التفاسير

< >
عرض

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٥٤
ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
٥٥
وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٦
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٥٧
وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
٥٨
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات متصلة بما قبلها مرتبطة بها فإن الآيات السابقة كانت تبين وبال الشرك بالله والتكذيب بآياته وأن ذلك يسوق الإِنسان إلى هلاك مؤبد وشقاء مخلد، وهذه الآيات تعلل ذلك بأن رب الجميع واحد إليه تدبير الكل يجب عليهم أن يدعوه ويشكروا له وتؤكد توحيد رب العالمين من جهتين:
إحداهما: أنه تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض جميعاً ثم دبر أمرها بالنظام الأحسن الجاري فيها الرابط بينها جميعاً فهو رب العالمين.
والثانية: أنه تعالى هو الذي يهيئ لهم الأرزاق بإخراج أنواع الثمرات التي يرتزقون بها بخلق ذلك بأعجب الطرق المتخذة لذلك وألطفها وهو الإِمطار فهو ربهم لا رب سواه.
قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} سيأتي البحث في معنى السماء والأيام الستة التي خلقتا فيها في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله.
قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} إلى قوله {بأمره} الاستواء الاعتدال على الشيء والاستقرار عليه، وربما استعمل بمعنى التساوي، يقال: استوى زيد وعمرو أي تساوياً قال تعالى: {لا يستوون عند الله}.
والعرش ما يجلس عليه الملك وربما كني به عن مقام السلطنة، قال الراغب في المفردات: العرش في الأصل شيء مسقف وجمعه عروش قال: {وهي خاوية على عروشها} ومنه قيل: عرشت الكرم وعرشتها إذا جعلت له كهيأة سقف. قال: والعرش شبه هودج للمرأة تشبيهاً في الهيأة بعرش الكرم، وعرشت البئر جعلت له عريشاً، وسمي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً بعلوه. قال: وعرش الله ما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم، وليس كما يذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له - تعالى عن ذلك - لا محمولاً والله تعالى يقول: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من إحد من بعده} وقال قوم: هو الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب، واستدل بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي عند العرش كذلك" (انتهى).
وقد استقرت العادة منذ القديم أن يختص العظماء من ولاة الناس وحكامهم ومصادر أمورهم من المجلس بما يختص بهم ويتميزون به عن غيرهم كالبساط والمتكأ حتى آل الأمر إلى إيجاد السرر والتخوت فاتخذ للملك ما يسمى عرشاً وهو أعظم وأرفع وأخص بالملك، والكرسي يعمه وغيره، واستدعى التداول والتلازم أن يعرف الملك بالعرش كما كان العرش يعرف بالملك في أول الأمر فصار العرش حاملاً لمعنى الملك ممثلاً لمقام السلطنة إليه يرجع وينتهي، وفيه تتوحد أزمة المملكة في تدبير أمورها وإدارة شؤونها.
واعتبر لاستيضاح ذلك مملكة من الممالك قطنت فيها أُمة من الأمم لعوامل طبيعية أو إقتصادية أو سياسية استقلوا بذلك في أمرهم وتميزوا من غيرهم فأوجدوا مجتمعاً من المجتمعات الإِنسانية واختلطوا وامتزجوا بالأعمال ونتائجها ثم اقتسموا في التمتع بالنتائج فاختص كل بشيء منها على قدر زنته الاجتماعية.
كان من الواجب أن تحفظ هذه الوحدة والإِتصال المتكون بالاجتماع بمن يقوم عليها فإن التجربة القطعية أوضحت للإِنسان أن العوامل المختلفة والأعمال والإِرادات المتشتتة إذا وجهت نحو غرض واحد وسيرت في مسير واحد لم تدم على نعت الاتحاد والملاءمة إلا أن تجمع أزمه الأمور المختلفة في زمام واحد وتوضع في يد من يحفظه ويديم حياته بالتدبير الحسن فتحيي به الجميع وإلا فسرعان ما تتلاشى وتتشتت.
ولذلك ترى أن المجتمع المترقي ينوع الأعمال الجزئية نوعاً نوعاً ثم يقدم زمام كل نوع إلى كرسي من الكراسي كالدوائر والمصالح الجزئية المحلية، ثم ينوع أزمه الكراسي فيعطي كل نوع كرسياً فوق ذلك، وعلى هذا القياس حتى ينتهي الأمر إلى زمام واحد يقدم إلى العرش ويهدى لصاحب العرش.
ومن عجيب أمر هذا الزمام وانبساطه وسعته في عين وحدته أن الأمر الواحد الصادر من هذا المقام يسير في منازل الكراسي التابعه له على كثرتها واختلاف مراتبها فيتشكل في كل منزل بشكل يلائمه ويعرف فيه، ويتصور لصاحبه بصورة ينتفع بها ويأخذها ملاكاً لعمله. يقول مصدر الأمر "ليجر الأمر" فتأخذه المصالح المالية تكليفاً مالياً ومصالح السياسة تكليفاً سياسياً، ومصالح الجيش تكليفاً دفاعياً وعلى هذا القياس كلما صعد أو نزل.
فجميع تفاصيل الأعمال والإِرادات والأحكام المجراة فيها المنبسطة في المملكة وهي لا تحصى كثرة أو لا تتناهى لا تزال تتوحد وتجتمع في الكراسي حتى تنتهي إلى العرش فتتراكم عنده بعضها على بعض وتندمج وتتداخل وتتوحد حتى تصير واحداً هو في وحدته كل التفاصيل فيما دون العرش، وإإذا سار هذا الواحد إلى ما دونه لم يزل يتكثر ويتفصل حتى ينتهي إلى أعمال أشخاص المجتمع وإراداتهم.
هذا في النظام الوضعي الاعتباري الذي عندنا، وهو لا محالة مأخوذ من نظام التكوين، والباحث عن النظام الكوني يجد أن الأمر فيه على هذه الشاكلة؛ فالحوادث الجزئية تنتهي إلى علل وأسباب جزئية، وتنتهي هي إلى أسباب أُخرى كلية حتى تنتهي الجميع إلى الله سبحانه غير أن الله سبحانه مع كل شيء وهو محيط بكل شي، وليس كذلك الملك من ملوكنا لحقيقية ملكه تعالى واعتبارية ملك غيره.
ففي عالم الكون على اختلاف مراحل مرحلة تنتهي إليها جميع أزمة الحوادث الملقاة على كواهل الأسباب، وأزمة الأسباب على اختلاف أشخاصها وأنواعها، وترتب مراتبها هو المسمى عرشاً كما سيجيء، وفيه صور الأمور الكونية المدبرة بتدبير الله سبحانه كيفما شاء، وعنده مفاتح الغيب.
فقوله تعالى: {ثم استوى على العرش} كناية عن استيلائه على ملكه وقيامه بتدبير الأمر قياماً ينبسط على كل ما دق وجل، ويترشح منه تفاصيل النظام الكوني ينال به كل ذي بغية بغيته، وتقضي لكل ذي حاجة حاجته، ولذلك عقب حديث الاستواء في سورة يونس في مثل الآية بقوله: {يدبر الأمر} إذ قال:
{ ثم استوى على العرش يدبر الأمر } [يونس: 3]. ثم فصل بقوله: {يغشي الليل النهار} ويستره به {يطلبه} أي يطلب الليل النهار ليغشيه ويستره {حثيثاً} أي طلباً حثيثاً سريعاً، وفيه إشعار بأن الظلمة هي الأصل، والنهار الذي يحصل من إنارة الشمس ما يواجهها مما حولها، عارض لليل الذي هو الظلمة المخروطية اللازمة لأقل من نصف كرة الأرض المقابل للجانب المواجه للشمس كأن الليل يعقبه ويهجم عليه.
