البحث عن ذلك وبنوا على ما بنى عليه باحثوا الصدر الأول سالكين ما خطوا لهم من طريق البحث، وهي النظريات الساذجة التي تلوح للافهام العامية لأول مرة تلقوا الكلام الإِلهي ثم التخاصم في ما يهتدي إليه فهم كل طائفة خاصة، والتحصن فيه ثم الدفاع عنه بأنواع الجدال، والاشتغال بإحصاء إشكالات القصة وتقرير السؤال والجواب بالوجه بعد الوجه.
لِمَ خلق الله إبليس وهو يعلم من هو؟ لِمَ أدخله في جمع الملائكة وليس منهم؟ لِمَ أمره بالسجدة وهو يعلم أنه لا يأتمر؟ لِمَ لم يوفقه للسجدة وأغواه؟ لِمَ لم يهلكه حين لم يسجد؟ لِمَ أنظره إلى يوم يبعثون أو إلى يوم الوقت المعلوم؟ لِمَ مكنه من بني آدم هذا التمكين العجيب الذي به يجري منهم مجرى الدم؟ لِمَ أيده بالجنود من خيل ورجل وسلطه على جميع ما للحياة الإِنسانية به مساس؟ لِمَ لم يظهره على حواس الإِنسان ليحترز مساسه؟ لِمَ لم يؤيد الإِنسان بمثل ما أيده به؟ ولِمَ لم يكتم أسرار خلقة آدم وبنيه من إبليس حتى لا يطمع في إغوائهم؟ وكيف جازت المشافهة بينه وبين الله سبحانه وهو أبعد الخليقة منه وأبغضهم إليه ولم يكن بنبي ولا ملك؟ فقيل بمعجزة وقيل: بإيجاد آثار تدل على المراد ولا دليل على شيء من ذلك.
ثم كيف دخل إبليس الجنة؟ وكيف جاز وقوع الوسوسة والكذب والمعصية هناك وهي مكان الطهارة والقدس؟ وكيف صدقه آدم وكان قوله مخالفاً لخبر الله؟ وكيف طمع في الملك والخلود وذلك يخالف اعتقاد المعاد؟ وكيف جازت منه المعصية وهو نبي معصوم؟ وكيف قبلت توبته ولم يرد إلى مقامه الأول والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؟ وكيف...؟ وكيف....؟
وقد بلغ من إهمال الباحثين في البحث الحقيقي واسترسالهم في الجدال إشكالاً وجواباً أن ذهب الذاهب منهم إلى أن المراد بآدم هذا آدم النوعي والقصة تخييليه محضة واختار آخرون أن إبليس الذي يخبر عنه القرآن الكريم هو القوة الداعية إلى الشر من الإِنسان!.
وذهب آخرون إلى جواز انتساب القبائح والشنائع إليه تعالى وأن جميع المعاصي من فعله، وأنه يخلق الشر والقبيح فيفسد ما يصلحه، وأن الحسن هو الذي أمر به والقبيح هو الذي نهى عنه، وآخرون: إلى أن آدم لم يكن نبياً، وآخرون: إلى أن الأنبياء غير معصومين مطلقاً، وآخرون إلى أنهم غير معصومين قبل البعثة وقصة الجنة قبل بعثة آدم، وآخرون: إلى أن ذلك كله من الامتحان واختبار ولم يبينوا ما هو الملاك الحقيقي في هذا الامتحان الذي يضل به كثيرون ويهلك به الأكثرون، ولولا وجود ملاك يحسم مادة الإِشكال لعادت الإِشكالات بأجمعهم.
والذي يمنع نجاح السعي في هذه الأبحاث ويختل به نتائجها هو أنهم لم يفرقوا في هذه المباحث جهاتها الحقيقية من جهاتها الاعتبارية، ولم يفصلوا التكوين عن التشريع فاختل بذلك نظام البحث، وحكموا في ناحية التكوين غالباً الاصول الوضعية الاعتبارية الحاكمة في التشريعيات والاجتماعيات.
والذي يجب تحريره وتنقيحه على الحر الباحث عن هذه الحقائق الدينية المرتبطة بجهات التكوين أن يحرر جهات:
الأولى: أن وجود شيء من الأشياء التي يتعلق بها الخلق والإِيجاد في نفسه - أعني وجوده النفسي من غير إضافة - لا يكون إلا خيراً ولا يقع إلا حسناً، فلو فرض محالاً تعلق الخلقة بما فرض شراً في نفسه عاد أمراً موجوداً له آثار وجودية يبتدئ من الله ويرتزق برزقه ثم ينتهي إليه فحاله حال سائر الخليقة ليس فيه أثر من الشر والقبح إلا أن يرتبط وجوده بغيره فيفسد نظاماً عادلاً في الوجود أو يوجب حرمان جمع من الموجودات من خيرها وسعادتها، وهذه هي الإِضافة المذكورة.
ولذلك كان من الواجب في الحكمة الإِلهية أن ينتفع من هذه الموجودات المضرة الوجود بما يربو على مضرتها وذلك قوله تعالى:
{ الذي أحسن كل شيء خلقه } [طه: 50]، وقوله: { تبارك الله رب العالمين } [الأعراف: 54]، وقوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } [الإسراء: 44]. والثانية: أن عالم الصنع والإِيجاد على كثرة أجزائه وسعة عرضه مرتبط بعضه ببعض معطوف آخره إلى أوله فإيجاد بعضه إنما هو بإيجاد الجميع، وإصلاح الجزء إنما هو بإصلاح الكل فالاختلاف الموجود بين أجزاء العالم في الوجود وهو الذي صَّير العالم عالماً ثم ارتباطها يستلزم استلزاماً ضرورياً في الحكمة الإِلهية نسبة بعضها إلى بعض بالتنافي والتضاد أو بالكمال والنقص والوجدان والفقدان والنيل والحرمان، ولولا ذلك عاد جميع الأشياء إلى شيء واحد لا تميز فيه ولا اختلاف ويبطل بذلك الوجود قال تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } [القمر: 50]. فلولا الشر والفساد والتعب والفقدان والنقص والضعف وأمثالها في هذا العالم لما كان للخير والصحة والراحة والوجدان والكمال والقوة مصداق، ولا عقل منها معنى لأنَّا إنما نأخذ المعاني من مصاديقها.
ولولا الشقاء لم تكن سعادة، ولولا المعصية لم تتحقق طاعة، ولولا القبح والذم لم توجد حسن ولا مدح، ولولا العقاب لم يحصل ثواب، ولولا الدنيا لم تتكون آخرة.
فالطاعة مثلاً امتثال الأمر المولوي فلو لم يمكن عدم الامتثال الذي هو المعصية لكان الفعل ضرورياً لازماً، ومع لزوم الفعل لا معنى للأمر المولوي لامتناع تحصيل الحاصل ومع عدم الأمر المولوي لا مصداق للطاعه ولا مفهوم لها كما عرفت.
ومع بطلان الطاعة والمعصية يبطل المدح والذم المتعلق بهما والثواب والعقاب والوعد والوعيد والإِنذار والتبشير ثم الدين والشريعة والدعوة ثم النبوة والرسالة ثم الاجتماع والمدنية ثم الإِنسانية ثم كل شيء، وعلى هذا القياس جميع الأمور المتقابلة في النظام، فافهم ذلك.
ومن هنا ينكشف لك أن وجود الشيطان الداعي إلى الشر والمعصية من أركان نظام العالم الإِنساني الذي إنما يجري على سنة الإِختيار ويقصد سعادة النوع.
وهو كالحاشية المكتنفة بالصراط المستقيم الذي في طبع هذا النوع أن يسلكه كادحاً إلى ربه ليلاقيه، ومن المعلوم أن الصراط إنما يتعين بمتنه صراطاً بالحاشية الخارجة عنه الحافة به فلولا الطرف لم يكن وسط فافهم ذلك وتذكر قوله تعالى:
{ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: 16]، وقوله: { قال: هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 41 - 42]. إذا تأملت في هاتين الجهتين ثم تدبرت آيات قصة السجدة وجدتها صورة منبئة عن الروابط الواقعية التي بين النوع الإِنساني والملائكة وإبليس عبر عنها بالأمر والامتثال والاستكبار والطرد والرجم والسؤال والجواب، وأن جميع الإِشكالات الموردة فيها ناشئة من التفريط في تدبر القصة حتى أن بعض من تنبه لوجه الصواب وأنها تشير إلى ما عليه طبائع الإِنسان والملك والشيطان ذكر أن الأمر والنهي - يريد أمر إبليس بالسجدة ونهي آدم عن أكل الشجرة - تكوينيان فأفسد بذلك ما قد كان أصلحه، وذهل عن أن الأمر والنهي التكوينيين لا يقبلان التخلف والمخالفة، وقد خالف إبليس الأمر وخالف آدم النهي.
