التفاسير

< >
عرض

وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
١٣٨
إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٣٩
قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٤٠
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
١٤١
وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٤٢
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٤٣
قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ
١٤٤
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ
١٤٥
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ
١٤٦
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤٧
وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ
١٤٨
وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
١٤٩
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٥٠
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٥١
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ
١٥٢
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٥٣
وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
١٥٤
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
شروع في بعض قصص بني إسرائيل بعد تخلصهم من إسارة آل فرعون مما يناسب غرض القصص المسرودة سابقاً وهو أن الدعوة الدينية ما توجهت إلى أُمه إلا كان الكفر إليها أسبق، والناقضون لعهد الله فيهم أكثر فخص الله المؤمنين منهم بمزيد كرامته، وعذب الكافرين بشديد عذابه.
وقد ذكر في الآيات مجاوزة بني إسرائيل البحر ومسألتهم بعد المجاوزة موسى عليه السلام أن يجعل لهم صنماً يعبدونه، وفيها عبادتهم للعجل بعد ما ذهب موسى لميقات ربه وفي ضمنها حديث نزول التوراة عليه.
قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم} الآية، العكوف الإِقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم. ذكره الراغب في المفردات، وقولهم: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} أي كما لهم آلهة مجعولة.
كان بنو إسرائيل على شريعة جدهم إبراهيم عليه السلام، وقد خلا فيهم من الأنبياء إسحاق ويعقوب ويوسف، وهم على دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا الله سبحانه وحده لا شريك له المتعالي عن أن يكون جسماً أو جسمانياً يعرض له شكل أو قدر غير أن بني إسرائيل كما يستفاد من قصصهم كانوا قوماً ماديين حسيين يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعتنون بما وراء الحس إلا اعتناء تشريفياً من غير أصالة ولا حقيقة، وقد مكثوا تحت إسارة القبط سنين متطاولة، وهم يعبدون الأوثان فتأثرت من ذلك أرواحهم وإن كانت العصبية القومية تحفظ لهم دين آبائهم بوجه.
ولذلك كان جلهم لا يتصورون من الله سبحانه إلا أنه جسم من الأجسام بل جوهر أُلوهي يشاكل الإِنسان كما هو الظاهر المستفاد من التوراة الدائرة اليوم، وكلما كان موسى يقرب الحق من أذهانهم حولوه إلى أشكال وتماثيل يتوهمون له تعالى، لهذه العلة لما شاهدوا في مسيرهم قوماً يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم فسألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهه يعكفون عليها.
فلم يجد موسى عليه السلام بداً من أن يتنزل في بيان توحيد الله سبحانه إلى ما يقارب أفهامهم على قصورها فلامهم أولاً على جهلهم بمقام ربهم مع وضوح أن طريق الوثنية طريق باطل هالك ثم عرف لهم ربهم بالصفة، وأنه لا يقبل صنماً ولا يحد بمثال كما سيجيء.
قوله تعالى: {إن هٰؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} المتبر من التبار وهو الهلاك، والمراد بقوله: {ما هم فيه} سبيلهم الذي يسلكونه وهو عبادة الأصنام والمراد بقوله: {ما كانوا يعملون} أعمالهم العبادية، والمعنى أن هؤلاء الوثنية طريقتهم هالكة وأعمالهم باطلة فلا يحق أن يميل إليه إنسان عاقل لأن الغرض من عبادة الله سبحانه أن يهتدي به الإِنسان إلى سعادة دائمة وخير باق.
قوله تعالى: {قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين} {أبغيكم} أي أطلب لكم وألتمس، يعرف ربهم ويصفه لهم، وقوله: {أغير الله أبغيكم إلهاً} فيه تأسيس أن كل إله أبغيه لكم بجعل أو صنع فإنما هو غير الله سبحانه، والذي يجب عليكم أن تعبدوا الله ربكم بصفة الربوبية التي هي تفضيله إياكم على العالمين.
فكأنهم قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهه فقال: كيف ألتمس لكم رباً مصنوعاً وهو غير الله ربكم، وإذا كان غيره فعبادته متبرة باطلة؟ فقالوا: فكيف نعبده ولا نراه ولا سبيل لنا إلى ما لا نشاهده؟ كما يقوله عبدة الأصنام. فقال: اعبدوه بما تعرفونه من صفته فإنه فضلكم على سائر الأمم بآياته الباهرة ودينه الحق وإنجائكم من فرعون وعمله، فالآية - كما ترى - ألطف بيان وأوجز برهان يجلي عن الحق الصريح للأذهان الضعيفة التعقل.
قوله تعالى: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} إلى آخر الآية. سامه العذاب يسومه أي حمله ذلك على طريق الإِذلال، والتقتيل الإِكثار في القتل والاستحياء الاستبقاء للخدمة وقد تقدم، والظاهر أن قوله: {وفي ذٰلكم} إشارة إلى ما ذكر من سوء تعذيب آل فرعون لهم.
والآية خطاب امتناني للموجودين من أخلافهم حين النزول يمتن الله فيها عليهم بما منَّ به على آبائهم في زمن فرعون كما قيل، والأنسب بالسياق أن يكون خطاباً لأصحاب موسى بعينهم مسوقاً سوق التعجب إذا نسوا عظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم من تلك البلية العظيمة، ونظيره في الغيبة قوله تعالى فيما سيأتي: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً}.
قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} إلى آخر الآية. الميقات قريب المعنى من الوقت، قال في المجمع: الفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت الشيء وقدره، ولذلك قيل: مواقيت الحج وهي المواضع التي قدرت للإِحرام فيها (انتهى).
وقد ذكر الله سبحانه المواعدة وأخذ أصلها ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر ليال أُخر ثم ذكر الفذلكة وهي أربعون، وإما الذي ذكره في موضع آخر إذ قال:
{ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51] فهو المجموع المتحصل من المواعدتين أعني أن آية البقرة تدل على أن مجموع الأربعين كان عن مواعدة، وآية الأعراف على أن ما في آية البقرة مجموع المواعدتين.
وبالجملة يعود المعنى إلى أنه تعالى وعده ثلاثين ليلة للتقريب والتكليم ثم وعده عشراً آخر لإِتمام ذلك فتم ميقات ربه أربعين ليلة، ولعله ذكر الليالي دون الأيام - مع أن موسى مكث في الطور الأربعين بأيامها ولياليها، والمتعارف في ذكر المواقيت والأزمنة ذكر الأيام دون الليالي - لأن الميقات كان للتقرب إلى الله سبحانه ومناجاته وذكره، وذلك أخص بالليل وأنسب لما فيه من اجتماع الحواس عن التفرق وزيادة تهيؤ النفس للانس وقد كان من بركات هذا الميقات نزول التوراة.
وهذا كما يشير إلى مثله قوله تعالى:
{ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً } [المزمل: 1] إلى أن قال { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً إن لك في النهار سبحاً طويلاً } [المزمل: 5 - 7]، وقوله تعالى: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} إنما قاله حين ما كان يفارقهم للميقات، والدليل على ذلك قوله: {اخلفني في قومي} فإن الاستخلاف لا يكون إلا في غيبة. وإنما عبر بلفظ {قومي} دون بني إسرائيل لتجري القصة على سياق سائر القصص المذكورة في هذه السورة فقد حكي فيها عن لفظ نوح وهود وصالح وغيرهم: يا قوم يا قوم، وعلى ذلك أُجريت هذه القصة فعبر فيها عن بني إسرائيل في بضعة مواضع بلفظ القوم، وقد عبر عنهم في سورة طه ببني إسرائيل.
وأما قوله لأخيه ثانياً: {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} فهو أمر له بالإِصلاح وأن لا يتبع سبيل أهل الفساد، وهارون نبي مرسل معصوم لا تصدر عنه المعصية، ولا يتأتى منه اتباع أهل الفساد في دينهم، وموسى عليه السلام أعلم بحال أخيه فليس مراده نهيه عن الكفر والمعصية بل أن لا يتبع في إدارة أُمور قومه ما يشير إليه ويستصوبه المفسدون من القوم أيام خلافته ما دام موسى غائباً.
ومن الدليل عليه قوله: {وأصلح} فإنه يدل على أن المراد بقوله: {ولا تتبع سبيل المفسدين} أن يصلح أمرهم ولا يسير فيهم سيرة هي سبيل المفسدين الذي يستحسنونه ويشيرون إليه بذلك.
ومن هنا يتأيد أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور ويتربصون به الدوائر فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر ويكيدوا ويمكروا به فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم بعد تلك المحن والأذايا التي كابدها في إحياء كلمة الاتحاد بينهم.
قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} الآية، التجلي مطاوعة التجلية من الجلاء بمعنى الظهور، والدك هو أشد الدق، وجعله دكاً أي مدكوكاً والخرور هو السقوط، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواس وبطلان إدراكها، والإِفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواس يقال: أفاق من غشيته أي رجع إلى حال استقامة الشعور والإِدراك.
ومعنى الآية على ما يستفاد من ظاهر نظمها أنه {لما جاء موسى لميقاتنا} الذي وقتناه له {وكلمه ربه} بكلامه {قال} أي موسى {رب أرني أنظر إليك} أي أرني نفسك أنظر إليك أي مكني من النظر إليك حتى أنظر إليك وأراك فإن الرؤية فرع النظر، والنظر فرع التمكين من الرؤية والتمكن منها، {قال} الله تعالى لموسى {لن تراني} أبداً {ولكن انظر إلى الجبل} وكان جبلاً بحياله مشهوداً له أشير إليه بلام العهد الحضوري {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} أي لن تطيق رؤيتي فانظر إلى الجبل فإني أظهر له فإن استقر مكانه وأطاق رؤيتي فاعلم أنك تطيق النظر إلي ورؤيتي {فلما تجلى} وظهر {ربه للجبل جعله} بتجليه {دكاً} مدكوكاً متلاشياً في الجو أو سائحاً {وخر موسى صعقاً} ميتاً أو مغشياً عليه من هول ما رأى {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك} رجعت إليك مما اقترحته عليك {وأنا أول المؤمنين} بأنك لا ترى. هذا ظاهر ألفاظ الآية.