وقوله: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} أي خلقهن والحال أنها مسخرات بأمره يجرين على ما يشاء ولما يشاء وقرئ الجميع بالرفع، وعلى ذلك فالشمس مبتدء والقمر والنجوم معطوفة عليها، ومسخرات خبره، والباء في قوله: {بأمره} للسببية.
ومجموع قوله: {يغشي الليل النهار} الخ، يجري مجرى التفسير لقوله: {ثم استوى على العرش} على ما يعطيه السياق، وهو الذي تعطيه أغلب الآيات القرآنية التي يذكر فيها العرش فإنها تذكر معه شيئاً من التدبير أو ما يؤول إليه بحسب المعنى.
قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} الخلق هو التقدير بضم شيء إلى شيء وإن استقر ثانياً في عرف الدين وأهله في معنى الإِيجاد أو الإِبداع على غير مثال سابق، وأما الأمر فيستعمل في معنى الشأن وجمعه أُمور، ومصدراً بمعنى يقرب من بعث الإِنسان غيره نحو ما يريده يقال أمرته بكذا أمراً، وليس من البعيد أن يكون هذا هو الأصل في معنى اللفظ ثم يستعمل الأمر اسم مصدر بمعنى نتيجة الأمر وهو النظم المستقر في جميع أفعال المأمور المنبسط على مظاهر حياته، فينطبق في الإِنسان على شأنه في الحياة ثم يتوسع فيه فيستعمل بمعنى الشأن في كل شيء فأمر كل شيء هو الشأن الذي يصلح له وجوده، وينظم له تفاريق حركاته وسكناته وشتى أعماله وإراداته، يقال أمر العبد إلى مولاه، أي هو يدبر حياته ومعاشه، وأمر المال إلى مالكه، وأمر الإِنسان إلى ربه أي بيده تدبيره في مسير حياته.
ولا يرد عليه أن الأمر بمعنى الشأن يجمع على "أُمور" وبمعنى يقابل النهي على "أوامر" وهو ينافي رجوع أحدهما إلى الآخر معنى!، فإن أمثال هذه التفننات كثيرة في اللغة يعثر عليها المتتبع الناقد فالأمر كالمتوسط بين من يملكه وبين من يملك منه كالمولى والعبد ويضاف إلى كل منهما يقال: أمر العبد وأمر المولى، قال تعالى:
{ وأمره إلى الله } [البقرة: 275]، وقال: { أتى أمر الله } [النحل: 1]. وقد فسر سبحانه أمره الذي يملكه من الأشياء بقوله: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 82 - 83]، فبين أن أمره الذي يمكله من كل شيء سواء كان ذاتاً أو صفه أو فعلاً وأثراً هو قول كن وكلمة الإِيجاد وهو الوجود الذي يفيضه عليه فيوجد هو به، فإذا قال لشيء: كن فكان، فقد أفاض عليه ما وجد به من الوجود، وهذا الوجود الموهوب له نسبة إلى الله سبحانه وهو بذاك الاعتبار أمره تعالى وكلمة {كن} الإِلهية، وله نسبة إلى الشيء الموجود، وهو بذاك الاعتبار أمره الراجع إلى ربه، وقد عبر عنه في الآية بقوله {فيكون}.
وقد ذكر تعالى لكل من النسبتين - وإن شئت فقل: للإِيجاد المنسوب إليه تعالى وللوجود المنسوب إلى الشيء - نعوتاً وأحكاماً مختلفة سنبحث عنها إن شاء الله في محل يناسبه.
والحاصل: أن الأمر هو الإِيجاد سواء تعلق بذات الشيء أو بنظام صفاته وأفعاله فأمر ذوات الأشياء إلى الله وأمر نظام وجودها إلى الله لأنها لا تملك لنفسها شيئاً البتة، والخلق هو الإِيجاد عن تقدير وتأليف سواء كان ذلك بنحو ضم شيء إلى شيء كضم أجزاء النطفة بعضها إلى بعض وضم نطفة الذكور إلى نطفة الإِناث ثم ضم الأجزاء الغذائية إليها في شرائط خاصة حتى يخلق بدن إنسان مثلاً، أم من غير أجزاء مؤلفة كتقدير ذات الشيء البسيط وضم ما له من درجة الوجود وحده وما له من الآثار والروابط التي له مع غيره، فالأصول الأولية مقدرة مخلوقة كما أن المركبات مقدرة مخلوقة. قال الله تعالى:
{ وخلق كل شيء فقدره تقديراً } [الفرقان: 2]، وقال: { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، وقال: { الله خالق كل شيء } [الأنعام: 2]، فعمم خلقه كل شيء.
فقد اعتبر في معنى الخلق تقدير جهات وجود الشيء وتنظيمها سواء كانت متمايزة منفصلاً بعضها عن بعض أم لا بخلاف الأمر.
ولذا كان الخلق يقبل التدريج كما قال: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} بخلاف الأمر قال تعالى:
{ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } [القمر: 50]، ولذلك أيضاً نسب في كلامه إلى غيره الخلق كقوله: { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه } [المائدة: 110]، وقال: { فتبارك الله أحسن الخالقين } [المؤمنون: 14]. وأما الأمر بهذا المعنى فلم ينسبه إلى غيره بل خصه بنفسه، جعله بينه وبين ما يريد حدوثه وكينونته كالروح الذي يحيى به الجسد.
انظر إلى قوله تعالى: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} وقوله:
{ ولتجري الفلك بأمره } [الروم: 46]، وقوله: { ينزل الملائكة بالروح من أمره } [النحل: 2]، وقوله: { وهم بأمره يعملون } [الأنبياء: 27]، إلى غير ذلك من الآيات تجد أنه تعالى يجعل ظهور هذه الأشياء بسببية أمره أو بمصاحبة أمره، فنلخص أن الخلق والأمر يرجعان بالآخرة إلى معنى واحد وإن كانا مختلفين بحسب الاعتبار.
فإذا انفرد كل من الخلق والأمر صح أن يتعلق بكل شيء، كل بالعناية الخاصة به، وإذا اجتمعا كان الخلق أحرى بأن يتعلق بالذوات بما أنها أُوجدت بعد تقدير ذواتها وآثارها، ويتعلق الأمر بآثارها والنظام الجاري فيها بالتفاعل العام بينها لما أن الآثار هي التي قدرت للذوات ولا وجه لتقدير المقدر فافهم ذلك.
ولذلك قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} فأتى بالعطف المشعر بالمغايرة بوجه وكأن المراد بالخلق ما يتعلق من الإِيجاد بذوات الأشياء، وبالأمر ما يتعلق بآثارها والأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها كما ميز بين الجهتين في أول الآية حيث قال: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} وهذا هو إيجاد الذوات {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} وهو إيجاد النظام الأحسن بينها بإيقاع الأمر تلو الأمر والإِتيان بالواحد منه بعد الواحد.
وما ربما يقال: إن العطف لا يقتضي المغايرة، ولو اقتضى ذلك لدل في قوله:
{ من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل } [البقرة: 98]، على كون جبريل من غير جنس الملائكة! مدفوع بأن المراد مغايرة ما ولو اعتباراً لقبح قولنا جائني زيد وزيد ورأيت عمراً وعمراً فلا محيص عن مغايرة ما ولو بحسب الاعتبار، وجبريل مع كونه من جنس الملائكة يغايره غيره بما له من المقام المعلوم والقوة والمكانة عند ذي العرش.
وقوله تعالى: {تبارك الله رب العالمين} أي كان ذا بركات ينزلها على مربوبيه من جميع من في العالمين فهو ربهم.