الثالثة: أن قصة الجنة مدلولها - على ما تقدم تفصيل القول فيها في سورة البقرة - ينبئ عن أن الله سبحانه خلق جنة برزخية سماوية، وأدخل آدم فيها قبل أن يستقر عليه الحياة الأرضية، ويغشاه التكليف المولوي ليختبر بذلك الطباع الإِنساني فيظهر به أن الإِنسان لا يسعه إلا أن يعيش على الأرض، ويتربى في حجر الأمر والنهي فيستحق السعادة والجنة بالطاعة، وأن كان دون ذلك فدون ذلك، ولا يستطيع الإِنسان أن يقف في موقف القرب وينزل في منزل السعادة إلا بقطع هذا الطريق.
وبذلك ينكشف أن لا شيء من الإِشكالات التي أوردوها في قصة الجنة فلا الجنة كانت جنة الخلد التي لا يدخلها إلا ولي من أولياء الله تعالى دخولاً لا خروج بعده أبداً، ولا الدار كانت داراً دنيوية يعاش فيها عيشة دنيوية يديرها التشريع ويحكم فيها الأمر والنهي المولويان بل كانت داراً يظهر فيها حكم السجية الإِنسانية لا سجية آدم عليه السلام بما هو شخص آدم إذ لم يؤمر بالسجدة له ولا أُدخل الجنة إلا لأنه إنسان كما تقدّم بيانه.
رجعنا إلى أول الكلام:
لم يصف الله سبحانه من ذات هذا المخلوق الشرير الذي سماه إبليس إلا يسيراً وهو قوله تعالى:
{ كان من الجن ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50]، وما حكاه عنه في كلامه: {خلقتني من نار} فبيَّن أن بدء خلقته كان من نار من سنخ الجن وإما ما الذي آل إليه أمره فلم يذكره صريحاً كما أنه لم يذكر تفصيل خلقته كما فصّل القول في خلقة الإِنسان.
نعم هناك آيات واصفة لصنعه وعمله يمكن أن يستفاد منها ما ينفع في هذا الباب قال تعالى حكايه عنه:
{ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعراف: 17]. فأخبر أنه يتصرف فيهم من جهة العواطف النفسانية من خوف ورجاء وأمنية وأمل وشهوة وغضب ثم في أفكارهم وإرادتهم المنبعثة منها.
كما يقارنه في المعنى قوله:
{ قال ربّ بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض } [الحجر: 39]، أي لازينن لهم الأمور الباطلة الرديئة الشوهاء بزخارف وزينات مهيأة من تعلق العواطف الداعية نحو اتباعها ولأغوينهم بذلك كالزنا مثلاً يتصوره الإِنسان وتزينه في نظره الشهوة ويضعف بقوتها ما يخطر بباله من المحذور في اقترافه فيصدق به فيقترفه، ونظير ذلك قوله: { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً } [النساء: 120]، وقوله: { فزين لهم الشيطان أعمالهم } [النحل: 63]. كل ذلك - كما ترى - يدل على أن ميدان عمله هو الإِدراك الإِنساني ووسيلة عمله العواطف والإِحساسات الداخلة فهو الذي يلقي هذه الأوهام الكاذبة والأفكار الباطلة في النفس الإِنسانية كما يدل عليه قوله: { الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس } [الناس: 4 - 5]. لكن الإِنسان مع ذلك لا يشك في أن هذه الأفكار والأوهام المسماة وساوس شيطانية أفكار لنفسه يوجدها هو في نفسه من غير أن يشعر بأحد سواه يلقيها إليه أو يتسبب إلى ذلك بشيء كما في سائر أفكاره وآرائه التي لا تتعلق بعمل وغيره كقولنا: الواحد نصف الإِثنين والأربعة زوج وأمثال ذلك.
فالإِنسان هو الذي يوجد هذه الافكار والاوهام في نفسه كما أن الشيطان هو الذي يلقيها إليه ويخطرها بباله من غير تزاحم، ولو كان تسببه فيها نظير التسببات الدائرة فيما بيننا لمن ألقى إلينا خبراً أو حكماً أو ما يشبه ذلك لكان إلقاؤه إلينا لا يجامع استقلالنا في التفكير، ولا نتفت نسبة الفعل الاختياري إلينا لكون العلم والترجيح والإِرادة له لا لنا، ولم يترتب على الفعل لوم ولا ذم ولا غيره، وقد نسبه الشيطان نفسه إلى الإِنسان فيما حكاه الله من قوله يوم القيامة:
{ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم } [إبراهيم: 22]، فنسب الفعل والظلم واللوم إليهم وسلبها عن نفسه، ونفى عن نفسه كل سلطان إلا السلطان على الدعوة والوعد الكاذب كما قال تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 42] فنفى سبحانه سلطانه إلا في ظرف الاتباع ونظيره قوله تعالى: { قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد } [ق: 27]. وبالجملة فإن تصرفه في إدراك الإِنسان تصرف طولي لا ينافي قيامه بالإِنسان وانتسابه إليه انتساب الفعل إلى فاعله لا عرضي ينافي ذلك.
فله أن يتصرف في الإِدراك الإِنساني بما يتعلق بالحياة الدنيا في جميع جهاتها بالغرور والتزيين فيضع الباطل مكان الحق ويظهره في صورته فلا يرتبط الإِنسان بشيء إلا من وجهه الباطل الذي يغره ويصرفه عن الحق، وهذا هو الاستقلال الذي يراه الإِنسان لنفسه أولاً ثم لسائر الأسباب التي يرتبط بها في حياته فيحجبه ذلك عن الحق ويلهوه عن الحياة الحقيقية كما تقدم استفاده ذلك من قوله المحكي:
{ أغويتني لأقعدن لهم } [الأعراف: 16]، وقوله: { رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض } [الحجر: 39]. ويؤدي ذلك إلى الغفلة عن مقام الحق وهو الأصل الذي ينتهي ويحلل إليه كل ذنب قال تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الإِنس والجن لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } [الأعراف: 179]. فاستقلال الإِنسان بنفسه وغفلته عن ربه وجميع ما يتفرع عليه من سيئ الاعتقاد ورديء الأوهام والأفكار التي يرتضع عنها كل شرك وظلم إنما هي من تصرف الشيطان في عين أن الإِنسان يخيل إليه أنه هو الموجد لها القائم بها لما يراه من استقلال نفسه فقد صبغ نفسه صبغة لا يأتيه اعتقاد ولا عمل إلا صبغه بها.
وهذا هو دخوله تحت ولاية الشيطان وتدبيره وتصرفه من غير أن يتنبه لشيء أو يشعر بشيء وراء نفسه قال تعالى:
{ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]. وولاية الشيطان على الإِنسان في المعاصي والمظالم على هذا النمط نظير ولاية الملائكة عليه في الطاعات والقربات، قال تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياءكم في الحياة الدنيا } [فصلت: 30]، والله من ورائهم محيط وهو الولي لا ولي سواه قال تعالى: { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } [السجدة: 4]. وهذا هو الاحتناك أي الإِلجام الذي ذكره فيما حكاه الله تعالى عنه بقوله: { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي... لأحتنكن ذريته إلا قليلاً قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً } [الإسراء: 63 - 64]، أي لألجمنهم فأتسلط عليهم تسلط راكب الدابة الملجم لها عليها يطيعونني فيما آمرهم ويتوجهون إلى حيث أشير لهم إليه من غير أي عصيان وجماح.
ويظهر من الآيات أن له جنداً يعينونه فيما يأمر به ويساعدونه على ما يريد وهو القبيل الذي ذكر في الآية السابقة: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} وهؤلاء وإن بلغوا من كثرة العدد وتفنن العمل ما بلغوا فإنما صنعهم صنع نفس إبليس ووسوستهم نفس وسوسته كما يدل عليه قوله:
{ لأغوينهم أجمعين } [ص: 82]، وغيره مما حكته الآيات نظير ما يأتي به أعوان الملائكة العظام من الأعمال فتنسب إلى رئيسهم المستعمل لهم في ما يريده، قال تعالى في ملك الموت: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [السجدة: 11]، ثم قال: { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون } [الأنعام: 61] إلى غير ذلك.
وتدل الآية:
{ الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } [الناس: 5 - 6] على أن في جنده اختلافاً من حيث كون بعضهم من الجنة وبعضهم من الإِنس ويدل قوله: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو } [الكهف: 50]، أن له ذريه هم من أعوانه وجنوده لكن لم يفصل كيفية انتشاء ذريته منه.
كما أن هناك نوعاً آخر من الاختلاف يدل عليه قوله: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} في الآية المتقدمة، وهو الاختلاف من جهة الشدة والضعف وسرعة العمل وبطؤه فإن الفارق بين الخيل والرجل هو السرعة في اللحوق والإِدراك وعدمها.
وهناك نوع آخر من الاختلاف في العمل، وهو الاجتماع عليه والإِنفراد كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى:
{ وقل ربِّ أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون } [المؤمنون: 97] ولعل قوله تعالى: { هل أنبؤكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } [الشعراء: 221 - 223] من هذا الباب.