والذي يعطيه التدبر فيها أن حديث الرؤية والنظر الذي وقع في الآية إذا عرضناه على الفهم العامي المتعارف حمله على رؤية العين ونظر الإِبصار، ولا نشك ولن نشك أن الرؤية والإِبصار يحتاج إلى عمل طبيعي في جهاز الإِبصار يهيئ للباصر صوره مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه.
وبالجملة هذا الذي نسميه الإِبصار الطبيعي يحتاج إلى مادة جسمية في المبصر والباصر جميعاً، وهذا لا شك فيه.
والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضرورياً أن الله تعالى لا يماثله شيء بوجه من الوجوه البتة فليس بجسم ولا جسماني، ولا يحيط به مكان ولا زمان، ولا تحويه جهة ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهه له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة.
وما هذا شأنه لا يتعلق به الإِبصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة، ولا تنطبق عليه صورة ذهنية لا في الدنيا ولا في الآخرة ضرورة، ولا أن موسى ذاك النبي العظيم أحد الخمسة أُولي العزم وسادة الأنبياء عليهم السلام ممن يليق بمقامه الرفيع وموقفه الخطير أن يجهل ذلك، ولا أن يمني نفسه بأن الله سبحانه أن يقوي بصر الإِنسان على أن يراه ويشاهده سبحانه منزهاً عن وصمة الحركة والزمان، والجهة والمكان، وألواث المادة الجسمية وأعراضها فإنه قول أشبه بغير الجد منه بالجد فما محصل القول: أن من الجائز في قدرة الله أن يقوي سبباً مادياً أن يعلق عمله الطبيعي المادي - مع حفظ حقيقة السبب وهوية أثره - بأمر هو خارج عن المادة وآثارها متعال عن القدر والنهاية؟ فهذا الإِبصار الذي عندنا وهو خاصة مادية من المستحيل أن يتعلق بما لا أثر عنده من المادة الجسمية وخواصها فإن كان موسى يسأل الرؤية فإنما سأل غير هذه الرؤية البصرية، وبالملازمة ما ينفيه الله سبحانه في جوابه فإنما ينفي غير هذه الرؤية البصرية فأما هي فبديهية الانتفاء لم يتعلق بها سؤال ولا جواب.
وقد أطلق الله الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه وأثبتها كقوله تعالى:
{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [القيامة: 23]، وقوله: { ما كذب الفؤاد ما رأى } [النجم: 11]، وقوله: { من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت } [العنكبوت: 5]، وقوله: { أولم يكف ربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } [العنكبوت: 53 - 54]، وقوله: { فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } [الكهف: 110]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المثبتة للرؤية وما في معناه قبال الآيات النافية لها كما في هذه الآية: {قال لن تراني} وقوله: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [الأنعام: 103]، وغير ذلك.
فهل المراد بالرؤية حصول العلم الضروري سمي بها لمبالغة في الظهور ونحوها كما قيل.
لا ريب أن الآيات تثبت علماً ما ضرورياً لكن الشأن في تشخيص حقيقة هذا العلم الضروري فإنا لا نسمي كل علم ضروري رؤية وما في معناه من اللقاء ونحوه كما نعلم بوجود إبراهيم الخليل وإسكندر وكسرى فيما مضى ولم نرهم، ونعلم علماً ضرورياً بوجود لندن وشيكاغو ومسكو ولم نرها، ولا نسميه رؤية وإن بالغنا فأنت تقول: أعلم بوجود إبراهيم عليه السلام وإسكندر وكسرى كأني رأيتهم، ولا تقول رأيتهم أو أراهم، وتقول: اعلم بوجود لندن وشيكاغو وموسكو، ولا تقول: رأيتها أو أراها.
وأوضح من ذلك علمنا الضروري بالبديهيات الأولية التي هي لكليتها غير مادية ولا محسوسة مثل قولنا: "الواحد نصف الاثنين" و "الأربعة زوج" و "الإِضافة قائمة بطرفين" فإنها علوم ضرورية يصح إطلاق العلم عليها ولا يصح إطلاق الرؤية البتة.
ونظير ذلك جميع التصديقات العقلية الفكرية، وكذا المعاني الوهمية وبالجملة ما نسميها بالعلوم الحصولية لا نسميها رؤية وإن أطلقنا عليها العلم فنقول علمناها ولا نقول: رأيناها الا بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى المشاهدة والوجدان.
لكن بين معلوماتنا ما لا نتوقف في إطلاق الرؤية عليه واستعمالها فيه، نقول: أرى أني أنا وأراني أُريد كذا وأكره كذا، وأُحب كذا وأبغض كذا وأرجو كذا وأتمنى كذا أي أجد ذاتي وأُشاهدها بنفسها من غير أن أحتجب عنها بحاجب، وأجد وأُشاهد إرادتي الباطنة التي ليست بمحسوسة ولا فكرية، وأجد في باطن ذاتي كراهة وحباً وبغضاً ورجاء وتمنياً وهكذا.
وهذا غير قول القائل: رأيتك تحب كذا وتبغض كذا وغير ذلك فإن معنى كلامه أبصرتك في هيئة استدللت بها على أن فيك حباً وبغضاً ونحو ذلك وأما حكاية الإِنسان عن نفسه أنه يراه يريد ويكره ويحب ويبغض فإنه يريد به أنه يجد هذه الأمور بنفسها وواقعيتها لا أنه يستدل عليها فيقضي بوجودها من طريق الاستدلال بل يجدها من نفسه من غير حاجب يحجبها ولا توسل بوسيلة تدل عليها البتة.
وتسمية هذا القسم من العلم الذي يجد فيه الإِنسان نفس المعلوم بواقعيته الخارجية رؤية مطردة، وهي علم الإِنسان بذاته وقواه الباطنة وأوصاف ذاته وأحواله الداخلية وليس فيها مداخلة جهة أو مكان أو زمان أو حالة جسمانية أُخرى غيرها فافهم ذلك وأجد التدبر فيه.
والله سبحانه فيما أثبت من الرؤية يذكر معها خصوصيات ويضم إليها ضمائم يدلنا ذلك على أن المراد بالرؤية هذا القسم من العلم الذي نسميه فيما عندنا أيضاً رؤية كما في قوله:
{ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } [العنكبوت: 53 - 54] الآية. حيث أثبت أولاً أنه على كل شيء حاضر أو مشهود لا يختص بجهة دون جهة وبمكان دون مكان وبشيء دون شيء بل شهيد على كل شيء محيط بكل شيء فلو وجده شيء لوجده على ظاهر كل شيء وباطنه وعلى نفس وجدانه وعلى نفسه، وعلى هذه السمة لقاؤه لو كان هناك لقاء لا على نحو اللقاء الحسي الذي لا يتأتى البتة إلا بمواجهة جسمانية وتعين جهة ومكان وزمان، وبهذا يشعر ما في قوله: {ما كذب الفؤاد ما رأى} من نسبة الرؤيه إلى الفؤاد الذي لا شبهه في كون المراد به هو النفس الإِنسانية الشاعرة دون اللحم الصنوبري المعلق على يسار الصدر داخلاً.
ونظير ذلك قوله تعالى:
{ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [المطففين: 14 - 15]، دل على أن الذي يجبهم عنه تعالى رين المعاصي والذنوب التي اكتسبوها فحال بين قلوبهم أي أنفسهم وبين ربهم فحجبهم عن تشريف المشاهدة، ولو رأوه لرأوه بقلوبهم أي أنفسهم لا بأبصارهم وأحداقهم.
وقد أثبت الله سبحانه في موارد من كلامه قسماً آخر من الرؤية وراء رؤية الجارحة كقوله تعالى:
{ كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين } [التكاثر: 5 - 7]، وقوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، وقد تقدم تفسير الآية في الجزء السابع من الكتاب، وبينا هناك أن الملكوت هو باطن الأشياء لا ظاهرها المحسوس.
فبهذه الوجوه يظهر أنه تعالى يثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية، وهي نوع شعور في الإِنسان يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آله حسية أو فكرية، وأن للإِنسان شعوراً بربه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب، ولا يجره إلى الغفلة عنه الا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها، وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود مشهود لا زوال علم بالكلية ومن أصله فليس في كلامه تعالى ما يشعر بذلك البتة بل عبر عن هذا الجهل بالغفلة وهي زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم.
فهذا ما بينه كلامه سبحانه، ويؤيده العقل بساطع براهينه، وكذا ما ورد من الأخبار عن إئمة أهل البيت عليهم السلام على ما سننقلها ونبحث عنها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
والذي ينجلي من كلامه تعالى أن هذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء يتم للصالحين من عباد الله يوم القيامة كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى:
{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [القيامة: 22 - 23]، فهناك موطن التشرف بهذا التشريف، وأما في هذه الدنيا والإِنسان مشتغل ببدنه، ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربه، كادح إلى ربه كدحاً ليلاقيه فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتم له حتى يلاقي ربه، قال تعالى: { يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه } [الإنشقاق: 6]، وفي معناه آيات كثيرة أُخرى تدل على أنه تعالى إليه المرجع والمصير والمنتهى، وإليه يرجعون وإليه يقلبون.
فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسماه رؤية ولقاء، ولا يهمنا البحث عن أنها على نحو الحقيقة أو المجاز فإن القرائن كما عرفت قائمة على إرادة ذلك فإن كانت حقيقة كانت قرائن معينة، وإن كانت مجازاً كانت صارفة، والقرآن الكريم أول كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع؛ فالكتب السماوية السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم بالله وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل فإن العلم الحضوري عندهم كان منحصراً في علم الشيء بنفسه حتى كشف عنه في الإِسلام فللقرآن المنة في تنقيح المعارف الإِلهية.