(كلام في معنى العرش)
للناس في معنى العرش بل في معنى قوله: {ثم استوى على العرش} والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة، فأكثر السلف على أنها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه، وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينية والتطلع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنه بدعة، والعقل يخطئهم في ذلك والكتاب والسنة لا يصدقانهم فآيات الكتاب تحرض كل التحريض على التدبر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها والاحتجاج بالحجج العقلية، ومتفرقات السنة المتواترة معنى توافقها، ولا معنى للأمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة، وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة - حتى البحث الكلامي الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ووضعها على ما تفيده بحسب الفهم العامي ثم الدفاع عنها بما تيسر من المقدمات المشهورة والمسلمة عند أهل الدين - ويعدونها بدعه فلنتركهم وشأنهم.
وأما طبقات الباحثين فقد اختلفوا في معناه على أقوال:
1 - حمل الكلمة على ظاهر معناها فالعرش عندهم مخلوق كهيئة السرير له قوائم وهو موضوع على السماء السابعة والله - تعالى عما يقول الظالمون - مستو عليه كاستواء الملوك منا على عروشهم، وأكثر هؤلاء على أن العرش والكرسي شيء واحد، وهو الذي وصفناه.
وهؤلاء هم المشبهة من المسلمين، والكتاب والسنة والعقل تخاصمهم في ذلك وتنزه رب العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه ويشبهه في ذات، أو صفه أو فعل تعالى وتقدس.
2 - أن العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني والمحدد للجهات والأطلس الخالي من الكواكب، والراسم بحركته اليومية للزمان، وفي جوفه مماساً به الكرسي وهو الفلك الثامن الذي فيه الثوابت، وفي جوفه الأفلاك السبعة الكلية التي هي أفلاك السيارات السبع: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر بالترتيب محيطاً بعضها ببعض.
وهذه هي التي يفرضها علم الهيئة على مسلك بطليموس لتنظيم الحركات العلوية الظاهرة للحس طبقوا عليها ما يذكره القرآن من السماوات السبع والكرسي والعرش فما وجدوا من أحكامها المذكورة في الهيئة والطبيعيات لا يخالف الظواهر قبلوه، وما وجدوه يخالف الظواهر الموجودة في الكتاب ردوه كقولهم: ليس للفلك المحدد وراء لا خلأ ولا ملأ، وقولهم بدوام الحركات الفلكية، واستحالة الخرق والالتيام عليها، وكون كل فلك يماس بسطحه سطح غيره من غير وجود بعد بينها ولا سكنة فيها، وكون أجسامها بسيطة متشابهة لا ثقب فيها ولا باب.
والظواهر من القرآن والحديث تثبت أن وراء العرش حجباً وسرادقات، وأن له قوائم، وإن له حملة، وأن الله سيطوي السماء كطي السجل للكتب، وأن في السماء سكنة من الملائكة ليس فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك راكع أو ساجد يلجونه وينزلون منه ويصعدون إليه وأن للسماء أبواباً، وأن الجنة فيها عند سدرة المنتهى التي ينتهي إليها أعمال العباد إلى غير ذلك مما ينافي بظاهره ما افترضه علماء الهيئة والطبيعيات سابقاً، والقائلون منا إن السماوات والكرسي والعرش هي ما افترضوه من الأفلاك التسعة الكلية يدفعون ذلك كله بمخالفة الظواهر.
ولم ينبههم هذا الاختلاف في الوصف على أن ما يصفه القرآن غير ما يفترضه أُولئك لتوجيه الحركات العلوية حتى أوضحت الأبحاث الأخيرة العميقة في الهيئة والطبيعيات المؤيدة بالحس والتجربة بطلان الفرضيات السابقة من أصلها فاضطر هؤلاء إلى فسخ تطبيقهم ورفع اليد عنه.
3 - أن لا مصداق للعرش خارجاً وإنما قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} و {الرحمان على العرش استوى} كناية عن استيلائه تعالى على عالم الخلق، وكثيرا ماً يطلق الاستواء على الشيء على الاستيلاء عليه كما قيل:

قد استوى بشر على العراق مــن غير سيف ودم مهراق

أو أن الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الأمور كما أن الملوك إذا أرادوا الشروع في إدارة أُمور مملكتهم استووا على عروشهم وجلسوا عليه والشروع والأخذ في أمر وجميع ما ينبئ عن تغير الأحوال وتبدلها وأن كانت ممتنعة في حقه تعالى لتنزهه تعالى عن التغير والتبدل لكن شأنه تعالى يسمى شروعاً وأخذاً بالنظر إلى حدوث الأشياء بذواتها وأعيانها يومئذ فيسمى شأنه تعالى وهو الشمول بالرحمة إذا تعلق بها شروعاً وأخذاً بالتدبير نظير سائر الأفعال الحادثة المقيدة بالزمان المنسوبة إليه تعالى كقولنا خلق الله فلاناً، وأحيا فلاناً، وأمات فلاناً، ورزق فلاناً، ونحو ذلك.
وفيه: أن كون قوله: {ثم استوى على العرش} جارياً مجرى الكناية بحسب اللفظ وإن كان حقاً لكنه لا ينافي أن يكون هناك حقيقة موجودة تعتمد عليها هذه العناية اللفظية، والسلطة والاستيلاء والملك والإِمارة والسلطنة والرئاسة والولاية والسيادة وجميع ما يجري هذا المجرى فينا أُمور وضعية اعتبارية ليس في الخارج منها إلا آثارها على ما سمعته منا كراراً في الأبحاث الاعتبارية السابقة والظواهر الدينية تشابه من حيث البيان ما عندنا من بيانات أُمورنا وشؤوننا الاعتبارية لكن الله سبحانه يبين لنا أن هذه البيانات وراءها حقائق واقعية، وجهات خارجية ليست بوهمية اعتبارية.
فمعنى الملك والسلطنة والإِحاطة والولاية وغيرها فيه سبحانه هو المعنى الذي نفهمه من كل هذه الألفاظ عندنا لكن المصاديق غير المصاديق فلها هناك مصاديق حقيقية خارجية على ما يليق بساحة قدسه تعالى وأما ما عندنا من مصاديق هذه المفاهيم فهي أوصاف ذهنية ادعائية وجهات وضعية اعتبارية لا تتعدى الوهم، وإنما وضعناها وأخذنا بها للحصول على آثار حقيقية هي آثارها بحسب الدعوى فلا يسمى الرئيس رئيساً إلا لأن يتبع الذين نسميهم مرؤوسين إرادته وعزائمه لا لأن الجماعة بدون حقيقة وهو رأسهم حقيقة ولا نسمي جزء الهيئة المؤتلفة عضواً لأنه يد إو رجل أو كبد أو رئة حقيقة بل لأن يتصدى من الأمور المقصودة في هذا التشكيل والاجتماع ما يتصداه عضو من الأعضاء الموجودة في بدن الإِنسان مثلاً.
وهذا هو الذي يسميه الله تعالى لعباً ولهواً إذ يقول:
{ وما هذه الحياه الدنيا إلا لهو ولعب } [العنكبوت: 64]، فالمقاصد الدنيوية من زينة ومال وأولاد وتقدم ورئاسة وحكومة وأمثالها ليست إلا عناوين وهمية لا تحقق لها إلا في الأوهام، وليس الاشتغال بها لغير المقاصد الاخروية إلا اشتغالاً بأمور وهمية وصور خيالية، ولا المسابقة في تحصيلها إلا كمسابقة الأطفال في تحصيل التقدم في الملاعب التي يشتغلون بها، وليس إلا تحصيل حالة خيالية ليس منها في خارجه عين ولا أثر.