فملخص البحث: أن إبليس لعنه الله موجود مخلوق ذو شعور وإرادة يدعو إلى الشر ويسوق إلى المعصية كان في مرتبة مشتركة مع الملائكة غير متميز منهم إلا بعد خلق الإِنسان وحينئذ تميز منهم ووقع في جانب الشر والفساد، وإليه يستند نوعاً من الاستناد انحراف الإِنسان عن الصراط المستقيم وميله إلى جانب الشقاء والضلال، ووقوعه في المعصية والباطل كما أن الملك موجود مخلوق ذو إدراك وإرادة إليه يستند نوعاً من الاستناد اهتداء الإِنسان إلى غاية السعادة ومنزل الكمال والقرب، وأن لإِبليس أعواناً من الجن والإِنس وذرية مختلفي الأنواع يجرون بأمره إياهم أن يتصرفوا في جميع ما يرتبط به الإِنسان من الدنيا وما فيها بإظهار الباطل في صورة الحق، وتزيين القبيح في صورة الحسن الجميل.
وهم يتصرفون في قلب الإِنسان وفي بدنه وفي سائر شؤون الحياة الدنيا من أموال وبنين وغير ذلك بتصرفات مختلفة اجتماعاً وانفراداً، وسرعة وبطؤاً، وبلا واسطة ومع الواسطة والواسطه ربما كانت خيراً أو شراً وطاعة أو معصية.
ولا يشعر الإِنسان في شيء من ذلك بهم ولا أعمالهم بل لا يشعر إلا بنفسه ولا يقع بصره إلا بعمله فلا أفعالهم مزاحمة لأعمال الإِنسان ولا ذواتهم وأعيانهم في عرض وجود الإِنسان غير أن الله سبحانه أخبرنا أن إبليس من الجن وأنهم مخلوقون من النار، وكأن أول وجوده وآخره مختلفان.
(بحث عقلي وقرآني مختلط)
قال في روح المعاني: وقد ذكر الشهرستاني عن شارح الأناجيل الأربعة صورة مناظرة جرت بين الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة، وقد ذكرت في التوراة، وهي أن اللعين قال للملائكة: إني أُسلّم أن لي إلهاً هو خالقي وموجدي لكن لي على حكمه أسئلة:
الأول: ما الحكمة في الخلق لا سيما وقد كان عالماً أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار؟
الثاني: ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟
الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟.
الرابع: لما عصيته في ترك السجود فلِمَ لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضرر؟.
الخامس: أنه لما فعل ذلك لِمَ سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟.
السادس: لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلِمَ أمهلني ومعلوم أنه لو كان العالم خالياً من الشر لكان ذلك خيراً؟.
قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادق العظمة والكبرياء: يا إبليس أنت ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسال عما أفعل؛ (انتهى).
ثم قال الآلوسي: قال الإِمام - الرازي - إنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصاً، وكان الكل لازماً.
ثم قال الآلوسي: ويعجبني ما يحكى أن سيف الدولة بن حمدان خرج يوماً على جماعته فقال: قد عملت بيتاً ما أحسب أن أحداً يعمل له ثانياً إلا أن كان أبا فراس وكان أبو فراس جالساً، فقيل له: ما هو فقال: قولي:

لـــــك جسمــــي تــعــــلّه فــدمــي لــن تــطلّــه

فابتدر أبو فراس قائلاً:

قــال إن كـــنــــت مـــالـــكاً فـلـــــي الأمر كــلّــه

انتهى
أقول: ما مر من البيان في أول الكلام السابق يصلح لدفع هذه الشبهات الستّ عن آخرها ويكفي مؤنتها من غير أن يحتاج إلى اجتماع الأولين والآخرين ثم لا ينفعهم اجتماعهم على ما ادعاه الإِمام فليست بذاك الذي يحسب، ولتوضيح الأمر نقول:
أما الشبهة الأولى: فالمراد بالحكمة - وهي جهة الخير والصلاح الذي يدعو الفاعل إلى الفعل في الخلق إما الحكمة في مطلق الخلق وهو ما سوى الله سبحانه من العالم، وإما الحكمة في خلق الإِنسان خاصة.
فإن كان سؤالاً عن الحكمة في مطلق الخلق والإِيجاد فمن المبرهن عليه أنه فاعل تام لمجموع ما سواه غير مفتقر في ذلك إلى متمم يتمم فاعليته ويصلح له أُلوهيته فهو مبدء لما سواه منبع لكل خير ورحمة بذاته، واقتضاء المبدء لما هو مبدء له ضروري، والسؤال عن الضروري لغو كما أن ملكة الجود تقتضي بذاتها أن ينتشر أثرها وتظهر بركاتها لا لاستدعاء أمر آخر وراء نفسها يوجب لها ظهور الأثر وإلا لم تكن ملكة، فظهور أثرها ضروري لها وهو أن يتنعم بها كل مستحق على حسب استعداده واستحقاقه، واختلاف المستحقين في النيل بحسب اختلاف استحقاقهم أمر عائد إليهم لا إلى الملكة التي هي مبدء الخير.
وأما حديث الحكمة في الخلق والإِيجاد بمعنى الغاية وجهة الخير المقصودة للفاعل في فعله فإنما يحكم العقل بوجوب الغاية الزائدة على الفاعل في الفاعل الناقص الذي يستكمل بفعله ويكتسب به تماماً وكمالاً، وأما الفاعل الذي عنده كل خير وكمال فغايته نفس ذاته من غير حاجة إلى غاية زائدة كما عرفت في مثال ملكة الجود، نعم يترتب على فعله فوائد ومنافع كثيرة لا تحصى ونعم إلهية لا تنقطع وهي غير مقصودة إلا ثانياً وبالعرض، هذا في أصل الإِيجاد.
وإن كان السؤال عن الحكمة في خلق الإِنسان كما يشعر به قوله بعد: لا سيما وقد كان عالماً أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار فالحكمه بمعنى غاية الفاعل والفائدة العائدة إليه غير موجودة لما عرفت أنه تعالى غني بذاته لا يفتقر إلى شيء مما سواه حتى يتم أو يكمل به، وأما الحكمة بمعنى الغاية الكمالية التي ينتمي إليها الفعل وتحرز فائدته فهو أن يخلق من المادة الأرضية الخسيسة تركيب خاص ينتهي بسلوكه في مسلك الكمال إلى جوهر علوي شريف كريم يفوق بكمال وجوده كل موجود سواه، ويتقرب إلى ربه تقرباً كمالياً لا يناله شيء غيره فهذه غاية النوعية الإِنسانية.
غير أن من المعلوم أن مركباً أرضياً مؤلفاً من الأضداد واقعاً في عالم التزاحم والتنافي محفوفاً بعلل وأسباب موافقة ومخالفة لا ينجو منها بكله، ولا يخلص من إفسادها بآثارها المنافية جميع أفراده فلا محالة لا يفوز بالسعادة المطلوبة منه إلا بعض أفراده، ولا ينجح في سلوكه نحو الكمال إلا شطر من مصاديقه لا جميعها.
وليست هذه الخصيصة أعني فوز البعض بالكمال والسعادة وحرمان البعض مما يختص به الإِنسان بل جميع الأنواع المتعلقة الوجود بالمادة الموجودة في هذه النشأة كأنواع الحيوان والنبات وجميع التركيبات المعدنية وغيرها كذلك فشيء من هذه الأنواع الموجودة - وهي أُلوف وأُلوف - لا يخلو عن غاية نوعية هي كمال وجوده، وهي مع ذلك لا تنال الكمال إلا بنوعيته، وأما الأفراد و الأشخاص فكثير منها تبطل دون البلوغ إلى الكمال، وتفسد في طريق الاستكمال بعمل العلل والأسباب المخالفة لأنها محفوفة بها ولا بد لها من العمل فيها جرياً على مقتضى عليتها وسببيتها.
ولو فرض شيء من هذه الأنواع غير متأثر من شيء من العوامل المخالفة كالنبات مثلاً غير متأثر من حرارة وبرودة ونور وظلمة ورطوبة ويبوسة والسمومات والمواد الأرضية المنافية لتركيبه كان في هذا الفرض إبطال تركيبه الخاص أولاً، وإبطال العلل والأسباب ثانياً، وفيه إبطال نظام الكون فافهم ذلك.
ولا ضير في بطلان مساعي بعض الأفراد أو التركيبات إذا أدى ذلك إلى فوز بعض آخر بالكمال والغاية الشريفة المقصودة التي هي كمال النوع وغايته فإن الخلقة المادية لا تسع أزيد من ذلك، وصرف الكثير من المادة الخسيسة التي لا قيمة لها في تحصيل القليل من الجوهر الشريف العالي استرباح حقيقي بلا تبذير أو جزاف.
فالعلة الموجبة لوجود النوع الإِنساني لا تريد بفعلها إلا الإِنسان الكامل السائر إلى أوج السعادة في دنياه وآخرته إلا أن الإِنسان لا يوجد إلا بتركيب مادي، وهذا التركيب لا يوجد إلا إذا وقع تحت هذا النظام المادي المنبسط على هذه الأجزاء الموجودة في العالم المرتبطة بعضها ببعض المتفاعلة فيما بينها جميعا بتأثيراتها وتأثراتها المختلفة، ولازم ذلك سقوط بعض أفراد الإِنسان دون الوصول إلى كمال الإِنسانية فعلَّة وجود الإِنسان تريد السعادة الإِنسانية أولاً وبالذات، وأما سقوط بعض الأفراد فإنما هو مقصود ثانياً وبالعرض ليس بالقصد الأولي.