ولنرجع إلى الآية المبحوث عنها:
فقوله: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك} سؤال منه عليه السلام للرؤية بمعنى العلم الضروري على ما تقدم من معناه فإن الله سبحانه لما خصه بما حباه من العلم به من جهة النظر في آياته ثم زاد على ذلك أن اصطفاه برسالاته وبتكليمه وهو العلم بالله من جهة السمع رجا عليه السلام أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية وهو كمال العلم الضروري بالله، والله خير مرجو ومأمول.
فهذا هو المسؤول دون الرؤية بمعنى الإِبصار بالتحديق الذي يجل موسى عليه السلام ذاك النبي الكريم أن يجهل بامتناعه عليه تعالى وتقدس.
وقوله {قال لن تراني} نفي مؤبد للرؤية، وإذ أثبت الله سبحانه الرؤية بمعنى العلم الضروري في الآخرة كان تأبيد النفي راجعاً إلى تحقق ذلك في الدنيا ما دام للإِنسان اشتغال بتدبير بدنه، وعلاج ما نزل به من أنواع الحوائج الضرورية، والانقطاع إليه تعالى بتمام معنى الكلمة لا يتم إلا بقطع الرابطة عن كل شيء حتى البدن وتوابعه وهو الموت.
فيؤل المعنى إلى أنك لن تقدر على رؤيتي والعلم الضروري بي في الدنيا حتى تلاقيني فتعلم بي علماً اضطرارياً تريده، والتعبير في قوله: {لن تراني} به {لن} الظاهر في تأبيد النفي لا ينافي ثبوت هذا العلم الضروري في الآخرة فالانتفاء في الدنيا يقبل التأبيد أيضاً كما في قوله تعالى:
{ إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً } [الإسراء: 37]، وقوله: { إنك لن تستطيع معي صبراً } [الكهف: 75]. ولو سلم أنه ظاهر في تأبيد النفي للدنيا والآخرة جميعاً فإنه لا يأبى التقييد كقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، فلم لا يجوز أن تكون أمثال قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} مقيدة لهذه الآية مبينة لمعنى التأبيد المستفاد منها.
والذي ذكرناه من رجوع نفي الرؤية في قوله: {لن تراني} إلى نفي الطاقة والاستطاعة يؤيده قوله بعده: {ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} فإن فيه تنظير إراءه نفسه لموسى عليه السلام بتجليه للجبل، والمراد أن ظهوري وتجليي للجبل مثل ظهوري لك فإن استقر الجبل مكانه أي بقي على ما هو عليه وهو جبل عظيم في الخلقة قوي في الطاقة فإنك أيضاً يرجى أن تطيق تجلي ربك وظهوره.
فقوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} ليس باستدلال على استحالة التجلي كيف وقد تجلى له؟ بل إشهاد وتعريف لعدم استطاعته وإطاقته للتجلي وعدم استقراره مكانه أي بطلان وجوده لو وقع التجلي كما بطل الجبل بالدك.
وقد دل عليه قوله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً} وبصيروره الجبل دكاً أي مدكوكاً متحولاً إلى ذرات ترابية صغار بطلت هويته وذهبت جبليته وقضى أجله.
وقوله: {وخر موسى صعقاً} ظاهر السياق أن الذي أصعقه هو هول ما رأى وشاهد غير أنه يجب أن يتذكر أنه هو الذي ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين تلقف الألوف من الثعابين والحيات، وفلق البحر فأغرق الألوف ثم الألوف من آل فرعون في لحظة ورفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل كأنه ظلة، وأتى بآيات هائلة أُخرى وهي أهول من اندكاك جبل، وأعظم، ولم يصعقه شيء من ذلك ولم يدهشه.
واندكاك الجبل أهون من ذلك، وهو بحسب الظاهر في أمن من أن يصيبه في ذلك خطر فإن الله إنما دكه ليشهده كيفية الأمر!.
فهذا كله يشهد أن الذي أصعقه إنما هو ما تمثل له من معنى ما سأله وعظمة القهر الإِلهي الذي أشرف أن يشاهده ولم يشاهده هو وإنما شاهده الجبل فآل أمره إلى ذاك الإِندكاك العجيب الذي لم يستقر معه مكانه ولا طرفة عين، ويشهد بذلك أيضاً توبته عليه السلام بعد الإِفاقة كما سيأتي.
وقوله: {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} توبة ورجوع منه عليه السلام بعد الإِفاقة إذ تبين له أن الذي سأله وقع في غير موقعه فأخذته العناية الإِلهية بتعريفه ذلك وتعليمه عياناً بإشهاده دك الجبل بالتجلي أنه غير ممكن.
فبدأ بتنزيهه تعالى وتقديسه عما كان يرى من إمكان ذلك ثم عقبه بالتوبة عما أقدم عليه وهو يطمع في أن يتوب عليه، وليس من الواجب في التوبة أن تكون دائماً عن معصية وجرم بل هو الرجوع إليه تعالى لشائبة بعد كيف كان كما تقدم البحث فيه في الجزء الرابع من الكتاب.
ثم عقب عليه السلام ذلك بالإِقرار والشهادة بقوله: {وأنا أول المؤمنين} أي أول المؤمنين من قومي بأنك لا ترى. هذا ما يدل عليه المقام، وأن كان من المحتمل أن يكون المراد وأنا أول المؤمنين من بين قومي بما آتيتني وهديتني إليه آمنت بك قبل أن يؤمنوا فحقيق بي أن أتوب إليك إذا علق بي تقصير أو قصور لكنه معنى بعيد.
قوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} المراد بالاصطفاء الاختيار على وجه التصفية، ولذلك عدي إلى الناس بعلى، والمراد بالرسالات هو ما حمل من الأوامر والنواهي الإِلهية من المعارف والحكم والشرائع ليبلغه الناس سواء كان التحميل بواسطة ملك أو بتكليم بلا واسطة ملك فهي غير الكلام وإن حملت بكلام فإن الكلام أمر، والمعاني التي يتلقاها السامع منه أمر آخر.
والمراد بالكلام هو ما شافه به الله سبحانه من غير واسطة ملك وبعبارة أُخرى هو ما يكشف به عن مكنون الغيب، وأما أن يكون من نوع الكلام الدائر بيننا معاشر الإِنسان فلا فإن الكلام عندنا هو أنا نصطلح ونتعهد فيما بيننا على تخصيص صوت مخصوص من الأصوات لمعنى من المعاني لينتقل ذهن السامع إلى ذلك المعنى ثم نتوسل عند إرادة تفهيمه إلى إيجاد تموج خاص في الهواء يبتدئ منا وينتهي إلى السامع لننقل به ما في ضميرنا إلى ضمير السامع المخاطب والتكلم بهذا الوجه يستلزم التجسم في المتكلم والله سبحانه منزه عنه، ومجرد إيجاد الصوت وتمويج الهواء بإيجاد أسباب الصوت في مكان لا يدل على كون المعاني التي ينتقل إليها الذهن مقصودة لله سبحانه ما لم تكشف الإِرادة بأمر آخر وراء نفس الصوت كما أن من أوجد منا بدق أو ضرب أو نحوهما صوتاً يدل على معنى لم نحكم بإرادته ذلك ما لم يكشف من حاله أو مقاله قبلاً أنه قاصد لمعنى ما يوجده من الأصوات.
وما كلم به الله سبحانه موسى عليه السلام مما حكاه القرآن الشريف خال عن سؤال الدليل على كونه كلامه، وعلى كونه تعالى مريداً لمعناه فلم يسأل موسى ربه حين سمع النداء من جانب الطور الأيمن من الشجرة: هل هذا منك يا رب؟ وهل أنت مريد معناه؟ بل أيقن بذلك إيقاناً، ونظير الكلام جار في سائر أقسام الوحى غير الكلام.
وهذا يكشف كشفاً قطعياً عن ارتباط خاص من السامع بإرادة مصدر الكلام والوحي يوجب الانتقال إلى المعنى المقصود وإلا فمجرد صدور صوت له معنى مفهوم في اللغة منه تعالى لا يستلزم صحة الانتساب إليه تعالى ولا كونه كلامه كيف؟ وجميع الألفاظ الصادرة من المتكلمين بما أنها أصوات تنتهي إليه تعالى وليست كلاماً له تعالى بل المتكلم بها غيره، وكثيراً ما يحدث من تصادم الأجسام المختلفة أصوات ذوات معان في اللغة ولا نعده كلاماً له تعالى.
وبالجملة تكليمه تعالى هو إيجاده اتصالاً وارتباطاً خاصاً بين مخاطبه وبين الغيب ينتقل به بمشاهدة بعض مخلوقاته إلى معنى مراد، ولا نمنع مقارنة ذلك بأصوات يوجدها الله تعالى في خارج أو سمع أو غير ذلك، وقد تقدم بعض الكلام في الكلام فيما تقدم. وسيأتي منه تتمة في تفسير سورة الشورى إن شاء الله تعالى.
وكيف كان فقوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك} الآية. وارد في مورد الامتنان وموعظة لموسى عليه السلام أن يكتفي بما اصطفاه الله به من رسالاته وكلامه ويشكره ولا يستزيد.
قوله تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} الآية. اللوح صحيفة معدة للكتابة فيه لأنه يلوح ويظهر بما فيه من الخط وأصله من لاح البرق إذا لمع.
وقوله: {من كل شيء} من فيه للتبعيض كما يؤيده السياق اللاحق، وقوله: {موعظة} الظاهر أنه بيان لكل شيء، ويعطف عليه قوله: {وتفصيلا لكل شيء} وتنكير قوله: {تفصيلاً} لإِفادة الإِبهام والتبعيض، ويؤول المعنى إلى مثل قولنا: وكتبنا لموسى في الألواح وهي التوراة النازلة مختارات من كل شيء ونعني بذلك أنا كتبنا له موعظة وتفصيلاً ما وتشريحاً ما لكل شيء حسب ما يحتاج إليها قومه في الاعتقاد والعمل.