وحاشا لله سبحانه أن يذم هذه الحياة الفانية الغارة، ويسميها لعباً لما تشتمل عليه من الشؤن الوهمية ثم يكون تعالى وتقدس أول اللاعبين!.
وبالجملة قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} في عين أنه تمثيل يبين به أن له إحاطة تدبيرية لملكه يدل على أن هناك مرحلة حقيقية هي المقام الذي يجتمع فيه جميع أزمة الأمور على كثرتها واختلافها، ويدل عليه آيات أخر تذكر العرش وحده وينسبه إليه تعالى كقوله تعالى:
{ وهو رب العرش العظيم } [التوبة: 129]، وقوله: { الذين يحملون العرش ومن حوله } [غافر: 7]، وقوله: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانيه } [الحاقة: 17]، وقوله: { حافين من حول العرش } [الزمر: 75]. فالآيات - كما ترى - تدل بظاهرها على أن العرش حقيقة من الحقائق العينية وأمر من الأمور الخارجية ولذلك نقول: إن للعرش في قوله: {ثم استوى على العرش} مصداقاً خارجياً، ولم يوضع في الكلام لمجرد تتميم المثل كما نقوله في أمثال كثيرة مضروبة في القرآن فلا نقول في مثل آية النور مثلاً: إن في الوجود زجاجة إلهية أو شجرة زيتونة إلهية أو زيتاً إلهياً، ونقول: إن في الوجود عرشاً إلهياً أو لوحاً وقلماً إلهيين وكتاباً مكتوباً فافهم ذلك.
وهذا العرش الذي يستفاد من مثل قوله: {ثم استوى على العرش} أنه مقام في الوجود يجتمع فيه أزمة الحوادث والأمور كما يجتمع أزمه المملكة في عرش الملك على التفصيل الذي تقدم في بيان الآية يدل على تحقق هذه الصفة له قوله تعالى:
{ ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه } [يونس: 3]، ففسر الاستواء على العرش بتدبير الأمر منه، وعقبه بقوله: {ما من شفيع إلا من بعد بإذنه} والآية لما كانت في مقام وصف الربوبية والتدبير التكويني كان المراد بالشفاعة الشفاعة في أمر التكوين، وهو السببية التي توجد في الأسباب التكوينية التي هي وسائط متخللة بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى كالنار المتخللة بينه وبين الحرارة التي يخلقها، والحرارة المتخللة بينه وبين التخلخل أو ذوبان الاجسام فنفي السببية عن كل شيء إلا من بعد إذنه لإِفادة توحيد الربوبية التي يفيده صدر الآية: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض}.
وفي قوله: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} بيان حقيقة أُخرى وهي رجوع التخلف في التدبير إلى التدبير بعينه بواسطة الإِذن، فإن الشفيع إنما يتوسط بين المشفوع له المحكوم بحكم، المشفوع عنده، ليغير بالشفاعة مجرى حكم سيجري لولا الشفاعة فالشمس المضيئة بالمواجهة مثلاً شفيعة متوسطة بين الله سبحانه وبين الأرض لاستنارتها بالنور ولولا ذلك لكان مقتضى تقدير الأسباب العامة ونظمها أن تحيط بها الظلمة ثم الحائل من سقف أو أي حجاب آخر شفيع آخر يسأله تعالى أن لا يقع نور الشمس على الأرض باستقامة وهكذا.
فإذا كانت شفاعة الشفيع - وهو سبب مغير لما سبقه من الحكم - مستندة إلى إذنه تعالى كان معناه أن التدبير العام الجاري إنما هو من الله سبحانه، وأن كل ما يتخذ من الوسائل لإِبطال تدبيره وتغيير مجرى حكمه أعم مما يتخذه الأسباب التكوينية وما يتخذه الإِنسان من التدابير للفرار عن حكم الأسباب الجارية الإِلهية كل ذلك من التدبير الإِلهي.
ولذلك نرى الأشياء الردية تعصي فلا تقبل الصور الشريفه والمواهب السامية، لقصور استعدادها عن قبولها، وهذا الرد منها بعينه قبول، والامتناع من قبول التربية بعينه تربية أُخرى إلهيه والإِنسان على ما به من الجهل يستعلي على ربه ويستنكف عن الخضوع لعظمته وهو بعينه انقياد لحكمه، ويمكر به وهو بعينه ممكور به قال تعالى:
{ وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } [الأنعام: 123]، وقال تعالى: { وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون } [آل عمران: 69]، وقال تعالى: { وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } [العنكبوت: 22]. فقوله: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} يدل على أن شفاعة الشفاعة أو الأسباب المخالفة التي تحول بين التدبير الإِلهي وبين مقتضياته داخلة من جهة أُخرى وهي جهة الإِذن في التدبير الإِلهي فافهم ذلك.
فما مثل الأسباب والعوامل المتخالفة المتزاحمة في الوجود إلا كمثل كفتي الميزان تتعاركان بالارتفاع والانخفاض، والثقل والخفة لكن اختلافهما بعينه اتفاق منهما في إعانة صاحب الميزان في تشخيص ما يريد تشخيصه من الوزن.
ويقرب من آية سورة يونس في الدلالة على شمول التدبير ونفي مدبر غيره تعالى قوله:
{ ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } [السجدة: 4]، ويقرب من قوله: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} في الإِشارة إلى كون العرش مقاماً تنتشئ فيه التدابير العامة وتصدر عنه الأوامر التكوينية قوله تعالى: { ذو العرش المجيد فعال لما يريد } [البروج: 15]، وهو ظاهر.
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى:
{ وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق } [الزمر: 75]، فإن الملائكة هم الوسائط الحاملون لحكمه والمجرون لأمره العاملون بتدبيره فليكونوا حافين حول عرشه.
وكذا قوله تعالى:
{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } [غافر: 7]، وفي الآية مضافاً إلى ذكر احتفافهم بالعرش شيء آخر وهو أن هناك حملة يحملون العرش، وهم لا محالة أشخاص يقوم بهم هذا المقام الرفيع والخلق العظيم الذي هو مركز التدابير الإِلهية ومصدرها، ويؤيد ذلك ما في آية أُخرى وهي قوله: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } [الحاقة: 17]. وإذ كان العرش هو المقام الذي يرجع إليه جميع أزمة التدابير الإِلهية والأحكام الربوبية الجارية في العالم كما سمعت، كان فيه صور جميع الوقائع بنحو الإِجمال حاضرة عند الله معلومة له، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: { ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير } [الحديد: 4]، فقوله: {يعلم ما يلج} الخ، يجري مجرى التفسير للاستواء على العرش فالعرش مقام العلم كما أنه مقام التدبير العام الذي يسع كل شيء، وكل شيء في جوفه.
ولذلك هو محفوظ بعد رجوع الخلق إليه تعالى لفصل القضاء كما في قوله: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} وموجود مع هذا العالم المشهود كما يدل عليه آيات خلق السماوات والأرض، وموجود قبل هذه الخلقة كما يدل عليه قوله:
{ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } [هود: 7]. قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} إلى آخر الآيتين. التضرع هو التذلل من الضراعة وهي الضعف والذلة. والخفية هي الاستتار، وليس من البعيد أن يكون كناية عن التذلل جيء به لتأكيد التضرع فإن المتذلل يكاد يختفي من الصغار والهوان.
الآية السابقة: {إن ربكم الله الذي خلق} الآية تذكر بربوبيته وحده لا شريك له من جهة أنه هو الخالق وحده، وإليه تدبير خلقه وحده؛ فتعقيبها بهاتين الآيتين بمنزلة أخذ النتيجة من البيان، وهي الدعوة إلى دعائه وعبوديته، والحكم بأخذ دين يوافق ربوبيته تعالى وهي الربوبية من غير شريك في الخلق ولا في التدبير.