فخلقه تعالى الإِنسان حكمته بلوغ الإِنسان إلى غايته الكمالية، وأما علمه بأن كثيرين من أفراده يكونون كفاراً مصيرهم إلى النار لا يوجب أن يختل مراده من خلقه النوع الإِنساني، ولا أنه يوجب أن يكون خلقه الإِنسان الذي سيكون كافراً علة تامة لكفره أو لصيرورته إلى النار، كيف؟ وعلة كفره التامة بعد وجوده علل وعوامل خارجية كثيرة جداً، وآخرها اختياره الذي لا يدع الفعل ينتسب إلا إليه فالعلة التي أوجدت وجوده لم توجد إلا جزء من أجزائه علة كفره، وأما تعلق القضاء الإِلهي بكفره فإنما تعلق به عن طريق الاختيار لا بأن يبطل اختياره وإرادته ويضطر إلى قبول الكفر كسقوط الحجر المرمي إلى فوق نحو الأرض بعامل الثقل اضطراراً.
وأما الشبهة الثانية فقوله: "ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر؟" مغالطة من باب إسراء حكم الفاعل الناقص الفقير إلى الفاعل التام الغني في ذاته فحكم العقل بوجوب رجوع فائدة من الفعل إلى الفاعل إنما هو في الفاعل الناقص المستكمل بفعله المنتفع به دون الفاعل المفروض غنياً في ذاته.
فلا حكم من العقل أن كل فاعل حتى ما هو غني في ذاته لا جهة نقص فيه يجب أن يكون له في فعله فائدة عائدة إليه، ولا أن الموجود الذي هو غني في ذاته لا جهة نقص فيه حتى يستكمل بشيء فهو يمتنع صدور فعل عنه.
والتكليف وإن كان في نفسه أمراً وضعياً اعتبارياً لا يجري في متنه الأحكام الحقيقية إلا أنه في المكلفين واسطة ترتبط بها الكمالات اللاحقة الحقيقية بسابقتها فهي وصلة بين حقيقتين:
توضيح ذلك ملخصاً: أنّا لسنا نشك عن المشاهدة المتكررة والبرهان أن ما بين أيدينا من الأنواع الموجودة التي نسميها بما فيها من النظام الجاري عالماً مادياً واقعة تحت الحركة التي ترسم لكل منها بقاء بحسب حاله، ووجوداً ممتداً يبتدي من حالة النقص وينتهي إلى حالة الكمال، وبين أجزاء هذا الامتداد الوجودي المسمى بالبقاء ارتباطاً وجودياً حقيقياً يؤدي به كل سابق إلى لاحقه، ويتوجه به النوع من منزل من هاتيك المنازل إلى ما يليه بل هو قصد من أول حين يشرع في الحركة آخر مرحلة من شأن حركته أن ينتهي إليه.
فالحبة من القمح من أول ما تنشق للنمو قاصدة نحو شجرة الحنطة الكاملة نشوء وعليها سنابلها، والنطفة من الحيوان متوجهة إلى فرد كامل من نوعه واجد لجميع كمالاته النوعية وهكذا، وليس النوع الإِنساني بمستثنى من هذه الكلية البتة فهو أيضاً من أول ما يأخذ فرد منه في التكون عازم نحو غايته متوجه إلى مرتبة انسان كامل واجد لحقيقة سعادته سواء بلغ في مسير حياته إلى ذلك المبلغ أم حالت دونه الموانع.
والإِنسان لما اضطر بحسب سنخ وجوده إلى أن يعيش عيشة اجتماعية، والعيشة الاجتماعية إنما تتحقق تحت قوانين وسنن جارية بين أفراد المجتمع وهي عقائد وأحكام وضعية اعتبارية - التكاليف الدينية أو غير الدينية - تتكون بالعمل بها في الإِنسان عقائد وأخلاق وملكات هي الملاك في سعادة الإِنسان في دنياه وكذا في آخرته وهي لوازم الأعمال المسماة بالثواب والعقاب.
فالتكليف يستبطن سيراً تدريجيا للإِنسان بحسب حالاته وملكاته النفسانية نحو كماله وسعادته يستكمل بطي هذا الطريق والعمل بما فيه طوراً بعد طور حتى ينتهي إلى ما هو خير له وأبقى، ويخيب مسعاه إن لم يعمل به كالفرد من سائر الأنواع الذي يسير نحو كماله فينتهي إليه إن ساعدته موافقة الأسباب، ويفسد في مسيره نحو الكمال إن خذلته ومنعته.
فقول القائل "وما الفائدة في التكليف؟" كقوله: ما الفائدة في تغذي النبات؟ أو ما الفائدة في تناسل الحيوان من غير نفع عائد؟.
وأما قوله: "وكل من يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف" مغالطة أخرى لما عرفت أن التكليف في الإِنسان أو أيّ موجود سواه يجري في حقه التكليف واقع في طريق السعادة متوسط بين كماله ونقصه في وجوده الذي إنما يتم ويكمل له بالتدريج، فإن كان المراد بتحصيل ما يعود من التكليف إلى المكلفين من غير واسطة التكليف تعيين طريق آخر لهم بدلاً من طريق التكليف ووضع ذاك الطريق موضع هذا الطريق وحال الطريقين في طريقيتهما واحد عاد السؤال في الثاني كالأول: لِمَ عين هذا الطريق وهو قادر على تحصيل ما يعود منه إليهم بغيره؟ والجواب أن العلل والأسباب التي تجمعت على الإِنسان مثلاً على ما نجدها تقتضي أن يكون مستكملاً بالعمل بتكاليف مصلحة لباطنه مطهرة لسره من طريق العادة.
وإن كان المراد بتحصيله من غير واسطة التكليف تحصيله لهم من غير واسطة أصلاً وإفاضة جميع مراحل الكمال ومراتب السعادة لهم في أول وجودهم من غير تدريج بسلوك طريق فلازمه بطلان الحركات الوجودية وانتقاء المادة والقوة وجميع شؤون الإِمكان والموجود المخلوق الذي هذا شأنه مجرد في بدء وجوده تام كامل سعيد في أصل نشأته، وليس هو الإِنسان المخلوق من الأرض الناقص أولاً المستكمل تدريجاً ففي الفرض خلف.
وأما الشبهة الثالثة: فقوله "هب إنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟" فجوابه ظاهر فإن هذا التكليف يتم بالإِيتمار به صفة العبودية لله سبحانه، ويظهر بالتمرد عنه صفة الاستكبار ففيه على أي حال تكميل من الله واستكمال من إبليس إما في جانب السعادة وإما في جانب الشقاوة، وقد اختار الثاني.
على أن في تكليفه وتكليف الملائكة بالسجدة تعييناً للخط الذي خط لآدم فإن الصراط المستقيم الذي قدر لآدم وذريته أن يسلكوه لا يتم أمره إلا بمسدد معين يدعو الإِنسان إلى هداه وهو الملائكة، وعدو مضل يدعوه إلى الانحراف عنه والغواية فيه وهو إبليس وجنوده كما عرفت فيما تقدم من الكلام.
وأما الشبهة الرابعة: فقوله "لماذا لعنني وأوجب عقابي بعد المعصية ولا فائدة له فيه؟" الخ. جوابه أن اللعن والعقاب أعني ما يشتملان عليه من الحقيقة من لوازم الاستكبار على الله الذي هو الأصل المولد لكل معصية، وليس الفعل الإِلهي مما يجر إليه نفعاً أو فائدة حتى يمتنع فيما لا نفع فيه يعود إليه كما تقدمت الإِشارة إليه.
وليس قوله هذا إلا كقول من يقول فيمن استقى سماً وشربه فهلك به: لِمَ لم يجعله الله شفاء وليس له في إماتته به نفع وله فيه أعظم الضرر؟ هلا جعله رزقاً طيباً للمسموم يرفع عطشه وينمو به بدنه؟ فهذا كله من الجهل بمواقع العلل والأسباب التي أثبتها الله في عالم الصنع والإِيجاد فكل حادث من حوادث الكون يرتبط إلى علل وعوامل خاصة من غير تخلف واختلاف قانوناً كلياً.
فالمعصية إنما تستتبع العقاب على النفس المتقذرة بها إلا أن تتطهر بشفاعة أو توبة أو حسنة تستدعي المغفرة، وإبطال العقاب من غير وجود شيء من أسبابه هدم لقانون العلية العام، وفي انهدامه انهدام كل شيء.
وأما الشبهة الخامسة: أعني قوله "إنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟" فقد ظهر جوابه مما تقدم فإن الهدى والحق العملي والطاعة وأمثالها إنما تتحقق مع تحقق الضلال والباطل والمعصية وأمثالها، والدعوة إلى الحق إنما تتم إذا كان هناك دعوة إلى باطل، والصراط المستقيم إنما يكون صراطاً لو كان هناك سبل غير مستقيمة تسلك بسالكها إلى غاية غير غايته.