ففي الكلام دلالة على أن التوراة لم تستكمل جميع ما تمس به حاجة البشر من المعارف والشرائع، وهو كذلك كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى بعد ذكر التوراة والإِنجيل
{ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه } [المائدة: 48]، وقد تقدم تفسيره.
وقوله: {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} عطف تفريع على قوله: {وكتبنا له في الألواح} الآية لأنه مشعر بمعنى القول، والتقدير: وقلنا إنا كتبنا لك في الألواح من كل شيء فخذها بقوة.
والأخذ بالقوة كناية عن الأخذ بالجد والحزم فإن من يجد ويحزم في أمر يستعمل ما عنده من القوة فيه حذراً أن يفوته فالأخذ بالقوة لازم الأخذ بالجد والحزم كنى به عنه.
وقوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} الظاهر أن الضمير في {بأحسنها} راجع إلى الأشياء المدلول عليها بقوله قبلاً: {من كل شيء} من المواعظ وتفاصيل الآداب والشرائع والأخذ بالأحسن كناية عن ملازمة الحسن في الأمور واتباعه واختياره فإن من يهم بأمر الحسن في الأمور إذا وجد سيئاً وحسناً اختار الحسن الجميل، وإذا وجد حسناً وأحسن منه اضطره حب الجمال إلى اختيار الأحسن وتقديمه على الحسن فالأخذ بأحسن الأمور لازم حب الجمال وملازمة الحسن فكني به عنه، والمعنى: وأمر قومك يجتنبوا السيئات ويلازموا ما تهدي إليه التوراة من الحسنات، ونظير الآية في التكنية قوله تعالى:
{ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أُولئك الذين هداهم الله وأُولئك هم أولوا الألباب } [الزمر: 18]. وقوله: {سأريكم دار الفاسقين} ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء الفاسقين هم الذين يفسقون بعدم ائتمار قوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} على ما تقدم من معناه من ملازمة طريق الإِحسان في الأمور واتباع الحق والرشد فإن من فسق عن الطريق صرفه الله عن الصراط المستقيم إلى تتبع السيئات والميل عن الرشد إلى الغي كما يفصله في الآية التالية فكانت عاقبة أمره خسراناً وآل أمره إلى الهلاك.
وعلى هذا فما في الآية التالية: {سأصرف عن آياتي} الآية تفسير أو كالتفسير لقوله: {سأريكم دار الفاسقين} وقيل المراد بدار الفاسقين جهنم، وفي الكلام تهديد وتحذير، وقيل المراد بها منازل فرعون وقومه بمصر، وقيل: منازل عاد وثمود، وقيل المراد دار العمالقة وغيرهم بالشام وأن الله سيدخلهم فيها فيرونها، وقيل: المراد سيجيئكم قوم فساق تكون الدولة لهم عليكم.
قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} الآية تقييد التكبر في الأرض بغير الحق مع أن التكبر فيها لا يكون إلا بغير الحق كتقييد البغي في الأرض بغير الحق للتوضيح لا للاحتراز ويراد به الدلالة على وجه الذم في العمل وأن التكبر كالبغي مذموم لكونه بغير الحق.
وأما ما قيل: أن القيد احترازي للدلالة على أن المراد هو التكبر المذموم دون التكبر الممدوح كالتكبر على أعداء الله والتكبر على المتكبر، وهو تكبر بالحق ففيه أن المذكور في الآية ليس مطلق التكبر بل التكبر في الأرض، وهو الاستعلاء على عباد الله واستذلالهم والتغلب عليهم، وهذا لا يكون إلا بغير الحق.
وقوله: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} عطف على قوله: {يتكبرون} وبيان لأحد أوصافهم وهو الإِصرار على الكفر والتكذيب.
وكذا قوله: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً} الآية وتكرار الجملتين المثبتة والمنفية بجميع خصوصياتهما للدلالة على اعتنائهم الشديد ومراقبتهم الدقيقة على مخالفة سبيل الرشد واتباع سبيل الغي بحيث لا يعذرون بخطأ ولا يحتمل في حقهم جهل أو اشتباه.
وقوله: {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} إلى آخر الآية تعليل لما تحقق فيهم من رذائل الصفات أي إنما جروا على ما جروا بسبب تكذيبهم لآياتنا وغفلتهم عنها، ومن المحتمل أن يكون تعليلاً لقوله تعالى: {سأصرف عن آياتي}.
قوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} معنى الآية ظاهر ويتحصل منها:
أولاً: أن الجزاء هو نفس العمل وقد تقدم توضيحه كراراً في أبحاثنا السابقة.
وثانياً: أن الحبط من الجزاء فإن الجزاء بالعمل وإذا كان العمل حابطاً فإحباطه هو الجزاء، والحبط إنما يتعلق بالأعمال التي فيها جهة حسن فتكون نتيجة إحباط الحسنات ممن له حسنات وسيئات أن يجزى بسيئاته جزاء سيئاً ويجزى بحسناته بإحباطها فيتمحض له الجزاء السيىء.
ويمكن أن تنزل الآية على معنى آخر وهو أن يكون المراد بالجزاء، الجزاء الحسن وقوله: {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} كناية عن أنهم لا يثابون بشيء إذ لا عمل من الأعمال الصالحة عندهم لمكان الحبط قال تعالى:
{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } [الفرقان: 23]، والدليل على كون المراد بالجزاء هو الثواب أن هذا اجزاء هو جزاء الأعمال المذكورة في الآية قبلاً، والمراد بها بقرينة ذكر الحبط هي الأعمال الصالحة.
ومن هنا يظهر فساد ما استدل به بعضهم بالآية على أن تارك الواجب من غير أن يشتغل بضده لا عقاب له لأنه لم يعمل عملاً حتى يعاقب عليه وقد قال تعالى: {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}.
وجه الفساد أن المراد بالجزاء في الآية الثواب والمعنى أنهم لا ثواب لهم في الآخرة لأنهم لم يأتوا بحسنة ولم يعملوا عملاً يثابون عليها.
على أن ثبوت العقاب على مجرد ترك الأوامر الإِلهية مع الغض عما يشتغل به من الأعمال المضادة كالضروري من كلامه تعالى قال الله عز وجل:
{ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } [الجن: 23]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار} إلى آخر الآية، الحلي على فعول جمع حلي كالثدي جمع ثدي، وهو ما يتحلى ويتزين به من ذهب أو فضة أو نحوهما، والعجل ولد البقرة، والخوار صوت البقرة خاصة، وفي قوله تعالى: {جسداً له خوار} - وهو بيان للعجل - دلالة على أنه كان غير ذي حياة وإنما وجدوا عنده خواراً كخوار البقر.
والآية وما بعده تذكر قصة عبادة بني إسرائيل العجل بعد ما ذهب موسى إلى ميقات ربه واستبطؤا رجوعه إليهم، فكادهم السامري وأخذ من حليهم فصاغ لهم عجلاً من ذهب له خوار كخوار العجل وذكر لهم أنه إلههم وإله موسى فسجدوا له واتخذوه إلهاً، وقد فصل الله سبحانه القصة في سورة طه تفصيلاً، والذي ذكره في هذه الآيات من هذه السورة لا يستغني عما هناك، وهو يؤيد نزول سورة طه قبل سورة الأعراف.
وكيف كان فقوله: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً} معناه اتخذ قوم موسى من بعد ذهابه لميقات ربه قبل أن يرجع - فإنه سيذكر رجوعه إليهم غضبان - عجلاً فعبدوه، وكان هذا العجل الذي اتخذوه {جسداً له خوار} ثم ذمهم الله سبحانه بأنهم لم يعبؤوا بما هو ظاهر جلي بين عند العقل في أول نظرته انه لو كان هو الله سبحانه لكلمهم ولهداهم السبيل فقال تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً}.
وإنما ذكر من صفاته المنافية للالوهية عدم تكليمه إياهم وعدم هدايته لهم وسكت عن سائر ما فيه كالجسمية وكونه مصنوعاً ومحدوداً ذا مكان وزمان وشكل إلى غير ذلك مع أن الجميع ينافي الألوهية لأن هاتين الصفتين أعني التكليم والهداية من أوضح ما تستلزمه الألوهية من الصفات عند من يتخذ شيئاً إلهاً إذ من الواجب أن يعبده بما يرتضيه ويسلك إليه من طريق يوصل إليه، ولا يعلم ذلك إلا من قبل الإِله بوجه فهو الذي يجب أن يهديه إلى طريق عبادته بنوع من التكليم والتفهيم، وقد رأوا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً.
على أنهم عهدوا من موسى أن الله سبحانه يكلمه ويهديه، ويكلمهم ويهديهم بواسطته، وقد قالوا حين أخرج السامري لهم العجل:
{ هذا إلهكم وإله موسى } [طه: 88]، فلو كان العجل هو الذي أومأ إليه السامري لكلمهم وهداهم سبيلاً.
وبالجملة فقد كان من الواضح البين عند قولهم لو عقلوا أنه ليس هو، ولذلك أردفه بقوله: {اتخذوه وكانوا ظالمين} كأنه قيل: فلم اتخذوه وأمره بذاك الوضوح، فقيل: {اتخذوه وكانوا ظالمين}.
قوله تعالى: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا} إلى آخر الآية. قال في المجمع: معنى {سقط في أيديهم} وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه وجدان من يده فيه يقال ذلك للنادم عندما يجده مما كان خفي عليه، ويقال: سقط في يده، وأُسقط في يده وبغير ألف أفصح، وقيل: معناه صار الذي يضر به ملقى في يده انتهى.