ولذلك دعا أولاً إلى دين العبودية فقال: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} {إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} فأمر أن يدعوه بالتضرع والتذلل وأن يكون ذلك خفية من غير المجاهرة البعيدة عن أدب العبودية الخارجة عن زيها - بناء على أن تكون الواو في {تضرعاً وخفية} للجمع - أو أن يدعوه بالتضرع والابتهال الملازم عادة للجهر بوجه أو بالخفية إخفاتاً فإن ذلك هو لازم العبودية ومن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبودية وإن الله لا يحب المعتدين.
ومن الممكن أن يكون المراد بالتضرع والخفية: الجهر والسر وإنما وضع التضرع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافياً لأدب العبودية إلا أن يصاحب التضرع.
هذا فيما بينهم وبين الله، وأما فيما بينهم وبين الناس فأن لا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فليس حقيقة الدين فيما يرجع إلى حقوق الناس إلا أن يصلح شأنهم بارتفاع المظالم من بينهم ومعاملتهم بما يعينهم على التقوى، ويقربهم من سعادة الحياة في الدنيا والآخرة.
ثم كرر الدعوة إليه وأعاد البعث إلى دعائه بالجمع بين الطريقين الذين لم يزل البشر يعبد الرب أو الأرباب من أحدهما وهما طريق الخوف وطريق الرجاء فإن قوماً كانوا يتخذون الأرباب خوفاً فيعبدونهم ليسلموا من شرورهم، وكان قوماً يتخذون الأرباب طمعاً فيعبدونهم لينالوا خيرهم وبركتهم لكن العبادة عن محض الخوف ربما ساق الإِنسان إلى اليأس والقنوط فدعاه إلى ترك العبادة، وقد شوهد ذلك كثيراً، والعبادة عن محض الطمع ربما قاد إلى استرسال الوقاحة وزوال زي العبودية فدعاه إلى ترك العبادة، وقد شوهد أيضاً كثيراً فجمع سبحانه بينهما ودعا إلى الدعاء باستعمالهما معاً فقال: {وادعوه خوفاً وطمعاً} ليصلح كل من الصفتين ما يمكن أن تفسده الأخرى، وفي ذلك وقوع في مجرى الناموس العام الجاري في العالم أعني ناموس الجذب والدفع.
وقد سمى الله سبحانه هذا الاعتدال في العبادة والتجنب عن إفساد الأرض بعد إصلاحها إحساناً وبشر المجيبين لدعوته بأنهم يكونون حينئذ محسنين فتقرب منهم رحمته {إن رحمة الله قريب من المحسنين}.
ولم يقل: رحمة الله قريبة، قيل: لأن الرحمة مصدر يستوي فيه الوجهان، وقيل: لأن المراد بالرحمة الإِحسان، وقيل: لأن قريب فعيل بمعنى المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث ونظيره قوله تعالى:
{ لعل الساعة قريب } [الشورى: 17]. قوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} إلى آخر الآية وفي الآية بيان لربوبيته تعالى من جهه العود كما أن في قوله: {إن ربكم الله} الآية بياناً لها من جهة البدء.
وقوله: {بشراً} وأصله البشر بضمتين جمع بشير كالنذر جمع نذير، والمراد بالرحمة المطر، وقوله: {بين يدي رحمته} أي قدام المطر، وفيه استعارة تخييلية بتشبيه المطر بالإِنسان الغائب الذي ينتظره أهله فيقدم وبين يديه بشير يبشر بقدومه.
والإِقلال الحمل، والسحاب والسحابة الغمام والغمامة كتمر وتمرة وكون السحاب ثقالاً باعتبار حمله ثقل الماء، وقوله {لبلد ميت} أي لأجل بلد ميت أو إلى بلد ميت والباقي ظاهر.
والآية تحتج بإحياء الأرض على جواز إحياء الموتى لأنهما من نوع واحد، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد وليس الأحياء الذين عرض لهم عارض الموت بمنعدمين من أصلهم فإن أنفسهم وأرواحهم باقية محفوظة وإن تغيرت أبدانهم، كما أن النبات يتغير ما على وجه الأرض منها ويبقى ما في أصله من الروح الحية على انعزال من النشوء والنماء ثم تعود إليه حياته الفعالة كذلك يخرج الله الموتى فما إحياء الموتى في الحشر الكلي يوم البعث إلا كإحياء الأرض الميتة في بعثة الجزئي العائد كل سنة، وللكلام ذيل سيوافيك في محل آخر إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} إلى آخر الآية. النكد القليل. والآية بالنظر إلى نفسها كالمثل العام المضروب لترتب الأعمال الصالحة والآثار الحسنة على الذوات الطيبة الكريمة كخلافها على خلافها كما تقدم في قوله: {كما بدأكم تعودون} لكنها بانضمامها إلى الآية السابقة تفيد أن الناس وإن اختلفوا في قبول الرحمة فالاختلاف من قبلهم والرحمة الإِلهية عامة مطلقه.
(بحث روائي)
لم ينقل عن طبقة الصحابة بحث حقيقي عن مثل العرش والكرسي وسائر الحقائق القرآنية وحتى أُصول المعارف كمسائل التوحيد وما يلحق بها بل كانوا لا يتعدون الظواهر الدينية ويقفون عليها، وعلى ذلك جرى التابعون وقدماء المفسرين حتى نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وعن الإِمام مالك أن رجلاً قال له: يا أبا عبد الله استوى على العرش، كيف استوى؟ قال الراوي: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء يعني العرق وأطرق القوم. قال فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول: والاستواء منه غير مجهول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً، وأمر به فاخرج.
وكأن قوله: الكيف غير معقول الخ، مأخوذ عما روي عن أُم سلمة أُم المؤمنين في قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى} قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإِقرار به إيمان، والجحود به كفر.
فهذا نحو سلوكهم في ذلك لم يورث منهم شيء إلا ما يوجد في كلام الإِمام علي بن أبي طالب والأئمة من ولده بعده عليهم السلام ونحن نورد بعض ما عثرنا عليه في كلامهم.
ففي التوحيد بإسناده عن سلمان الفارسي فيما أجاب به على عليه السلام الجاثليق: فقال علي عليه السلام: إن الملائكة تحمل العرش، وليس العرش كما تظن كهيئة السرير ولكنه شيء محدود مخلوق مدبر وربك مالكه لا أنه عليه ككون الشيء على الشيء. الخبر.
وفي الكافي عن البرقي رفعه قال: سأل الجاثليق علياً عليه السلام فقال: أخبرني عن الله عز وجل يحمل العرش أو العرش يحمله؟ فقال عليه السلام: الله عز وجل حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول الله عز وجل: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً}.
قال: فأخبرني عن قوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} فكيف ذاك وقلت: إنه يحمل العرش والسماوات والأرض؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أخضر منه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أبيض منه ابيض البياض.
وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من نور عظمته فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المتشتتة فكل شيء محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً فكل شيء محمول، والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا، والمحيط بهما من شيء، وهو حياة كل شيء ونور كل شيء سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
قال له: فأخبرني عن الله أين هو؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هو ها هنا وها هنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، وذلك قوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم}.
فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج من هذه الأربعة شيء خلقه الله في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله فقال: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته، الخبر.
أقول: قوله أخبرني عن الله عز وجل يحمل العرش أو العرش يحمله الخ، ظاهر في أن الجاثليق أخذ الحمل بمعنى حمل الجسم للجسم، وقوله عليه السلام: الله حامل العرش والسماوات والأرض الخ، أخذ للحمل بمعناه التحليلي وتفسير له بمعنى حمل وجود الشيء وهو قيام وجود الأشياء به تعالى قياماً تبعياً محضاً لا استقلالياً، ومن المعلوم أن لازم هذا المعنى أن يكون الأشياء محمولة له تعالى لا حاملة.