فمن الضروري أن يكون هناك داع إلى الباطل يهدي إلى عذاب السعير ما دامت النشأة الإِنسانية قائمة على ساقها والإِنسانية محفوظة ببقائها النوعي بتعاقب أفرادها فوجود إبليس من خدم النوع الإِنساني، ولم يمكنه الله منهم ولا سلّطه عليهم إلا بمقدار الدعوة كما صرح به القرآن الكريم وحكاه عنه نفسه فيما يخاطب به الناس يوم القيامة.
وأما الشبهة السادسة: فأما قوله "لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلِمَ أمهلني؟" فقد ظهر جوابه مما تقدم آنفاً.
وأما قوله: "ومعلوم أن العالم لو كان خالياً من الشر لكان ذلك خيراً" فقد عرفت أن معنى كون العالم خالياً من الشر مأموناً من الفساد كونه مجرداً غير مادي، ولا معنى محصّل لعالم مادي يوجد فيه الفعل من غير قوة والخير من غير شر والنفع من غير ضر والثبات من غير تغير والطاعة من غير معصية والثواب من غير عقاب.
وأما ما ذكره من جوابه تعالى عن شبهات إبليس بقوله: "يا إبليس أنت ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض عليّ في شيء من أفعالي فإني أنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل" فجواب يوافق ما في التنزيل الكريم، قال تعالى:
{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } [الأنبياء: 23]. وظاهر المنقول من قوله تعالى أنه جواب إجمالي عن شبهاته لعنه الله لا جواب تفصيلي عن كل واحد واحد، ومحصِّله: أن هذه الشبهات جميعاً سؤال واعتراض عليه تعالى: ولا يتوجه إليه اعتراض لأنه الله لا إله إلا هو لا يسأل عما يفعل.
وظاهر قوله تعالى أن قوله "لا يسأل" متفرع على قوله: "فإني" الخ، فمفاد الكلام أن الله تعالى لما كان بإنيّته الثابتة بذاته الغنية لذاته هو الإِله المبدئ المعيد الذي يبتدئ منه كل شيء وينتهي إليه كل شيء فلا يتعلق في فعل يفعله بسبب فاعلي آخر دونه، ولا يحكم عليه سبب غائي آخر يبعثه نحو الفعل بل هو الفاعل فوق كل فاعل، والغاية وراء كل غاية فكل فاعل يفعل بقوة فيه وإن القوة لله جميعاً، وكل غاية إنما تقصد وتطلب لكمال ما فيه وخير ما عنده وبيده الخير كله.
ويتفرع عليه أنه تعالى لا يسأل في فعله عن السبب فإن سبب الفعل إما فاعل وإما غاية وهو فاعل كل فاعل وغاية كل غاية، وأما غيره تعالى فلما كان ما عنده من قوة الفعل موهوباً له من عند الله، وما يكتسبه من جهة الخير والمصلحة بإفاضة منه تعالى بتسبيب الأسباب وتنظيم العوامل والشرائط فإنه مسؤول عن فعله لِمَ فعله؟ وأكثر ما يسأل عنه إنما هو الغاية وجهة الخير والمصلحة، وخاصة في الأفعال التي يجري فيه الحسن والقبح والمدح والذم من الأفعال الاجتماعية في ظرف الاجتماع فإنها المتكئة على مصالحه، فهذا بيان تام يتوافق فيه البرهان والوحي.
وأما المتكلمون فإنهم بما لهم من الاختلاف العميق في مسألة: أن أفعال الله هل تعلل بالأغراض؟ وما يرتبط بها من المسائل اختلفوا في تفسير أن الله لا يسأل عن فعله فالأشاعرة لتجويزهم الإِرادة الجزافية واستناد الشرور والقبائح إليه تعالى ذكروا أن له أن يفعل ما يشاء من غير لزوم أن يشتمل فعله على غرض فتنطبق عليه مصلحة محسّنة وليس للعقل أن يحكم عليه كما يحكم على غيره بوجوب اشتمال فعله على غرض وهو ترتب مصلحة محسنة على الفعل.
والمعتزلة يحيلون الفعل غير المشتمل على غرض وغاية لاستلزامه اللغو والجزاف المنفي عنه تعالى فيفسرون عدم كونه تعالى مسؤولاً في فعله بأنه حكيم والحكيم هو الذي يعطي كل ذي حق حقه فلا يفعل قبيحاً ولا لغواً ولا جزافاً، والذي يسأل عن فعله هو من يمكن في حقه إتيان القبيح واللغو والجزاف فهو تعالى غير مسؤول عما يفعل وهم يسألون.
والبحث طويل الذيل وقد تعارك فيه ألوف الباحثين من الطائفتين ومن وافقهم من غيرهم قروناً متمادية، ولا يسعنا تفصيل القول فيه على ما بنا من ضيق المجال غير أنّا نشير إلى حقيقة أخرى يسفر به الحجاب عن وجه الحق في المقام.
لا ريب أن لنا علوماً وتصديقات نركن إليها، ولا ريب أنها على قسمين: القسم الأول: العلوم والتصديقات التي لا مساس لها طبعاً بأعمالنا وإنما هي علوم تصديقية تكشف عن الواقع وتطابق الخارج سواء كنا موجودين عاملين أعمالنا الحيوية الفردية أو الاجتماعية أم لا كقولنا: الأربعة زوج، والواحد نصف الاثنين، والعالم موجود، وإن هناك أرضاً وشمساً وقمراً إلى غير ذلك، وهي إما بديهية لا يدخلها شك، وإما نظرية تنتهي إلى البديهيات وتتبين بها.
والقسم الثاني: العلوم العملية والتصديقات الوضعية الاعتبارية التي نضعها للعمل في ظرف حياتنا، والاستناد إليها في مستوى الاجتماع الإِنساني فنستند إليها في إرادتنا ونعلل بها أفعالنا الاختيارية، وليست مما يطابق الخارج بالذات كالقسم الأول وإن كنا نوقعها على الخارج إيقاعاً بحسب الوضع والاعتبار لكن ذلك إنما هو بحسب الوضع لا بحسب الحقيقة والواقعية كالأحكام الدائرة في مجتمعاتنا من القوانين والسنن والشؤون الاعتبارية كالولاية والرئاسة والسلطنة والملك وغيرها فإن الرئاسة التي نعتبرها لزيد مثلاً في قولنا "زيد رئيس" وصف اعتباري، وليس في الخارج بحذائه شيء غير زيد الانسان وليس كوصف الطول أو السواد الذي نعتبرهما لزيد في قولنا: "زيد طويل القامة، أسود البشرة" وإنما اعتبرنا معنى الرئاسة حيث كوَّنا مجتمعاً من عدة أفراد لغرض من الأغراض الحيوية وسلمنا إدارة أمر هذا المجتمع إلى زيد ليضع كُلاّ موضعه الذي يليق به ثم يستعمله فيما يريد فوجدنا نسبة زيد إلى المجتمع نسبة الرأس إلى الجسد فوصفناه بأنه رأس لينحفظ بذلك المقام الذي نصبناه فيه وينتفع بآثاره وفوائده.
فالاعتقاد بأن زيداً رأس ورئيس إنما هو في الوهم لا يتعداه إلى الخارج غير أنّا نعتبره معنى خارجياً لمصلحة الاجتماع، وعلى هذا القياس كل معنى دائر في المجتمع الإِنساني معتبر في الحياة البشرية متعلق بالأعمال الانسانية فإنها جميعاً مما وضعه الإِنسان وقلبها في قالب الاعتبار مراعاة لمصلحة الحياة لا يتعدى وهمه.
فهذان قسمان من العلوم، والفرق بين القسمين: أن القسم الأول مأخوذ من نفس الخارج يطابقه حقيقة، وهو معنى كونه صدقاً ويطابقه الخارج وهو معنى كونه حقاً فالذي في الذهن هو بعينه الذي في الخارج وبالعكس: وأما القسم الثاني فإن موطنه هو الذهن من غير أن ينطبق على خارجه إلا أنّا لمصلحة من المصالح الحيوية نعتبره ونتوهمه خارجياً منطبقاً عليه دعوى وإن لم ينطبق حقيقتة.
فكون زيد رئيساً لغرض الاجتماع ككونه أسداً بالتشبيه والاستعاره لغرض التخيل الشعري، وتوصيفنا في مجتمعنا زيداً بأنه رأس في الخارج كتوصيف الشاعر زيداً بأنه أسد خارجي، وعلى هذا القياس جميع المعاني الاعتباريه من تصور أو تصديق.
وهذه المعاني الاعتبارية وإن كانت من عمل الذهن من غير أن تكون مأخوذة من الخارج فتعتمد عليه بالانطباق إلا أنها معتمدة على الخارج من جهة أخرى وذلك أن نقص الإِنسان مثلاً وحاجته إلى كماله الوجودي ونيله غاية النوع الإِنساني هو الذي اضطره إلى اعتباره هذه المعاني تصوراً وتصديقاً فإبقاء الوجود والمقاصد الحقيقية المادية أو الروحية التي يقصدها الإِنسان ويبتغيها في حياته هي التي توجب له أن يعتبر هذه المعاني ثم يبني عليها أعماله فيحرز بها لنفسه ما يريده من السعادة.