وقد ذكر في مطولات التفاسير وجوه كثيرة توجه بها هذه الجملة، جلها أو كلها لا تخلو من تعسف، وأقرب الوجوه ما نقلناه عن المجمع منقولاً عن بعضهم فإن ظاهر سياق الآية أن المراد بقوله: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا} أنهم لما التفتوا إلى ما فعلوه وأجالوا النظر فيه دقيقاً ثانياً ورأوا عند ذلك أنهم قد ضلوا قالوا: كذا وكذا فالجملة تفيد معنى التنبه لما ذهلوا عنه والتبصر بما أغفلوه كأنهم عملوا شيئاً فقدموه إلى ما عملوا له فرده إليهم ورمى به نحوهم فتناولوه بأيديهم فسقط فيها فرأوا من قريب أنهم ضلوا فيما زعموا، وأهملوا فيه أمراً ما كان لهم أن يهملوه، وفات منهم ما فسد بفوته ما عملوه، وعلى أي حال تجري الجملة مجرى المثل السائر.
والآية أعني قوله {ولما سقط} بحسب المعنى مترتب على الآيات التالية فإنهم إنما تبينوا ضلالهم بعد رجوع موسى إليهم كما تفصل ذلك سورة طه لكنه سبحانه كأنه قدم الآية لأنها مشتملة على حديث ندامتهم على ما صنعوا وتحسرهم مما فات منهم، وقد أظهروا ذلك بقولهم: {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} والأحرى بالندامة والحسرة أن يذكرا مع ما تعلقنا به من غير فصل طويل، ولذا لما ذكر اتخاذهم العجل في الآية الأولى وصله بندامتهم وحسرتهم في الآية الثانية.
ولأن ذيل حديث رجوع موسى في الآية التالية مشغول بدعائه لنفسه وأخيه ففصل بينه وبين هذا الذي هو صورة دعاء.
قوله تعالى: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً} إلى آخر الآية الأسف بكسر السين صفة مشبهة من الأسف وهو شدة الغضب والحزن والخلافة القيام بالأمر بعد غيره، والعجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه على ما ذكره الراغب يقال: عجلت أمراً كذا أي طلبته قبل أوانه الذي له بحسب الطبع فمعنى الآية: ولما رجع موسى إلى قومه وهو في حال غضب وأسف لما أخبره الله تعالى لدى الرجوع بأن قومه ضلوا بعبادة العجل بعده فوبخهم وذمهم بما صنعوا وقال: بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وطلبتموه قبل بلوغ أجله، وهو أمر من بيده خيركم وصلاحكم ولا يجري أمراً إلا على ما يقتضيه حكمته البالغة، ولا يؤثر فيه عجلة غيره ولا طلبة ولا رضاه إلا بما شاء، والظاهر أن المراد بأمر ربهم أمره الذي لاجله واعد موسى لميقاته، وهو نزول التوراة.
وربما قيل: إن معنى {أعجلتم أمر ربكم}: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم: وقيل: المعنى استعجلتم وعد الله وثوابه على عبادته فلما لم تنالوه عدلتم إلى عبادة غيره؟ وقيل: المعنى أعجلتم عما أمركم به ربكم وهو انتظار رجوع موسى حافظين لعهده فبنيتم على أن الميقات قد بلغ آخره ولم يرجع إليكم فغيرتم هذا، وما قدمناه من الوجه أنسب بالسياق.
وبالجملة اشتد غضب موسى عليه السلام لما شاهد قومه ووبخهم وذمهم بقوله: {بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم} وهو استفهام إنكاري - {وألقى الألواح} وهي ألواح التوراة {وأخذ برأس أخيه} قابضاً على شعره {يجره إليه} وقد قال له - فيما حكى الله في سورة طه:
{ يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري } [طه: 93]؟. {قال} هارون يا {ابن أُم} وإنما خاطبه بذكر أُمهما دون أن يقول: يا أخي أو يا ابن أبي للترقيق وتهييج الرحمة {إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} لما خالفتهم في أمر العجل ومنعتهم عن عبادته {فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} بحسباني كأحدهم في مخالفتك، وكان مما قال له - على ما حكاه الله في سورة طه - { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } [طه: 94]. وظاهر سياق الآية وكذا ما في سورة طه من آيات القصة أن موسى غضب على هارون كما غضب على بني إسرائيل غير أنه غضب عليه حسباناً منه أنه لم يبذل الجهد في مقاومة بني إسرائيل لما زعم أن الصلاح في ذلك مع أنه وصاه عند المفارقة وصية مطلقة بقوله: {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} وهذا المقدار من الاختلاف في السليقة والمشيئة بين نبيين معصومين لا دليل على منعه، وإنما العصمة فيما يرجع إلى حكم الله سبحانه دون ما يرجع إلى السلائق وطرق الحياة على اختلافها.
وكذا ما فعله موسى بأخيه من أخذ رأسه يجره إليه كأنه مقدمة لضربه حسباناً منه أنه استقل بالرأي زاعماً المصلحة في ذلك وترك أمر موسى فما وقع منه إنما هو تأديب في أمر إرشادي لا عقاب في أمر مولوي وإن كان الحق في ذلك مع هارون، ولذلك لما قص عليه القصص عذره في ذلك، ودعا لنفسه ولأخيه بقوله رب اغفر لي ولأخي الخ.
وقد وجه قوله: {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} بوجوه أُخر:
الأول: أن موسى إنما فعل ذلك مستعظماً لفعلهم مفكراً فيما كان منهم كما يفعل الإِنسان ذلك بنفسه عند الوجد وشدة الغضب فيقبض على لحيته ويعض على شفته فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الإِنسان بنفسه عند الغضب والأسف.
الثاني: أنه أراد أن يظهر ما اعتراه من الغضب على قومه لإِكباره منهم ما صاروا وإليه من الكفر والارتداد فصدر ذلك منه لإِعلامهم عظم الحال عنده لينزجروا عن مثله في مستقبل الأحوال.
الثالث: أنه إنما جره إلى نفسه ليناجيه ويستفسر حال القوم منه، ولذلك لما ذكر هارون ما ذكر، قبله منه ودعا له.
الرابع: أنه لما رأى أن بهارون مثل ما به من الغضب والأسف أخذ برأسه متوجعاً له مسكناً لما به من القلق فكره هارون أن يظن الجهال أنه استخفاف وإهانة فأظهر براءة نفسه ودعا له أخوه وجل هذه الوجوه أو كلها لا تلائم سياق الآيات.
وقوله في صدر الآية: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً} يدل على أنه كان عالماً بأمر ارتداد قومه من قبل، وهو كذلك فإن الله سبحانه - كما حكى في سورة طه - قال له وهو في الميقات:
{ فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري } [طه: 85]. وإنما ظهر حكم غضبه عند ما شاهد قومه فاشتد عليهم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه كل ذلك فعله بعد ما رجع إليهم لا حينما أخبره بذلك ربه، وإخبار الله سبحانه أصدق من الحس لأن الحس يصدق ويكذب، والله سبحانه لا يقول إلا الحق.
وذلك لأن للعلم حكماً وللمشاهدة حكماً آخر، والغضب هيجان القوة الدافعة للدفع أو الانتقام، ولا يتحقق مورد للدفع والانتقام بمجرد تحقق العلم لكن الحس والمشاهدة تصاحب وجود المغضوب عليه عند العصيان فيتأتى منه الدفع والانتقام بالقول والفعل، ولا يؤثر العلم قبل المشاهدة إلا حزناً وغماً ونظير ذلك بالمقابلة أنك لو بشرت بقدوم من تحبه وتتوق نفسك إلى لقائه فلك عند تحقق البشرى حال وهو الفرح، وعند لقاء الحبيب حال آخر وحكم جديد، وكذا إذا شاهدت أمراً عجيباً وأنت وحدك كان حكمه التعجب، وإذا شاهدته ومعك غيرك تعجبت وضحكت، وله نظائر أُخر.
قوله تعالى: {قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك} الآية دعاء منه عليه السلام وقد تقدم في الكلام على المغفرة في آخر الجزء السادس من الكتاب أن المغفرة أعم مورداً من المعصية.
قوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم} الآية. تنكير الغضب وكذا الذلة للإِشعار بعظمتهما وقد أبهم الله سبحانه ما سينالهم من غضبه وذلة الحياة فلم يبين ما هما فمن المحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى ما جرى عليهم بعد ذلك من تحريق العجل المعبود ونسفه في اليم نسفاً وطرد السامري وقتل جمع منهم، أو أن يكون المراد به ما ضرب الله على قومهم من الذلة والمسكنة والقتل والإِبادة والإِسارة، ويمكن أن يكون المراد بالغضب هو عذاب الآخرة فيجمع لهم بذلك هوان الآخرة وذلة الدنيا.
وكيف كان فذيل الآية: {وكذلك نجزي المفترين} بظاهره يدل على أن ذلك أعني نيل غضب الرب سبحانه وذلة الحياة الدنيا سنة جارية إلهية في المفترين على الله وهذا الذي يدل عليه الآية يهدي إليه الأبحاث العقلية أيضاً كما مر مراراً.
قوله تعالى: {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} ضمير {من بعدها} الأول راجع إلى السيئات، والثاني إلى التوبة، ومعنى الآية ظاهر.
والآية وإن كانت في نفسها عامة لكنها بالنظر إلى المورد بمنزلة الاستثناء من الذين اتخذوا العجل المذكورين في الآية السابقة فالتوبة إذا تحققت بحقيقة معناها في أية سيئة كانت لم يمنع من قبولها مانع كما تقدم في تفسير قوله تعالى:
{ إنما التوبة على الله } [النساء: 17] الآية.
وهذه الآية والتي قبلها معترضتان في القصة، ووجه الخطاب فيهما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدليل على ذلك قوله في الآية الاولى: {وكذلك نجزي المفترين} وفي الآية الثانية: {إن ربك} الآية وظاهر السياق أن الكلام فيهما جار على حكاية الحال الماضية بدليل قوله: {سينالهم غضب}.
قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح} الآية الرهبة هي خوف مع تحرز: والباقي ظاهر.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه
"عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} إنكم تركبون سنن الذين قبلكم"
]. أقول: ورواها أيضاً بطرق أُخرى عن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وفيها: أنها كانت شجرة سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله.