ولذلك لما سمع الجاثليق ذلك سأله عليه السلام عن قوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} فإن حمل وجود الشيء بالمعنى المتقدم يختص به تعالى لا يشاركه فيه غيره مع أن الآية تنسبه إلى غيره! ففسر عليه السلام الحمل ثانياً بحمل العلم وفسر العرش بالعلم.
غير أن ذلك حيث كان يوهم المناقضة بين التفسيرين زاد عليه السلام في توضيح ما ذكره من كون العرش هو العلم أن هذا العلم غير ما هو المتبادر إلى الأفهام العامية من العلم وهو العلم الحصولي الذي هو الصورة النفسانية بل هو نور عظمته وقدرته حضرت لهؤلاء الحملة بإذن الله وشوهدت لهم فسمي ذلك حملاً، وهو مع ذلك محمول له تعالى ولا منافاة كما أن وجود أفعالنا حاضرة عندنا محمولة لنا وهي مع ذلك حاضرة عند الله سبحانه محمولة له وهو المالك الذي ملكنا إياها.
فنور العظمة الإِلهية وقدرته الذي ظهر به جميع الأشياء هو العرش الذي يحيط بما دونه وهو ملكه تعالى لكل شيء دون العرش وهو تعالى الحامل لهذا النور ثم الذين كشف الله لهم عن هذا النور يحملونه بإذن الله والله سبحانه هو الحامل للحامل والمحمول جميعاً.
فالعرش في قوله: {ثم استوى على العرش} - وإن شئت قلت: الاستواء على العرش هو الملك، وفي قوله: {ويحمل عرش ربك} الآية هو العلم، وهما جميعاً واحد وهو المقام الذي يظهر به جميع الأشياء ويتمركز فيه إجمال جميع التدابير التفصيلية الجارية في نظام الوجود فهو مقام الملك الذي يصدر منه التدابير، ومقام العلم الذي يظهر به الأشياء.
وقوله عليه السلام: فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين "الخ" يريد أن هذا المقام هو المقام الذي ينشأ منه تدبير نظام السعادة الذي وقع فيه مجتمع المؤمنين وتسير عليه قافلتهم في مسيرهم إلى الله سبحانه، وينشأ منه نظام الشقاء الذي ينبسط على جميع المعاندين أعداء الله الجاهلين بمقام ربهم بل المقام الذي ينشأ منه النظام العالمي العام الذي يعيش تحته كل ذي وجود، ويسير به سائرهم للتقرب إليه بأعمالهم وسننهم سواء علموا بما هم فيه من ابتغاء الوسيلة إليه تعالى أو جهلوا.
وقوله عليه السلام: "وهو حياة كل شيء ونور كل شيء" كالتعليل المبين لقوله قبله فكل شيء محمول يحمله الله إلى آخر ما قال. ومحصله أنه تعالى هو الذي به يوجد كل شيء، وهو الذي يدرك كل شيء، فيظهر به طريقه الخاص به في مسير وجوده ظهور الطريق المظلم لسائره بواسطة النور فهي لا تملك لأنفسها شيئاً بل الله سبحانه هو المالك لها الحامل لوجودها.
وقوله عليه السلام: هو ها هنا وها هنا وفوق وتحت "الخ" يريد أن الله سبحانه لما كان مقوماً لوجود كل شيء حافظاً وحاملاً له لم يكن محل من المحال خالياً عنه، ولا هو مختصاً بمكان دون مكان، وكان معنى كونه في مكان أو مع شيء ذي مكان أنه تعالى حافظ له وحامل لوجوده ومحيط به، وهو وكذا غيره محفوظ بحفظه تعالى ومحمول ومحاط له.
وهذا يؤل إلى علمه الفعلي بالاشياء، ونعني به أن كل شيء حاضر عنده تعالى غير محجوب عنه، ولذلك قال عليه السلام أولاً: "فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى" فأشار إلى الإِحاطة ثم عقبه بقوله: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} فأشار إلى العلم فأنتج ذلك أن الكرسي ويعني به العرش مقام الإِحاطة والتدبير والحفظ، وأنه مقام العلم والحضور بعينه، ثم طبقه على قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} الآية.
وقوله عليه السلام: "وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق الله في ملكوته" كأنه إشارة إلى الألوان الأربعة المذكورة في أول كلامه عليه السلام وسيجيء كلام فيها في أحاديث المعراج إن شاء الله.
وقوله عليه السلام "وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه" فالعرش هو الملكوت غير أن الملكوت إثنان ملكوت أعلى وملكوت أسفل، والعرش لكونه مقام الإِجمال وباطن البابين من الغيب كما سيأتي ما يدل على ذلك من الرواية كان الأحرى به أن يكون الملكوت الأعلى.
وقوله عليه السلام: وكيف يحمل حملة العرش الله "الخ" تأكيد وتثبيت لأول الكلام: أن العرش هو مقام حمل وجود الأشياء وتقويمه، فحملة العرش محمولون له سبحانه لا حاملون كيف؟ ووجودهم وسير وجودهم يقوم به تعالى لا بأنفسهم، ولاعتباره عليه السلام هذا المقام الوجودي علماً عبر عن وجودهم وعن كمال وجودهم بالقلوب، ونور الاهتداء إلى معرفة الله إذ قال: وبحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته.
وفي التوحيد بإسناده عن حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العرش والكرسي فقال: إن للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كل سبب وضع في القرآن صفة على حدة فقوله: {رب العرش العظيم} يقول: رب الملك العظيم، وقوله: {الرحمان على العرش استوى} يقول: على الملك احتوى، وهذا علم الكيفوفية في الأشياء.
ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي لأنهما بابان من أكبر أبواب الغيوب وهما جميعاً غيبان، وهما في الغيب مقرونان لأن الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنها الأشياء كلها، والعرش هو الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والأين والمشية وصفة الإِرادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء.
فهما في العلم بابان مقرونان لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال: {رب العرش العظيم} أي صفته أعظم من صفة الكرسي، وهما في ذلك مقرونان.
قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي؟ قال عليه السلام: إنه صار جاره لأن علم الكيفوفية فيه وفيه الظاهر من أبواب البداء وإنيّتها وحد رتقها وفتقها فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف، وبمثل صرف العلماء، وليستدلوا على صدق دعواهما لأنه يختص برحمته من يشاء وهو القوي العزيز.
أقول: قوله عليه السلام: إن للعرش صفات كثيرة الخ، يؤيد ما ذكرناه سابقاً أن الاستواء على العرش لبيان اجتماع أزمة التدابير العالمية عند الله، ويؤيده ما في آخر الحديث من قوله: وبمثل صرف العلماء.
وقوله عليه السلام: "وهذا علم الكيفوفية في الأشياء" المراد به العلم بالعلل العالية والأسباب القصوى للموجودات فإن لفظ "كيف" عرفاً كما يسأل به عن العرض المسمى اصطلاحاً بالكيف كذلك يسأل به عن سبب الشيء ولمه، يقال: كيف وجد كذا؟ وكيف فعل زيد كذا وهو لا يستطيع؟.
وقوله عليه السلام: ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي "الخ" مراده أن العرش والكرسي واحد من حيث إنهما مقام الغيب الذي يظهر منه الأشياء وينزل منه إلى هذا العالم لكن العرش في الصلة الكلامية متميز من الكرسي لأن هذا المقام في نفسه ينقسم إلى مقامين وينشعب إلى بابين لكنهما مقرونان غير متبائنين: أحدهما الباب الظاهر الذي يلي هذا العالم، والآخر الباب الباطن الذي يليه ثم بينه بقوله: لأن الكرسي هو الباب الظاهر "الخ".