ولذلك تختلف هذه الأحكام بحسب اختلاف المقاصد الاجتماعية فهناك أعمال وأمور كثيرة تستحسنها المجتمعات القطبية مثلاً وهي بعينها مستقبحة في المجتمعات الاستوائية، وكذلك الاختلافات الموجودة بين الشرقيين والغربيين وبين الحاضرين والبادين، وربما يحسن عند العامة من أهل مجتمع واحد ما يقبح عند الخاصة، وكذلك اختلاف النظر بين الغني والفقير، وبين المولى والعبد، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة.
نعم هناك أُمور اعتبارية وأحكام وضعية لا تختلف فيها المجتمعات وهي المعاني التي تعتمد على مقاصد حقيقية عامة لا تختلف فيها المجتمعات كوجوب الاجتماع نفسه، وحسن العدل، وقبح الظلم، فقد تحصَّل أن للقسم الثاني من علومنا أيضاً اعتماداً على الخارج وإن كان غير منطبق عليه مستقيماً انطباق القسم الأول.
إذا عرفت ذلك علمت أن علومنا وأحكامنا كائنة ما كانت معتمدة على فعله تعالى فإن الخارج الذي نماسّه فننتزع ونأخذ منه أو نبني عليه علومنا هو عالم الصنع والإِيجاد وهو فعله، وعلى هذا فيعود معنى قولنا مثلاً: "الواحد نصف الاثنين بالضرورة" إلى أن الله سبحانه يفعل دائماً الواحد والاثنين على هذه النسبة الضرورية، وعلى هذا القياس، ومعنى قولنا: "زيد رئيس يجب احترامه" إن الله سبحانه أوجد الإِنسان إيجاداً بعثه إلى هذه الدعوى والمزعمة ثم إلى العمل على طبقه، وعلى هذا القياس كل ذلك على ما يليق بساحة قدسه عز شأنه.
وإذا علمت هذا دريت أن جميع ما بأيدينا من الأحكام العقلية سواء في ذلك العقل النظري الحاكم بالضرورة والإِمكان، والعقل العملي الحاكم بالحسن والقبح المعتمد على المصالح والمفاسد مأخوذة من مقام فعله تعالى معتمدة عليه.
فمن عظيم الجرم أن نحكِّم العقل عليه تعالى فنقيِّد إطلاق ذاته غير المتناهية فنحده بأحكامه المأخوذة من مقام التحديد والتقييد، أو أن نقنن له فنحكم عليه بوجوب فعل كذا وحرمة فعل كذا وأنه يحسن منه كذا ويقبح منه كذا على ما يرام قوم فإن في تحكيم العقل النظري عليه تعالى حكماً بمحدوديته والحد مساوق للمعلولية فإن الحد غير المحدود والشيء لا يحد نفسه بالضرورة، وفي تحكيم العقل العملي عليه جعله ناقصاً مستقبلاً تحكم عليه القوانين والسنن الاعتبارية التي هي في الحقيقة دعاوٍ وهمية كما عرفت في الإِنسان فافهم ذلك.
ومن عظيم الجرم أيضاً أن نعزل العقل عن تشخيص أفعاله تعالى في مرحلتي التكوين والتشريع أعني أحكام العقل النظرية والعملية.
أما في مرحلة النظر فكأن نستخرج القوانين الكلية النظرية من مشاهدة أفعاله، ونسلك بها إلى إثبات وجوده حتى إذا فرغنا من ذلك رجعنا فأبطلنا أحكام العقل الضرورية معتلاً بأن العقل أهون من أن يحيط بساحته أو ينال كنه ذاته ودرجات صفاته، وأنه فاعل لا بذاته بل بإرادة فعلية، والفعل والترك بالنسبة إليه على السوية وأنه لا غرض له في فعله ولا غاية، وأن الخير والشر يستندان إليه جميعاً، ولو أبطلنا الأحكام العقلية في تشخيص خصوصيات أفعاله وسننه في خلقه فقد أبطلناها في الكشف عن أصل وجوده، وأشكل من ذلك أنّا نفينا بذلك مطابقة هذه الأحكام والقوانين المأخوذة من الخارج للمأخوذ منه، والمنتزعة للمنتزع منه وهو عين السفسطة التي فيها بطلان العلم والخروج عن الفطرة الإِنسانية إذ لو خالف شيء من أفعاله تعالى أو نعوته هذه الأحكام العقلية كان في ذلك عدم انطباق الحكم العقلي على الخارج المنتزع عنه - وهو فعله - ولو جاز الشك في صحة شيء من هذه الأحكام التي نجدها ضرورية كان الجميع مما يجوز فيه ذلك فينتفي العلم، وهو السفسطة.
وأما في مرحلة العمل فليتذكر أن هذه الأحكام العملية والامور الأعتبارية دعاوٍ اعتقادية ومخترعات ذهنية وضعها الإِنسان ليتوسل بها إلى مقاصده الكمالية وسعادة الحياة فما كان من الأعمال مطابقاً لسعادة الحياة وصفها بالحسن ثم أمر بها وندب إليها، وما كان منها على خلاف ذلك وصفها بالقبح والمساءة ثم نهى عنها وحذر منها - وحسن الفعل وقبحه موافقة لغرض الحياة وعدمها - والغايات التي تضطر الإِنسان إلى جعل هذه الأوامر والنواهي وتقنين هذه الأحكام واعتبار الحسن والقبح في الأفعال هي المصالح المقتضية للجعل ففرض حكم تشريعي ولا حسن في العمل به ولا مصلحة تقتضيه كيفما فرَضَ فرْضٌ متطارد الأطراف لا محصّل له.
والذي شرَّعه الله سبحانه من الأحكام والشرائع متحد سنخاً مع ما نشرِّعه فيما بيننا أنفسنا من الأحكام فوجوبه وحرمته وأمره ونهيه ووعده ووعيده مثلاً من سنخ ما عندنا من الوجوب والحرمة والأمر والنهي والوعد والوعيد لا شك في ذلك، وهي معانٍ اعتبارية وعناوين ادعائية غير أن ساحته تعالى منزهة من أن تقوم به الدعوى التي هي من خطاء الذهن فهذه الدعاوي منه تعالى قائمة بظرف الاجتماع كالترجي والتمني منه تعالى القائمين بمورد المخاطبة لكن الأحكام المشرعة منه تعالى كالأحكام المشرّعة منا متعلقة بالإِنسان الاجتماعي السالك بها من النقص إلى الكمال، والمتوسل بتطبيق العمل بها إلى سعادة الحياة الإِنسانية فثبت أن لفعله تعالى التشريعي مصلحة وغرضاً تشريعياً، ولما أمر به أو نهى عنه حسناً وقبحاً ثابتين بثبوت المصالح والمفاسد.
فقول القائل: إن أفعاله التشريعية لا تعلل بالأغراض كما لو قال قائل: إن ما مهَّده من الطريق لا غاية له، ومن الضروري أن الطريق إنما يكون طريقاً بغايته، والوسط إنما يكون وسطاً بطرفه، وقول القائل: إنما الحسن ما أمر به الله والقبيح ما نهى عنه فلو أمر بما هو قبيح عقلاً ضرورياً كالظلم كان حسناً، ولو نهى عن حسن بالضرورة العقلية كالعدل كان قبيحاً كما لو قال قائل: أن الله لو سلك بالإِنسان نحو الهلاك والفناء كان فيه حياته السعيدة، ولو منعه عن سعادته الخالدة الحقيقية عادت السعادة شقاوة.
فالحق الذي لا محيص عنه في المرحلتين: أن العقل النظري مصيب فيما يشخصه ويقضي به من المعارف الحقيقية المتعلقة به تعالى فإنّا إنما نثبت له تعالى ما نجده عندنا من صفة الكمال كالعلم والقدرة والحياة، واستناد الموجودات إليه وسائر الصفات الفعلية العليا كالرحمة والمغفرة والرزق والانعام والهداية وغير ذلك على ما يهدي إليه البرهان.
غير أن الذي نجده من الصفات الكمالية لا يخلو عن محدودية وهو تعالى أعظم من أن يحيط به حد، والمفاهيم لا تخلو عنه لأن كل مفهوم مسلوب عن غيره منعزل عما سواه، وهذا لا يلائم الإِطلاق الذاتي فتوسل العقل إلى رفع هذه النقيصة بشيء من النعوت السلبية تنزيهاً وهو أنه تعالى أكبر من أن يوصف بوصف وأعظم من أن يحيط به تقييد وتحديد فمجموع التشبيه والتنزيه يقرّبنا إلى حقيقة الأمر، وقد تقدم في ذيله قوله تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]، من غرر خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام ما يبين هذه المسألة بأوفى بيان ويبرهن عليها بأسطع برهان فراجعه إن شئت. هذا كله في العقل النظري.
وأما العقل العملي فقد عرفت أن أحكام هذا العقل جارية في أفعاله تعالى التشريعية غير أنه تعالى إنما شرّع ما شرّع واعتبر ما اعتبر لا لحاجة منه إليه بل ليتفضل به على الانسان مثلاً وهو ذو الفضل العظيم فيرتفع به حاجة الانسان فله سبحانه في تشريعه غرض لكنه قائم بالإِنسان الذي قامت به الحاجة لا به تعالى، ولتشريعاته مصالح مقتضية لكن المنتفع بها هو الإِنسان دونه كما تقدم.