وفي تفسير البرهان: في قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} الآية عن محمد بن شهر آشوب: أن رأس الجالوت قال لعلي عليه السلام: لم تلبثوا بعد نبيكم إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف! فقال علي عليه السلام: وأنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}.
وفي تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن موسى لما خرج وافداً إلى ربه واعدهم ثلاثين يوماً فلما زاد الله على الثلاثين عشراً قال قومه: أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا.
وفي الدر المنثور: أخرج البزاز وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك"
]. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن فقال: لا تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه؟ فذاك قريب منه وليس به.
أقول: أما ذيل الرواية فهو تمثيل للتقريب وليس به بأس، وأما صدره ففيه خفاء ولعل المراد بقوة عشرة آلاف لسان ما في العشرة آلاف من قوة التفهيم لو تأيد بعضها ببعض فإن ألسن الناس مختلفة في قوة التفهيم فالمراد أن ذلك يعادل من حيث إعطاء التفهيم والكشف عن المراد عشرة آلاف لسان لو جمع بعضها مع بعض.
وعلى هذا يكون المراد بالمغايرة في قوله: "كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه" التفاوت من حيث كيفية التفهيم.
وفي المعاني بإسناده عن هشام قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليه السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين فقال له معاوية بن وهب: يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر المروي:
"أن رسول صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه؟ على أي صورة رآه؟ وفي الخبر الذي رواه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة؟ على أي صورة يرونه؟ فتبسم ثم قال: يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة وثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمة ثم لا يعرف الله حق معرفته. ثم قال: يا معاوية إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان، وإن الرؤية على وجهين: رؤية القلب ورؤية البصر فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر بالله وآياته لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شبه الله بخلقه فقد كفر"
]. ولقد حدثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي عليه السلام قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام فقيل له: يا أخا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: لم أعبد رباً لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن تراه القلوب بحقائق الإِيمان.
وإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق، ولا بد للمخلوق من خالق فقد جعلته إذاً محدثاً مخلوقاً، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكاً.
ويلهم ألم يسمعوا لقول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} وقوله لموسى: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً} وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض، وصعقت الجبال، وخر موسى صعقاً أي ميتاً {فلما أفاق} ورد عليه روحه {قال سبحانك تبت إليك} من قول من زعم أَنك ترى ورجعت إلى معرفتي بك: أن الأبصار لا تدركك {وأنا أول المؤمنين} بأنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى (الحديث).
وفي التوحيد بإسناده عن علي عليه السلام في حديث: وسأل موسى وجرى على لسانه من حمد الله عز وجل: {رب أرني أنظر إليك} فكانت مسألته تلك أمراً عظيماً، وسأل أمراً جسيماً فعوتب فقال الله عز وجل: {لن تراني} في الدنيا حتى تموت وتراني في الآخرة، ولكن إن أردت أن تراني {انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} فأبدا الله بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميماً {وخر موسى صعقاً} ثم أحياه الله وبعثه فقال: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} يعني أول من آمن بك منهم بأنه لا يراك.
أقول: الروايتان - كما ترى - تؤيدان ما تقدم في البيان السابق، ويتحصل منهما:
* أولاً: أن السؤال إنما كان عن رؤية القلب دون رؤية البصر المستحيل عليه تعالى بأي وجه تصور، وحاشا مقام الكليم عليه السلام أن يجهل من ساحة ربه المنزهه ما هو من البداهة على مكان وهو يسمي القوم الذين اختارهم للميقات سفهاء إذ سألوا الرؤية إذ يقول لربه:
{ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } [الأعراف: 155]، فكيف يقدم هو نفسه على ما سماه سفهاء؟.
وقد كان النزاع والمشاجرة في الصدر الأول وخاصة في زمان الصادقين إلى زمان الرضا عليهم السلام في المسألة بالغاً أوج شدته ينكرها المعتزلة مطلقاً ويثبتها الأشاعرة في الآخرة وهناك طائفة أُخرى تثبتها في الدنيا والآخرة جميعاً، والفريقان جميعاً يستدلان بالآية ولم تزل المنازعة قائمة على ساقها لم تنقطع ظاهراً إلا بسيوف آل أيوب التي أبادت المعتزلة وألحقت طالعهم بغاربهم.
وجملة احتجاج المعتزلة، أنهم كانوا يستدلون بقوله في الآية: {لن تراني} وبسائر ما ينفي الرؤية البصرية من طريق العقل والنقل، ويؤولون ما يدل على جوازها من الآيات والروايات، وجملة احتجاج الأشاعرة أنهم كانوا يستدلون بالتنظير الواقع في الآية بقوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} الآية وبما في غيرها من الآيات وبعض الروايات من جوازها في الآخرة، ويؤولون ما عدا ذلك على ما هو شأن الأبحاث الكلامية عندهم وربما استدل لذلك بأنه لا دليل على وجوب انحصار الرؤية البصرية في الجسمانيات فمن الجائز أن يتعلق بغير الأمور المادية. وبأن الإِبصار يتعلق بالجوهر والعرض، ولا جامع بينهما إلا الموجود المطلق فكل موجود يمكن أن يتعلق به الإِبصار وإن لم يكن جسماً أو جسمانياً.
وقد اتضح بطلان هاتين الحجتين وما يسانخهما من الحجج والأقاويل في هذه الأزمنة اتضاحاً كاد يلحق بالبدهيات.
وعلى أي حال لا يهمنا إيراد ما أوردوه من الجانبين من نقض وإبرام فمن أراد الوقوف عليها أمكنه أن يراجع الكتب الكلامية ومطولات تفاسير الفريقين.
والذي تحصل من سابق بحثنا - أولاً - أن الرؤية البصرية سواء كانت على هذه الصفة التي هي عليها اليوم أو تحولت إلى أي صفة أُخرى هي معها مادية طبيعية متعلقة بقدر وشكل ولون وضوء تعملها أداة مادية طبيعية فإنها مستحيلة التعلق بالله سبحانه في الدنيا والآخرة، وعليه يدل البرهان وما ورد من الآيات والروايات في نفي الرؤية. نعم هناك علم ضروري خاص يتعلق به تعالى غير العلم الضروري الحاصل بالاستدلال تسمى رؤية، وإياه تعني الآيات والروايات الظاهرة في إثبات الرؤية لما فيها من القرائن الكثيرة الصريحة في ذلك، وموطن هذه المعرفة الآخرة.
و- ثانياً - أن قوله تعالى: {رب أرني أنظر إليك} الآية أجنبية أصلاً عن الرؤية البصرية الحسية إثباتاً ونفياً وسؤالاً وجواباً، وإنما يدور الكلام فيها مدار الرؤية بالمعنى الآخر الذي هو رؤية القلب بحسب ما اصطلح عليه في الروايات.
وقد روى الصدوق في العيون فيما سأله المأمون عن الرضا عليه السلام أنه أجاب عن سؤال الرؤية في الآية، أن موسى إنما سأل ذلك عن لسان قومه لا لنفسه فإنهم لما قالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثم أحياهم الله سألوا موسى أن يسأله لنفسه فرد عليهم بالإِستحالة فأصروا عليه فقال: {رب أرني} أي على ما يقترحه علي قومي.
والرواية كما أشرنا إليه في أخبار جنة آدم ضعيفة السند على أنها لا توافق الأصول المسلمة في أخبار أئمة أهل البيت عليهم السلام فإن أخبارهم وخاصة خطب علي والرضا عليهما السلام مملوءة من حديث التجلي والرؤية القلبية فلا موجب له عليه السلام أن يلتزم كون الرؤية المذكورة في الآية سؤالاً وجواباً هي الرؤية البصرية ثم الجواب بطريق جدلي لا ينطبق كثير انطباق على الآية لكونه خلاف ظاهرها البتة، وخلاف ظاهر حال موسى فإنهم لو اقترحوا عليه ذلك لرد عليهم كما رد عليهم بقوله: {إنكم قوم تجهلون} حين قالوا: يا موسى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}.
* وثانياً: يتحصل من الروايتين أن موسى عليه السلام ما أُجيب إلى الرؤية بالمعنى المذكور في الدنيا، وإنما أُجيب إليها في الآخرة، والظاهر أنه يستفاد ذلك من قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً} فإن الاستدارك في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} أن الذي فرض في الجبل هو بعينه مثل ما فرض في موسى فهو لا يطيق الظهور والإِرادة كما أن ذاك لا يطيقه، وقد وقع التجلي للجبل فدك به وصعق ولو وقع لموسى أيضاً لدك به وصعق فالتجلي في نفسه ممكن لكنه بالنسبة إلى المتجلي له يوجب اندكاكه وصعقته، وهذا يشعر أن التجلي لا مانع منه في نفسه مع الصعقة والموت، وقد استفاضت الروايات من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام أن الله سبحانه وتعالى يتجلى لأهل الجنة، وأن لهم في كل جمعة زورة كما وقع ذلك في قوله تعالى:
{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [القيامة: 22 - 23]. * وثالثاً: تحصل من الروايتين: أن صعقة موسى عليه السلام كانت موتاً ثم رد الله إليه روحه لا غشية.
* ورابعاً: أن ما ذكره عليه السلام أنه تجلى له من نوره مقدار ما يخرج من سم الخياط من النور من قبيل تمثيل المعنى بالأمور المحسوسة فلا نوره تعالى نور حسي، ولا أنه يتقدر بأمر حسي كسم الخياط، ولذلك مثل ذلك في غير هذه الرواية بوضع طرف الإِبهام على أنملة الخنصر كما سيأتي، والغرض على أي تقدير بيان صغره وحقارته.