قوله عليه السلام: "لأن الكرسي هو الباب الظاهر الذي منه مطلع البدع ومنها الأشياء كلها" أي طلوع الأمور البديعة على غير مثال سابق، ومنها يتحقق الأشياء كلها لأن جميعها بديعة على غير مثال سابق، وهي إنما تكون بديعة إذا كانت مما لا يتوقع تحققها من الوضع السابق الذي كان أنتج الأمور السابقة على هذا الحادث التي تذهب هي ويقوم هذا مقامها فيؤول الأمر إلى البداء بإمحاء حكم سبب وإثبات حكم الآخر موضعه فجميع الوقائع الحادثة في هذا العالم المستندة إلى عمل الأسباب المتزاحمة والقوى المتضادة بدع حادثة وبداءات في الإِرادة.
وفوق هذه الأسباب المتزاحمة والإِرادات المتغائرة التي لا تزال تتنازع في الوجود سبب واحد وإرادة واحدة حاكمة لا يقع إلا ما يريده فهو الذي يحجب هذا السبب بذاك السبب ويغير حكم هذه الإِرادة ويقيد إطلاق تأثير كل شيء بغيره كمثل الذي يريد قطع طريق لغاية كذا فيأخذ في طيه، وبينما هو يطوي الطريق يقف أحياناً ليستريح زماناً، فعلة الوقوف ربما تنازع علة الطي والحركة وتوقفها عن العمل، والإِرادة تغير الإِرادة لكن هناك إرادة أُخرى هي التي تحكم على الإِرادتين جميعاً وتنظم العمل على ما تميل إليه بتقديم هذه تارة وتلك أُخرى والإِرادتان أعني سببي الحركة والسكون وإن كانت كل منهما تعمل لنفسها وعلى حدتها وتنازع صاحبتها لكنهما جميعاً متفقتان في طاعة الإِرادة التي هي فوقهما، ومتعاضدتان في إجراء ما يوجبه السبب الذي هو أعلى منهما وأسمى.
فالمقام الذي ينفصل به السببان المتنافيان وينشأ منه تنازعهما بمنزلة الكرسي، والمقام الذي يظهران فيه متلائمين متآلفين بمنزلة العرش، وظاهر أن الثاني أقدم من الأول وإنهما يختلفان بنوع من الإِجمال والتفصيل، والبطون والظهور.
وأحرى بالمقامين أن يسميا عرشاً وكرسياً لأن فيهما خواص عرش الملك وكرسيه فإن الكرسي: الذي يظهر فيه أحكام الملك من جهة عماله وأيديه العمالة، وكل منهم يعمل بحيال نفسه في نوع من أُمور المملكة وشؤونها وربما تنازعت الكراسي فيقدم حكم البعض على البعض ونسخ البعض حكم البعض، لكنها جميعاً تتوافق وتتحد في طاعة أحكام العرش وهو المختص بالملك نفسه فعنده الحكم المحفوظ عن تنازع الأسباب غير المنسوخ بنسخ العمال والأيدي، وفي عرشه إجمال جميع التفاصيل وباطن ما يظهر من ناحية العمال والأيدي.
وبهذا البيان يتضح معنى قوله عليه السلام: لأن الكرسي هو الباب الظاهر "الخ" فقوله: "منه مطلع البدع" أي طلوع الأمور الكونية غير المسبوقة بمثل، وقوله: "ومنها الأشياء كلها" أي تفاصيل الخلقة ومفرداتها المختلفة المتشتتة.
وقوله: "والعرش هو الباب الباطن" قبال كون الكرسي هو الباب الظاهر، والبطون والظهور فيهما باعتبار وقوع التفرق في الأحكام الصادرة وعدم وقوعه، وقوله يوجد فيه "الخ" أي جميع العلوم والصور التي تنتهي إلى إجمالها تفاصيل الأشياء.
وقوله: "علم الكيف" كأن المراد بالكيف خصوصية صدور الشيء عن أسبابه، وقوله: "والكون" المراد به تمام وجوده كما أن المراد بالعود والبدء أول وجودات الأشياء ونهايتها وقوله: "القدر والحد" المراد بهما واحد غير أن القدر حال مقدار الشيء بحسب نفسه، والحد حال الشيء بحسب إضافته إلى غيره ومنعه أن يدخل حومة نفسه ويمازجه، وقوله: "والأين" هو النسبة المكانية، وقوله: "والمشيئة وصفة الإِرادة" هما واحد ويمكن أن يكون المراد بالمشيئة أصلها وبصفة الإِرادة خصوصيتها.
وقوله: "وعلم الألفاظ والحركات والترك" علم الألفاظ هو العلم بكيفية انتشاء دلالة الألفاظ بارتباطها إلى الخارج بحسب الطبع فإن الدلالة الوضعية تنتهي بالآخرة إلى الطبع، وعلم الحركات والترك، العلم بالأعمال والتروك من حيث ارتباطها إلى الذوات ويمكن أن يكون المراد بمجموع قوله: "علم الألفاظ وعلم الحركات والترك" العلم بكيفية انتشاء اعتبارات الأوامر والنواهي من الافعال والتروك، وانتشاء اللغات من حقائقها المنتهية إلى منشأ واحد، والترك هو السكون النسبي في مقابل الحركات.
وقوله: "لأن علم الكيفوفية فيه" الضمير للعرش، وقوله: "وفيه الظاهر من أبواب البداء" الضمير للكرسي، والبداء ظهور سبب على سبب آخر وإبطاله أثره، وينطبق على جميع الأسباب المتغائرة الكونية من حيث تأثيرها.
وقوله عليه السلام: "فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف" المراد به على ما يؤيده البيان السابق أن العرش والكرسي جاران متناسبان بل حقيقة واحدة مختلفة بحسب مرتبتي الإِجمال والتفصيل: وإنما نسب إلى أحدهما أنه حمل الآخر بحسب صرف الكلام وضرب المثل، وبالأمثال تبين المعارف الدقيقة الغامضة للعلماء.
وقوله: "وليستدلوا على صدق دعواهما" أي دعوى العرش والكرسي أي وجعل هذا المثل ذريعة لأن يستدل العلماء بذلك على صدق المعارف الحقة الملقاة إليهم في كيفية انتشاء التدبير الجاري في العالم من مقامي الإِجمال والتفصيل والباطن والظاهر، فافهم ذلك.
وفي التوحيد بإسناده عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن قوله تعالى {وكان عرشه على الماء} الآية، فقال: ما يقولون؟ قيل: إن العرش كان على الماء والرب فوقه! فقال: كذبوا، من زعم هذا فقد صير الله محمولاً ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أن الشيء الذي يحمله هو أقوى منه. قال: إن الله حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون سماء أو أرض أو جن أو إنس أو شمس أو قمر.
أقول: وهو كسابقه في الدلالة على أن العرش هو العلم، والماء أصل الخلقة وكان العلم الفعلي متعلقاً به قبل ظهور التفاصيل.
وفي الاحتجاج عن علي عليه السلام: أنه سئل عن بعد ما بين الأرض والعرش. فقال: قول العبد مخلصاً: لا إله إلا الله.
أقول: وهو من لطائف كلامه عليه السلام أخذه من قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}.
ووجهه أن العبد إذا نفى عن غيره تعالى الالوهية بإخلاص الالوهية والاستقلال له تعالى أوجب ذلك نسيان غيره، والتوجه إلى مقام استناد كل شيء إليه تعالى، وهذا هو مقام العرش على ما مر بيانه.