وإذا كان كذلك كان للعقل أن يبحث في أطراف ما شرعه من الأحكام ويطلب الحصول على الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة فيها لكن لا لأن يحكم عليه فيأمره وينهاه ويوجب ويحرم عليه كما يفعل ذلك بالإِنسان إذ لا حاجة له تعالى إلى كمال مرجو حتى يتوجه إليه حكم موصل إليه بخلاف الانسان بل لأنه تعالى شرّع الشرائع وسن السنن ثم عاملنا معاملة العزيز المقتدر الذي نقوم له بالعبودية وترجع إليه حياتنا ومماتنا ورزقنا وتدبير أمورنا ودساتير أعمالنا وحساب أفعالنا والجزاء على حسناتنا وسيئاتنا فلا يوجه إلينا حكماً إلا بحجة، ولا يقبل منا معذرة إلا بحجة، ولا يجزينا جزاء إلا بحجة كما قال:
{ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } [النساء: 165]، وقال: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } [الأنفال: 42] إلى غير ذلك من احتجاجاته يوم القيامة على الإِنس والجن. ولازم ذلك أن يجري في أفعاله تعالى في نظر العقل العملي ما يجري في أفعال غيره بحسب السنن التي سنها.
وعلى ذلك جرى كلامه سبحانه قال:
{ إن الله لا يظلم الناس شيئاً } [يونس: 44]، وقال: { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]، وقال: { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين } [الدخان: 38]، وفي هذا المعنى الآيات الكثيرة التي نفى فيها عن نفسه الرذائل الاجتماعية.
وفي ما تقدم من معنى جريان حكم العقل النظري والعملي في ناحيته تعالى آيات كثيرة ففي القسم الأول كقوله تعالى:
{ الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [البقرة: 47] ولم يقل: الحق مع ربك لأن القضايا الحقة والأحكام الواقعية مأخوذة من فعله لا متبوعة له في عمله حتى يتأيد بها مثلنا، وقوله: { والله يحكم لا معقّب لحكمه } [الرعد: 41]، فله الحكم المطلق من غير أن يمنعه مانع عقلي أو غيره فإن الموانع والمعقبات إنما تتحقق بفعله وهي متأخرة عنه لا حاكمة أو مؤثرة فيه، وقوله: { وهو الواحد القهار } [الرعد: 16]، وقوله: { والله غالب على أمره } [يوسف: 21]، وقوله: { إن الله بالغ أمره } [الطلاق: 3]، فهو القاهر الغالب البالغ الذي لا يقهره شيء ولا يُغلب عن شيء ولا يحول بينه وبين أمره حائل يزاحمه، وقوله: { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54]، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة التي ليس دونها مقيد.
نعم يجري في أفعاله الحكم العقلي لتشخيص الخصوصيات وكشف المجهولات لا لأن يكون متبوعاً بل لأنه تابع لازم مأخوذ من سنته في فعله الذي هو نفس الواقع الخارج، ويدل على ذلك جميع الآيات التي تحيل الناس إلى التعقل والتذكر والتفكر والتدبر ونحوها فلولا أنها حجة فيما أفادته لم يكن لذلك وجه.
وفي القسم الثاني: نحو قوله:
{ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 24]، يدل على أن في العمل بالأحكام مصلحة الحياة السعيدة، وقوله: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } [الأعراف: 28]، وظاهره أن ما هو فحشاء في نفسه لا يأمر به الله لا أن الله لو أمر بها لم تكن فحشاء، وقوله: { لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13]، وآيات كثيرة أخرى تعلل الأحكام المجعولة بمصالح موجودة فيها كالصلاة والصوم والصدقات والجهاد وغير ذلك لا حاجة إلى نقلها.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله إنه ليس منهم فاستخرج الله ما في نفسه بالحمية فقال: {خلقتني من نار وخلقته من طين}.
وفي الدر المنثور أخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم، فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" ]. قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس.
وفي الكافي بإسناده عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس. قال: نعم، أنا أقيس. قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال خلقتني من نار وخلقته من طين.
وفي العيون عن أمير المؤمنين عليه السلام: إن إبليس أول من كفر وأنشأ الكفر.
أقول: ورواه العياشي عن الصادق عليه السلام.
وفي الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: أن أول معصية ظهرت الأنانية من إبليس.
أقول: وقد تقدم بيانه.
وفي تفسير القمي عن الصادق عليه السلام: الاستكبار هو أول معصية عُصي الله بها.
أقول: قد ظهر مما تقدم من البيان أن مرجعه إلى الأنانية كما في الحديث المتقدم.
وفي النهج من خطبة له عليه السلام في صفة خلق آدم: واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لهم، وعهد وصيته إليهم في الإِذعان بالسجود له والخشوع لتكرمه فقال سبحانه: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس وجنوده اعترتهم الحمية، وغلبت عليهم الشقوة. الخطبة.
أقول: وفيها تعميم الأمر بالسجدة لجنود إبليس كما يعمّ نفسه، وفيه تأييد ما تقدم أن آدم إنما جعل مثالاً يمثل به الإِنسانية من غير خصوصية في شخصه، وأن مرجع القصة إلى التكوين.
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام: في معنى قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} الآية {من بين أيديهم} أهوّن عليهم الآخرة {ومن خلفهم} آمرهم بجمع الأموال ومنعها عن الحقوق لتبقى لورثتهم {وعن أيمانهم} أُفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة {وعن شمائلهم} بتحبيب اللذة وتغليب الشهوات على قلوبهم.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: والذي بعث محمداً للعفاريت والأبالسة على المؤمن أكثر من الزنابير على اللحم.
وفي المعاني عن الرضا عليه السلام: إنه سمي إبليس لأنه أُبلِس منرحمه الله .
وفي تفسير القمي حدثني أبي رفعة قال: سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم من جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً.
قال: فلما أسكنه الله تعالى الجنة وأباحها له إلا الشجرة لأنه خلق خلقة لا تبقى إلا بالأمر والنهي والغذاء واللباس والاكتنان والنكاح، ولا يدرك ما ينفعه مما يضره إلا بالتوفيق فجاءه إبليس فقال له: إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبداً، وإن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنة، وحلف لهما أنه لهما ناصح كما قال الله عز وجل حكاية عنه: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، و قاسمهما إني لكما لمن الناصحين} فقبل آدم قوله فأكلا من الشجرة فكان كما حكى الله: {بدت لهما سوآتهما} وسقط عنهما ما ألبسهما الله تعالى من لباس الجنة، وأقبلا يستتران من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين فقالا كما حكى الله عنهما: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} فقال الله لهما: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} قال: إلى يوم القيامة.
وفي الكافي عن علي بن إبراهيم روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خرج آدم من الجنة نزل عليه جبرئيل فقال: يا آدم أليس خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وزوجك حواء أمته، وأسكنك الجنة وأباحها لك ونهاك مشافهة أن تأكل من هذه الشجرة فأكلت منها وعصيت الله؟ فقال آدم: يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله إنه لي ناصح فما ظننت أن أحداً من خلق الله يحلف بالله كاذباً.
أقول: وقد تقدمت عدة من روايات القصة في سورة البقرة وسيأتي إن شاء الله بعضها في مواضع أُخر مناسبة لها.
وفي تفسير القمي عن الصادق عليه السلام في حديث: فقال إبليس: يا رب فكيف وأنت العدل الذي لا يجوز فثواب عملي بطل؟ قال: لا، ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثواباً لعملك أُعطك. فأول من سأل: البقاء إلى يوم الدين فقال الله: وقد أعطيتك. قال: سلطني على ولد آدم. قال: سلطتك. قال: أجرني فيهم مجرى الدم في العروق. قال: قد أجريتك. قال: لا يولد لهم ولدٌ إلا وُلِد لي إثنان و أراهم ولا يروني وأتصور لهم في كل صورة شئت. فقال: قد أعطيتك. قال: يا ربّ زدني. قال قد جعلت لك ولذريتك صدورهم أوطاناً. قال: ربِّ حسبي.
قال إبليس عند ذلك: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين.
أقول: تقدم ما يتضح به معنى الحديث، وقوله: "أتصور لهم في كل صورة شئت" لا يدل على أزيد من أن له يتصرف في حاسة الإِنسان بظهوره في أي صورة شاء عليها، وأما تغير ذاته في نفسه كيفما شاء وأراد فلا.
والذي ذكره بعضهم: أن أهل العلم أجمعوا على أن إبليس وذريته من الجن وأن الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير، وأن الملائكة أجسام لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة إلا الكلب والخنزير - وكأنهم يريدون بذلك تغيرهم في ذواتهم - لا دليل عليه من نقل ثابت أو عقل، وأما ما ادُّعي من الإِجماع ومآله إلى الاتفاق في الفهم فلا حجّية لمحصله فضلاً عن منقوله، والمأخذ في ذلك من الكتاب والسنة ما عرفت.
وكذا حديث ذريته وكثرتهم لا يتحصل منه إلا أن لها كثرة في العدد تنشعب من إبليس نفسه، وأما كيف ذلك؟ وهل هو بطريق التناسل المعهود بيننا أو بنحو البيض والإِفراخ أو بنحو آخر لا سبيل لنا إلى فهمه؟ فمما هو مجهول لنا.