وعلى أي حال فالتجلي إنما هو بما يكفي لدكه وصعقته، وأما كمال نوره تعالى فهو غير متناه لا يحاذيه أي أمر متناه مفروض فلا نسبه بين المتناهي وغير المتناهي.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال هكذا وأشار بإصبعيه، ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر - وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر - فساخ الجبل وخر موسى صعقاً - وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض - فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة.
أقول: ووقع في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام أن الجبل دك فصار رميماً، وفي بعضها أنه ساخ في البحر فهو يهوي حتى الساعة، وفي بعضها: إلى هذه الساعة، والمحصل من تفسير بعضها ببعض أنه صار رميماً نزل البحر فلا يرى منه أثر أبداً وينبغي أن يكون هذا معنى قوله: فساخ الجبل في الأرض أو في البحر فهو يسيخ إلى يوم القيامة أو إلى الساعة.
وفيه أخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل} قال: أظهر مقدار هذا ووضع الإِبهام على خنصر الإِصبع الصغرى. فقال حميد - راوي الحديث - يا أبا محمد - الراوي عن أنس - ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟
وفيه: أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال:
"تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية: {رب أرني أنظر إليك} قال: قال الله عز وجل يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم" .
أقول: والرواية نظيرة ما تقدم من رواية التوحيد عن علي عليه السلام وتقدم توضيح معناها.
وفي تفسير العياشي عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: لما سأل موسى ربه تبارك وتعالى، قال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} قال: فلما صعد موسى على الجبل فتحت أبواب السماء، وأقبلت الملائكة أفواجاً في أيديهم العمد، وفي رأسها النور يمرون به فوجاً بعد فوج، يقولون: يا ابن عمران اثبت فقد سألت عظيماً. قال: فلم يزل موسى واقفاً حتى تجلى ربنا جل جلاله فجعل الجبل دكاً وخر موسى صعقاً فلما أن رد الله عليه روحه أفاق {قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}.
وفيه أيضاً عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن موسى بن عمران لما سأل ربه النظر إليه وعد الله أن يقعد في موضع ثم أمر الملائكة تمر عليه موكباً موكباً بالرعد والبرق والريح والصواعق فكلما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل: أيكم ربي؟ فيجاب هو آت وقد سألت عظيماً يا ابن عمران.
أقول: والرواية موضوعة، وما تشمل عليه لا يقبل الانطباق على شيء من مسلمات الأصول المتخذة من الكتاب والسنة.
وفي البصائر بإسناده عن أبي محمد عبد الله بن أبي عبد الله الفارسي وغيره فرفعوه إلى أبي عبد الله عليه السلام: أن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثم قال: إن موسى عليه السلام لما سأل ربه ما سأل أمر واحداً من الكروبيين تجلى للجبل فجعله دكاً.
أقول: محصل الرواية أن تجليه سبحانه يقبل الوسائط كما أن سائر الأمور المنسوبة إليه تعالى كالتوفي والإِحياء والرزق والوحي وغيرها يقبل الوسائط فهو تعالى يتجلى بالوسائط كما يتوفى بملك الموت، ويحيي بصاحب الصور، ويرزق بميكائيل، ويوحي بجبرئيل الروح الأمين، وسيوافيك شرح الرواية في موضع مناسب له إن شاء الله. وللكروبيين ذكر في التوراة.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرء {دكَّا} منوَّنة ولم يمده.
وفيه أخرج ابن مردويه عن أنس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرء {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} مثقلة ممدودة.
وفيه أخرج أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما تجلى ربه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعن بالمدينة: أُحد وورقان ورضوى. ووقع بمكة ثور وثبير وحراء.
أقول: ورواه أيضاً عن ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"لما تجلى الله لموسى تطايرت سبعة أجبال ففي الحجاز منها خمسة، وفي اليمن اثنان: في الحجاز أُحد وثبير وحراء وثور وورقان، وفي اليمن حصور وصير"
]. أقول: وروي في تقطع الجبل غير ذلك، وهذه الروايات على ما فيها من الاختلاف في عدد الجبال المتطايرة إن كان المراد بها تفسير دك الجبل لم ينطبق على الآية، وإن أُريد غير ذلك فهو وإن كان ممكن الوقوع غير أنه لا يكفي لإِثباته أمثال هذه الآحاد.
وكذا ما ورد من طرق الشيعة وأهل السنة أن ألواح التوراة كانت من زبرجد، وفي بعضها من طرق أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"أن الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً" وفي بعضها: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح، وفي بعض أخبارنا أن هذه الألواح مدفونة في جبل من جبال اليمن، أو التقمها حجر هناك فهي محفوظة في بطنه إلى غير ذلك من آحاد الأخبار غير المؤيده بقرائن قطعيه. على أن البحث التفسيري لا يتوقف على الغور في البحث عنها.
وفي روح المعاني قال: وعن علي كرم الله وجهه أنه قرأ "جؤار" بجيم مضمومة وهمزة. قال وهو الصوت الشديد.
وفي الدر المنثور: في قوله تعالى: {وألقى الألواح} الآية: أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزاز وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"ليرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر"
]. وفي تفسير العياشي عن محمد بن أبي حمزة عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لما أخبر موسى أن قومه اتخذوا عجلاً [جسداً ظ] له خوار فلم يقع منه موقع العيان فلما رآهم اشتد غضبه فألقى الألواح من يده، قد قال أبو عبد الله عليه السلام: وللرؤية فضل على الخبر.
وفي الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينه عن السدي عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما أخلص عبد الإِيمان بالله أربعين يوماً أو قال: ما أجل عبد ذكر الله أربعين يوماً إلا زهده الله في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق به لسانه.
ثم تلا: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} فلا ترى صاحب بدعة إلا ذليلاً، ومفترياً على الله عز وجل وعلى رسوله وعلى أهل بيته إلا ذليلاً.
(بحث روائي آخر)
* نورد فيها بعض ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في معنى رؤية القلب *
في التوحيد والأمالي بإسناده عن الرضا عليه السلام في خطبة له قال: أحد لا بتأويل عدد ظاهر ولا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلاك رؤية، باطن لا بمزايلة.
أقول: وحديث تجليه تعالى الدائم لخلقه متكرر في كلام علي والأئمة من ذريته عليهم السلام، وقد نقلنا شذرات من كلامه عليه السلام في مباحث التوحيد في ذيل قوله تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]. وفي التوحيد بإسناده عن الصادق عليه السلام في كلام له في التوحيد: واحد صمد أزلي صمدي، لا ظل له يمسكه، وهو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف بالمجهول، معروف عند كل جاهل، لا هو في خلقه ولا خلقه فيه.
أقول: قوله عليه السلام "معروف عند كل جاهل" ظاهر في أن له تعالى معرفة عند خلقه لا يطرأ عليها غفلة، ولا يغشاها جهل، ولو كانت هي المعرفة الحاصلة من طريق الاستدلال لزالت بزوال صورته عن الذهن هذا إذا كان المراد من قوله: "معروف عند كل جاهل" أن الإِنسان يجهل كل شيء ولا يجهل ربه، وأما لو كان المراد أن الله سبحانه معروف عند كل جاهل به فكون هذه المعرفة غير المعرفة الحاصلة بالاستدلال أظهر.
وقوله عليه السلام: لا ظل له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها، الأظلة والظلال اصطلاح منهم عليهم السلام والمراد بظل الشيء حده، ولذلك كان منفياً عن الله سبحانه ثابتاً في غيره، وقد فسره أبو جعفر الباقر عليه السلام في بعض أحاديث الذر والطينة حيث ذكر: أن الله خلق طائفة من خلقه من طينة الجنة، وطائفة أُخرى من طينة النار ثم بعثهم في الظلال فقيل: وأي شيء الظلال؟ فقال عليه السلام: ألم تر إلى ظلك في الشمس شيء وليس بشيء؟ فالحدود الوجودية بالنظر إلى وجود الأشياء غيره وليست غيره، وبها تتعين الأشياء ولولاها لبطلت، ولعل الاصطلاح مأخوذ من آية الظلال.
وفي الإِرشاد وغيره عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: إن الله أجل من أن يحتجب عن شيء أو يحتجب عنه شيء.
وعنه عليه السلام: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.
وعنه: لم أعبد رباً لم أره.
وفي النهج عنه لم تره العيون بمشاهدة الإِبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإِيمان.
وفي التوحيد بإسناده عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة. قلت: متى؟ قال: حين قال لهم: {ألست بربكم؟ قالوا بلى} ثم سكت ساعة ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة. ألست تراه في وقتك هذا؟.
قلت: فاحدّث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون.
أقول: وظاهر من الرواية أن هذه الرؤية ليست هي الاعتقاد والإِيمان القلبي المكتسب بالدليل كما أنها غير الرؤية البصرية الحسية، وأن المانع من تكثير استعمال لفظ الرؤية في مورده تعالى وإذاعة هذا الاستعمال انصراف اللفظ عند الأفهام العامية إلى الرؤية الحسية المنفية عن ساحة قدسه، وإلا فحقيقة الرؤية ثابتة وهي نيل الشيء بالمشاهدة العلمية من غير طريق الاستدلال الفكري بل هناك عدة من الأخبار تنكر أن يكون الله سبحانه معلوماً معروفاً من طريق الفكر وسيأتي بعضها.
وفي التوحيد بإسناده عن موسى بن جعفر عليه السلام في كلام له في التوحيد: ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه فقد احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال.
أقول: وهذا المعنى مروي عن الرضا عليه السلام أيضاً على ما في العلل وجوامع التوحيد.
والرواية الشريفة تفسر معنى حصول المعرفة به تعالى معرفة لا تقبل الجهالة، ولا يطرأ عليها زوال ولا تغيير ولا خطأ البتة فهي توضح أن الله سبحانه غير محتجب عن شيء إلا بنفس ذلك الشيء فالالتفات إلى الأشياء هو العائق عن الالتفات إلى مشاهدته تعالى. ثم حكم عليه السلام أن هذا الحاجب الساتر غير مانع حقيقة فهو حجاب غير حاجب وستر غير ساتر.