ونظيره في اللطافة قوله عليه السلام قد سئل عن بعد ما بين الأرض والسماء: مد البصر ودعوة المظلوم.
وفي الفقيه و المجالس العلل للصدوق: روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل لم سمي الكعبة كعبة؟ قال: لأنها مربعة فقيل له: ولم صارت مربعة؟ قال: لأنها بحذاء البيت المعمور وهو مربع. فقيل له: ولم صار البيت المعمور مربعاً؟ قال: لأنه بحذاء العرش وهو مربع، فقيل له: ولم صار العرش مربعاً؟ قال: لأن الكلمات التي بني عليها الإِسلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. الحديث.
أقول: وهذه الكلمات الأربع أُولاها: تتضمن التنزيه والتقديس والثانية التشبيه والثناء، والثالثة التوحيد الجامع بين التنزيه والتشبيه، والرابعة: التوحيد الأعظم المختص بالإِسلام، وهو أن الله سبحانه أكبر من أن يوصف فإن الوصف تقييد وتحديد وهو تعالى أجل من أن يحده حد ويقيده قيد وقد تقدم نبذه من الكلام فيه في تفسير قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} الآية.
وبالجملة يرجع المعنى إلى تفسيره بالعلم على ما مر والروايات المختلفة في هذا المعنى كثيرة كما ورد أن آية الكرسي وآخر البقرة وسورة محمد من كنوز العرش وما ورد أن ص نهر يخرج من ساق العرش، وما ورد أن الأفق المبين قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد فيه من القدحان عدد النجوم.
وفي تفسير القمي عن عبد الرحيم الأقصر عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن {ن والقلم} قال: إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها: الخلد، ثم قال لنهر في الجنة: كن مداداً فجمد النهر، وكان أشد بياضاً من الثلج وأحلى من الشهد. ثم قال للقلم: اكتب. قال: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب القلم في رق أشد بياضاً من الفضة وأصفى من الياقوت ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم على فم القلم فلم ينطق بعد، ولا ينطق أبداً فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها (الحديث). وسيجيء تمامه في سورة ن إن شاء الله تعالى.
أقول: وفي معناها روايات أُخر، وفي بعضها لما استزاد الراوي بياناً وأصر عليه قال عليه السلام: القلم ملك واللوح ملك، فبين بذلك أن ما وصفه تمثيل من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لتفهيم الغرض.
وفي كتاب روضة الواعظين عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: في العرش تمثال ما خلق الله في البر والبحر. قال: وهذا تأويل قوله: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}.
أقول: أي وجود صور الأشياء وتماثيلها في العرش هو الحقيقة التي يبتنى عليها بيان الآية، وقد تقدم توضيح معنى وجود صور الأشياء في العرش، وفي معنى هذه الرواية ما ورد في تفسير دعاء "يا من أظهر الجميل".
وفيه أيضاً عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام في حديث: وإن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة.
أقول: والجملة الأخيرة مما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق الشيعة وأهل السنة، والذي ذكره عليه السلام بناء على ما تقدم تمثيل، ونظائره كثيرة في رواياتهم عليهم السلام.
ومن الدليل عليه إن ما وصف في الرواية من عظم العرش بأي حساب فرض يوجد من الدوائر التي ترسمها الأشعة النورية ما هي أعظم منه بكثير فليس التوصيف إلا لتقريب المعقول من الحس.
وفي العلل عن علل محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام: علة الطواف بالبيت أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فردوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا فأحب الله عز وجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش يسمى "الضراح" ثم وضع في السماء الدنيا بيتاً يسمى "البيت المعمور" بحذاء الضراح ثم وضع البيت بحذاء البيت المعمور ثم أمر آدم فطاف به فجرى في ولده إلى يوم القيامة. الحديث.
أقول: الحديث لا يخلو عن الغرابة من جهات، وكيف كان فبناء على تفسير العرش بالعلم يكون معنى لواذ الملائكة بالعرش هو اعترافهم بالجهل وإرجاع العلم إليه سبحانه حيث قالوا: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} وقد مر الكلام في هذه القصة في أوائل سورة البقرة. وفي الرواية ذكر الضراح والبيت المعمور في السماء ومعظم الروايات تذكر في السماء بيتاً واحداً وهو البيت المعمور في السماء الرابعة، وفيها إثبات الذنب للملائكة وهم معصومون بنص القرآن، ولعل المراد من العلم بالذنب العلم بنوع من القصور.
وأما كون الكعبة بحذاء البيت المعمور فالظاهر أنه محاذاة معنوية لا حسية جسمانية، ومن الشاهد عليه قوله: "فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش" إذ المحصل من القرآن والحديث أن العرش والكرسي محيطان بالسماوات والأرض، ولا يتحقق معنى المحاذاة بين المحيط والمحاط إذا كانت الإحاطة جسمانية.
وفي الخصال عن الصادق عليه السلام: أن حملة العرش أحدهم على صورة ابن آدم يسترزق الله لولد آدم. والثاني على صورة الديك يسترزق الله الطير، والثالث على صورة الأسد يسترزق الله للسباع، والرابع على صورة الثور يسترزق الله للبهائم، ونكس الثور رأسه منذ عبد بنو إسرائيل العجل فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية. الخبر.
أقول: والأخبار فيما يقرب من هذا المعنى كثيرة متظافرة، وفي بعضها عد الأربع حملة للكرسي، وهو الخبر الوحيد الذي يذكر للكرسي حملة - فيما عثرنا عليه - وقد أوردناها في تفسير آية الكرسي في سورة البقرة.
وفي حديث آخر: حملة العرش ثمانية أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين: فأما الأربعة من الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأما الأربعة من الآخرين: فمحمد وعلي والحسن والحسين عليهم السلام.
أقول: بناء على تفسير العرش بالعلم لا ضير في أن تعد أربعة من الملائكة حملة له ثم تعد عدة من غيرهم حملة له.
والروايات في العرش كثيرة متفرقة في الأبواب، وهي تؤيد ما مر من تفسيره بالعلم وما له ظهور ما في الجسمية منها، مفسرة بما تقدم وأما كون العرش جسماً في هيئة السرير موضوعاً على السماء السابعة فمما لا يدل عليه حديث يعبأ بأمره بل من الروايات ما يكذبه كالرواية الأولى المتقدمة.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} الآية قال: قال عليه السلام: في ستة أوقات.
وفي تفسير البرهان صاحب ثاقب المناقب أسنده إلى أبي هاشم الجعفري عن محمد بن صالح الارمني قال: قلت لأبي محمد العسكري عليه السلام عرفني عن قول الله: {لله الأمر من قبل ومن بعد} فقال: لله الأمر من قبل أن يأمر ومن بعد أن يأمر ما يشاء، فقلت في نفسي هذا تأويل قول الله: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} فأقبل علي وقال: هو كما أسررت في نفسك: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
أقول: معناه أن قوله: {ألا له الخلق والأمر} يفيد إطلاق الملك قبل الصدور وبعده لا كمثلنا حيث نملك الأمر - فيما نملك - قبل الصدور فإذا صدر خرج عن ملكنا واختيارنا.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
أقول: المراد من الكفر بالعجب هو الكفر بالنعمة أو بكون الحسنات لله على ما يدل عليه القرآن، والمراد بنفي كون شيء من الأمر للعباد نفي الجعل بنحو الإِستقلال دون التبعي من الملك والأمر.
وفي الكافي بإسناده عن ميسر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت قول الله عز وجل {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} قال: فقال: يا ميسر إن الأرض كانت فاسدة فأحياها الله عز وجل بنبيه، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن ميسر عن أبي عبد الله عليه السلام مرسلاً.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال:
"قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها بقية فبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أُخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به" .