نعم هناك روايات معدودة تذكر أنه ينكح نفسه ويبيض ويفرخ أو أن له في فخذيه عضوا التناسل الموجودان في الذكر والأنثى فينكح بهما نفسه ويولد له كل يوم عشرة وأما ولده فكلهم ذكران لا توالد بينهم أو توالدهم بالازدواج نظير الحيوان فكل ذلك مما لا دليل عليه إلا بعض الآحاد من الأخبار وهي ضعاف ومراسيل ومقاطيع وموقوفات لا يعول عليها وخاصة في أمثال هذه المسائل مما لا اعتماد فيها إلا على آية محكمة أو حديث متواتر أو محفوف بقرينة قطعية، وليست ظاهرة الانطباق على القرآن الكريم حتى تصحح بذلك.
وفي الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من قلب إلا وله أُذنان على إحداهما ملك مرشد، وعلى الأخرى شيطان مفتن هذا يأمره، وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وذلك قول الله عز وجل: {عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.
وفي البحار: الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"
]. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير"
]. أقول: وقوله: "فأسلم" أخذه بعضهم بضم الميم وبعضهم بالفتح.
وفي تفسير العياشي عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إبليس أكان من الملائِكة أو كان يلي شيئاً من أمر السماء؟ فقال: لم يكن من الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها، ولم يكن يلي شيئاً من أمر السماء ولا كرامة.
فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكر وقال: كيف لا يكون من الملائكة؟ والله يقول للملائكة: {اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} فدخل عليه الطيار فسأله وأنا عنده فقال له قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا} في غير مكان في مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذه المنافقون؟ قال: نعم يدخل في هذه المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة.
أقول: وفي الحديث رد ما روي أنه كان من الملائكة وأنه كان خازناً في السماء الخامسة أو خازن الجنة.
واعلم أن الأخبار الواردة من طرق الشيعة وأهل السنة في أنحاء تصرفاته أكثر من أن تحصى، وهي على قسمين: أحدهما: ما يذكر تصرفاً منه من غير تفسير، والثاني: ما يذكره مع تفسير ما.
فمن القسم الأول: ما في الكافي عن علي عليه السلام: لا تؤوا منديل اللحم في البيت فإنه مربض الشيطان، ولا تؤوا التراب خلف الباب فإنه مأوى الشيطان.
وفيه عن الصادق عليه السلام: إن على ذروة كل جسر شيطاناً فإذا انتهيت إليه فقل: بسم الله يرحل عنك.
وفيه عن علي عليه السلام قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم
"بيت الشيطان في بيوتكم بيت العنكبوت"
]. وفيه عن أحدهما عليهما السلام قال: لا تشرب وإنت قائم، ولا تبل في ماء نقيع، ولا تطف بقبر، ولا تخل في بيت وحدك، ولا تمش بنعل واحدة، فإن الشيطان أسرع ما يكون إلى العبد إذا كان على بعض هذه الأحوال.
وفيه عن الصادق عليه السلام: إذا ذكر اسم الله تنحى الشيطان، وإن فعل ولم يسم أدخل ذكره وكان العمل منهما جميعاً والنطفة واحدة.
وفي تفسير القمي عنه عليه السلام: ما كان من مال حرام فهو شرك الشيطان.
وفي الحديث: من نام سكران بات عروساً للشيطان.
أقول: ومن هذا الباب قوله تعالى:
{ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } } [المائدة: 90]. ومن القسم الثاني ما في الكافي عن الباقر عليه السلام: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيِّقوا مجاريه بالجوع"
]. وفي المحاسن عن الرضا عن آبائه عن علي عليه السلام في حديث: فأما كحله فالنوم وأما سفوفه فالغضب، وأما لعوقه فالكذب.
وفي الحديث: أن موسى عليه السلام رآه وعليه برنس فسأله عن برنسه فقال: به اصطاد قلوب بني آدم.
وفي مجالس ابن الشيخ عن الرضا عن آبائه عليهم السلام: أن إبليس كان يأتي الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث الله المسيح يتحدث عندهم ويسألهم، ولم يكن بأحد منهم أشد أنساً منه بيحيى بن زكريا فقال له يحيى: يا أبا مرة إن لي إليك حاجة فقال: أنت أعظم قدراً من أن أردّك بمسألة فاسألني ما شئت فإني غير مخالفك في أمر تريده، فقال يحيى: يا أبا مرة أُحب أن تعرض عليَّ مصائدك وفخوخك التي تصطاد بها بني آدم؛ فقال له إبليس: حباً وكرامة وواعده لغد.
فلما أصبح يحيى قعد في بيته ينتظر الوعد، وأغلق عليه الباب إغلاقاً، فما شعر حتى ساواه من خوخة كانت في بيته فإذا وجهه صورة وجه القرد، وجسده على صورة الخنزير، وإذا عيناه مشقوقتان طولاً، وإذا أسنانه وفمه مشقوقان طولاً عظماً واحداً بلا ذقن ولا لحية، وله أربعة أيدٍ يدان في صدره ويدان في منكبه، وإذا عراقيبه قوادمه وأصابعه خلفه وعليه قباء وقد شد وسطه بمنطقة فيها خيوط معلقة بين أحمر وأصفر وأخضر وجميع الألوان، وإذا بيده جرس عظيم وعلى رأسه بيضة، وإذا في البيضة حديدة معلقة شبيهة بالكلاّب.
فلما تأمله يحيى قال: ما هذه المنطقة التي في وسطك؟ فقال: هذه المجوسية أنا الذي سننتها وزينتها لهم. فقال له: ما هذه الخطوط الألوان؟ فقال: هذه جميع أصناع النساء لا تزال المرأة تصنع الصنيع حتى يقع مع لونها فأفتن الناس بها فقال له: فما هذا الجرس الذي بيدك؟ قال: هذا مجمع كل لذة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل وناي وصرناي، وإن القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذونه فأحرك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه استخف بهم الطرب فمن بين من يرقص، ومن بين من يفرقع أصابعه، ومن بين من يشق ثيابه.
فقال له: وأيّ الأشياء أقر لعينك؟ قال: النساء، هن فخوخي ومصائدي فإذا اجتمعت إلى دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن فقال: له يحيى: فما هذه البيضة على رأسك؟ قال بها أتوقى دعوة المؤمنين. قال: فما هذه الحديدة التي أرى فيها؟ قال بهذه أُقلّب قلوب الصالحين. قال يحيى: فهل ظفرت بي ساعة قط؟ قال: لا، ولكن فيك خصلة تعجبني. قال يحيى: فما هي؟ قال: أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل. قال يحيى: فإني أُعطي الله عهداً أن لا أشبع من الطعام حتى ألقاه. قال له إبليس: وأنا أُعطى الله عهداً أن لا أنصح مسلماً حتى ألقاه، ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك.
أقول: والحديث مروي من طرق أهل السنة بوجه أبسط من ذلك: وقد روي له مجالس ومحاورات ومشافهات مع آدم ونوح وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم، وهناك - كما مرت الإِشارة إليه - روايات لا تحصى كثرة في أنحاء تسويلاته وأنواع تزييناته عند أنواع المعاصي والذنوب رواها الفريقان، والجميع تشهد أوضح شهادة على أنها تشكلات مثاليه على حسب ما يلائم نوع المعصية من الشكل والكيفية ويناسبها نظير ما تتمثل الحوادث في الرؤيا على حسب المناسبات المألوفة والاعتقادات المعتادة.
ومن التأمل في هذا القسم الثاني يظهر أن الكيفيات والخصوصيات الواردة في القسم الأول المذكور من الأخبار إنما هي أنواع نسب بين هذا الموجود أعني إبليس وبين الأشياء تدعو إلى وساوس وخطرات تناسبها.
فالجميع من التجسمات المثالية التي تناسبها الأعمال أو الأشياء غير التجسم المادي الذي ربما مال إليه الحشوية وبعض أهل الحديث حتى تكون المجوسية مثلاً اعتقاداً عند الإِنسان وهي بعينها منطقة من أديم عند إبليس يشد بها وسطه، أو أن يصير إبليس تارة آدمياً له حقيقة الإِنسان وقواه وأعماله وتارة شيئاً من الحيوان الأعجم له حقيقة نوعية وتارة جماداً ليس بذي حياة وشعور، أو أن هذه النوعيات جميعاً هي أشكال وصور عارضة على مادة إبليس فالروايات أجنبية عن الدلالة على أمثال هذه المحتملات.
وإنما هي روايات جمة لا ريب في صدور مجموعها من حيث المجموع وتأييد القرآن لها كذلك وهي تدل على أن لإِبليس أن يظهر لحواسنا بمختلف الصور هذا من حيث المجموع وأما كل واحد واحد فما صح منها سنداً - وليس الجميع على هذه الصفة - فهو من الآحاد التي لا يعول عليها في أمثال هذه المسائل الأصلية نعم ربما أمكن استفادة حكم فرعي منها من استحباب أو كراهة على ما هو شأن الفقيه.