وينتج مجموع الكلامين أنه سبحانه مشهود لخلقه معروف لهم غير غائب عنهم غير أن اشتغالهم بأنفسهم والتفاتهم إلى ذواتهم حجبهم عن التنبه على أنهم يشهدونه دائماً فالعلم موجود أبداً، والعلم بالعلم مفقود في بعض الأحيان، وقد بنى الصادق عليه السلام على هذا الأساس فيما أجاب به بعض من شكى إليه كثرة الشبهات فقال عليه السلام له: هل ركبت السفينة فانكسرت وغرقت وبقيت وحدك على لوحة خشبة منها تلعب بك الأمواج فانقطعت عن كل سبب ينجيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلق قلبك إذ ذاك بشيء؟ قال: نعم. قال: ذلك الشيء هو الله.
وفي جوامع التوحيد عن الرضا عليه السلام قال: خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم.
وفي العلل بإسناده عن الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين عليه السلام: لأي علة حجب الله عز وجل الخلق عن نفسه؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى بناهم بنيه على الجهل.
أقول: يظهر من رواية التوحيد السابقة أن بناءهم على الجهل هو خلقهم بحيث يشتغلون بأنفسهم.
وفي المحاسن بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل كان ولا شيء غيره نوراً لا ظلام فيه، وصادقاً لا كذب فيه، وعالماً لا جهل فيه، وحياً لا موت فيه وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبداً (الحديث).
وفي التوحيد بإسناده عن الرضا عليه السلام في حديث: - كان يعني رسول صلى الله عليه وآله وسلم - إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب.
وفيه أيضاً بإسناده عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه عز وجل؟ فقال: نعم بقلبه رآه أما سمعت الله عز وجل يقول: {ما كذب الفؤاد ما رأى} لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد.
وفيه بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام عن الصادق عليه السلام في حديث: ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن الحجاب والمثال والصورة غيره وإنما هو واحد موحد فكيف يوحد من زعم أنه عرفه بغيره؟ إنما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يعرف غيره، ليس بين الخالق والمخلوق شيء، والله خالق الأشياء لا من شيء.
تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه، والأسماء غيره، والموصوف غير الواصف، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئاً إلا بالله، ولا تدرك معرفة الله إلا بالله، والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه.
أقول: الرواية تثبت معرفة الله لكل مخلوق يدرك شيئاً ما من الأشياء، وتثبت أن هذه المعرفة غير المعرفة الفكرية التي تحصل من طريق الأدلة والآيات وأن القصر على المعرفة الاستدلالية لا يخلو عن جهل بالله، وشرك خفي.
بيان ذلك بما تعطيه الرواية من المقدمات أن المعرفة المتعلقة بشيء إنما هي إدراكه فما وقع في ظرف الإِدراك فهو الذي تتعلق به المعرفة حقيقة لا غيره، فلو فرضنا أنا عرفنا شيئاً من الأشياء بشيء آخر هو واسطة في معرفته فالذي تعلق به إدراكنا هو الوسط دون الظرف الذي هو ذو وسط، فلو كانت المعرفة بالوسط مع ذلك معرفة بذي الوسط كان لازمه أن يكون ذلك الوسط بوجه هو ذا الوسط حتى تكون المعرفة بأحدهما هي بعينها معرفة بالآخر فهو هو بوجه وليس هو بوجه فيكون واسطة رابطة بين الشيئين فزيد الخارجي الذي نتصوره في ذهننا هو زيد بعينه ولو كان غيره لم نكن تصورناه بل تصورنا غيره، وعاد عند ذلك علومنا جهالات.
وإذ كان لا واسطة بين الخالق والمخلوق ليكون رابطة بينهما فلا تمكن معرفته سبحانه بشيء آخر غير نفسه فلو عرف بشيء كان ذلك الشيء هو نفسه بعينه، وإن لم يعرف بنفسه لم يعرف بشيء آخر أبداً فدعوى أنه تعالى معروف بشيء من الأشياء كتصور أو تصديق أو آية خارجية شرك خفي لأنه إثبات واسطة بين الخالق والمخلوق يكون غيرهما جميعاً وما هذا وصفه غير محتاج الوجود إلى الخالق تعالى فهو مثله وشريكه فالله سبحانه لو عرف عرف بذاته، ولو لم يعرف بذاته لم يعرف بشيء آخر البتة لكنه سبحانه معروف، فهو معروف بذاته أي أن ذاته المتعالية والمعروفية شيء واحد بعينه فمن المستحيل أن يكون مجهولاً لأن ثبوت ذاته عين ثبوت معروفيته.
وأما بيان كونه تعالى معروفاً فلأن شيئاً من الأشياء المخلوقة لا يستقل عنه تعالى بذاته بوجه من الوجوه لا في خارج ولا في ذهن، فوجوده كالنسبة والربط الذي لا يمكنه الاستقلال عن طرفه بوجه من الوجوه، فإذا تعلق علم مخلوق بشيء من الأشياء أي وقع المعلوم في ظرف علمه لم يتحقق هناك إلا ومعه خالقاً متكئاً بوجوده عليه وإلا لاستقل دونه فلا يجد عالم معلومه إلا وقد وجد الله سبحانه قبله، والعالم نفسه حيث كان مخلوقاً لم يستقل بالعلم إلا بالله سبحانه الذي قوم وجود هذا العالم، ولو استقل به دونه كان مستقلاً دونه غير مخلوق له، فالله سبحانه يحتاج إليه العالم في كونه عالماً كما يفتقر إليه وجود المعلوم في كونه معلوماً أي أن العلم يتعلق باستقلال ذات المعلوم أي أن الله سبحانه هو المعلوم أولاً ويعلم به المعلوم ثانياً كما أنه تعالى هو العالم أولاً وبه يكون الشيء عالماً ثانياً فافهم ذلك وتدبر في قوله تعالى:
{ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } [البقرة: 255]، وفي قوله عليه السلام: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله".
فقد تبين أنه تعالى معروف لأن ثبوت علم ما بمعلوم ما في الخارج لا يتم إلا بكونه تعالى هو المعروف أولاً، وثبوت ذلك ضروري.
فقوله عليه السلام: "من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو صورة أو مثال فهو مشرك" كأن المراد بالحجاب هو الشيء الذي يفرض فاصلاً بينه تعالى وبين العارف، وبالصورة الصورة الذهنية المقارنة للأوصاف المحسوسة من الأضواء والألوان والأقدار وبالمثال ما هو من المعاني العقلية غير المحسوسة، أو المراد بالصورة الصورة المحسوسة، وبالمثال الصورة المتخيلة، أو المراد بالصورة التصور وبالمثال التصديق، وكيف كان فالعلوم الفكرية داخلة في ذلك، والأخبار في نفي كون العلم الفكري إحاطة علمية بالله كثيرة جداً.
وكون هذه المعرفة شركاً لإِثباتها أمراً ليس بخالق ولا مخلوق كما عرفت آنفاً، ولزوم كونه مشاركاً معه بوجه مبائنا له بوجه، ولذلك عقب عليه السلام الكلام بقوله: "وإنما هو واحد موحد" أي أنه لا يشاركه في ذاته شيء بوجه من الوجوه حتى يوجب ذلك تركبه وانتفاء وحدته كما أن الصورة العلمية تشارك المعلوم الخارجي في معناه وماهيته وتفارقه في وجوده فيصير المعلوم بذلك مركباً من ماهية ووجود.
"فكيف يوحد من زعم أنه يعرفه بغيره" مع إثباته شريكاً له في وجوده وتركباً له في ذاته "إنما عرف الله من عرفه بالله" أي بنفس ذاته من غير واسطة "ومن لم يعرفه به فليس يعرفه إنما يعرف غيره" كل ذلك "لأنه ليس بين الخالق والمخلوق شيء" أي أمر يربطهما هو غيرهما "والله خالق الأشياء لا من شيء" يكون رابطاً بينهما موصلاً للخالق إلى المخلوق وبالعكس كما أن الإِنسان الصانع يربطه إلى مصنوعه مثاله الذي في ذهن الصانع، والمادة الخارجية التي بيده.
وقوله عليه السلام: "تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه" في موضع دفع اعتراض مقدر، وهو أن يقال: إنا إنما نعرفه سبحانه بأسمائه الحاكية لجماله وجلاله، فدفعه بأن نفس التسمي بالأسماء يقضي بأن الأسماء غيره إذ لو لم تكن غيره لكان معرفته بأسمائه معرفة له بنفسه لا بشيء آخر ثم أكده بأن الأسماء واصفة، والذات موصوفة "والموصوف غير الواصف".
فإن رجع المعترض وقال: إنا نؤمن بما نجهله، ولا يمكننا معرفته بنفسه إلا بما تسمى معرفة به بنوع من المجاز كالمعرفة بالآيات و زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة لا يدري ما ذا يقول فإنه يدرك شيئاً لا محالة لا مجال له لإِنكار ذلك "ولا يدرك مخلوق شيئاً إلا بالله" فهو يعرف الله وإلا لم يمكنه أن يعرف به، ولا تنال "ولا تدرك معرفة الله إلا بالله" ولا رابطة مشتركة بين الخالق والمخلوق "والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه".
فقد تحصل من الرواية أن معرفة الله سبحانه ضروري لكل مدرك ذي شعور من خلقه إلا أن الكثير منهم ضال عن المعرفة مختلط عليه، والعارف بالله يعرفه به، ويعلم أنه يعرفه ويعرف كل شيء به، وفي بعض هذه المعاني روايات أُخر.
واعلم أن الروايات من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام كثيرة جداً لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها.
واعلم أنّا لم نورد بحثاً فلسفياً في مسألة الرؤية لأن الذي تتضمنه غالب ما أوردناه من الروايات من البيان بيان فلسفي فلم تمس الحاجة إلى عقد بحث على حدة.